Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 61–70 of 176

61

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًۭا

And when it is said to them, "Come to what Allah has revealed and to the Messenger," you see the hypocrites turning away from you in aversion.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْـزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [٦١]

﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: إلى حُكْمِ ما أنْزَلَ اللَّهُ في القُرْآنِ الَّذِي تَدَّعُونَ الإيمانَ بِهِ ﴿وإلى الرَّسُولِ﴾ أيْ: حُكْمِهِ ﴿رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَ خُصُومَهم فَيُبْعِدُونَهم ﴿عَنْكَ صُدُودًا﴾ بَلِيغًا؛ لِيَتَمَكَّنُوا مِمّا يُرِيدُونَهُ بِالرِّشْوَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ﴾ إلَخْ تَكْمِلَةٌ لِمادَّةِ التَّعْجِيبِ بِبَيانِ إعْراضِهِمْ صَرِيحًا عَنِ التَّحاكُمِ إلى كِتابِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ إثْرَ بَيانِ إعْراضِهِمْ عَنْ ذَلِكَ في ضِمْنِ التَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ، وإظْهارُ (المُنافِقِينَ) في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالنِّفاقِ، وذَمِّهِمْ بِهِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.

* *

تَنْبِيهٌ: في سَبَبِ نُزُولِها

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أبُو بَرْزَةَ الأسْلَمِيُّ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ فِيما يَتَنافَرُونَ فِيهِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا﴾ [النساء: ٦٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢]

أقُولُ: ثُمَّ أسْلَمَ أبُو بَرْزَةَ وصَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ واسْمُهُ نَضْلَةُ بْنُ عُبَيْدٍ.

قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في التَّقْرِيبِ: صَحابِيٌّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، أسْلَمَ قَبْلَ الفَتْحِ، وغَزا سَبْعَ غَزَواتٍ، ثُمَّ نَزَلَ البَصْرَةَ، وغَزا خُراسانَ وماتَ بِها سَنَةَ خَمْسٍ وسِتِّينَ عَلى الصَّحِيحِ. انْتَهى.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، أوْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الجُلاسُ بْنُ الصّامِتِ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، ورافِعُ بْنُ زَيْدٍ، وبَشَرٌ - يَدَّعُونَ الإسْلامَ، فَدَعاهم رِجالٌ مِن قَوْمِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ في خُصُومَةٍ كانَتْ بَيْنَهم إلى الرَّسُولِ ﷺ فَدَعَوْهم إلى الكُهّانِ حُكّامِ الجاهِلِيَّةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء: ٦٠] الآيَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: كانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ ورَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ خُصُومَةٌ فَقالَ اليَهُودِيُّ: أُحاكِمُكَ إلى أهْلِ دِينِكَ، أوْ قالَ: إلى النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ في الحُكْمِ، فاخْتَلَفا، واتَّفَقا عَلى أنْ يَأْتِيا كاهِنًا في جُهَيْنَةَ، فَنَزَلَتْ، ولا تَعارُضَ لِما أسْلَفْناهُ في المُقَدِّمَةِ في بَحْثِ سَبَبِ النُّزُولِ، فَتَذَكَّرْ.

قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مُنافِقًا مِن أهْلِ الكِتابِ، مِثْلُ: إنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا فَأظْهَرَ الإسْلامَ عَلى سَبِيلِ النِّفاقِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [النساء: ٦٠] إنَّما يَلِيقُ بِمِثْلِ هَذا المُنافِقِ. انْتَهى.

أقُولُ: ما اسْتَظْهَرَهُ مُنافٍ لِما أسْلَفْناهُ مِمّا رُوِيَ في نُزُولِها، عَلى أنَّ تَوْصِيفَهم بِالإيمانِ بِـ(ما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ) لا يُؤَيِّدُ ما ذَكَرَهُ؛ لِأنَّ هَذا كَثِيرًا ما يُذْكَرُ تَنْوِيهًا بِهِ وتَثْبِيتًا لِرُكْنِيَّتِهِ في الإيمانِ، وتَذْكِيرًا لَهُ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن سَبَرَ قاعِدَةَ التَّنْزِيلِ في أمْثالِهِ، فاعْرِفْهُ.

