Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 51–60 of 176

51

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in superstition and false objects of worship and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ .

أُعِيدَ التَّعْجِيبُ مِنَ اليَهُودِ، ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾، بِما هو أعْجَبُ مِن حالِهِمُ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ [النساء: ٤٤]؛ فَإنَّ إيمانَهم بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ وتَصْوِيبَهم لِلْمُشْرِكِينَ تَباعُدٌ مِنهم عَنْ أُصُولِ شَرْعِهِمْ بِمَراحِلَ شاسِعَةٍ، لِأنَّ أوَّلَ قَواعِدِ التَّوْراةِ وأُولى كَلِماتِها العَشْرِ هي: لا يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرى أمامِي، لا تَصْنَعْ لَكَ تِمْثالًا مَنحُوتًا، لا تَسْجُدْ لَهُنَّ ولا تَعْبُدْهُنَّ. وتَقَدَّمَ بَيانُ تَرْكِيبِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ آنِفًا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والجِبْتُ: كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ مِنَ الحَبَشِيَّةِ، أيِ الشَّيْطانُ والسِّحْرُ؛ لِأنَّ مادَّةَ: ج ب ت مُهْمَلَةٌ في العَرَبِيَّةِ، فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الكَلِمَةُ دَخِيلَةً. وقِيلَ: أصْلُها جِبْسٌ: وهو ما لا خَيْرَ فِيهِ، فَأُبْدِلَتِ السِّينُ تاءً كَما أُبْدِلَتْ في قَوْلِ عِلْباءَ بْنِ أرْقَمَ:

يا لَعَنَ اللَّهُ بَنِي السَّعْلاتِ عَمْرَو بْنَ يَرْبُوعٍ شِرارَ النّاتِ

لَيْسُوا أعِفّاءَ ولا أكْياتِ

أيْ شِرارُ النّاسِ ولا بِأكْياسٍ، وكَما قالُوا: الجَتُّ بِمَعْنى الجَسِّ.

صفحة ٨٦

والطّاغُوتُ: الأصْنامُ. كَذا فَسَّرَهُ الجُمْهُورُ هُنا ونُقِلَ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ. وهو اسْمٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ فَيُقالُ لِلصَّنَمِ طاغُوتٌ ولِلْأصْنامِ طاغُوتٌ، فَهو نَظِيرُ طِفْلٍ وفُلْكٍ. ولَعَلَّ التِزامَ اقْتِرانِهِ بِلامِ تَعْرِيفِ الجِنْسِ هو الَّذِي سَوَّغَ إطْلاقَهُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ نَظِيرَ الكِتابِ والكُتُبِ. ثُمَّ لَمّا شاعَ ذَلِكَ طَرَّدُوهُ حَتّى في حالَةِ تَجَرُّدِهِ عَنِ اللّامِ، قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] فَأفْرَدَهُ، وقالَ: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ [الزمر: ١٧]، وقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] إلَخْ. وهَذا الِاسْمُ مُشْتَقٌّ مَن طَغى يَطْغُو: إذا تَعاظَمَ وتَرَفَّعَ، وأصْلُهُ مَصَدْرٌ بِوَزْنِ فَعَلُوتٍ لِلْمُبالَغَةِ، مِثْلُ: رَهَبُوتٍ، ومَلَكُوتٍ، ورَحَمُوتٍ، وجَبَرُوتٍ، فَأصْلُهُ طَغْوُوتٌ فَوَقَعَ فِيهِ قَلْبُ مَكانِيٌّ بِتَقْدِيمِ لامِ الكَلِمَةِ عَلى عَيْنِها فَصارَ طَوَغُوتٌ بِوَزْنِ فَلَعُوتٍ، والقَصْدُ مِن هَذا القَلْبِ تَأتِّي إبْدالِ الواوِ ألِفًا بِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، وهم قَدْ يَقْلِبُونَ حُرُوفَ الكَلِمَةِ لِيَتَأتّى الإبْدالُ كَما قَلَبُوا أرْءامَ جَمْعَ رِيمٍ إلى آرامَ لِيَتَأتّى إبْدالُ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ السّاكِنَةِ ألِفًا بَعْدَ الأُولى المَفْتُوحَةِ، وقَدْ يُنْزِلُونَ هَذا الِاسْمَ مَنزِلَةَ المُفْرَدِ فَيَجْمَعُونَهُ جَمْعَ تَكْسِيرٍ عَلى طَواغِيتَ ووَزْنُهُ فَعالِيلُ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ: «لا تَحْلِفُوا بِالطَّواغِيتِ» . وفي كَلامِ ابْنِ المُسَيَّبِ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: البَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ.

وقَدْ يُطْلَقُ الطّاغُوتُ عَلى عَظِيمِ أهْلِ الشِّرْكِ كالكاهِنِ، لِأنَّهم يُعَظِّمُونَهُ لِأجْلِ أصْنامِهِمْ، كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى …

52

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا

Those are the ones whom Allah has cursed; and he whom Allah curses - never will you find for him a helper.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ .

أُعِيدَ التَّعْجِيبُ مِنَ اليَهُودِ، ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾، بِما هو أعْجَبُ مِن حالِهِمُ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ [النساء: ٤٤]؛ فَإنَّ إيمانَهم بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ وتَصْوِيبَهم لِلْمُشْرِكِينَ تَباعُدٌ مِنهم عَنْ أُصُولِ شَرْعِهِمْ بِمَراحِلَ شاسِعَةٍ، لِأنَّ أوَّلَ قَواعِدِ التَّوْراةِ وأُولى كَلِماتِها العَشْرِ هي: لا يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرى أمامِي، لا تَصْنَعْ لَكَ تِمْثالًا مَنحُوتًا، لا تَسْجُدْ لَهُنَّ ولا تَعْبُدْهُنَّ. وتَقَدَّمَ بَيانُ تَرْكِيبِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ آنِفًا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والجِبْتُ: كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ مِنَ الحَبَشِيَّةِ، أيِ الشَّيْطانُ والسِّحْرُ؛ لِأنَّ مادَّةَ: ج ب ت مُهْمَلَةٌ في العَرَبِيَّةِ، فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الكَلِمَةُ دَخِيلَةً. وقِيلَ: أصْلُها جِبْسٌ: وهو ما لا خَيْرَ فِيهِ، فَأُبْدِلَتِ السِّينُ تاءً كَما أُبْدِلَتْ في قَوْلِ عِلْباءَ بْنِ أرْقَمَ:

يا لَعَنَ اللَّهُ بَنِي السَّعْلاتِ عَمْرَو بْنَ يَرْبُوعٍ شِرارَ النّاتِ

لَيْسُوا أعِفّاءَ ولا أكْياتِ

أيْ شِرارُ النّاسِ ولا بِأكْياسٍ، وكَما قالُوا: الجَتُّ بِمَعْنى الجَسِّ.

