Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi

Ayahs 51–60 of 176

51

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in superstition and false objects of worship and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?

قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ} : فيه وجهان، أحدُهما: انه حالٌ: إمَّا من «الذين» ، وإمَّا من واو «أُوتوا» . و «بالجِبْتِ» متعلق به، «ويقولون» عطفٌ عليه، و «للذين» متعلِّقٌ ب «يقولون» واللام: إمَّا للتبليغ وإمَّا للعلِة كنظائرِها. «وهؤلاء أَهْدَى» مبتدأٌ وخبرٌ في محلِّ نصبٍ بالقول. و «سبيلاً» تمييزٌ. والثاني: أنَّ «يؤمنون» مستأنف، وكأنه تعجَّبَ مِنْ حالِهم، إذ كان ينبغي لِمَنْ أُوتي نصيباً من الكتاب ألاَّ يفعلَ شيئاً مِمَّا ذُكِر فيكونُ جواباً لسؤالٍ مقدر، كأنه قيل: ألا تعجَبُ من حالِ الذين أوتوا نصيباً من الكتاب؟ فقيل: وما حالُهم؟ فقال: يؤمنون ويقولون، وهذان منافيان لحالِهم.

والجِبْتُ: هو الجِبْسُ بالسينِ المهملةِ، أُبْدِلَتْ تاءً، كالنات والأكيات وست في: الناس والأكياس وسِدْس، قال:

1594 -. . . . . . . . . . . ... شرارُ الناتِ ليسوا بأجوادٍ ولا أَكْياتِ

والجِبْس: هو الذي لاخيرَ عنده، يُقال: رجلٌ جِبْسٌ وجِبْتٌ أي: رَذْل، قيل: وإنَّما ادَّعَى قلبَ السينِ تاءً لأنَّ مادة جَ بَ تَ مهملةٌ، وهذا قولُ قطرب، وغيره يجعلُها مادةً مستقلة، وقيل: الجِبْت: الساحر بلغةِ الحبشة، ويُطلق الجبتُ على كل ما عُبِد مِنْ دونِ الله، ولدلك سَمَّوا به صنماً بعينِه. والطاغوتُ تقدَّم تفسيرُه وتصريفُه.

52

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا

Those are the ones whom Allah has cursed; and he whom Allah curses - never will you find for him a helper.

Explained together with ayah 51

53

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًۭا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا

Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.

قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ} : «أم» هذه منقطعةٌ لفواتِ شرطِ الاتصال، وقد تقدَّم ذلك أولَ البقرة، فتتقدَّر ب «بل» والهمزِة التي يُراد بها الإنكارُ، وكذلك هي في قولِه {أَمْ يَحْسُدُونَ الناس} [النساء: 54] وقوله: «فإذَنْ» حرفُ جوابٍ وجزاءٍ ونونُها أصليةٌ، قال مكي: «وحُذَّاق النحويين على كَتْب نونِها نوناً، وأجاز الفراء أن تُكْتَبَ ألفا» وما قاله الفراء هو قياسُ الخطِ؛ لأنه مبني على الوقف، والوقفُ على نونِها بالألف، وهي حرفٌ ينصِبُ المضارعَ بشروطٍ تقدَّمت، ولكن إذا وَقَعَتْ بعد عاطف فالأحسنُ الإهمال، وقد قرأ ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما هنا بأَعمالها فحذفا النون من قوله «لا يؤتون» وقال أبو البقاء: «ولم يَعْمل هنا من أجل حرف العطف وهو الفاء، ويجوز في غير القرآن أن يعمل مع الفاءِ وليس المبطلُ» لا «لأنَّ» لا «يتخطَّاها العامل، فظاهرُ هذ العبارةِ أولاً أن المانعَ حرفُ العطف، وليس كذلك بل المانعُ التلاوةُ، ولذلك قال أخيراً» ويجوز في غيرِ القرآن «وقد تقدَّم قراءةُ عبد الله وعبد الله.

54

أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًۭا

Or do they envy people for what Allah has given them of His bounty? But we had already given the family of Abraham the Scripture and wisdom and conferred upon them a great kingdom.

