Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 51–60 of 176

51

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in superstition and false objects of worship and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ نَزَلَتْ في يَهُودٍ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ أرْضى عِنْدَ اللَّهِ مِمّا يَدْعُوهم إلَيْهِ مُحَمَّدٌ. وقِيلَ في حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ في جَمْعٍ مِنَ اليَهُودِ خَرَجُوا إلى مَكَّةَ يُحالِفُونَ قُرَيْشًا عَلى مُحارَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: أنْتُمْ أهْلُ كِتابٍ وأنْتُمْ أقْرَبُ إلى مُحَمَّدٍ مِنكم إلَيْنا فَلا نَأْمَنُ مَكْرَكم فاسْجُدُوا لِآلِهَتِنا حَتّى نَطْمَئِنَّ إلَيْكم فَفَعَلُوا. والجِبْتُ في الأصْلِ اسْمُ صَنَمٍ فاسْتُعْمِلَ في كُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ أصْلُهُ الجِبْسُ وهو الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ فَقُلِبَتْ سِينُهُ تاءً. والطّاغُوتُ يُطْلَقُ لِكُلِّ باطِلٍ مِن مَعْبُودٍ أوْ غَيْرِهِ. ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِأجْلِهِمْ وفِيهِمْ. ﴿هَؤُلاءِ﴾ إشارَةٌ إلَيْهِمْ.

﴿أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ أقْوَمُ دِينًا وأرْشَدُ طَرِيقًا.

52

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا

Those are the ones whom Allah has cursed; and he whom Allah curses - never will you find for him a helper.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ يَمْنَعُ العَذابَ مِنهُ بِشَفاعَةٍ أوْ غَيْرِها.

﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ إنْكارُ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ وجَحْدٌ لِما زَعَمَتِ اليَهُودُ مِن أنَّ المُلْكَ سَيَصِيرُ إلَيْهِمْ. ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ أيْ لَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ أحَدًا ما يُوازِي نَقِيرًا، وهو النَّقْرَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ. وهَذا هو الإغْراقُ في بَيانِ شُحِّهِمْ فَإنَّهم إنْ بَخِلُوا بِالنَّقِيرِ وهم مُلُوكٌ فَما ظَنُّكَ بِهِمْ إذا كانُوا فُقَراءَ أذِلّاءَ مُتَفاقِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنْكارَ أنَّهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ المُلْكِ عَلى الكِنايَةِ، وأنَّهم لا يُؤْتُونَ النّاسَ شَيْئًا وإذا وقَعَ بَعْدَ الواوِ والفاءِ لا لِتَشْرِيكِ مُفْرَدٍ جازَ فِيهِ الإلْغاءُ والإعْمالُ، ولِذَلِكَ قُرِئَ فَإذًا لا يُؤْتُوا النّاسَ عَلى النَّصْبِ.

53

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًۭا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا

Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ يَمْنَعُ العَذابَ مِنهُ بِشَفاعَةٍ أوْ غَيْرِها.

﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ إنْكارُ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ وجَحْدٌ لِما زَعَمَتِ اليَهُودُ مِن أنَّ المُلْكَ سَيَصِيرُ إلَيْهِمْ. ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ أيْ لَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ أحَدًا ما يُوازِي نَقِيرًا، وهو النَّقْرَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ. وهَذا هو الإغْراقُ في بَيانِ شُحِّهِمْ فَإنَّهم إنْ بَخِلُوا بِالنَّقِيرِ وهم مُلُوكٌ فَما ظَنُّكَ بِهِمْ إذا كانُوا فُقَراءَ أذِلّاءَ مُتَفاقِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنْكارَ أنَّهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ المُلْكِ عَلى الكِنايَةِ، وأنَّهم لا يُؤْتُونَ النّاسَ شَيْئًا وإذا وقَعَ بَعْدَ الواوِ والفاءِ لا لِتَشْرِيكِ مُفْرَدٍ جازَ فِيهِ الإلْغاءُ والإعْمالُ، ولِذَلِكَ قُرِئَ فَإذًا لا يُؤْتُوا النّاسَ عَلى النَّصْبِ.

54

أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًۭا

Or do they envy people for what Allah has given them of His bounty? But we had already given the family of Abraham the Scripture and wisdom and conferred upon them a great kingdom.

﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ بَلْ أيَحْسُدُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ، أوِ العَرَبَ، أوِ النّاسَ جَمِيعًا لِأنَّ مَن حَسَدَ عَلى النُّبُوَّةِ فَكَأنَّما حَسَدَ النّاسَ كُلَّهم كَمالَهم. ورُشْدُهم وبَّخَهم وأنْكَرَ عَلَيْهِمُ الحَسَدَ كَما ذَمَّهم عَلى البُخْلِ وهُما شَرُّ الرَّذائِلِ وكَأنَّ بَيْنَهُما تَلازُمًا وتَجاذُبًا. ﴿عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ والكِتابَ والنُّصْرَةَ والإعْزازَ وجَعَلَ النَّبِيَّ المَوْعُودَ مِنهم. ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ﴾ الَّذِينَ هم أسْلافُ مُحَمَّدٍ ﷺ وأبْناءُ عَمِّهِ. ﴿الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ النُّبُوَّةَ. ﴿وَآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ مِثْلَ ما آتاهم.

﴿فَمِنهُمْ﴾ مِنَ اليَهُودِ. ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ بِمُحَمَّدٍ ﷺ أوْ بِما ذَكَرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ. ﴿وَمِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ أعْرَضَ عَنْهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ وقِيلَ مَعْناهُ فَمِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن كَفَرَ ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ تَوْهِينُ أمْرِهِ فَكَذَلِكَ لا يُوهِنُ كُفْرُ هَؤُلاءِ أمْرَكَ. ﴿وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ نارًا مَسْعُورَةً يُعَذَّبُونَ بِها أيْ إنْ لَمْ يُعَجَّلُوا بِالعُقُوبَةِ فَقَدْ كَفاهم ما أُعِدَّ لَهم مِن سَعِيرِ جَهَنَّمَ.

55

فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا

And some among them believed in it, and some among them were averse to it. And sufficient is Hell as a blaze.

﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ بَلْ أيَحْسُدُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ، أوِ العَرَبَ، أوِ النّاسَ جَمِيعًا لِأنَّ مَن حَسَدَ عَلى النُّبُوَّةِ فَكَأنَّما حَسَدَ النّاسَ كُلَّهم كَمالَهم. ورُشْدُهم وبَّخَهم وأنْكَرَ عَلَيْهِمُ الحَسَدَ كَما ذَمَّهم عَلى البُخْلِ وهُما شَرُّ الرَّذائِلِ وكَأنَّ بَيْنَهُما تَلازُمًا وتَجاذُبًا. ﴿عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ والكِتابَ والنُّصْرَةَ والإعْزازَ وجَعَلَ النَّبِيَّ المَوْعُودَ مِنهم. ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ﴾ الَّذِينَ هم أسْلافُ مُحَمَّدٍ ﷺ وأبْناءُ عَمِّهِ. ﴿الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ النُّبُوَّةَ. ﴿وَآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ مِثْلَ ما آتاهم.

﴿فَمِنهُمْ﴾ مِنَ اليَهُودِ. ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ بِمُحَمَّدٍ ﷺ أوْ بِما ذَكَرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ. ﴿وَمِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ أعْرَضَ عَنْهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ وقِيلَ مَعْناهُ فَمِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن كَفَرَ ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ تَوْهِينُ أمْرِهِ فَكَذَلِكَ لا يُوهِنُ كُفْرُ هَؤُلاءِ أمْرَكَ. ﴿وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ نارًا مَسْعُورَةً يُعَذَّبُونَ بِها أيْ إنْ لَمْ يُعَجَّلُوا بِالعُقُوبَةِ فَقَدْ كَفاهم ما أُعِدَّ لَهم مِن سَعِيرِ جَهَنَّمَ.

56

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًۭا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًۭا

Indeed, those who disbelieve in Our verses - We will drive them into a Fire. Every time their skins are roasted through We will replace them with other skins so they may taste the punishment. Indeed, Allah is ever Exalted in Might and Wise.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا﴾ كالبَيانِ والتَّقْرِيرِ لِذَلِكَ. ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ بِأنْ يُعادَ ذَلِكَ الجِلْدُ بِعَيْنِهِ عَلى صُورَةٍ أُخْرى كَقَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الخاتَمَ قِرْطًا، أوْ بِأنْ يُزالَ عَنْهُ أثَرُ الإحْراقِ لِيَعُودَ إحْساسُهُ لِلْعَذابِ كَما قالَ: ﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيْ لِيَدُومَ لَهم ذَوْقُهُ. وقِيلَ يَخْلُقُ لَهم مَكانَهُ جِلْدٌ آخَرُ والعَذابُ في الحَقِيقَةِ لِلنَّفْسِ العاصِيَةِ المُدْرِكَةِ لا لِآلَةِ إدْراكِها فَلا مَحْذُورَ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا﴾ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ما يُرِيدُهُ. ﴿حَكِيمًا﴾ يُعاقِبُ عَلى وفْقِ حِكْمَتِهِ.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ قَدَّمَ ذِكْرَ الكُفّارِ ووَعِيدِهِمْ عَلى ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ ووَعْدِهِمْ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ بِالعَرَضِ. ﴿لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ونُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا﴾ فَيْنانًا لا جَوْبَ فِيهِ ودائِمًا لا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، وهو إشارَةٌ إلى النِّعْمَةِ التّامَّةِ الدّائِمَةِ. والظَّلِيلُ صِفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الظِّلِّ لِتَأْكِيدِهِ كَقَوْلِهِمْ: شَمْسٌ شامِسٌ ولَيْلٌ ألْيَلُ ويَوْمٌ أيْوَمُ.