صفحة ٨٦

والطّاغُوتُ: الأصْنامُ. كَذا فَسَّرَهُ الجُمْهُورُ هُنا ونُقِلَ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ. وهو اسْمٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ فَيُقالُ لِلصَّنَمِ طاغُوتٌ ولِلْأصْنامِ طاغُوتٌ، فَهو نَظِيرُ طِفْلٍ وفُلْكٍ. ولَعَلَّ التِزامَ اقْتِرانِهِ بِلامِ تَعْرِيفِ الجِنْسِ هو الَّذِي سَوَّغَ إطْلاقَهُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ نَظِيرَ الكِتابِ والكُتُبِ. ثُمَّ لَمّا شاعَ ذَلِكَ طَرَّدُوهُ حَتّى في حالَةِ تَجَرُّدِهِ عَنِ اللّامِ، قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] فَأفْرَدَهُ، وقالَ: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ [الزمر: ١٧]، وقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] إلَخْ. وهَذا الِاسْمُ مُشْتَقٌّ مَن طَغى يَطْغُو: إذا تَعاظَمَ وتَرَفَّعَ، وأصْلُهُ مَصَدْرٌ بِوَزْنِ فَعَلُوتٍ لِلْمُبالَغَةِ، مِثْلُ: رَهَبُوتٍ، ومَلَكُوتٍ، ورَحَمُوتٍ، وجَبَرُوتٍ، فَأصْلُهُ طَغْوُوتٌ فَوَقَعَ فِيهِ قَلْبُ مَكانِيٌّ بِتَقْدِيمِ لامِ الكَلِمَةِ عَلى عَيْنِها فَصارَ طَوَغُوتٌ بِوَزْنِ فَلَعُوتٍ، والقَصْدُ مِن هَذا القَلْبِ تَأتِّي إبْدالِ الواوِ ألِفًا بِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، وهم قَدْ يَقْلِبُونَ حُرُوفَ الكَلِمَةِ لِيَتَأتّى الإبْدالُ كَما قَلَبُوا أرْءامَ جَمْعَ رِيمٍ إلى آرامَ لِيَتَأتّى إبْدالُ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ السّاكِنَةِ ألِفًا بَعْدَ الأُولى المَفْتُوحَةِ، وقَدْ يُنْزِلُونَ هَذا الِاسْمَ مَنزِلَةَ المُفْرَدِ فَيَجْمَعُونَهُ جَمْعَ تَكْسِيرٍ عَلى طَواغِيتَ ووَزْنُهُ فَعالِيلُ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ: «لا تَحْلِفُوا بِالطَّواغِيتِ» . وفي كَلامِ ابْنِ المُسَيَّبِ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: البَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ.

وقَدْ يُطْلَقُ الطّاغُوتُ عَلى عَظِيمِ أهْلِ الشِّرْكِ كالكاهِنِ، لِأنَّهم يُعَظِّمُونَهُ لِأجْلِ أصْنامِهِمْ، كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى …

53

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًۭا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا

Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.

صفحة ٨٨

﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ .

(أمْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، وهي تُؤْذِنُ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ مَحْذُوفَةٍ بَعْدَها، أيْ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَلا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيُّ حُكْمُهُ حُكْمُ النَّفْيِ. والعَطْفُ بِالفاءِ عَلى جُمْلَةِ لَهم نَصِيبٌ، وكَذَلِكَ ”إذَنْ“ هي جَزاءٌ لِجُمْلَةِ لَهم نَصِيبٌ، واعْتُبِرَ الِاسْتِفْهامُ داخِلًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ وجَزائِها مَعًا، لِأنَّهم يَنْتَفِي إعْطاؤُهُمُ النّاسَ نَقِيرًا عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ المُلْكِ لَهم لا عَلى انْتِفائِهِ. وهَذا الكَلامُ تَهَكُّمٌ عَلَيْهِمْ في انْتِظارِهِمْ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ مُلْكُ إسْرائِيلَ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ الَّذِي لا يُؤاتِي مَن يَرْجُونَ المُلْكَ. كَما قالَ أبُو الفَتْحِ البُسْتِيُّ:

إذا مَلِكٌ لَمْ يَكُنْ ذا هِبَهْ فَدَعْهُ فَدَوْلَتُهُ ذاهِبَـهْ

وشُحُّهم وبُخْلُهم مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ.

والنَّقِيرُ: شَكْلَةٌ في النَّواةِ كالدّائِرَةِ، يُضْرَبُ بِها المَثَلُ في القِلَّةِ.

لِذَلِكَ عَقَّبَ هَذا الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .

والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) هَذِهِ إنْكارٌ عَلى حَسَدِهِمْ، ولَيْسَ مُفِيدًا لِنَفْيِ الحَسَدِ لِأنَّهُ واقِعٌ. والمُرادُ بِالنّاسِ النَّبِيءُ ﷺ، والفَضْلُ النُّبُوَّةُ، أوِ المُرادُ بِهِ النَّبِيءُ والمُؤْمِنُونَ، والفَضْلُ الهُدى والإيمانُ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وتَوْجِيهًا لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، أيْ فَلا بِدْعَ فِيما حَسَدُوهُ إذْ قَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والمُلْكَ.

