Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 51–60 of 176

51

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in superstition and false objects of worship and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ تَعْجِيبٌ مَن حالٍ أُخْرى لَهُمْ، ووَصْفُهم بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ تَشْدِيدًا لِلتَّشْنِيعِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّعْجِيبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، والآيَةُ نَزَلَتْ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -فِي حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ في جَمْعٍ مِن يَهُودَ، وذَلِكَ أنَّهم خَرَجُوا إلى مَكَّةَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ لِيُحالِفُوا قُرَيْشًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ويَنْقُضُوا العَهْدَ الَّذِي كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِﷺ فَنَزَلَ كَعْبٌ عَلى أبِي سُفْيانَ، فَأحْسَنَ مَثْواهُ، ونَزَلَتِ اليَهُودُ في دُورِ قُرَيْشٍ، فَقالَ أهْلُ مَكَّةَ: إنَّكم أهْلُ كِتابٍ، ومُحَمَّدٌ ﷺ صاحِبُ كِتابٍ، فَلا يُؤْمَنُ هَذا أنْ يَكُونَ مَكْرًا مِنكُمْ، فَإنْ أرَدْتَ أنْ نَخْرُجَ مَعَكَ فاسْجُدْ لِهَذَيْنِ الصَّنَمَيْنِ، وآمِن بِهِما، فَفَعَلَ.

ثُمَّ قالَ كَعْبٌ: يا أهْلَ مَكَّةَ لِيَجِئْ مِنكم ثَلاثُونَ ومِنّا ثَلاثُونَ، فَنُلْزِقَ أكْبادَنا بِالكَعْبَةِ، فَنُعاهِدَ رَبَّ البَيْتِ لَنُجْهِدَنَّ عَلى قِتالِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمّا فَرَغُوا قالَ أبُو سُفْيانَ لِكَعْبٍ: إنَّكَ امْرُؤٌ تَقْرَأُ الكِتابَ وتَعْلَمُ، ونَحْنُ أُمِّيُّونَ لا نَعْلَمُ، فَأيُّنا أهْدى طَرِيقًا وأقْرَبَ إلى الحَقِّ نَحْنُ أوْ مُحَمَّدٌ؟ قالَ كَعْبٌ: اعْرِضُوا عَلَيَّ دِينَكُمْ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: نَحْنُ نَنْحَرُ لِلْحَجِيجِ الكَوْماءَ، ونَسْقِيهِمُ اللَّبَنَ، ونَقْرِي الضَّيْفَ، ونَفُكُّ العانِيَ، ونَصِلُ الرَّحِمَ، ونَعْمُرُ بَيْتَ رَبِّنا، ونَطُوفُ بِهِ، ونَحْنُ أهْلُ الحَرَمِ، ومُحَمَّدٌ ﷺ فارَقَ دِينَ آبائِهِ، وقَطَّعَ الرَّحِمَ، وفارَقَ الحَرَمَ، ودِينُنا القَدِيمُ، ودِينُ مُحَمَّدٍ الحَدِيثُ، فَقالَ كَعْبٌ: أنْتُمْ واللَّهِ أهْدى سَبِيلًا مِمّا عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ الآيَةَ.

والجِبْتُ في الأصْلِ اسْمُ صَنَمٍ، فاسْتُعْمِلَ في كُلِّ مَعْبُودٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أصْلُهُ الجِبْسُ، وهو - كَما قالَ الرّاغِبُ -: الرَّذِيلُ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ، فَقُلِبَتْ سِينُهُ تاءً، كَما في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ يَرْبُوعَ: شِرارُ النّاتِ، أيِ النّاسِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ قُطْرُبٌ، والطّاغُوتُ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ باطِلٍ مِن مَعْبُودٍ وغَيْرِهِ.

وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: الجِبْتُ السّاحِرُ، والطّاغُوتُ الشَّيْطانُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ - مِن طُرُقٍ - عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ، ومِن طَرِيقِ أبِي اللَّيْثِ عَنْهُ قالَ: الجِبْتُ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، والطّاغُوتُ الشَّيْطانُ، كانَ في صُورَةِ إنْسانٍ.

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: الجِبْتُ السّاحِرُ، بِلِسانِ الحَبَشَةِ، والطّاغُوتُ الكاهِنُ.

وأخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ الجِبْتَ الشَّيْطانُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، والطّاغُوتَ الكاهِنُ، وهي رِوايَةٌ

صفحة 56

عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى: الجِبْتُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، والطّاغُوتُ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ.

وفِي أُخْرى: الجِبْتُ الأصْنامُ، والطّاغُوتُ الَّذِينَ يَكُونُونَ بَيْنَ يَدَيْها يُعَبِّرُونَ عَنْها الكَذِبَ؛ لِيُضِلُّوا النّاسَ.

ومَعْنى الإيمانِ بِهِما إمّا التَّصْدِيقُ بِأنَّهُما آلِهَةٌ وإشْراكُهُما بِالعِبادَةِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، وإمّا طاعَتُهُما ومُوافَقَتُهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، وإمّا القَدْرُ …

52

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا

Those are the ones whom Allah has cursed; and he whom Allah curses - never will you find for him a helper.