57

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّۭا ظَلِيلًا

But those who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide forever. For them therein are purified spouses, and We will admit them to deepening shade.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا﴾ كالبَيانِ والتَّقْرِيرِ لِذَلِكَ. ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ بِأنْ يُعادَ ذَلِكَ الجِلْدُ بِعَيْنِهِ عَلى صُورَةٍ أُخْرى كَقَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الخاتَمَ قِرْطًا، أوْ بِأنْ يُزالَ عَنْهُ أثَرُ الإحْراقِ لِيَعُودَ إحْساسُهُ لِلْعَذابِ كَما قالَ: ﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيْ لِيَدُومَ لَهم ذَوْقُهُ. وقِيلَ يَخْلُقُ لَهم مَكانَهُ جِلْدٌ آخَرُ والعَذابُ في الحَقِيقَةِ لِلنَّفْسِ العاصِيَةِ المُدْرِكَةِ لا لِآلَةِ إدْراكِها فَلا مَحْذُورَ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا﴾ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ما يُرِيدُهُ. ﴿حَكِيمًا﴾ يُعاقِبُ عَلى وفْقِ حِكْمَتِهِ.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ قَدَّمَ ذِكْرَ الكُفّارِ ووَعِيدِهِمْ عَلى ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ ووَعْدِهِمْ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ بِالعَرَضِ. ﴿لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ونُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا﴾ فَيْنانًا لا جَوْبَ فِيهِ ودائِمًا لا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، وهو إشارَةٌ إلى النِّعْمَةِ التّامَّةِ الدّائِمَةِ. والظَّلِيلُ صِفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الظِّلِّ لِتَأْكِيدِهِ كَقَوْلِهِمْ: شَمْسٌ شامِسٌ ولَيْلٌ ألْيَلُ ويَوْمٌ أيْوَمُ.

58

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا

Indeed, Allah commands you to render trusts to whom they are due and when you judge between people to judge with justice. Excellent is that which Allah instructs you. Indeed, Allah is ever Hearing and Seeing.

﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ خِطابٌ يَعُمُّ المُكَلَّفِينَ والأماناتِ وإنْ نَزَلَتْ يَوْمَ الفَتْحِ في عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ لَمّا أغْلَقَ بابَ الكَعْبَةِ، وأبى أنْ يَدْفَعَ المِفْتاحَ لِيَدْخُلَ فِيها رَسُولُ اللَّهِ وقالَ: لَوْ عَلِمْتُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ أمْنَعْهُ فَلَوى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ يَدَهُ وأخَذَهُ مِنهُ وفَتَحَ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وصَلّى رَكْعَتَيْنِ فَلَمّا خَرَجَ سَألَهُ العَبّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يُعْطِيَهُ المِفْتاحَ ويَجْمَعَ لَهُ السِّقايَةَ والسَّدانَةَ. فَنَزَلَتْ فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَرُدَّهُ إلَيْهِ، فَأمَرَعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يَرُدَّهُ ويَعْتَذِرَ إلَيْهِ، وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِ ونَزَلَ الوَحْيُ بِأنَّ السَّدانَةَ في أوْلادِهِ أبَدًا ﴿وَإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ أيْ وأنْ تَحْكُمُوا بِالإنْصافِ والسَّوِيَّةِ إذا قَضَيْتُمْ بَيْنَ مَن يَنْفُذُ عَلَيْهِ أمْرُكُمْ، أوْ يَرْضى بِحُكْمِكم ولِأنَّ الحُكْمَ وظِيفَةُ الوُلاةِ قِيلَ الخِطابُ لَهم. ﴿إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ أيْ نِعْمَ شَيْئًا يَعِظُكم بِهِ، أوْ نِعْمَ الشَّيْءُ الَّذِي يَعِظُكم بِهِ فَما مَنصُوبَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِ يَعِظُكم بِهِ. أوْ مَرْفُوعَةٌ مَوْصُولَةٌ بِهِ. والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ وهو المَأْمُورُ بِهِ مِن أداءِ الأماناتِ والعَدْلِ في الحُكُوماتِ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ بِأقْوالِكم وأحْكامِكم وما تَفْعَلُونَ في الأماناتِ.