وآلَ إبْراهِيمَ: أبْناؤُهُ وعَقِبُهُ ونَسْلُهُ، وهو داخِلٌ في الحُكْمِ لِأنَّهم إنَّما أُعْطُوهُ لِأجْلِ كَرامَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ ووَعْدِ اللَّهِ إيّاهُ بِذَلِكَ. وتَعْرِيفُ الكِتابِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فَيَصْدُقُ

صفحة ٨٩

بِالمُتَعَدِّدِ، فَيَشْمَلُ صُحُفَ إبْراهِيمَ، وصُحُفَ مُوسى، وما أُنْزِلَ بَعْدَ ذَلِكَ. والحِكْمَةُ: النُّبُوَّةُ. والمُلْكُ: هو ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ إبْراهِيمَ أنْ يُعْطِيَهُ ذُرِّيَّتَهُ وما آتى اللَّهُ داوُدَ وسُلَيْمانَ ومُلُوكَ إسْرائِيلَ. وضَمِيرُ ”مِنهم“ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”يَحْسُدُونَ“ . وضَمِيرُ ”بِهِ“ يَعُودُ إلى النّاسِ المُرادِ مِنهُ مُحَمَّدٌ ﷺ: أيْ فَمِنَ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ، ومِنهم مَن أعْرَضَ. والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ (فَمِنهم) عَلى هَذا التَّفْسِيرِ ناشِئٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ ضَمِيرُ ”فَمِنهم“ إلى آلِ إبْراهِيمَ، وضَمِيرُ ”بِهِ“ إلى إبْراهِيمَ، أيْ فَقَدْ آتَيْناهم ما ذُكِرَ. ومِن ”آلِهِ“ مَن آمَنَ بِهِ، ومِنهم مَن كَفَرَ مِثْلَ أبِيهِ آزَرَ، وامْرَأةِ ابْنِ أخِيهِ لُوطٍ، أيْ فَلَيْسَ تَكْذِيبُ اليَهُودِ مُحَمَّدًا بِأعْجَبَ مِن ذَلِكَ، ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الإسراء: ٧٧] لِيَكُونَ قَدْ حَصَلَ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ في الأمْرَيْنِ في إبْطالِ مُسْتَنَدِ تَكْذِيبِهِمْ، بِإثْباتِ أنَّ إتْيانَ النُّبُوَّةِ لَيْسَ بِبِدْعٍ، وأنَّ مُحَمَّدًا مِن آلِ إبْراهِيمَ، فَلَيْسَ إرْسالُهُ …

54

أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًۭا

Or do they envy people for what Allah has given them of His bounty? But we had already given the family of Abraham the Scripture and wisdom and conferred upon them a great kingdom.

صفحة ٨٨

﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ .

(أمْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، وهي تُؤْذِنُ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ مَحْذُوفَةٍ بَعْدَها، أيْ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَلا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيُّ حُكْمُهُ حُكْمُ النَّفْيِ. والعَطْفُ بِالفاءِ عَلى جُمْلَةِ لَهم نَصِيبٌ، وكَذَلِكَ ”إذَنْ“ هي جَزاءٌ لِجُمْلَةِ لَهم نَصِيبٌ، واعْتُبِرَ الِاسْتِفْهامُ داخِلًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ وجَزائِها مَعًا، لِأنَّهم يَنْتَفِي إعْطاؤُهُمُ النّاسَ نَقِيرًا عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ المُلْكِ لَهم لا عَلى انْتِفائِهِ. وهَذا الكَلامُ تَهَكُّمٌ عَلَيْهِمْ في انْتِظارِهِمْ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ مُلْكُ إسْرائِيلَ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ الَّذِي لا يُؤاتِي مَن يَرْجُونَ المُلْكَ. كَما قالَ أبُو الفَتْحِ البُسْتِيُّ:

إذا مَلِكٌ لَمْ يَكُنْ ذا هِبَهْ فَدَعْهُ فَدَوْلَتُهُ ذاهِبَـهْ

وشُحُّهم وبُخْلُهم مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ.

والنَّقِيرُ: شَكْلَةٌ في النَّواةِ كالدّائِرَةِ، يُضْرَبُ بِها المَثَلُ في القِلَّةِ.

لِذَلِكَ عَقَّبَ هَذا الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .

والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) هَذِهِ إنْكارٌ عَلى حَسَدِهِمْ، ولَيْسَ مُفِيدًا لِنَفْيِ الحَسَدِ لِأنَّهُ واقِعٌ. والمُرادُ بِالنّاسِ النَّبِيءُ ﷺ، والفَضْلُ النُّبُوَّةُ، أوِ المُرادُ بِهِ النَّبِيءُ والمُؤْمِنُونَ، والفَضْلُ الهُدى والإيمانُ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وتَوْجِيهًا لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، أيْ فَلا بِدْعَ فِيما حَسَدُوهُ إذْ قَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والمُلْكَ.

وآلَ إبْراهِيمَ: أبْناؤُهُ وعَقِبُهُ ونَسْلُهُ، وهو داخِلٌ في الحُكْمِ لِأنَّهم إنَّما أُعْطُوهُ لِأجْلِ كَرامَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ ووَعْدِ اللَّهِ إيّاهُ بِذَلِكَ. وتَعْرِيفُ الكِتابِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فَيَصْدُقُ

صفحة ٨٩

بِالمُتَعَدِّدِ، فَيَشْمَلُ صُحُفَ إبْراهِيمَ، وصُحُفَ مُوسى، وما أُنْزِلَ بَعْدَ ذَلِكَ. والحِكْمَةُ: النُّبُوَّةُ. والمُلْكُ: هو ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ إبْراهِيمَ أنْ يُعْطِيَهُ ذُرِّيَّتَهُ وما آتى اللَّهُ داوُدَ وسُلَيْمانَ ومُلُوكَ إسْرائِيلَ. وضَمِيرُ ”مِنهم“ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”يَحْسُدُونَ“ . وضَمِيرُ ”بِهِ“ يَعُودُ إلى النّاسِ المُرادِ مِنهُ مُحَمَّدٌ ﷺ: أيْ فَمِنَ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ، ومِنهم مَن أعْرَضَ. والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ (فَمِنهم) عَلى هَذا التَّفْسِيرِ ناشِئٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ ضَمِيرُ ”فَمِنهم“ إلى آلِ إبْراهِيمَ، وضَمِيرُ ”بِهِ“ إلى إبْراهِيمَ، أيْ فَقَدْ آتَيْناهم ما ذُكِرَ. ومِن ”آلِهِ“ مَن آمَنَ بِهِ، ومِنهم مَن كَفَرَ مِثْلَ أبِيهِ آزَرَ، وامْرَأةِ ابْنِ أخِيهِ لُوطٍ، أيْ فَلَيْسَ تَكْذِيبُ اليَهُودِ مُحَمَّدًا بِأعْجَبَ مِن ذَلِكَ، ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الإسراء: ٧٧] لِيَكُونَ قَدْ حَصَلَ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ في الأمْرَيْنِ في إبْطالِ مُسْتَنَدِ تَكْذِيبِهِمْ، بِإثْباتِ أنَّ إتْيانَ النُّبُوَّةِ لَيْسَ بِبِدْعٍ، وأنَّ مُحَمَّدًا مِن آلِ إبْراهِيمَ، فَلَيْسَ إرْسالُهُ …

55

فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا

And some among them believed in it, and some among them were averse to it. And sufficient is Hell as a blaze.