﴿أُولَئِكَ﴾ القائِلُونَ المُبْعِدُونَ في الضَّلالَةِ ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أبْعَدَهم عَنْ رَحْمَتِهِ وطَرَدَهُمْ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، والمَوْصُولُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ وإظْهارِ مَآلِهِمْ ﴿ومَن يَلْعَنِ﴾ أيْ: يُبْعِدْهُ ﴿اللَّهُ﴾ مِن رَحْمَتِهِ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ أيْ: ناصِرًا، يَمْنَعُ عَنْهُ العَذابَ دُنْيَوِيًّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًّا بِشَفاعَةٍ أوْ بِغَيْرِها، وفِيهِ بَيانٌ لِحِرْمانِهِمْ ثَمَرَةَ اسْتِنْصارِهِمْ بِمُشْرِكِي مَكَّةَ، وإيماءٌ إلى وعْدِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُمُ المَنصُورُونَ، حَيْثُ كانُوا بِضِدِّ هَؤُلاءِ، فَهُمُ الَّذِينَ قَرَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ومَن يُقَرِّبْهُ اللَّهُ تَعالى فَلَنْ تَجِدَ لَهُ خاذِلًا.

وفِي الإتْيانِ بِكَلِمَةِ (لَنْ) وتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى كُلِّ واحِدٍ يَصْلُحُ لَهُ وتَوْحِيدِ النَّصِيرِ مُنَكَّرًا والتَّعْبِيرِ عَنْ عَدَمِهِ بِعَدَمِ الوِجْدانِ المُؤْذِنِ بِسَبْقِ الطَّلَبِ مُسْنَدًا إلى المُخاطَبِ العامِّ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى حِرْمانِهِمُ الأبَدِيِّ عَنِ الظَّفَرِ بِما أمَّلُوا بِالكُلِّيَّةِ ما لا يَخْفى، وإنِ اعْتُبِرَتِ المُبالَغَةُ في (نَصِيرٍ) مُتَوَجِّهَةً لِلنَّفْيِ كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ﴾ قَوِيَ أمْرُ هَذِهِ الدَّلالَةِ.

53

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًۭا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا

Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.

﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ بَعْضٍ آخَرَ مِن قَبائِحِهِمْ، و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ فَتُقَدَّرُ بِـ(بَلْ) والهَمْزَةِ أيْ: بَلْ آلَهُمْ، والمُرادُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، وجُحِدَ لِما تَدَّعِيهِ اليَهُودُ مِن أنَّ المُلْكَ يَعُودُ إلَيْهِمْ في آخِرِ الزَّمانِ.

وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ المُرادَ بِالمُلْكِ ها هُنا النُّبُوَّةُ، أيْ: لَيْسَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ النُّبُوَّةِ حَتّى يَلْزَمَ النّاسُ اتِّباعَهم وإطاعَتَهُمْ، والأوَّلُ أظْهَرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ﴾ أيْ: أحَدًا، أوِ الفُقَراءَ، أوْ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – وأتْباعَهُ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ﴿نَقِيرًا﴾ أيْ: شَيْئًا قَلِيلًا، وأصْلُهُ ما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ أبِي العالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: هَذا النَّقِيرُ، فَوَضَعَ طَرَفَ الإبْهامِ عَلى باطِنِ السَّبّابَةِ ثُمَّ نَقَرَها، وحاصِلُ المَعْنى عَلى ما قِيلَ: إنَّهم لا نَصِيبَ لَهم مِنَ المُلْكِ لِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ بَلْ لِاسْتِحْقاقِهِمْ حِرْمانَهُ بِسَبَبِ أنَّهم لَوْ أُوتُوا نَصِيبًا مِنهُ لَما أعْطَوُا النّاسَ أقَلَّ قَلِيلٍ مِنهُ، ومِن حَقِّ مَن أُوتِيَ المُلْكَ الإيتاءُ، وهم لَيْسُوا كَذَلِكَ، فالفاءُ في (فَإذًا) لِلسَّبَبِيَّةِ والجَزائِيَّةِ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، هُوَ: إنْ حَصَلَ لَهم نَصِيبٌ لا، لَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ - كَما قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - لَأنَّ الفاءَ لا تَقَعُ في جَوابِ لَوْ، سِيَّما مَعَ إذًا والمُضارِعِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ عاطِفَةً، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ المَجْمُوعِ مِنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، بِمَعْنى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنَّ يَكُونَ هَذا الَّذِي

صفحة 57

وقَعَ، وهو أنَّهم قَدْ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ المُلْكِ، حَيْثُ كانَتْ لَهم أمْوالٌ وبَساتِينُ وقُصُورٌ مُشَيَّدَةٌ كالمُلُوكِ، ويَعْقُبُهُ مِنهُمُ البُخْلُ بِأقَلِّ قَلِيلٍ، وفائِدَةُ (إذًا) زِيادَةُ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، حَيْثُ يَجْعَلُونَ ثُبُوتَ النَّصِيبِ الَّذِي هو سَبَبُ الإعْطاءِ سَبَبًا لِلْمَنعِ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ الإنْكارَ في الأوَّلِ مُتَوَجِّهٌ إلى الجُمْلَةِ الأوْلى وهو بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ، وفي الثّانِي مُتَوَجِّهٌ لِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، وهو بِمَعْنى إنْكارِ الواقِعِ، و(إذًا) في الوَجْهَيْنِ مُلْغاةٌ ويَجُوزُ إعْمالُها؛ لِأنَّهُ قَدْ شُرِطَ في إعْمالِها الصَّدارَةُ، فَإذا نُظِرَ إلى كَوْنِها في صَدْرِ جُمْلَتِها أُعْمِلَتْ، وإنْ نُظِرَ إلى العَطْفِ وكَوْنِها تابِعَةً لِغَيْرِها أُهْمِلَتْ، ولِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -: (فَإذًا لا يُؤْتُوا النّاسَ) بِالنَّصْبِ عَلى الإعْمالِ.