مَباحِثُ

الأوَّلُ: قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ إنْكارٌ مِنَ …

62

فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَٰنًۭا وَتَوْفِيقًا

So how [will it be] when disaster strikes them because of what their hands have put forth and then they come to you swearing by Allah, "We intended nothing but good conduct and accommodation."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ [٦٢]

﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، مُبَيِّنٌ غائِلَةَ جِناياتِهِمُ المَحْكِيَّةِ ووَخامَةَ عاقِبَتِها، أيْ: كَيْفَ يَكُونُ حالُهم إذا ساقَتْهُمُ التَّقادِيرُ إلَيْكَ، في مَصائِبَ تَطْرُقُهم بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي مِنها المُحاكَمَةُ إلى الطّاغُوتِ والكَراهَةُ لِحُكْمِكَ، واحْتاجُوا إلَيْكَ في ذَلِكَ.

﴿ثُمَّ جاءُوكَ﴾ لِلِاعْتِذارِ عَمّا صَنَعُوا مِنَ القَبائِحِ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ كَذِبًا ﴿إنْ أرَدْنا﴾ أيْ: ما أرَدْنا بِذَلِكَ التَّحاكُمِ ﴿إلا إحْسانًا﴾ أيْ: فَصْلًا بِالوَجْهِ الحَسَنِ ﴿وتَوْفِيقًا﴾ بِالصُّلْحِ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ، ولَمْ نُرِدْ مُخالَفَةً لَكَ ولا تَسَخُّطًا لِحُكْمِكَ، فَلا تُؤاخِذْنا بِما فَعَلْنا، وهَذا وعِيدٌ لَهم عَلى ما فَعَلُوا، وأنَّهم سَيَنْدَمُونَ عَلَيْهِ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، ولا يُغْنِي عَنْهُمُ الِاعْتِذارُ.

قالَ الرّازِيُّ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: إنَّ المُرادَ مِنهُ قَتْلُ عُمَرَ صاحِبَهُمُ الَّذِي أقَرَّ أنَّهُ لا يَرْضى بِحُكْمِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَهم جاؤُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ- فَطالَبُوا عُمَرَ بِدَمِهِ، وحَلَفُوا أنَّهم ما أرادُوا بِالذَّهابِ إلى غَيْرِ الرَّسُولِ إلّا المَصْلَحَةَ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

قُلْتُ: واخْتِيارُهُ غَيْرُ مُخْتارٍ؛ لِأنَّ قِصَّةَ قَتْلِ عُمَرَ لَمْ تُرْوَ مِن طَرِيقٍ صَحِيحٍ ولا حَسَنٍ، فَهي ساقِطَةٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، واسْتِدْلالُ الحاكِمِ - الَّذِي قَدَّمْناهُ – مُسَلَّمٌ لَوْ صَحَّتْ.

الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِن هَذِهِ المُصِيبَةِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن أنَّهُ لا يَسْتَصْحِبُهم في الغَزَواتِ، وأنَّهُ يَخُصُّهم بِمَزِيدٍ مِنَ الإذْلالِ والطَّرْدِ عَنْ حَضْرَتِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٠] ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلا﴾ [الأحزاب: ٦١] [الأحْزابِ: ٦٠ - ٦١] وقَوْلُهُ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] [التَّوْبَةِ: مِنَ الآيَةِ ٨٣] وبِالجُمْلَةِ فَأمْثالُ هَذِهِ الآياتِ تُوجِبُ لَهُمُ الذُّلَّ العَظِيمَ، فَكانَتْ مَعْدُودَةً في مَصائِبِهِمْ، وإنَّما يُصِيبُهم ذَلِكَ لِأجْلِ نِفاقِهِمْ.

الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم رَغِبُوا في حُكْمِ الطّاغُوتِ وكَرِهُوا حُكْمَ الرَّسُولِ بَشَّرَ الرَّسُولَ ﷺ أنَّهُ سَتُصِيبُهم مَصائِبُ تُلْجِئُهم إلَيْهِ وإلى أنْ يُظْهِرُوا لَهُ الإيمانَ بِهِ، وإلى أنْ يَحْلِفُوا بِأنَّ مُرادَهُمُ الإحْسانُ والتَّوْفِيقُ، قالَ: ومِن عادَةِ العَرَبِ عِنْدَ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ أنْ يَقُولُوا: كَيْفَ أنْتَ إذا كانَ كَذا وكَذا؟ ومِثالُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٤١] وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] [آلِ عِمْرانَ: مِنَ الآيَةِ ٢٥] ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى إذا كانَ مِنهم ذَلِكَ أنْ يُعْرِضَ عَنْهم ويَعِظَهُمُ. انْتَهى.