صفحة ٨٨

﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ .

(أمْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، وهي تُؤْذِنُ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ مَحْذُوفَةٍ بَعْدَها، أيْ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَلا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيُّ حُكْمُهُ حُكْمُ النَّفْيِ. والعَطْفُ بِالفاءِ عَلى جُمْلَةِ لَهم نَصِيبٌ، وكَذَلِكَ ”إذَنْ“ هي جَزاءٌ لِجُمْلَةِ لَهم نَصِيبٌ، واعْتُبِرَ الِاسْتِفْهامُ داخِلًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ وجَزائِها مَعًا، لِأنَّهم يَنْتَفِي إعْطاؤُهُمُ النّاسَ نَقِيرًا عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ المُلْكِ لَهم لا عَلى انْتِفائِهِ. وهَذا الكَلامُ تَهَكُّمٌ عَلَيْهِمْ في انْتِظارِهِمْ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ مُلْكُ إسْرائِيلَ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ الَّذِي لا يُؤاتِي مَن يَرْجُونَ المُلْكَ. كَما قالَ أبُو الفَتْحِ البُسْتِيُّ:

إذا مَلِكٌ لَمْ يَكُنْ ذا هِبَهْ فَدَعْهُ فَدَوْلَتُهُ ذاهِبَـهْ

وشُحُّهم وبُخْلُهم مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ.

والنَّقِيرُ: شَكْلَةٌ في النَّواةِ كالدّائِرَةِ، يُضْرَبُ بِها المَثَلُ في القِلَّةِ.

لِذَلِكَ عَقَّبَ هَذا الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .

والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) هَذِهِ إنْكارٌ عَلى حَسَدِهِمْ، ولَيْسَ مُفِيدًا لِنَفْيِ الحَسَدِ لِأنَّهُ واقِعٌ. والمُرادُ بِالنّاسِ النَّبِيءُ ﷺ، والفَضْلُ النُّبُوَّةُ، أوِ المُرادُ بِهِ النَّبِيءُ والمُؤْمِنُونَ، والفَضْلُ الهُدى والإيمانُ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وتَوْجِيهًا لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، أيْ فَلا بِدْعَ فِيما حَسَدُوهُ إذْ قَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والمُلْكَ.

وآلَ إبْراهِيمَ: أبْناؤُهُ وعَقِبُهُ ونَسْلُهُ، وهو داخِلٌ في الحُكْمِ لِأنَّهم إنَّما أُعْطُوهُ لِأجْلِ كَرامَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ ووَعْدِ اللَّهِ إيّاهُ بِذَلِكَ. وتَعْرِيفُ الكِتابِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فَيَصْدُقُ

صفحة ٨٩

بِالمُتَعَدِّدِ، فَيَشْمَلُ صُحُفَ إبْراهِيمَ، وصُحُفَ مُوسى، وما أُنْزِلَ بَعْدَ ذَلِكَ. والحِكْمَةُ: النُّبُوَّةُ. والمُلْكُ: هو ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ إبْراهِيمَ أنْ يُعْطِيَهُ ذُرِّيَّتَهُ وما آتى اللَّهُ داوُدَ وسُلَيْمانَ ومُلُوكَ إسْرائِيلَ. وضَمِيرُ ”مِنهم“ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”يَحْسُدُونَ“ . وضَمِيرُ ”بِهِ“ يَعُودُ إلى النّاسِ المُرادِ مِنهُ مُحَمَّدٌ ﷺ: أيْ فَمِنَ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ، ومِنهم مَن أعْرَضَ. والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ (فَمِنهم) عَلى هَذا التَّفْسِيرِ ناشِئٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ ضَمِيرُ ”فَمِنهم“ إلى آلِ إبْراهِيمَ، وضَمِيرُ ”بِهِ“ إلى إبْراهِيمَ، أيْ فَقَدْ آتَيْناهم ما ذُكِرَ. ومِن ”آلِهِ“ مَن آمَنَ بِهِ، ومِنهم مَن كَفَرَ مِثْلَ أبِيهِ آزَرَ، وامْرَأةِ ابْنِ أخِيهِ لُوطٍ، أيْ فَلَيْسَ تَكْذِيبُ اليَهُودِ مُحَمَّدًا بِأعْجَبَ مِن ذَلِكَ، ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الإسراء: ٧٧] لِيَكُونَ قَدْ حَصَلَ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ في الأمْرَيْنِ في إبْطالِ مُسْتَنَدِ تَكْذِيبِهِمْ، بِإثْباتِ أنَّ إتْيانَ النُّبُوَّةِ لَيْسَ بِبِدْعٍ، وأنَّ مُحَمَّدًا مِن آلِ إبْراهِيمَ، فَلَيْسَ إرْسالُهُ …

56

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًۭا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًۭا

Indeed, those who disbelieve in Our verses - We will drive them into a Fire. Every time their skins are roasted through We will replace them with other skins so they may taste the punishment. Indeed, Allah is ever Exalted in Might and Wise.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ونُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ لِجَمِيعِ الكافِرِينَ، فَهي أعَمُّ مِمّا قَبْلَها، فَلَها حُكْمُ التَّذْيِيلِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ. والإصْلاءُ: مَصْدَرُ ”أصْلاهُ“، ويُقالُ: صَلاهُ صَلْيًا، ومَعْناهُ شَيُّ اللَّحْمِ عَلى النّارِ،