54

أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًۭا

Or do they envy people for what Allah has given them of His bounty? But we had already given the family of Abraham the Scripture and wisdom and conferred upon them a great kingdom.

﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ انْتِقالٌ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ بِالبُخْلِ إلى تَوْبِيخِهِمْ بِالحَسَدِ، الَّذِي هو أقْبَحُ الرَّذائِلِ المُهْلِكَةِ مَنِ اتَّصَفَ بِها دُنْيا وأُخْرى، وذِكْرُهُ بَعْدَهُ مِن بابِ التَّرَقِّي و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ، والهَمْزَةُ المُقَدَّرَةُ بَعْدَها لِإنْكارِ الواقِعِ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ سَيِّدُهُمْ، بَلْ سَيِّدُ الخَلِيقَةِ عَلى الإطْلاقِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإلى هَذا ذَهَبَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ، وعَطِيَّةُ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: «قالَ أهْلُ الكِتابِ: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أنَّهُ أُوتِيَ ما أُوتِيَ في تَواضُعٍ ولَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ، ولَيْسَ هَمُّهُ إلّا النِّكاحُ، فَأيُّ مُلْكٍ أفْضَلَ مِن هَذا؟» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

وذَهَبَ قَتادَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ إلى أنَّ المُرادَ بِهِمُ العَرَبُ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُمُ النَّبِيُّ وآلِهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةُ وأكْمَلُ السَّلامِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ جَمِيعُ النّاسِ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّﷺ مِنَ الأسْوَدِ والأحْمَرِ، أيْ: بَلْ أيَحْسُدُونَهم ﴿عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ وإباحَةَ تِسْعِ نِسْوَةٍ، أوْ بِعْثَةَ النَّبِيِّﷺ – مِنهُمْ، ونُزُولَ القُرْآنِ بِلِسانِهِمْ، أوْ جَمْعَهم كِمالاتٍ تَقْصُرُ عَنْها الأمانِيُّ، أوْ تَهْيِئَةَ سَبَبِ رَشادِهِمْ بِبَعْثَةِ النَّبِيِّﷺ –إلَيْهِمْ، والحَسَدُ عَلى هَذا مَجازٌ؛ لِأنَّ اليَهُودَ لَمّا نازَعُوهُ في نُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الَّتِي هي إرْشادٌ لِجَمِيعِ النّاسِ فَكَأنَّما حَسَدُوهم جَمْعٌ ﴿فَقَدْ آتَيْنا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ والِاسْتِقْباحِ، وإجْراءُ الكَلامِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِالأمْرِ، والفاءُ كَما قِيلَ فَصِيحَةٌ، أيْ: إنْ يَحْسُدُوا النّاسَ عَلى ما أُوتُوا فَقَدْ أخْطَئُوا؛ إذْ لَيْسَ الإيتاءُ بِبِدْعٍ مِنّا؛ لِأنّا قَدْ آتَيْنا مِن قَبْلِ هَذا ﴿آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ﴾ أيْ: جِنْسَهُ، والمُرادُ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ أوْ هُما والزَّبُورُ ﴿والحِكْمَةَ﴾ أيِ: النُّبُوَّةَ، أوْ إتْقانَ العِلْمِ والعَمَلِ، أوِ الأسْرارَ المُودَعَةَ في الكِتابِ، أقْوال.

﴿وآتَيْناهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهَذا الحَسَدِ، فَإنّا قَدْ آتَيْنا هَؤُلاءِ ما آتَيْنا مَعَ كَثْرَةِ الحُسّادِ الجَبابِرَةِ مِن نَمْرُودَ وفِرْعَوْنَ وغَيْرِهِما، فَلَمْ يَنْتَفِعِ الحاسِدُ ولَمْ يَتَضَرَّرِ المَحْسُودُ، وأنْ يُرادَ أنَّ حَسَدَهم هَذا في غايَةِ القُبْحِ والبُطْلانِ، فَإنّا قَدْ آتَيْنا مِن قَبْلُ أسْلافَ هَذا النَّبِيِّ المَحْسُودِ ﷺوأبْناءَ عَمِّهِ ما آتَيْناهُمْ، فَكَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ نُبُّوتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَحْسُدُونَهُ عَلى إيتائِها؟! وتَكْرِيرُ الإيتاءِ لِما يَقْتَضِيهِ مَقامُ التَّفْصِيلِ مَعَ الإشْعارِ بِما بَيْنَ المُلْكِ وما قَبْلَهُ مِنَ المُغايَرَةِ، والمُرادُ مِنَ الإيتاءِ إمّا الإيتاءُ بِالذّاتِ وإمّا ما هو أعَمُّ مِنهُ ومِنَ الإيتاءِ بِالواسِطَةِ، وعَلى الأوَّلِ فالمُرادُ مِن آلِ إبْراهِيمَ أنْبِياءُ ذُرِّيَّتِهِ، ومِنَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلَيْهِمْ مِن (آتَيْناهُمْ) بَعْضُهُمْ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: «المُلْكُ في آلِ إبْراهِيمَ مُلْكُ يُوسُفَ …

55

فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا

And some among them believed in it, and some among them were averse to it. And sufficient is Hell as a blaze.