Explained together with ayah 53

55

فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا

And some among them believed in it, and some among them were averse to it. And sufficient is Hell as a blaze.

والضمير في قولِه: {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ} : عائدٌ على إبراهيم أو على القرآنِ أو على الرسول محمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو على ما أوتيه إبراهيم عليه السلام. وقرأ الجمهور: «صَدَّ» بفتح الصاد، وقرأ ابن مسعود وابن عباس وعكرمة «صُدَّ» بضمها. وقرأ أبو رجاء وأبو الجوزاء بكسرها، وكلتا القراءتين على البناء / للمفعول، إلاَّ أَنَّ المضاعف الثلاثي كالمعتلِّ العينِ منه، فيجوزُ في أولِه ثلاثُ لغات: إخلاصُ الضم، وإخلاصُ الكسر، والإِشمامُ. و «سعيراً» تمييز، فإنْ كان بمعنى التهاب واحتراق فلا بُدَّ من حذفِ مضافٍ أي: كفى بسعيرِ جهنم سعيراً، إلاَّ أَنَّ توقُّدَها والتهابَها ليس إياها، وإنْ كان بمعنى «مُسْعِر» فلا يَحْتاج إلى حذف.

56

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًۭا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًۭا

Indeed, those who disbelieve in Our verses - We will drive them into a Fire. Every time their skins are roasted through We will replace them with other skins so they may taste the punishment. Indeed, Allah is ever Exalted in Might and Wise.

وقرأ الجمهور: {نُصْلِيهِمْ} : بضم النون من أصلَى، وحميد بفتحها من صَلَيْتُ ثلاثياً، وسلام ويعقوب: نُصْلِيهُم «بضم الهاء وهي لغة الحجاز وتقدم تقرير ذلك. قوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ} قد تقدم الكلامُ على» كلما «وأنها ظرفُ زمانٍ، والعاملُ فيها» بَدَّلْناهم «والجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال من الضميرِ المنصوبِ في» نُصْليهم «ويجوز أن يكونَ صفة ل» ناراً «والعائدُ محذوف وليس بالقوي،» وليذوقوا «متعلق ب» بَدَّلناهم «.

57

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّۭا ظَلِيلًا

But those who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide forever. For them therein are purified spouses, and We will admit them to deepening shade.

قوله تعالى: {والذين آمَنُواْ} : فيه ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه مبتدأ، وخبره «سَنُدْخِلُهم» والثاني: أنه في محل نصب عطفاً على اسم «إن» وهو «الذين كفروا» ، والخبر أيضاً «سندخلهم جناتٍ» ويصيرُ هذا نظيرَ قولك: «إنَّ زيداً قائمٌ وعمراً قاعدٌ» فعطفت المنصوب على المنصوب والمرفوع على المرفوع.: والثالث: أن يكون في محلِّ رفعٍ عطفاً على موضع اسم «إنَّ» لأنَّ محلَّه الرفع، ذكر ذلك أبو البقاء وفيه نظرٌ من حيث الشناعةُ اللفظية حيث يقال: «والذين آمنوا» في موضع نصب عطفاً على «الذين كفروا» ، وأتى بجملة الوعيد مؤكدةً ب «إنَّ» تنبيهاً على شدة ذلك، وبجملةِ الوعدِ خاليةً منه لتحقُّقها وأنه لا إنكار لذلك، وأَتَى فيها بحرفِ التنفيس القريبِ المدةِ تنبيهاً على قرب الوعد.