صفحة ٩٠

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (صَلى) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ [النساء: ٣٠] في هَذِهِ السُّورَةِ. وتَقَدَّمَ أيْضًا الكَلامُ عَلى (سَوْفَ) في الآيَةِ الأخِيرَةِ. و(نُصْلِيهِمْ) بِضَمِّ النُّونِ مِنَ الإصْلاءِ. و(نَضِجَتْ) بَلَغَتْ نِهايَةَ الشَّيِّ، يُقالُ: نَضِجَ الشِّواءُ: إذا بَلَغَ حَدَّ الشَّيِّ، ويُقالُ: نَضِجَ الطَّبِيخُ: إذا بَلَغَ حَدَّ الطَّبْخِ، والمَعْنى: كُلَّما احْتَرَقَتْ جُلُودُهم، فَلَمْ يَبْقَ فِيها حَياةٌ وإحْساسٌ، بَدَّلْناهم، أيْ عَوَّضْناهم جُلُودًا غَيْرَها، والتَّبْدِيلُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى﴾ [البقرة: ٦١] . فَقَوْلُهُ ”غَيْرَها“ تَأْكِيدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ التَّبْدِيلِ. وانْتَصَبَ ”نارًا“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِأنَّهُ مِن بابِ ”أعْطى“ .

وقَوْلُهُ: ﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بَدَّلْناهُمْ﴾ لِأنَّ الجِلْدَ هو الَّذِي يُوَصِّلُ إحْساسَ العَذابِ إلى النَّفْسِ بِحَسَبِ عادَةِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى. فَلَوْ لَمْ يُبَدَّلِ الجِلْدُ بَعْدَ احْتِراقِهِ لَما وصَلَ عَذابُ النّارِ إلى النَّفْسِ. وتَبْدِيلُ الجِلْدِ مَعَ بَقاءِ نَفْسِ صاحِبِهِ لا يُنافِي العَدْلَ لِأنَّ الجِلْدَ وسِيلَةُ إبْلاغِ العَذابِ ولَيْسَ هو المَقْصُودُ بِالتَّعْذِيبِ، ولِأنَّهُ ناشِئٌ عَنِ الجِلْدِ الأوَّلِ كَما أنَّ إعادَةَ الأجْسامِ في الحَشْرِ بَعْدَ اضْمِحْلالِها لا يُوجِبُ أنْ تَكُونَ أُناسًا غَيْرَ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا الثَّوابَ والعِقابَ لِأنَّها لَمّا أُودِعَتِ النُّفُوسُ الَّتِي اكْتَسَبَتِ الخَيْرَ والشَّرَّ فَقَدْ صارَتْ هي هي ولا سِيَّما إذا كانَتْ إعادَتُها عَنْ إنْباتٍ مِن أعْجابِ الأذْنابِ. حَسْبَما ورَدَ بِهِ الأثَرُ، لِأنَّ النّاشِئَ عَنِ الشَّيْءِ هو مِنهُ كالنَّخْلَةِ مِنَ النَّواةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ، فالعِزَّةُ يَتَأتّى بِها تَمامُ القُدْرَةِ في عُقُوبَةِ المُجْتَرِئِ عَلى اللَّهِ، والحِكْمَةُ يَتَأتّى بِها تِلْكَ الكَيْفِيَّةُ في إصْلائِهِمُ النّارَ.

وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ ذُكِرَ هُنا لِلْمُقابَلَةِ وزِيادَةِ الغَيْظِ لِلْكافِرِينَ. واقْتَصَرَ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ عَلى لَذَّةِ الجَنّاتِ والأزْواجِ الصّالِحاتِ، لِأنَّهُما أحَبُّ اللَّذّاتِ المُتَعارَفَةِ لِلسّامِعِينَ، فالزَّوْجَةُ الصّالِحَةُ آنَسُ شَيْءٍ لِلْإنْسانِ، والجَنّاتُ مَحَلُّ النَّعِيمِ وحُسْنِ النَّظَرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ونُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ هو مِن تَمامِ مَحاسِنِ الجَنّاتِ، لِأنَّ الظِّلَّ إنَّما يَكُونُ مَعَ الشَّمْسِ، وذَلِكَ جَمالُ الجَنّاتِ ولَذَّةُ التَّنْعِيمِ بِرُؤْيَةِ النُّورِ مَعَ انْتِفاءِ حَرِّهِ. ووُصِفَ بِالظَّلِيلِ وصْفًا مُشْتَقًّا " مِنِ اسْمِ المَوْصُوفِ لِلدَّلالَةِ عَلى بُلُوغِهِ …

57

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّۭا ظَلِيلًا

But those who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide forever. For them therein are purified spouses, and We will admit them to deepening shade.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ونُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ لِجَمِيعِ الكافِرِينَ، فَهي أعَمُّ مِمّا قَبْلَها، فَلَها حُكْمُ التَّذْيِيلِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ. والإصْلاءُ: مَصْدَرُ ”أصْلاهُ“، ويُقالُ: صَلاهُ صَلْيًا، ومَعْناهُ شَيُّ اللَّحْمِ عَلى النّارِ،

صفحة ٩٠

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (صَلى) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ [النساء: ٣٠] في هَذِهِ السُّورَةِ. وتَقَدَّمَ أيْضًا الكَلامُ عَلى (سَوْفَ) في الآيَةِ الأخِيرَةِ. و(نُصْلِيهِمْ) بِضَمِّ النُّونِ مِنَ الإصْلاءِ. و(نَضِجَتْ) بَلَغَتْ نِهايَةَ الشَّيِّ، يُقالُ: نَضِجَ الشِّواءُ: إذا بَلَغَ حَدَّ الشَّيِّ، ويُقالُ: نَضِجَ الطَّبِيخُ: إذا بَلَغَ حَدَّ الطَّبْخِ، والمَعْنى: كُلَّما احْتَرَقَتْ جُلُودُهم، فَلَمْ يَبْقَ فِيها حَياةٌ وإحْساسٌ، بَدَّلْناهم، أيْ عَوَّضْناهم جُلُودًا غَيْرَها، والتَّبْدِيلُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى﴾ [البقرة: ٦١] . فَقَوْلُهُ ”غَيْرَها“ تَأْكِيدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ التَّبْدِيلِ. وانْتَصَبَ ”نارًا“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِأنَّهُ مِن بابِ ”أعْطى“ .