﴿فَمِنهُمْ﴾ أيْ: مِن جِنْسِ هَؤُلاءِ الحاسِدِينَ وآبائِهِمْ ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ أيْ بِما أُوتِيَ آلَ إبْراهِيمَ ﴿ومِنهم مَن صَدَّ﴾ أيْ: أعْرَضَ ﴿عَنْهُ﴾ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، وهَذا في رَأْيٍ حِكايَةٌ لِما صَدَرَ عَنْ أسْلافِهِمْ عَقِيبَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في الإلْزامِ، وقِيلَ: لَهُ دَخَلَ في ذَلِكَ بِبَيانِ أنَّ الحَسَدَ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَبِيحًا لَأجْمَعَ عَلَيْهِ أسْلافُهم فَلَمْ يُؤْمِن مِنهم أحَدٌ، كَما أجَمَعُوهم عَلَيْهِ فَلَمْ يُؤْمِن أحَدٌ مِنهُمْ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ فَمِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن كَفَرَ، ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ تَوْهِينُ أمْرِهِ، فَكَذَلِكَ لا يُوهِنُ كُفْرُ هَؤُلاءِ أمْرَكَ، فَضَمِيرُ (بِهِ) و(عَنْهُ) عَلى هَذا لِإبْراهِيمَ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورُجُوعُ الضَّمِيرَيْنِ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وجَعْلُ الكَلامِ مُتَفَرِّعًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أوْ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ إلَخْ في غايَةِ البُعْدِ.

وكَذا جَعْلُ الضَّمِيرَيْنِ لِما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ ﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أيْ نارًا مُسَعَّرَةً مُوقَدَةً إيقادًا شَدِيدًا، أيْ: إنِ انْصَرَفَ عَنْهم بَعْضُ العَذابِ في الدُّنْيا فَقَدْ كَفاهم ما أُعِدَّ لَهم مِن سُعَيْرِ جَهَنَّمَ في العُقْبى.

56

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًۭا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًۭا

Indeed, those who disbelieve in Our verses - We will drive them into a Fire. Every time their skins are roasted through We will replace them with other skins so they may taste the punishment. Indeed, Allah is ever Exalted in Might and Wise.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ كالبَيانِ والتَّقْرِيرِ لِما قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِﷺ وإمّا ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِمَّنْ كَفَرَ بِسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويَدْخُلُ أُولَئِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وعَلى الأوَّلِ فالمُرادُ بِالآياتِ إمّا القُرْآنُ أوْ ما يَعُمُّ كُلُّهُ وبَعْضُهُ، أوْ ما يَعُمُّ سائِرَ مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَلى الثّانِي فالمُرادُ بِها ما يَعُمُّ المَذْكُوراتِ وسائِرَ الشَّواهِدِ الَّتِي أتى بِها الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى مُدَعّاهُمْ، و(سَوْفَ) كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: كَلِمَةٌ تُذْكَرُ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، وتَنُوبُ عَنْها السِّينُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ وقَدْ تُذْكَرُ لِلْوَعْدِ، كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾، ”وسَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي“ وكَثِيرًا ما تُفِيدُ هي والسِّينُ تَوْكِيدَ الوَعِيدِ، وتَنْكِيرُ (نارًا) لِلتَّفْخِيمِ، أيْ: يَدْخُلُونَ - ولا بُدَّ - نارًا هائِلَةً.

﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أيِ احْتَرَقَتْ وتَهَرَّتْ وتَلاشَتْ، مِن نَضِجَ الثَّمَرُ واللَّحْمُ نَضَجًا ونُضْجًا إذا أدْرَكَ، و(كُلَّما) ظَرْفُ زَمانٍ، والعامِلُ فِيهِ ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ أيْ أعْطَيْناهم مَكانَ كُلِّ جِلْدٍ مُحْتَرِقٍ عِنْدَ احْتِراقِهِ جِلْدًا جَدِيدًا مُغايِرًا لِلْمُحْتَرِقِ صُورَةً وإنْ كانَتْ مادَّتُهُ الأصْلِيَّةُ مَوْجُودَةً، بِأنْ يُزالَ عَنْهُ الإحْراقُ، فَلا يَرِدُ أنَّ الجِلْدَ الثّانِيَ لَمْ يَعْصِ فَكَيْفَ يُعَذَّبُ؟! وذَلِكَ لِأنَّهُ هو العاصِي بِاعْتِبارِ أصْلِهِ، فَإنَّهُ لَمْ يُبَدَّلْ إلّا صِفَتُهُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا السُّؤالَ مِمّا لا يَكادُ يَسْألُهُ عاقِلٌ فَضْلًا عَنْ فاضِلٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عِصْيانَ الجِلْدِ وطاعَتَهُ وتَألُّمَهُ وتَلَذُّذَهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ ذاتُهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ سائِرِ الجَماداتِ مِن جِهَةِ عَدَمِ الإدْراكِ والشُّعُورِ، وهو أشْبَهُ الأشْياءِ بِالآلَةِ، فَيَدُ قاتِلِ النَّفْسِ ظُلْمًا - مَثَلًا - آلَةٌ لَهُ كالسَّيْفِ الَّذِي قَتَلَ بِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما إلّا بِأنَّ اليَدَ حامِلَةٌ لِلرُّوحِ والسَّيْفَ لَيْسَ كَذَلِكَ، وهَذا لا يَصْلُحُ وحْدَهُ سَبَبًا لِإعادَةِ اليَدِ بِذاتِها وإحْراقِها دُونَ إعادَةِ السَّيْفِ وإحْراقِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ

صفحة 59

الحَمْلَ غَيْرُ اخْتِيارِيٍّ، فالحَقُّ أنَّ العَذابَ عَلى النَّفْسِ الحَسّاسَةِ بِأيِّ بَدَنٍ حَلَّتْ، وفي أيِّ جِلْدٍ كانَتْ، وكَذا يُقالُ في النَّعِيمِ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ مِن أهْلِ النّارِ مَن يَمْلَأُ زاوِيَةً مِن زَوايا جَهَنَّمَ، وأنَّ سِنَّ الجَهَنَّمِيِّ كَجَبَلِ أُحُدٍ، وأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَدْخُلُونَها عَلى طُولِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، سِتِّينَ ذِراعًا في عَرْضِ سَبْعَةِ أذْرُعٍ، ولا شَكَّ أنَّ الفَرِيقَيْنِ لَمْ يُباشِرُوا الشَّرَّ والخَيْرَ بِتِلْكَ الأجْسامِ، بَلْ مَن أنْصَفَ رَأى أنَّ أجْزاءَ الأبْدانِ في الدُّنْيا لا تَبْقى عَلى كِمِّيَّتِها كُهُولَةً وشُيُوخَةً، وكَوْنُ الماهِيَّةِ واحِدَةً لا يُفِيدُ؛ لِأنّا لَمْ نَدَّعِ فِيما نَحْنُ فِيهِ أنَّ الجِلْدَ الثّانِيَ يُغايِرُ الجِلْدَ الأوَّلَ كَمُغايَرَةِ العَرَضِ لِلْجَوْهَرِ أوِ الإنْسانِ لِلْحَجَرِ، بَلْ كَمُغايَرَةِ زَيْدٍ المُطِيعِ لِعَمْرٍو العاصِي مَثَلًا، عَلى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: إنَّ الكافِرَ يُعَذَّبُ أوَّلًا بِبَدَنٍ مِن حَدِيدٍ تُحِلُّهُ الرُّوحُ وثانِيًا بِبَدَنٍ مِن غَيْرِهِ، كَذَلِكَ لَمْ …

57

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّۭا ظَلِيلًا

But those who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide forever. For them therein are purified spouses, and We will admit them to deepening shade.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ عَقَّبَ بَيانَ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ بِبَيانِ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ؛ تَكْمِيلًا لِلْمَساءَةِ والمَسَرَّةِ، وقَدَّمَ بَيانَ حالِ الأوَّلِينَ؛ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا المُؤْمِنُونَ بِنَبِيِّنا ﷺ وإمّا ما يَعُمُّهم وسائِرَ مَن آمَنَ مِن أُمَمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أيْ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وعَمِلُوا الأعْمالَ الحَسَنَةَ ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ .

قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (سَيُدْخِلُهُمْ) بِالياءِ، والضَّمِيرُ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ، وفي السِّينِ تَأْكِيدٌ لِلْوَعْدِ، وفي اخْتِبارِها هُنا واخْتِيارِ (سَوْفَ) في آيَةِ الكُفْرِ ما لا يَخْفى.

﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ إعْظامًا لِلْمِنَّةِ، وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (سَنُدْخِلُهُمْ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أيْ: مِنَ الحَيْضِ والنِّفاسِ وسائِرِ المَعايِبِ والأدْناسِ والأخْلاقِ الدَّنِيئَةِ والطِّباعِ الرَّدِيئَةِ، لا يَفْعَلْنَ ما يُوحِشُ أزْواجَهُنَّ، ولا يُوجَدُ فِيهِنَّ ما يُنَفِّرُ عَنْهُنَّ، في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن (جَنّاتٍ) أوْ حالٌ ثانِيَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أوْ أنَّهُ صِفَةٌ لِـ(جَنّاتٍ) بَعْدَ صِفَةٍ، أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبْرٌ لِلْمَوْصُولِ بَعْدَ خَبَرٍ.

والمُرادُ: أزْواجٌ كَثِيرَةٌ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الأخْبارُ ﴿ونُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا﴾ أيْ: فَيْنانًا لا جَوْبَ فِيهِ، ودائِمًا لا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، وسَجْسَجًا لا حَرَّ فِيهِ ولا قُرَّ، رَزَقَنا اللَّهُ تَعالى التَّفَيُّؤَ فِيهِ بِرَحْمَتِهِ، إنَّهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، والمُرادُ بِذَلِكَ إمّا حَقِيقَتُهُ ولا يَمْنَعُ مِنهُ عَدَمُ الشَّمْسِ، وإمّا أنَّهُ إشارَةٌ إلى النِّعْمَةِ التّامَّةِ الدّائِمَةِ، والظَّلِيلُ صِفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن لَفْظِ الظِّلِّ لِلتَّأْكِيدِ كَما هو عادَتُهم في نَحْوِ: (يَوْمٌ أُيْوَمُ ولَيْلٌ ألْيَلُ).