59

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

O you who have believed, obey Allah and obey the Messenger and those in authority among you. And if you disagree over anything, refer it to Allah and the Messenger, if you should believe in Allah and the Last Day. That is the best [way] and best in result.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ يُرِيدُ بِهِمْ أُمَراءَ المُسْلِمِينَ في عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ وبَعْدَهُ، ويَنْدَرِجُ فِيهِمُ الخُلَفاءُ والقُضاةُ وأُمَراءُ السَّرِيَّةِ. أمَرَ النّاسَ بِطاعَتِهِمْ بَعْدَ ما أمَرَهم بِالعَدْلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ وُجُوبَ طاعَتِهِمْ ما دامُوا عَلى الحَقِّ. وقِيلَ: عُلَماءُ الشَّرْعِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ﴾ أنْتُمْ وأُولُو الأمْرِ مِنكم. ﴿فِي شَيْءٍ﴾ مِن أُمُورِ الدِّينِ، وهو يُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ إذْ لَيْسَ لِلْمُقَلِّدِ أنْ يُنازِعَ المُجْتَهِدَ في حُكْمِهِ بِخِلافِ المَرْؤُوسِ إلّا أنْ يُقالَ الخِطابُ لِأُولِي الأمْرِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ. ﴿فَرُدُّوهُ﴾ فَراجِعُوا فِيهِ. ﴿إلى اللَّهِ﴾ إلى كِتابِهِ. ﴿والرَّسُولِ﴾ بِالسُّؤالِ عَنْهُ في زَمانِهِ، والمُراجَعَةِ إلى سُنَّتِهِ بَعْدَهُ. واسْتَدَلَّ بِهِ مُنْكِرٌ والقِياسُ وقالُوا: إنَّهُ تَعالى أوْجَبَ رَدَّ المُخْتَلِفِ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ دُونَ القِياسِ. وأُجِيبَ بِأنَّ رَدَّ المُخْتَلِفِ إلى المَنصُوصِ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِالتَّمْثِيلِ والبِناءِ عَلَيْهِ وهو القِياسُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ الأمْرَ بِهِ بَعْدَ الأمْرِ بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأحْكامَ ثَلاثَةٌ مُثْبَتٌ بِالكِتابِ ومُثْبَتٌ بِالسُّنَّةِ ومُثْبَتٌ بِالرَّدِّ إلَيْهِما عَلى وجْهِ القِياسِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يُوجِبُ ذَلِكَ. ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الرَّدُّ. ﴿خَيْرٌ﴾ لَكم. ﴿وَأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ عاقِبَةً أوْ أحْسَنُ تَأْوِيلًا مِن تَأْوِيلِكم بِلا رَدٍّ.

60

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًۭا

Have you not seen those who claim to have believed in what was revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you? They wish to refer legislation to Taghut, while they were commanded to reject it; and Satan wishes to lead them far astray.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾

عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. « (أنَّ مُنافِقًا خاصَمَ يَهُودِيًّا فَدَعاهُ اليَهُودِيُّ إلى النَّبِيِّ ﷺ، ودَعاهُ المُنافِقُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ثُمَّ إنَّهُما احْتَكَما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَحَكَمَ لِلْيَهُودِيِّ فَلَمْ يَرْضَ المُنافِقُ بِقَضائِهِ وقالَ: نَتَحاكَمُ إلى عُمَرَ فَقالَ اليَهُودِيُّ لِعُمَرَ: قَضى لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَرْضَ بِقَضائِهِ وخاصَمَ إلَيْكَ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِلْمُنافِقِ: أكَذَلِكَ. فَقالَ نَعَمْ. فَقالَ: مَكانَكُما حَتّى أخْرُجَ إلَيْكُما، فَدَخَلَ فَأخَذَ سَيْفَهُ ثُمَّ خَرَجَ فَضَرَبَ بِهِ عُنُقَ المُنافِقِ حَتّى بَرُدَ وقالَ: هَكَذا أقْضِي لِمَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ ورَسُولِهِ فَنَزَلَتْ.»

وَقالَ جِبْرِيلُ إنَّ عُمَرَ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَسُمِّيَ الفارُوقَ، والطّاغُوتُ عَلى هَذا كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وفي مَعْناهُ مَن يَحْكُمُ بِالباطِلِ ويُؤَثِّرُ لِأجْلِهِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِفَرْطِ طُغْيانِهِ أوْ لِتَشَبُّهِهِ بِالشَّيْطانِ، أوْ لِأنَّ التَّحاكُمَ إلَيْهِ تَحاكُمٌ إلى الشَّيْطانِ مِن حَيْثُ إنَّهُ الحامِلُ عَلَيْهِ كَما قالَ. ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالا بَعِيدًا﴾ وقُرِئَ أنْ «يَكْفُرُوا بِها» عَلى أنَّ الطّاغُوتَ جَمْعٌ كَقَوْلِهِ تَعالى أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم.

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.