63

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًۭا

Those are the ones of whom Allah knows what is in their hearts, so turn away from them but admonish them and speak to them a far-reaching word.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا﴾ [٦٣]

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُنافِقِينَ ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ النِّفاقِ والمَيْلِ إلى الباطِلِ وإنْ أظْهَرُوا إسْلامَهم وعُذْرَهم بِحَلِفِهِمْ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: لا تُعاقِبْهم لِمَصْلَحَةٍ في اسْتِبْقائِهِمْ ولا تَزِدْ عَلى كَفِّهِمْ بِالمَوْعِظَةِ والنَّصِيحَةِ عَمّا هم عَلَيْهِ ﴿وعِظْهُمْ﴾ أيِ: ازْجُرْهم عَمّا في قُلُوبِهِمْ مِنَ النِّفاقِ وسَرائِرِ الشَّرِّ ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا﴾ أيْ: مُؤَثِّرًا واصِلًا إلى كُنْهِ المُرادِ.

فَإنْ قِيلَ: بِمَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ ؟ فالجَوابُ: بِقَوْلِهِ: ﴿بَلِيغًا﴾ عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُ تَقْدِيمَ مَعْمُولِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، أيْ: قُلْ لَهم قَوْلًا بَلِيغًا في أنْفُسِهِمْ مُؤَثِّرًا في قُلُوبِهِمْ يَغْتَمُّونَ بِهِ اغْتِمامًا، ويَسْتَشْعِرُونَ مِنهُ الخَوْفَ اسْتِشْعارًا، وهو التَّوَعُّدُ بِالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ إنْ نَجَمَ مِنهُمُ النِّفاقُ وأطْلَعَ قَرْنَهُ، وأخْبِرْهم أنَّ ما في نُفُوسِهِمْ مِنَ الدَّغَلِ والنِّفاقِ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَكم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، وما هَذِهِ المُكافَّةُ إلّا لِإظْهارِكُمُ الإيمانَ وإسْرارِكُمُ الكُفْرَ وإضْمارِهِ، فَإنْ فَعَلْتُمْ ما تَكْشِفُونَ بِهِ غِطاءَكم لَمْ يَبْقَ إلّا السَّيْفُ.

أوْ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لَهُمْ﴾ أيْ: قُلْ لَهم في مَعْنى أنْفُسِهِمُ الخَبِيثَةِ وقُلُوبِهِمُ المَطْوِيَّةِ عَلى النِّفاقِ قَوْلًا بَلِيغًا، وإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكُمْ، لا يَخْفى عَلَيْهِ، فَلا يُغْنِي عَنْكم إبْطانُهُ فَأصْلِحُوا أنْفُسَكم وطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ، وداوُوها مِن مَرَضِ النِّفاقِ، وإلّا أنْزَلَ اللَّهُ بِكم ما أنْزَلَ بِالمُجاهِرِينَ بِالشِّرْكِ مِنِ انْتِقامِهِ، وشَرًّا مِن ذَلِكَ وأغْلَظَ، أوْ قُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ خالِيًا بِهِمْ - لَيْسَ مَعَهم غَيْرُهم - مُسارًّا لَهم بِالنَّصِيحَةِ؛ لِأنَّها في السِّرِّ أنْجَعُ وفي الإمْحاضِ أدْخَلُ: ﴿قَوْلا بَلِيغًا﴾ يَبْلُغُ مِنهم ويُؤَثِّرُ فِيهِمْ، كَذا يُسْتَفادُ مِنَ الكَشّافِ.

قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ" ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ شاهِدٌ عَلى الصِّحَّةِ.

أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ حاصِلَهُ أمْرُهُ بِتَهْدِيدِهِمْ عَلى وجْهِ مَبْلَغِ صَمِيمِ قُلُوبِهِمْ، وسِياقُ التَّهْدِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٢] يَشْهَدُ لَهُ، فَإنَّهُ أخْبَرَ بِما سَيَقَعُ لَهم عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ.

وأمّا الثّانِي: فَيُلائِمُهُ مِنَ السِّياقِ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ يَعْنِي ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الخُبْثِ والمَكْرِ والحِيَلِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِوَعْظِهِمْ والإعْراضِ عَنْ جَرائِمِهِمْ حَتّى لا تَكُونَ مُؤاخَذَتُهم بِها مانِعَةً مِن نُصْحِهِمْ ووَعْظِهِمْ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا﴾ كالشَّرْحِ لِلْوَعْظِ ولِذِكْرِ أهَمِّ ما يَعِظُهم فِيهِ، وتِلْكَ نُفُوسُهُمُ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ المَذامِّ، وعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ الوَعْظَ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ.