وقالَ الإمامُ المَرْزُوقِيُّ: إنَّهُ مُجَرَّدُ لَفْظٍ تابِعٍ لِما اشْتُقَّ مِنهُ، ولَيْسَ لَهُ مَعْنًى وضْعِيٌّ بَلْ هو كَـ(بَسَنٍ) في قَوْلِكَ: حَسَنٌ بَسَنٌ، وقُرِئَ: (يُدْخِلُهُمْ) بِالياءِ عَطْفًا عَلى (سَيُدْخِلُهُمْ) لا عَلى أنَّهُ غَيْرُ الإدْخالِ الأوَّلِ بِالذّاتِ بَلْ بِالعُنْوانِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ .

* * *

هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ خِطابٌ لِأهْلِ الإيمانِ العِلْمِيِّ، ونَهْيٌ لَهم أنْ يُناجُوا رَبَّهم أوْ يَقْرَبُوا مَقامَ الحُضُورِ والمُناجاةِ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في حالِ كَوْنِهِمْ سُكارى خَمْرِ الهَوى ومَحَبَّةِ الدُّنْيا، أوْ نَوْمِ الغَفْلَةِ حَتّى يَصْحُوا ولا يَشْتَغِلُوا بِغَيْرِ مَوْلاهُمْ، والمَقْصُودُ النَّهْيُ عَنْ إشْغالِ القَلْبِ بِسِوى الرَّبِّ.

وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِأهْلِ المَحَبَّةِ والعِشْقِ الَّذِينَ أسْكَرَهم

صفحة 61

شَرابُ لَيْلِي ومُدامُ مَيٍّ فَبَقُوا حَيارى مَبْهُوتِينَ، لا يُمَيِّزُونَ الحَيَّ مِنَ اللَّيِّ، ولا يَعْرِفُونَ الأوْقاتِ ولا يَقْدِرُونَ عَلى أداءِ شَرائِطِ الصَّلَواتِ، فَكَأنَّهم قِيلَ لَهُمْ: يا أيُّها العارِفُونَ بِي وبِصِفاتِي وأسْمائِي، السُّكارى مِن شَرابِ مَحَبَّتِي، وسَلْسَبِيلِ أُنْسِي، وتَسْنِيمِ قَدَمِي، وزَنْجَبِيلِ قُرْبِي، ومُدامِ عِشْقِي، وعَقارِ مُشاهَدَتِي، إذا …

58

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا

Indeed, Allah commands you to render trusts to whom they are due and when you judge between people to judge with justice. Excellent is that which Allah instructs you. Indeed, Allah is ever Hearing and Seeing.

﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -قالَ: ««لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَكَّةَ دَعا عُثْمانَ بْنَ أبِي طَلْحَةَ فَلَمّا أتاهُ قالَ: أرِنِي المِفْتاحَ، فَأتاهُ بِهِ، فَلَمّا بَسَطَ يَدَهُ إلَيْهِ، قامَ العَبّاسُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بِأبِي أنْتَ وأُمِّي اجْعَلْهُ لِي مَعَ السِّقايَةِ، فَكَفَّ عُثْمانُ يَدَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: أرِنِي المِفْتاحَ يا عُثْمانُ، فَبَسَطَ يَدَهُ يُعْطِيهِ، فَقالَ العَبّاسُ مِثْلَ كَلِمَتِهِ الأُولى، فَكَفَّ عُثْمانُ يَدَهُ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: يا عُثْمانُ إنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَهاتِنِي المِفْتاحَ، فَقالَ: هاكَ بِأمانَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقامَ فَفَتَحَ الكَعْبَةَ فَوَجَدَ فِيها تِمْثالَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهُ قِداحٌ يَسْتَقْسِمُ بِها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما لِلْمُشْرِكِينَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وما شَأْنُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وشَأْنُ القِداحِ، وأزالَ ذَلِكَ، وأخْرَجَ مَقامَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ في الكَعْبَةِ ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ هَذِهِ القِبْلَةُ، ثُمَّ خَرَجَ فَطافَ بِالبَيْتِ، ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما ذُكِرَ لَنا بِرَدِّ المِفْتاحِ، فَدَعا عُثْمانَ بْنَ أبِي طَلْحَةَ فَأعْطاهُ المِفْتاحَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ الآيَةَ».

وفِي رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ حِينَ أُعْطِيَ المِفْتاحَ: «خُذُوها يا بَنِي طَلْحَةَ خالِدَةً تالِدَةَ لا يَنْزِعُها مِنكم إلّا ظالِمٌ» يَعْنِي سِدانَةَ الكَعْبَةِ».

وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ: أنَّ عُثْمانَ دَفَعَ المِفْتاحَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى أخِيهِ شَيْبَةَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، فَهو في يَدِ ولَدِهِ إلى اليَوْمِ، وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ والبَغْوِيُّ والواحِدِيُّ «أنَّ عُثْمانَ امْتَنَعَ عَنْ إعْطاءِ المِفْتاحِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقالَ: لَوْ عَلِمْتُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ أمْنَعْهُ، فَلَوى عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -يَدَهُ وأخَذَهُ مِنهُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – الكَعْبَةَ، وصَلّى رَكْعَتَيْنِ، فَلَمّا خَرَجَ سَألَهُ العَبّاسُ أنْ يَجْمَعَ لَهُ السِّدانَةَ والسِّقايَةَ فَنَزَلَتْ، فَأمَرَ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنْ يَرُدَّ ويَعْتَذِرَ إلَيْهِ، وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِ، ونُزُولِ الوَحْيِ بِأنَّ السِّدانَةَ في أوْلادِهِ أبَدًا»» وما ذَكَرْناهُ أوْلى بِالِاعْتِبارِ.