وقَوْلُهُ: ﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بَدَّلْناهُمْ﴾ لِأنَّ الجِلْدَ هو الَّذِي يُوَصِّلُ إحْساسَ العَذابِ إلى النَّفْسِ بِحَسَبِ عادَةِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى. فَلَوْ لَمْ يُبَدَّلِ الجِلْدُ بَعْدَ احْتِراقِهِ لَما وصَلَ عَذابُ النّارِ إلى النَّفْسِ. وتَبْدِيلُ الجِلْدِ مَعَ بَقاءِ نَفْسِ صاحِبِهِ لا يُنافِي العَدْلَ لِأنَّ الجِلْدَ وسِيلَةُ إبْلاغِ العَذابِ ولَيْسَ هو المَقْصُودُ بِالتَّعْذِيبِ، ولِأنَّهُ ناشِئٌ عَنِ الجِلْدِ الأوَّلِ كَما أنَّ إعادَةَ الأجْسامِ في الحَشْرِ بَعْدَ اضْمِحْلالِها لا يُوجِبُ أنْ تَكُونَ أُناسًا غَيْرَ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا الثَّوابَ والعِقابَ لِأنَّها لَمّا أُودِعَتِ النُّفُوسُ الَّتِي اكْتَسَبَتِ الخَيْرَ والشَّرَّ فَقَدْ صارَتْ هي هي ولا سِيَّما إذا كانَتْ إعادَتُها عَنْ إنْباتٍ مِن أعْجابِ الأذْنابِ. حَسْبَما ورَدَ بِهِ الأثَرُ، لِأنَّ النّاشِئَ عَنِ الشَّيْءِ هو مِنهُ كالنَّخْلَةِ مِنَ النَّواةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ، فالعِزَّةُ يَتَأتّى بِها تَمامُ القُدْرَةِ في عُقُوبَةِ المُجْتَرِئِ عَلى اللَّهِ، والحِكْمَةُ يَتَأتّى بِها تِلْكَ الكَيْفِيَّةُ في إصْلائِهِمُ النّارَ.

وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ ذُكِرَ هُنا لِلْمُقابَلَةِ وزِيادَةِ الغَيْظِ لِلْكافِرِينَ. واقْتَصَرَ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ عَلى لَذَّةِ الجَنّاتِ والأزْواجِ الصّالِحاتِ، لِأنَّهُما أحَبُّ اللَّذّاتِ المُتَعارَفَةِ لِلسّامِعِينَ، فالزَّوْجَةُ الصّالِحَةُ آنَسُ شَيْءٍ لِلْإنْسانِ، والجَنّاتُ مَحَلُّ النَّعِيمِ وحُسْنِ النَّظَرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ونُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ هو مِن تَمامِ مَحاسِنِ الجَنّاتِ، لِأنَّ الظِّلَّ إنَّما يَكُونُ مَعَ الشَّمْسِ، وذَلِكَ جَمالُ الجَنّاتِ ولَذَّةُ التَّنْعِيمِ بِرُؤْيَةِ النُّورِ مَعَ انْتِفاءِ حَرِّهِ. ووُصِفَ بِالظَّلِيلِ وصْفًا مُشْتَقًّا " مِنِ اسْمِ المَوْصُوفِ لِلدَّلالَةِ عَلى بُلُوغِهِ …

58

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا

Indeed, Allah commands you to render trusts to whom they are due and when you judge between people to judge with justice. Excellent is that which Allah instructs you. Indeed, Allah is ever Hearing and Seeing.

﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ إنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ قُصِدَ مِنهُ الإفاضَةُ في بَيانِ شَرائِعِ العَدْلِ والحُكْمِ، ونِظامِ الطّاعَةِ، وذَلِكَ مِنَ الأغْراضِ التَّشْرِيعِيَّةِ الكُبْرى الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ السُّورَةُ، ولا يَتَعَيَّنُ تَطَلُّبُ المُناسَبَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما سَبَقَهُ، فالمُناسَبَةُ هي الِانْتِقالُ مِن أحْكامٍ تَشْرِيعِيَّةٍ إلى أحْكامٍ أُخْرى في أغْراضٍ أُخْرى. وهُنا مُناسَبَةٌ، وهي أنَّ ما اسْتَطْرَدَ مِن ذِكْرِ أحْوالِ أهْلِ الكِتابِ في تَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، ولَيِّهِمْ ألْسِنَتَهم بِكَلِماتٍ فِيها تَوْجِيهٌ مِنَ السَّبِّ، وافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، وحَسَدِهِمْ بِإنْكارِ فَضْلِ اللَّهِ إذْ آتاهُ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ، كُلُّ ذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلى خِيانَةِ أمانَةِ الدِّينِ، والعِلْمِ، والحَقِّ، والنِّعْمَةِ، وهي أماناتٌ مَعْنَوِيَّةٌ، فَناسَبَ أنْ يُعَقِّبَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِأداءِ الأمانَةِ الحِسِّيَّةِ إلى أهْلِها ويَتَخَلَّصَ إلى هَذا التَّشْرِيعِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ صَرِيحَةٌ في الأمْرِ والوُجُوبِ، مِثْلَ صَراحَةِ النَّهْيِ في قَوْلِهِ في الحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ يَنْهاكم أنْ تَحْلِفُوا بِآبائِكم» . وإنَّ فِيها لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ لِظُهُورِ أنَّ مِثْلَ هَذا الخَبَرِ لا يَقْبَلُ الشَّكَّ حَتّى يُؤَكَّدَ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنْ إيجادِ شَيْءٍ لا عَنْ وُجُودِهِ، فَهو والإنْشاءُ سَواءٌ.

والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِتَلَقِّي هَذا الخِطابَ والعَمَلِ بِهِ مِن كُلِّ مُؤْتَمَنٍ عَلى شَيْءٍ، ومِن كُلِّ مَن تَوَلّى الحُكْمَ بَيْنَ النّاسِ في الحُقُوقِ.