وأمّا الثّالِثُ: فَيَشْهَدُ لَهُ سِيرَتُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في كَتْمِ عِنادِ المُنافِقِينَ، والتَّجافِي عَنْ إفْصاحِهِمْ، والسَّتْرِ عَلَيْهِمْ، حَتّى عُدَّ حُذَيْفَةُ - رَضِيَ …

64

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًۭا

And We did not send any messenger except to be obeyed by permission of Allah. And if, when they wronged themselves, they had come to you, [O Muhammad], and asked forgiveness of Allah and the Messenger had asked forgiveness for them, they would have found Allah Accepting of repentance and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ [٦٤]

﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، جِيءَ بِهِ تَمْهِيدًا لِبَيانِ خُطَّتِهِمْ في تَرْكِ طاعَةِ الرَّسُولِ، والِاشْتِغالِ بِسِرِّ جِنايَتِهِمْ بِالِاعْتِذارِ بِالأباطِيلِ وعَدَمِ تَلافِيها بِالتَّوْبَةِ، أيْ: وما أرْسَلْنا رَسُولًا إلّا لِيُطاعَ فِيما حَكَمَ، لا لِيَطْلُبَ الحُكْمَ مِن غَيْرِهِ، فَطاعَتُهُ فَرْضٌ عَلى مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، وإنْكارُ فَرْضِيَّتِها كُفْرٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ إذْنِهِ في طاعَتِهِ، وبِأنَّهُ أمْرُ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ بِأنْ يُطِيعُوهُ ويَتَّبِعُوهُ، لِأنَّهُ مُؤَدٍّ عَنِ اللَّهِ فَطاعَتُهُ طاعَةُ اللَّهِ ومَعْصِيَتُهُ مَعْصِيَةُ اللَّهِ ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: بِتَيْسِيرِ اللَّهِ وتَوْفِيقِهِ في طاعَتِهِ.

﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ هَذا الظُّلْمَ العَظِيمَ غايَةَ العِظَمِ، إذْ عَرَّضُوها لِعَذابٍ عَلى عَذابِ النِّفاقِ بِتَرْكِ طاعَتِكَ والتَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ.

﴿جاءُوكَ﴾ تائِبِينَ مِنَ النِّفاقِ مُتَنَصِّلِينَ عَمّا ارْتَكَبُوا ﴿فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ مِن ذَلِكَ وتابُوا إلَيْهِ تَعالى مِن صَنِيعِهِمْ: ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ أيْ: دَعا لَهم بِالمَغْفِرَةِ، فَكانَ اسْتِغْفارُهُ شَفاعَةً لِقَبُولِ اسْتِغْفارِهِمْ ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا﴾ أيْ: قابِلًا لِتَوْبَتِهِمْ ﴿رَحِيمًا﴾ أيْ: مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ وراءَ قَبُولِ التَّوْبَةِ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمْ يَقِلْ: واسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ، وعَدَلَ عَنْهُ إلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ؛ تَفْخِيمًا لِشَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَعْظِيمًا لِاسْتِغْفارِهِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ شَفاعَةَ مَنِ اسْمُهُ الرَّسُولُ مِنَ اللَّهِ بِمَكانٍ.

قالَ في "الِانْتِصافِ": وفي هَذا النَّوْعِ مِنَ الِالتِفاتِ خُصُوصِيَّةٌ، وهي اشْتِمالُهُ عَلى ذِكْرِ صِفَةٍ مُناسِبَةٍ لِما أُضِيفَ إلَيْهِ، وذَلِكَ زائِدٌ عَلى الِالتِفاتِ بِذِكْرِ الأعْلامِ الجامِدَةِ.

* *

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ تَوْبَةَ المُنافِقِ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ اللَّهِ وِفاقًا، وأمّا الظّاهِرُ فَظاهِرُ الآيَةِ قَبُولُها؛ لِأنَّهُ جَعَلَ النَّبِيَّ ﷺ مُسْتَغْفِرًا لَهم وشافِعًا.

وعَنِ الرّاضِي بِاللَّهِ في (الباطِنِيَّةِ): إنْ أظْهَرُوا شُبَهَهم وما يَعْتادُونَ كَتْمَهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلى صِدْقِ تَوْبَتِهِمْ، فَيُقْبَلُ وإلّا فَلا، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَن تَكَرَّرَتْ مِنهُ المَعْصِيَةُ والتَّوْبَةُ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَوّابًا﴾ وذَلِكَ يُنْبِئُ عَنِ التَّكْرارِ، كَذا في بَعْضِ التَّفاسِيرِ.

الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ألَيْسَ لَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وتابُوا عَلى وجْهٍ صَحِيحٍ لَكانَتْ تَوْبَتُهم مَقْبُولَةً؟ فَما الفائِدَةُ في ضَمِّ اسْتِغْفارِ الرَّسُولِ إلى اسْتِغْفارِهِمْ: قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغُوتِ كانَ مُخالَفَةً لِحُكْمِ اللَّهِ، وكانَ أيْضًا إساءَةً إلى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومَن كانَ ذَنْبُهُ كَذَلِكَ وجَبَ عَلَيْهِ الِاعْتِذارُ عَنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ لِغَيْرِهِ، فَلِهَذا المَعْنى وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَطْلُبُوا مِنَ الرَّسُولِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم. …

65

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًۭا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًۭا

But no, by your Lord, they will not [truly] believe until they make you, [O Muhammad], judge concerning that over which they dispute among themselves and then find within themselves no discomfort from what you have judged and submit in [full, willing] submission.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [٦٥]

﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ في السِّرِّ ولا يَسْتَحِقُّونَ اسْمَ الإيمانِ في السِّرِّ ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ﴾ يَجْعَلُوكَ حاكِمًا ويَتَرافَعُوا إلَيْكَ ﴿فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: فِيما اخْتَلَفَ بَيْنَهم مِنَ الأُمُورِ والتَبَسَ ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ في قُلُوبِهِمْ ﴿حَرَجًا﴾ أيْ: ضِيقًا ﴿مِمّا قَضَيْتَ﴾ بَيْنَهم ﴿ويُسَلِّمُوا﴾ أيْ: يَنْقادُوا لِأمْرِكَ ويُذْعِنُوا لِحُكْمِكَ ﴿تَسْلِيمًا﴾ تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ بِمَنزِلَةِ تَكْرِيرِهِ، أيْ: تَسْلِيمًا تامًّا بِظاهِرِهِمْ وباطِنِهِمْ مِن غَيْرِ مُمانَعَةٍ ولا مُدافَعَةٍ ولا مُنازَعَةٍ، كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى يَكُونَ هَواهُ تَبَعًا لِما جِئْتُ بِهِ» .

* *

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: رَوى البُخارِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ قالَ: «خاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا في شِراجِ الحَرَّةِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ فَقالَ الأنْصارِيُّ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتّى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ» .

واسْتَوْعى النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ في صَرِيحِ الحُكْمِ حِينَ أحْفَظَهُ الأنْصارِيُّ، وكانَ أشارَ عَلَيْهِما بِأمْرٍ لَهُما فِيهِ سَعَةٌ.

قالَ الزُّبَيْرُ: فَما أحْسَبُ هَذا الآياتِ إلّا نَزَلَتْ في ذَلِكَ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَكَذا رَواهُ البُخارِيُّ في (كِتابِ التَّفْسِيرِ) في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ مَعْمَرٍ، وفي كِتابِ (المُساقاةِ) مِن حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ ومَعْمَرٍ أيْضًا، وفي كِتابِ (الصُّلْحِ) مِن حَدِيثِ شُعَيْبِ بْنِ أبِي حَمْزَةَ، ثَلاثَتُهم عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ فَذَكَرَهُ، وصُورَتُهُ الإرْسالُ وهو مُتَّصِلٌ في المَعْنى، وقَدْ رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ مِن هَذا الوَجْهِ فَصَرَّحَ بِالإرْسالِ فَقالَ: حَدَّثَنا أبُو اليَمانِ، أخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ «أنَّ الزُّبَيْرَ كانَ يُحَدِّثُ أنَّهُ كانَ يُخاصِمُ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ - قَدْ شَهِدَ بَدْرًا - إلى النَّبِيِّ ﷺ في شِراجِ الحَرَّةِ، كانَ يَسْتَقِيانِ بِها كِلاهُما، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ فَغَضِبَ الأنْصارِيُّ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ الماءَ، حَتّى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ» .

فاسْتَوْعى النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ أشارَ عَلى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أرادَ فِيهِ سَعَةً لَهُ ولِلْأنْصارِيِّ، فَلَمّا أحْفَظَ الأنْصارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَوْعى النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ في صَرِيحِ الحُكْمِ.