أمّا أوَّلًا: فَلِما قالَ الأشْمُونِيُّ: إنَّ المَعْرُوفَ عِنْدَ أهْلِ السِّيَرِ أنَّ عُثْمانَ بْنَ طَلْحَةَ أسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ في هُدْنَةِ الحُدَيْبِيَةِ، مَعَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وعَمْرِو بْنِ العاصِ، كَما ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ، وجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعابِ، والنَّوَوِيُّ في تَهْذِيبِهِ، والذَّهَبِيُّ وغَيْرُهم.

وأمّا ثانِيًا: فَلِما فِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّهُ هو الصَّحِيحُ.

وأما ثالِثًا: فَلِأنَّ المِفْتاحَ عَلى هَذا لا يُعَدُّ أمانَةً؛ لِأنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أخَذَهُ مِنهُ قَهْرًا، …

59

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

O you who have believed, obey Allah and obey the Messenger and those in authority among you. And if you disagree over anything, refer it to Allah and the Messenger, if you should believe in Allah and the Last Day. That is the best [way] and best in result.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَعْدَما أمَرَ سُبْحانَهُ وُلاةَ الأُمُورِ بِالعُمُومِ أوِ الخُصُوصِ بِأداءِ الأمانَةِ والعَدْلِ في الحُكُومَةِ أمَرَ النّاسَ بِإطاعَتِهِمْ في ضِمْنِ إطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وإطاعَةِ رَسُولِهِﷺ حَيْثُ قالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ﴾ أيِ: الزَمُوا طاعَتَهُ فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ المَبْعُوثَ لِتَبْلِيغِ أحْكامِهِ إلَيْكم في كُلِّ ما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ أيْضًا.

وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ المَعْنى: أطِيعُوا اللَّهَ في الفَرائِضِ وأطِيعُوا الرَّسُولَ في السُّنَنِ، والأوَّلُ أوْلى، وأعادَ الفِعْلَ - وإنْ كانَتْ طاعَةُ الرَّسُولِ مُقْتَرِنَةً بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى - اعْتِناءً بِشَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَطْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّهُ لا يَجِبُ امْتِثالُ ما لَيْسَ في القُرْآنِ، وإيذانًا بِأنَّ لَهُﷺاسْتِقْلالًا بِالطّاعَةِ لَمْ يَثْبُتْ لِغَيْرِهِ، ومِن ثَمَّ لَمْ يُعَدْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ إيذانًا بِأنَّهم لا اسْتِقْلالَ لَهم فِيها اسْتِقْلالَ الرَّسُولِﷺ واخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِمْ فَقِيلَ: أُمَراءُ المُسْلِمِينَ في عَهْدِ الرَّسُولِﷺ –وبَعْدَهُ، ويَنْدَرِجُ فِيهِمُ الخُلَفاءُ والسَّلاطِينُ والقُضاةُ وغَيْرُهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ أُمَراءُ السَّرايا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ومَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، وأخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -قالَ: ««بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِﷺ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ في سَرِيَّةٍ وفِيها عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ فَسارُوا قِبَلَ القَوْمِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ، فَلَمّا بَلَغُوا قَرِيبًا مِنهم عَرَّسُوا، وأتاهم ذُو العُيَيْنَتَيْنِ، فَأخْبَرَهُمْ، فَأصْبَحُوا قَدْ هَرَبُوا غَيْرَ رَجُلٍ أمَرَ أهْلَهُ فَجَمَعُوا مَتاعَهُمْ، ثُمَّ أقْبَلُ يَمْشِي في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ حَتّى أتى عَسْكَرَ خالِدٍ يَسْألُ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ فَأتاهُ فَقالَ: يا أبا اليَقْظانِ، إنِّي قَدْ أسْلَمْتُ وشَهِدْتُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وإنَّ قَوْمِي لَمّا سَمِعُوا بِكم هَرَبُوا وإنِّي بَقِيتُ، فَهَلْ إسْلامِي نافِعِي غَدًا وإلّا هَرَبْتُ؟ فَقالَ عَمّارٌ: بَلْ هو يَنْفَعُكَ، فَأقِمْ، فَأقامَ، فَلَمّا أصْبَحُوا أغارَ خالِدٌ فَلَمْ يَجِدْ أحَدًا غَيْرَ الرَّجُلِ، فَأخَذَهُ وأخَذَ مالَهُ، فَبَلَغَ عَمّارًا الخَبَرُ فَأتى خالِدًا فَقالَ: خَلِّ عَنِ الرَّجُلِ؛ فَإنَّهُ قَدْ أسْلَمَ، وهو في أمانٍ مِنِّي، قالَ خالِدٌ: وفِيمَ أنْتَ تُجِيرُ؟ فاسْتَبّا وارْتَفَعا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ خالِدٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتَتْرُكُ هَذا العَبْدَ الأجْدَعَ يَشْتُمُنِي؟! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «يا خالِدُ، لا تَسُبَّ عَمّارًا؛ فَإنَّ مَن سَبَّ عَمّارًا سَبَّهُ اللَّهُ تَعالى، ومَن أبْغَضَ عَمّارًا أبْغَضَهُ اللَّهُ تَعالى، ومَن لَعَنَ عَمّارًا لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى» فَغَضِبَ عَمّارٌ فَقامَ، فَتَبِعَهُ خالِدٌ حَتّى أخَذَ بِثَوْبِهِ فاعْتَذَرَ إلَيْهِ فَرَضِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ».