و {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} في محلِّ نصبٍ صفةً ل «جنات» وقرأ بالنخعي «سَيُدْخِلُهم» وكذلك «ويُدْخِلُهم ظِلاًّ» بياء الغَيْبة، رَدَّاً على قوله: {إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً} والجمهورُ بالنون رَدًّاً على قوله {سَوْفَ نُصْلِيهِمْ} و «خالدين» يجوزُ فيه ثلاثة أوجه، أحدهما: أنه حالٌ من الضميرِ المنصوبِ في «سَنُدْخِلُهم» ، والثاني: أجازه أبو البقاء أن يكونَ حالاً من «جنات» قال: «لأنَّ فيها ضميراً لكل واحدٍ منهما، يعني أنه يجوزُ أن يكونَ حالاً من مفعول» سندخلهم «كما تقدم، أو من» جنات «لأن في الحال ضميرين أحدُهما: المستتر في» خالدين «العائدُ على الذين آمنوا، والآخر: المجرور ب» في «العائد على» جنات «فصحَّ أن يُجعل حالاً من كل واحد لوجود الرابط وهو الضمير. وهذا الذي قالَه فيه نظرٌ لا يَخْفى من وجهين، أحدهما: أنه يصيرُ المعنى: أنَّ الجناتِ خالداتٌ في أنفسِها، لأنَّ الضميرَ في» فيها «عائدٌ عليها، فكأنه قيل: جناتٌ خالداتٌ في الجناتِ أنفسِها. والثاني: ان هذا الجمعَ شرطُه العقلُ، ولو أُريد ذلك لقيل: خالدات. والثالث. أن يكون صفةً ل» جنات «أيضاً. قال أبو البقاء» على رأي الكوفيين «، يعين أنه جَرَتِ الصفةُ على غير مَنْ هي له في المعنى، ولم يَبْرُز الضمير، وهذا مذهبُ الكوفيين، وهو أنه إذا جَرَتْ على غير مَنْ هي له وأُمِنَ اللَّبْسَُ لم يَجِبْ بروزُ الضميرِ كهذه الآية. ومذهبُ البصريين وحوبُ بروزِه مطلقاً، فكان ينبغي أَنْ يُقالَ على مذهبهم» خالدين هم فيها «ولَمَّا لم يَقُلْ كذلك دَلَّ على فسادِ هذا القولِ، وقد تقدَّم لك تحقيقُ ذلك.

فإنْ قلت: فلْتكُنْ المسألةُ الأولى كذلك، أعني أنك إذا جعلت «خالدين» حالاً من «جنات» فيكونُ حالاً منها لفظاً وهي لغيرِها، معنى، ولم يَبْرُز الضميرُ عل رأي الكوفيين، ويَصِحُّ قولُ أبي البقاء فالجواب أن هذا لو قيل به لكان جيداً، ولكن لا يَدْفَعُ الردَّ عن أبي البقاء، فإنه خصص مذهبَ الكوفيين بوجه الصفة دون الحال. وقوله {لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ} مبتدأ وخبر، ومحلُّ هذه الجملة: إمَّا النصبُ أو الرفع، فالنصبُ: إمَّا على الحال من «جنات» أو من الضمير في «سندخلهم» ، وإمَّا على كونها صفةً ل «جنات» بعد صفة. والرفعُ على أنه خبر بعد خبر.

58

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا

Indeed, Allah commands you to render trusts to whom they are due and when you judge between people to judge with justice. Excellent is that which Allah instructs you. Indeed, Allah is ever Hearing and Seeing.

قوله تعالى: {أَن تُؤدُّواْ} : منصوبُ المحلِّ: إمَّا على إسقاط حرف الجر؛ لأنَّ حَذْفَه يَطَّرِدُ مع «أنْ» ، إذا أُمِنَ اللَّبْسُ لطولِهما بالصلة، وإمَّا لأن «أَمَر» يتعدَّى إلى الثاني بنفسِه نحو: «أمرتك الخير» . فعلى الأول يجري الخلافُ في محلِّها: أهي في محلِّ نصبٍ أم جر، وعلى الثاني: هي في محلِّ نصبٍ فقط. وقُرئ «الأمانةَ» .

والظاهرُ أنَّ قوله: {أَن تَحْكُمُواْ} معطوفٌ على أَنْ تُؤَدُّوا «أي: يأمركم بتأديةِ الأماناتِ وبالحكمِ بالعدلِ، فيكونُ قد فصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف، وهي مسألة خلاف: ذهب الفارسي الى مَنْعِها إلا في الشعر، وذهب غيره إلى جوازها مطلقاً. ولننقِّحْ محلِّ الخلاف أولاً فأقول: إنَّ حرف العطف إذا كان على حرف واحد كالواو والفاء: هل يجوزُ أن يُفْصَلَ بينه وبين ماعَطَفه بالظرفِ وشِبْهِهِ أم لا؟ ذهب الفارسي إلى مَنْعِه مستدلاً بأنه إذا كان على حرف واحد فقد ضَعُف، فلا يتوسَّط بينه وبين ما عطفه شيءٌ إلا في ضروة كقوله:

1595 - يوماً تَراها كشِبْه أَرْدِيَةِ ال ... عَضْب ويوماً أَدِيمَها نَغِلا

تقديره:» وترى أديمها نَغِلاً يوماً «فَفَصَل ب» يوماً. وذهب غيرُه إلى جوازِه مُسْتَدِلاًّ بقوله: {رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً} [البقرة: 201] {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} [يس: 9] {الله الذي خَلَقَ سَبْعَ سموات وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنّ} [الطلاق: 12] {أَن تُؤدُّواْ الأمانات. . . . .} الآية.

وقال صاحب هذا القول: إن المعطوف عليه إذا كان مجروراً بحرف أُعيد ذلك الحرفُ مع المعطوفِ نحو: «امرُرْ بزيدٍ وغداً بعمروٍ» وهذه الشواهدُ لا دليلَ فيها: أمَّا «في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً» وقوله: «وجَعَلْنَا من بينِ أيديهم» فلأنَّه عَطَفَ شيئين على شيئين: عَطَفَ «الآخرة» على «الدنيا» بإعادة الخافضِ، وعَطَفَ «حسنةً» الثانيةَ على «حسنةً» الأولى، وكذلك عطف «مِنْ خلفهم» على «من بين» ، و «سداً» على «سداً» وكذلك البيت عطف فيه «أَدِيمَها» على المفعولِ الأولِ ل «تَراها» و «نَغِلا» على الثاني وهو «كشِبْه» و «يوماً» الثاني على «يوماً» الأول، فلا فصلَ فيه حينئذ، وحينئذ يقال: ينبغي لأبي عليّ أن يمنعَ مطلقاً، ولا يَسْتثني الضرورة، فإن ما استشهد به مؤولٌ عل ما ذَكَرْتُ. فإنْ قيل: إنَّما لم يجعلْه أبو علي من ذلك لأنه يؤدِّي إلى تخصيصِ الظرفِ الثاني بما وَقَعَ في الأولِ، وهو انه تراها كشِبْه أردية العَضْب في اليوم الأول والثاني؛ لأنَّ حكمَ المعطوف حكمُ المعطوفِ عليه فهو نظيرُ قولك: «ضربت زيداً يوم الجمعة ويوم السبت، ف» يومَ السبت «مقيَّدٌ بضربِ زيد كما يُقيَّد به يوم الجمعة، لكن الغرض أن اليوم الثاني في البيت مُقَيَّدٌ بقيد آخر وهو رؤية أَديمِها نَغِلا، فالجواب: انه لو تُرِكنا والظاهرَ من غيرِ تقييد الظرف الثاني بمعنى آخر كان الحكمُ كما ذكرت؛ لأنه الظاهرُ كما ذكرت في مثالك:» ضربت زيداً يوم الجمعة ويوم السبت «أمَّا إذا قَيَّدْته بشي آخر فقد تُرك ذلك الظاهرُ لهذا النصِّ، ألا تراكَ تقول:» ضربت زيداً يوم الجمعة وعمراً يوم السبت «فكذلك هذا، وهو موضعٌ يحتاج لتأمل.

وأمَّا «فبشَّرناها بإسحاق» ف «يعقوب» ليس مجروراً عطفاً على «إسحاق» بل منصوباً بإضمار فعل أي: ووهبا لها يعقوب، ويدل عليه قراءة الرفع فإنها مؤذنةٌ بانقطاعِه من البشارة به، كيف وقد تقدَّم أنَّ هذا القائَل يقول: إنه متى كان المعطوفُ عليه مجروراً؟ أُعيد مع المعطوفِ الجارُّ. وأمَّا {أَن تُؤدُّواْ الأمانات} فلا دلالة فيها أيضاً لأنَّ «إذا» ظرفٌ لا بدل له من عامل، وعاملُه: إمَّا «أَنْ تَحْكُموا» وهو الظاهرُ / من حيث المعنى، وإمَّا «يأمُركم» ، فالأول ممتنعٌ وإنْ كان المعنى عليه؛ لأنَّ …

59

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

O you who have believed, obey Allah and obey the Messenger and those in authority among you. And if you disagree over anything, refer it to Allah and the Messenger, if you should believe in Allah and the Last Day. That is the best [way] and best in result.