قالَ عُرْوَةُ: فَقالَ الزُّبَيْرُ: واللَّهِ! ما أحْسَبُ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ إلّا في ذَلِكَ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾

(هَكَذا رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وهو مُنْقَطِعٌ بَيْنَ عُرْوَةَ وبَيْنَ أبِيهِ الزُّبَيْرِ فَإنَّهُ لَمْ …

66

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُوا۟ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌۭ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًۭا

And if We had decreed upon them, "Kill yourselves" or "Leave your homes," they would not have done it, except for a few of them. But if they had done what they were instructed, it would have been better for them and a firmer position [for them in faith].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [٦٦]

﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ قالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ المُنافِقِينَ وتَرْغِيبِهِمْ في الإخْلاصِ وتَرْكِ النِّفاقَ، والمَعْنى: إنّا لَوْ شَدَّدْنا التَّكْلِيفَ عَلى النّاسِ نَحْوُ أنْ نَأْمُرَهم بِالقَتْلِ والخُرُوجِ عَنِ الأوْطانِ لَصَعُبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ولَما فَعَلَهُ إلّا الأقَلُّونَ، وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ كُفْرُهم وعِنادُهُمْ، فَلَمّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ؛ رَحْمَةً مِنّا عَلى عِبادِنا، بَلِ اكْتَفَيْنا بِتَكْلِيفِهِمْ في الأُمُورِ السَّهْلَةِ، فَلْيَقْبَلُوها بِالإخْلاصِ، ولْيَتْرُكُوا التَّمَرُّدَ والعِنادَ، حَتّى يَنالُوا خَيْرَ الدّارِينَ. انْتَهى.

ونَقَلَهُ فِيما بَعْدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلَيْهِ فَمَرْجِعُ الضَّمِيرِ في (عَلَيْهِمْ) إلى المُنافِقِينَ، وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ، وهو عَوْدُهُ إلى النّاسِ كافَّةً، ويَكُونُ المُرادُ بِـ(القَلِيلِ) المُؤْمِنِينَ، وأمّا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا﴾ فَهو مُخْتَصٌّ بِالمُنافِقِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ أوَّلُ الآيَةِ عامًّا وآخِرُها خاصًّا، قَرَّرَهُ الرّازِيُّ.

رَوى ابْنُ جُرَيْجٍ بِسَنَدِهِ إلى أبِي إسْحاقَ السَّبِيعِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ رَجُلٌ: لَوْ أُمِرْنا لَفَعَلْنا، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّ مِن أُمَّتِي لَرِجالًا الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي» ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ نَحْوَهُ.

وأسْنَدَ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: افْتَخَرَ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ ورَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: واللَّهِ لَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْنا القَتْلَ فَقَتَلْنا أنْفُسَنا، فَقالَ ثابِتٌ: واللَّهِ لَوْ كُتِبَ عَلَيْنا أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم لَفَعَلْنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وأسْنَدَ أيْضًا عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ نَزَلَتْ لَكانَ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ مِنهم».

وأسْنَدَ أيْضًا عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: «لَمّا تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ أشارَ بِيَدِهِ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ فَقالَ: لَوْ أنَّ اللَّهَ كَتَبَ ذَلِكَ لَكانَ هَذا مِن أُولَئِكَ القَلِيلِ».

* *

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أرادَ حَقِيقَةَ القَتْلِ والخُرُوجِ مِنَ الدِّيارِ، وقِيلَ: أرادَ التَّعَرُّضَ لِلْقَتْلِ بِالجِهادِ، وأرادَ الهِجْرَةَ بِالخُرُوجِ مِنَ الدِّيارِ، والمَعْنى: لَوْ أُمِرَ المُنافِقُونَ كَما أُمِرَ المُؤْمِنُونَ ما فَعَلُوهُ. انْتَهى.

والقَوْلُ الثّانِي بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لا يُعْدَلُ عَنِ الحَقِيقَةِ إلّا لِضَرُورَةٍ، ولِمُنافاتِهِ لِلْآثارِ المَذْكُورَةِ الصَّرِيحَةِ في الأوَّلِ.

الثّانِي: الضَّمِيرُ في (فَعَلُوهُ) لِلْمَكْتُوبِ الشّامِلِ لِلْقَتْلِ والخُرُوجِ، لِدَلالَةِ (كَتَبْنا) عَلَيْهِ، أوْ هو عائِدٌ عَلى أحَدِ مَصْدَرَيِ الفِعْلَيْنِ، قالَ الخَفاجِيُّ: ولِلْعَطْفِ بِـ(أوْ) لَزِمَ تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ. انْتَهى.