والأداءُ حَقِيقَتُهُ في تَسْلِيمِ ذاتٍ لِمَن يَسْتَحِقُّها، يُقالُ: أدّى إلَيْهِ كَذا، أيْ دَفَعَهُ وسَلَّمَهُ، ومِنهُ أداءُ الدَّيْنِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] في سُورَةِ آلِ

صفحة ٩٢

عِمْرانَ. وأصْلُ أدّى أنْ يَكُونَ مُضاعَفَ أدى بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنى أوْصَلَ، لَكِنَّهم أهْمَلُوا أدى المُخَفَّفَ واسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِالمُضاعَفِ.

ويُطْلَقُ الأداءُ مَجازًا عَلى الِاعْتِرافِ والوَفاءِ بِشَيْءٍ، وعَلى هَذا فَيُطْلَقُ أداءُ الأمانَةِ عَلى قَوْلِ الحَقِّ والِاعْتِرافِ بِهِ وتَبْلِيغِ العِلْمِ والشَّرِيعَةِ عَلى حَقِّها. والمُرادُ هُنا هو الأوَّلُ مِنَ المَعْنَيَيْنِ، ويُعْرَفُ حُكْمُ غَيْرِهِ مِنهُما أوْ مِن أحَدِهِما بِالقِياسِ عَلَيْهِ قِياسَ الأدْوَنِ.

والأمانَةُ: الشَّيْءُ الَّذِي يَجْعَلُهُ صاحِبُهُ عِنْدَ شَخْصٍ لِيَحْفَظَهُ إلى أنْ يَطْلُبَهُ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وتُطْلَقُ الأمانَةُ مَجازًا عَلى ما يَجِبُ عَلى المُكَلَّفِ إبْلاغُهُ إلى أرْبابِهِ ومُسْتَحِقِّيهِ مِنَ الخاصَّةِ والعامَّةِ كالدِّينِ والعِلْمِ والعُهُودِ والجِوارِ والنَّصِيحَةِ ونَحْوِها، وضِدُّها الخِيانَةُ في الإطْلاقَيْنِ. والأمْرُ لِلْوُجُوبِ.

والأماناتُ مِن صِيَغِ العُمُومِ. فَلِذَلِكَ قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ فِيمَنِ ائْتَمَنَهُ رَجُلٌ عَلى شَيْءٍ وكانَ لِلْأمِينِ حَقٌّ عِنْدَ المُؤْتَمَنِ جَحَدَهُ إيّاهُ: إنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ أخْذُ الأمانَةِ عِوَضَ حَقِّهِ لِأنَّ ذَلِكَ خِيانَةٌ، ومَنَعَهُ مالِكٌ في المُدَوَّنَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبْدِ الحَكَمِ: أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَجْحَدَهُ …

59

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

O you who have believed, obey Allah and obey the Messenger and those in authority among you. And if you disagree over anything, refer it to Allah and the Messenger, if you should believe in Allah and the Last Day. That is the best [way] and best in result.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكم فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ .

لَمّا أمَرَ اللَّهُ الأُمَّةَ بِالحُكْمِ بِالعَدْلِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِخِطابِهِمْ بِالأمْرِ بِطاعَةِ الحُكّامِ وُلاةِ أُمُورِهِمْ، لِأنَّ الطّاعَةَ لَهم هي مَظْهَرُ نُفُوذِ العَدْلِ الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ حُكّامُهم، فَطاعَةُ الرَّسُولِ تَشْتَمِلُ عَلى احْتِرامِ العَدْلِ المَشْرُوعِ لَهم وعَلى تَنْفِيذِهِ، وطاعَةُ وُلاةِ الأُمُورِ تَنْفِيذٌ لِلْعَدْلِ، وأشارَ بِهَذا التَّعْقِيبِ إلى أنَّ الطّاعَةَ المَأْمُورَ بِها هي الطّاعَةُ في المَعْرُوفِ، ولِهَذا قالَ عَلِيٌّ: حَقٌّ عَلى الإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِالعَدْلِ ويُوَدِّيَ الأمانَةَ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلى الرَّعِيَّةِ أنْ يَسْمَعُوا ويُطِيعُوا.

أمَرَ اللَّهُ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ وذَلِكَ بِمَعْنى طاعَةِ الشَّرِيعَةِ، فَإنَّ اللَّهَ هو مُنَزِّلُ الشَّرِيعَةِ ورَسُولَهُ مُبَلِّغُها والحاكِمُ بِها في حَضْرَتِهِ.

صفحة ٩٧

وإنَّما أُعِيدَ فِعْلُ أطِيعُوا الرَّسُولَ مَعَ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ يُغْنِي عَنْ إعادَتِهِ إظْهارًا لِلِاهْتِمامِ بِتَحْصِيلِ طاعَةِ الرَّسُولِ لِتَكُونَ أعْلى مَرْتَبَةً مِن طاعَةِ أُولِي الأمْرِ، ولِيُنَبِّهَ عَلى وُجُوبِ طاعَتِهِ فِيما يَأْمُرُ بِهِ، ولَوْ كانَ أمْرُهُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِقَرائِنِ تَبْلِيغِ الوَحْيِ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ السّامِعُ أنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ المَأْمُورَ بِها تَرْجِعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ فِيما يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ دُونَ ما يَأْمُرُ بِهِ في غَيْرِ التَّشْرِيعِ، فَإنَّ امْتِثالَ أمْرِهِ كُلِّهِ خَيْرٌ، ألا تَرى «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَعا أبا سَعِيدِ بْنَ المُعَلّى، وأبُو سَعِيدٍ يُصَلِّي، فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ جاءَهُ فَقالَ لَهُ ما مَنَعَكَ أنْ تُجِيبَنِي فَقالَ كُنْتُ أُصَلِّي فَقالَ ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال»: ٢٤]، ولِذَلِكَ كانُوا إذا لَمْ يَعْلَمُوا مُرادَ الرَّسُولِ مِن أمْرِهِ رُبَّما سَألُوهُ: أهُوَ أمْرُ تَشْرِيعٍ أمْ هو الرَّأْيُ والنَّظَرُ، كَما قالَ لَهُ الحُبابُ بْنُ المُنْذِرِ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ نَزَلَ جَيْشُ المُسْلِمِينَ: «أهَذا مَنزِلٌ أنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنا أنْ نَجْتازَهُ أمْ هو الرَّأْيُ والحَرْبُ والمَكِيدَةُ ؟ قالَ: بَلِ الرَّأْيُ والحَرْبُ والمَكِيدَةُ» . الحَدِيثَ.