قوله تعالى: {مِنْكُمْ} : في محلِّ نصبٍ على الحال من «أُولي الأمر» فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي: وأولي الأمرِ كائنين منكم، و «مِنْ» تبعيضية. قوله: «إنْ كنتم» شرطٌ جوابُه محذوفٌ عند جمهور البصريين أي: فَرُدُّوه إلى الله. وهو متقدمٌ عند غيرِهم. و «تأويلاً» نصبٌ على التمييز.

60

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًۭا

Have you not seen those who claim to have believed in what was revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you? They wish to refer legislation to Taghut, while they were commanded to reject it; and Satan wishes to lead them far astray.

{يَزْعُمُونَ} : مثلُ ظنَّ وأخواتها بشرطِ ألاَّ تكونَ بمعنى كَفِل ولا كذب ولا سَمِن ولا هَزَل، و «أنَّ سادَّةٌ مسدَّ مفعوليها،. وقرأ الجمهور:» أُنْزل إليك وما أُنْزل من قبلك «مبنياً للمفعول، وقرئا مبنيين للفاعل وهو الله تعالى. والزعم - بفتح الزاي وضمها وكسرها - مصدرُ زَعَم، وهو قولٌ يقترن به اعتقاد ظني قال:

1599 - فإنْ تَزْعُميني كنتُ أجهلُ فيكُمُ ... فإني شَرَيْتُ الحِلْمَ بعدَك بالجَهْل

قال ابنُ دريد:» أكثرُ ما يقع على الباطل «وقال عليه السلام:» بئس مطيةُ الرجلِ زعموا «وقال الأعشى:

1600 - ونُبِّئْتُ قيساً ولم أَبْلُه ... كما زعموا خيرَ أهلِ اليمنْ

فقال الممدوح:» وما هو إلا الزعم «وحرمه ولم يُعْطِه شيئاً. [وذكر صاحبُ» العين «أنها تقع غالباً على» أنَّ «قال:» وقد تقع في الشعر على الاسم «وأنشد بين أبي ذؤيب، وقول الآخر] :

1601 - زَعَمَتْني شيخاً ولستُ بشيخٍ ... إنما الشيخُ مَنْ يَدِبُّ دبيباً

وتكون» زعم «بمعنى» ظَنَّ «فتتعدَّى لاثنين، وبمعنى» كفِل «فتتعدى لواحد، ومنه {وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: 72] وبمعنى» رَأس «وبمعنى سَمِن» و «هَزَل» فلا تتعدى.

قوله: {يُرِيدُونَ} حالٌ من فاعل «يَزْعُمون» أو من «الذين يزعمون» وقوله: {وَقَدْ أمروا} حال من فاعل «يريدون» فهما حالان متداخلان، و «أن يكفروا» في محلِّ نصب فقط إنْ قَدَّرْتَ تعدية «أمر» إلى الثاني بنفسِه، وإلا ففيها الخلافُ المشهور، والضمير في «به» عائد على الطاغوت، وقد تقدَّم أنه يُذَكَّر ويؤنث، وما قال الناس فيه في البقرة. وقرأ عباس بن الفضل: «ان يكفُروا بهنَّ» بضمير جميع التأنيث.

قوله: {أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً} في «ضلالاً» ثلاثة أقوال، أحدهما: أنه مصدر على غير الصدر نحو: {أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً} [نوح: 3] والأصل «إضلال» و «إنبات» فهو اسمٌ مصدر لا مصدر. والثاني: أنه مصدرٌ لمطاوع «أَضلَّ» أي: أضَلَّهم فضلُّوا ضلالاً. والثالث: أن يكون من وَضْعِ أحد المصدرين موضعَ الآخر. وقد تقدم الكلامُ على «تعالوا» في آل عمران وما قال الناس فيها، وقراءةِ الحسن وتوجيهِها فعليك بالالتفات إليه.

Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.