أقُولُ: ذَكَرَ الشَّيْخُ خالِدٌ في "التَّصْرِيحِ" أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرِ في العَطْفِ بِـ(أوْ) رَأْيُ البَصْرِيِّينَ، …

67

وَإِذًۭا لَّءَاتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًۭا

And then We would have given them from Us a great reward.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ [٦٧]

﴿وإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا﴾ أيْ: مِن عِنْدِنا ﴿أجْرًا﴾ أيْ: ثَوابًا ﴿عَظِيمًا﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ.

68

وَلَهَدَيْنَٰهُمْ صِرَٰطًۭا مُّسْتَقِيمًۭا

And We would have guided them to a straight path.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [٦٨]

﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أيْ: لَثَبَّتْناهم في الدُّنْيا عَلى دِينٍ قَوِيمٍ نَرْتَضِيهِ، وهو الإسْلامُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى فَضْلَ الطّاعَةِ وأنَّ ثَمَرَتَها مُرافَقَةُ أقْرَبِ عِبادِ اللَّهِ إلى اللَّهِ وأرْفَعِهِمْ دَرَجاتٍ عِنْدَهُ، فَقالَ:

69

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّۦنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَٰٓئِكَ رَفِيقًۭا

And whoever obeys Allah and the Messenger - those will be with the ones upon whom Allah has bestowed favor of the prophets, the steadfast affirmers of truth, the martyrs and the righteous. And excellent are those as companions.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [٦٩]

﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ المُنْعَمَ بِهِ إشْعارًا بِقُصُورِ العِبارَةِ عَنْ تَفْصِيلِهِ وبَيانِهِ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الَّذِينَ أنْبَأهُمُ اللَّهُ أكْمَلَ الِاعْتِقاداتِ والأحْكامِ، وأمَرَهم بِإنْبائِها الخَلْقَ، كُلًّا بِمِقْدارِ اسْتِعْدادِهِ ﴿والصِّدِّيقِينَ﴾ (جَمْعُ صِدِّيقٍ) وهو المُبالِغُ في صِدْقِ ظاهِرِهِ بِالمُعامَلَةِ، وباطِنِهِ بِالمُراقَبَةِ، أوِ الَّذِي يَصْدُقُ قَوْلُهُ بِفِعْلِهِ كَذا في "المَدارِكِ".

قالَ الرّازِيُّ: لِلْمُفَسِّرِينَ (فِي الصِّدِّيقِ) وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن صَدَّقَ بِكُلِّ الدِّينِ لا يَتَخالَجُهُ فِيهِ شَكٌّ فَهو صِدِّيقٌ، والدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] [الحَدِيدِ: مِنَ الآيَةِ ١٩].

الثّانِي: قالَ قَوْمٌ: الصِّدِّيقُونَ أفاضِلُ أصْحابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

الثّالِثُ: أنَّ الصِّدِّيقَ اسْمٌ لِمَن سَبَقَ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَصارَ في ذَلِكَ قُدْوَةً لِسائِرِ النّاسِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أوْلى الخَلْقِ بِهَذا الوَصْفِ، ثُمَّ جَوَّدَ الرّازِيُّ الكَلامَ في سَبْقِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى التَّصْدِيقِ، وفي كَوْنِهِ صارَ قُدْوَةً لِلنّاسِ في ذَلِكَ، فانْظُرْهُ.

﴿والشُّهَداءِ﴾ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ﴿والصّالِحِينَ﴾ الَّذِينَ صَلُحَتْ أحْوالُهم وحَسُنَتْ أعْمالُهم ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ وما بَعْدَهُما ﴿رَفِيقًا﴾ يَعْنِي في الجَنَّةِ، والرَّفِيقُ الصّاحِبُ، سُمِّيَ رَفِيقًا لِارْتِفاقِكَ بِهِ وبِصُحْبَتِهِ، وإنَّما وُحِّدَ (الرَّفِيقُ) وهو صِفَةُ الجَمْعِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُعَبِّرُ بِهِ عَنِ الواحِدِ والجَمْعِ، كالصَّدِيقِ والخَلِيطِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، مُؤَكِّدٌ لِلتَّرْغِيبِ والتَّشْوِيقِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أحْسَنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا! ولِاسْتِقْلالِهِ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ قُرِئَ (وحَسْنَ) بِسُكُونِ السِّينِ.