ووَجْهُ التَّخْصِيصِ عَلى هَذا أنَّ في عَدَمِ إطاعَتِهِمْ ولا سُلْطانَ ولا حاضِرَةَ مَفْسَدَةً عَظِيمَةً، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ أهْلُ العِلْمِ، ورَوى ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنِ، وعَطاءٍ، وجَماعَةٍ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ أبُو …

60

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًۭا

Have you not seen those who claim to have believed in what was revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you? They wish to refer legislation to Taghut, while they were commanded to reject it; and Satan wishes to lead them far astray.

﴿ألَمْ تَرَ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وتَعْجِيبٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ: ألَمْ تَنْظُرْ أوْ ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ ﴿إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ مِنَ الزَّعْمِ وهو كَما في القامُوسِ مُثَلَّثُ القَوْلِ: الحَقُّ والباطِلُ والكَذِبُ ضِدٌّ، وأكْثَرُ ما يُقالُ فِيما يُشَكُّ فِيهِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّهُ قَوْلٌ بِلا دَلِيلٍ، وقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ بِمَعْنى القَوْلِ الحَقِّ، وفي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««زَعَمَ جِبْرِيلُ»» وفي حَدِيثِ ضِمامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «زَعَمَ رَسُولُكَ» وقَدْ أكْثَرَ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ مِن قَوْلِهِ: زَعَمَ الخَلِيلُ كَذا في أشْياءَ يَرْتَضِيها، وفي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ: أنَّ زَعَمَ في كُلِّ هَذا بِمَعْنى القَوْلِ، والمُرادُ بِهِ هُنا مُجَرَّدُ الِادِّعاءِ، أيْ يَدَّعُونَ ﴿أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ أيِ: القُرْآنِ:

﴿وما أُنْزِلَ﴾ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ وهو التَّوْراةُ، ووُصِفُوا بِهَذا الِادِّعاءِ لِتَأْكِيدِ التَّعْجِيبِ، وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والِاسْتِقْباحِ، وقُرِئَ: (أنْزَلَ) و(أنْزَلَ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ بَيانٌ لِمَحَلِّ التَّعْجِيبِ عَلى قِياسِ نَظائِرِهِ.

أخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ««أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ - يُقالُ لَهُ بِشْرٌ - خاصَمَ يَهُودِيًّا، فَدَعاهُ اليَهُودُ إلى النَّبِيِّﷺ ودَعاهُ المُنافِقُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، ثُمَّ إنَّهُما احْتَكَما إلى النَّبِيِّﷺ فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ، فَلَمْ يَرْضَ المُنافِقُ، وقالَ: تَعالَ نَتَحاكَمْ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فَقالَ اليَهُودِيُّ لَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: قَضى لَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يَرْضَ بِقَضائِهِ، فَقالَ لِلْمُنافِقِ: أكَذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ عُمَرُ: مَكانَكُما حَتّى أخْرُجَ إلَيْكُما، فَدَخَلَ عُمَرُ فاشْتَمَلَ عَلى سَيْفِهِ ثُمَّ خَرَجَ فَضَرَبَ عُنُقَ المُنافِقِ حَتّى بَرَدَ، ثُمَّ قالَ: هَكَذا أقْضِي لِمَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِﷺ –فَنَزَلَتْ».

وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ: وقالَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: إنَّ عُمَرَ فَرَقَّ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وسَمّاهُ النَّبِيُّ، ﷺ الفارُوقَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ».

والطّاغُوتُ عَلى هَذا كَعْبُ

صفحة 68

بْنُ الأشْرَفِ، وإطْلاقُهُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً بِناءً عَلى أنَّهُ بِمَعْنى كَثِيرِ الطُّغْيانِ، أوْ أنَّهُ عَلَمٌ لُقِّبَ لَهُ كالفارُوقِ لَعُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولَعَلَّهُ في مُقابَلَةِ الطّاغُوتِ، وفي مَعْناهُ كُلُّ مَن يَحْكُمُ بِالباطِلِ ويُؤْثِرُ لِأجْلِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الطّاغُوتُ بِمَعْنى الشَّيْطانِ، وإطْلاقُهُ عَلى الأخَسِّ بْنِ الأشْرَفِ إمّا اسْتِعارَةٌ أوْ حَقِيقَةٌ، والتَّجَوُّزُ في إسْنادِ التَّحاكُمِ إلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ الإيقاعِيَّةِ بَيْنَ الفِعْلِ ومَفْعُولِهِ بِالواسِطَةِ.

وقِيلَ: إنَّ التَّحاكُمَ إلَيْهِ تَحاكُمٌ إلى الشَّيْطانِ مِن حَيْثُ إنَّهُ الحامِلُ عَلَيْهِ، فَنَقْلُهُ عَنِ الشَّيْطانِ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا قالَ: كانَ أبُو بَرْزَةَ الأسْلَمِيُّ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ فِيما يَتَنافَرُونَ فِيهِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.