«ولَمّا كَلَّمَ بَرِيرَةَ في أنْ تُراجِعَ زَوْجَها مُغِيثًا بَعْدَ أنْ عَتَقَتْ، قالَتْ لَهُ: أتَأْمُرُ يا رَسُولَ اللَّهِ أمْ تَشْفَعُ، قالَ: بَلْ أشْفَعُ، قالَتْ: لا أبْقى مَعَهُ» .

ولِهَذا لَمْ يُعَدْ فِعْلُ ”فَرُدُّوهُ“ في قَوْلِهِ والرَّسُولِ لِأنَّ ذَلِكَ في التَّحاكُمِ بَيْنَهم، والتَّحاكُمُ لا يَكُونُ إلّا لِلْأخْذِ بِحُكْمِ اللَّهِ في شَرْعِهِ، ولِذَلِكَ لا نَجِدُ تَكْرِيرًا لِفِعْلِ الطّاعَةِ في نَظائِرِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي لَمْ يُعْطَفْ فِيها أُولُو الأمْرِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠] وقَوْلِهِ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] .

إذْ طاعَةُ الرَّسُولِ مُساوِيَةٌ لِطاعَةِ اللَّهِ لِأنَّ الرَّسُولَ هو المُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ فَلا يُتَلَقّى أمْرُ …

60

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًۭا

Have you not seen those who claim to have believed in what was revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you? They wish to refer legislation to Taghut, while they were commanded to reject it; and Satan wishes to lead them far astray.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِ هَؤُلاءِ، ناسَبَ الِانْتِقالَ إلَيْهِ مِن مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] . والمَوْصُولُ مُرادٌ بِهِ قَوْمٌ مَعْرُوفُونَ وهم فَرِيقٌ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا مِنَ اليَهُودِ وأظْهَرُوا الإسْلامَ لِقَوْلِهِ ﴿رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ﴾، ولِذَلِكَ قالَ ﴿يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ .

وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ اخْتِلافًا مُتَقارِبًا: فَعَنْ قَتادَةَ والشَّعْبِيِّ أنَّ يَهُودِيًّا اخْتَصَمَ مَعَ مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ فَدَعا اليَهُودِيُّ المُنافِقَ إلى التَّحاكُمِ عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ ولا يَجُورُ في الحُكْمِ، ودَعا المُنافِقُ إلى التَّحاكُمِ عِنْدَ كاهِنٍ مِن جُهَيْنَةَ كانَ بِالمَدِينَةِ.

صفحة ١٠٣

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اليَهُودِيَّ دَعا المُنافِقَ إلى التَّحاكُمِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّ المُنافِقَ دَعا إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ.

فَأبى اليَهُودِيُّ وانْصَرَفا مَعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ، فَلَمّا خَرَجا، قالَ المُنافِقُ: لا أرْضى، انْطَلِقْ بِنا إلى أبِي بَكْرٍ، فَحَكَمَ أبُو بَكْرٍ بِمِثْلِ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ المُنافِقُ: انْطَلِقْ بِنا إلى عُمَرَ، فَلَمّا بَلَغَ عُمَرَ، وأخْبَرَهُ اليَهُودِيُّ الخَبَرَ وصَدَّقَهُ المُنافِقُ، قالَ عُمَرُ: رُوَيْدَكُما حَتّى أخْرُجَ إلَيْكُما، فَدَخَلَ وأخَذَ سَيْفَهُ ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ المُنافِقَ حَتّى بَرَدَ، وقالَ: هَكَذا أقْضِي عَلى مَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

«وقالَ جِبْرِيلُ: إنَّ عُمَرَ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَلَقَّبَهُ النَّبِيءُ ﷺ الفارُوقَ» .

وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ بَيْنَ قُرَيْظَةَ والخَزْرَجِ حِلْفٌ، وبَيْنَ النَّضِيرِ والأوْسِ حِلْفٌ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَتِ النَّضِيرُ أكْثَرَ وأشْرَفَ، فَكانُوا إذا قَتَلَ قُرَظِيٌّ نَضِيرِيًّا قُتِلَ بِهِ وأخَذَ أهْلُ القَتِيلِ دِيَةَ صاحِبِهِمْ بَعْدَ قَتْلِ قاتِلِهِ، وكانَتِ الدِّيَةُ مِائَةَ وسْقٍ مِن تَمْرٍ، وإذا قَتَلَ نَضِيرِيٌّ قُرَظِيًّا لَمْ يُقْتَلْ بِهِ وأعْطى دِيَتَهُ فَقَطْ: سِتِّينَ وسْقًا.

فَلَمّا أسْلَمَ نَفَرٌ مِنَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ قَتَلَ نَضِيرِيٌّ قُرَظِيًّا واخْتَصَمُوا، فَقالَتِ النَّضِيرُ: نُعْطِيكم سِتِّينَ وسْقًا كَما كُنّا اصْطَلَحْنا في الجاهِلِيَّةِ، وقالَتْ قُرَيْظَةُ: هَذا شَيْءٌ فَعَلْتُمُوهُ في الجاهِلِيَّةِ لِأنَّكم كَثُرْتُمْ وقَلَلْنا فَقَهَرْتُمُونا، ونَحْنُ اليَوْمَ إخْوَةٌ ودِينُنا ودِينُكم واحِدٌ، فَقالَ بَعْضُهم وكانَ مُنافِقًا: انْطَلِقُوا إلى أبِي بُرْدَةَ وكانَ أبُو بُرْدَةَ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ فِيما يَتَنافَرُونَ إلَيْهِ فِيهِ.

وقالَ المُسْلِمُونَ: لا بَلْ نَنْطَلِقُ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وأبُو بُرْدَةَ بِدالٍ بَعْدَ الرّاءِ عَلى الصَّحِيحِ، وكَذَلِكَ وقَعَ في مَفاتِيحِ الغَيْبِ، وفي الإصابَةِ لِابْنِ حَجَرٍ، ووَقَعَ في كُتُبٍ كَثِيرَةٍ بِزايٍ بَعْدَ الرّاءِ وهو تَحْرِيفٌ اشْتَبَهَ بِأبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ نَضْلَةَ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.