* *

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ الرّازِيُّ: لَيْسَ المُرادُ بِكَوْنِ مَن أطاعَ اللَّهَ وأطاعَ الرَّسُولَ مَعَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ.... إلَخْ - كَوْنَ الكُلِّ في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّ هَذا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ في الدَّرَجَةِ بَيْنَ الفاضِلِ والمَفْضُولِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ، بَلِ المُرادُ كَوْنُهم في الجَنَّةِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَن رُؤْيَةِ الآخَرِ، وإنْ بَعُدَ المَكانُ؛ لِأنَّ الحِجابَ إذا زالَ شاهَدَ بَعْضُهم بَعْضًا، وإذا أرادُوا الزِّيادَةَ قَدَرُوا عَلَيْهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن هَذِهِ المَعِيَّةِ.

الثّانِي: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا مَرْتَبَةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ في الفَضْلِ والعِلْمِ إلّا هَذا الوَصْفُ، وهو كَوْنُ الإنْسانِ صِدِّيقًا، ولِذا أيْنَما ذُكِرَ في القُرْآنِ الصِّدِّيقُ والنَّبِيُّ لَمْ يُجْعَلْ بَيْنَهُما واسِطَةٌ.

كَما قالَ تَعالى في وصْفِ إسْماعِيلَ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] [مَرْيَمَ: مِنَ الآيَةِ ٥٤] وفي صِفَةِ إدْرِيسَ: ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٦] …

70

ذَٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمًۭا

That is the bounty from Allah, and sufficient is Allah as Knower.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [٧٠]

﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، إشارَةٌ إلى ما لِلْمُطِيعِينَ مِنَ الأجْرِ ومَزِيدِ الهِدايَةِ ومُرافَقَةِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، أوْ إلى فَضْلِ هَؤُلاءِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ ومَزِيَّتِهِمْ، فالمُشارُ إلَيْهِ إمّا جَمِيعُ ما قَبْلَهُ أوْ ما يَلِيهِ ﴿الفَضْلُ﴾ صِفَةٌ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خَبَرُهُ، أيْ: ذَلِكَ الفَضْلُ العَظِيمُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِن غَيْرِهِ، أوِ " الفَضْلُ " خَبَرٌ، و:" مِنَ اللَّهِ "حالٌ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ، أيْ: ذَلِكَ الثَّوابُ لِكَمالِ دَرَجَتِهِ كَأنَّهُ هو الفَضْلُ، وإنَّ ما سِواهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ مَوْجُودًا وكائِنًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، لا أنَّ أعْمالَ المُكَلَّفِينَ تُوجِبُهُ.

قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": مُعْتَقَدُنا مَعاشِرَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ الطّاعاتِ والأعْمالَ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها هَؤُلاءِ الخَواصِّ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى وفِعْلُهُ، وإنَّ قُدَرَهم لا تَأْثِيرَ لَها في أعْمالِهِمْ، بَلِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَخْلُقُ عَلى أيْدِيهِمُ الطّاعاتِ ويُثِيبُهم عَلَيْها، فالطّاعَةُ إذًا مِن فَضْلِهِ، فَلَهُ الفَضْلُ عَلى كُلِّ حالٍ، والمِنَّةُ في الفاتِحَةِ والمَآلِ، وكَفى بِقَوْلِ سَيِّدِ البَشَرِ في ذَلِكَ حُجَّةً وقُدْوَةً، فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا يَدْخُلُ أحَدٌ مِنكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ قِيلَ: ولا أنْتَ يا رَسُولُ اللَّهِ؟! قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ مِنهُ وبِرَحْمَةٍ» قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، اللَّهُمَّ! اخْتِمْ لَنا بِاقْتِفاءِ السُّنَّةِ، وأدْخِلْنا بِفَضْلِكَ المَحْضِ الجَنَّةَ. انْتَهى كَلامُ النّاصِرِ.

والحَدِيثُ المَذْكُورُ أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.

﴿وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ بِجَزاءِ مَن أطاعَهُ وبِمَقادِيرِ الفَضْلِ واسْتِحْقاقِ أهْلِهِ.

قالَ الرّازِيُّ: ولَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ في تَوْكِيدِ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّرْغِيبِ في طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ الطّاعَةِ وكَيْفِيَّةَ الجَزاءِ والتَّفَضُّلِ، وذَلِكَ مِمّا يُرَغِّبُ المُكَلَّفَ في كَمالِ الطّاعَةِ، والِاحْتِرازِ عَنِ التَّقْصِيرِ فِيهِ، ثُمَّ أعادَ تَعالى - بَعْدَ التَّرْغِيبِ في طاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ - الأمْرَ بِالجِهادِ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ لِأنَّهُ أشَقُّ الطّاعاتِ وأعْظَمُ الأُمُورِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها تَقْوِيَةُ الدِّينِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.