Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 51–60 of 176

51

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in superstition and false objects of worship and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ [٥١]

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ: عِلْمًا بِالتَّوْراةِ الدّاعِيَةِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْجِيحِ أهْلِهِ، والكَفْرِ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ، ووَصْفُهم بِما ذُكِرَ مِن إيتاءِ النَّصِيبِ لِما مَرَّ مِن مُنافاتِهِ لِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ القَبائِحِ.

﴿يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ الجِبْتُ يُطْلَقُ لُغَةً عَلى الصَّنَمِ والكاهِنِ والسّاحِرِ والسِّحْرِ، والَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ، وكُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، وكَذا الطّاغُوتُ، فَيُطْلَقُ عَلى الكاهِنِ والشَّيْطانِ وكُلِّ رَأْسِ ضَلالٍ، والأصْنامِ، وكُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، ومَرَدَةِ أهْلِ الكِتابِ، كَما في القامُوسِ.

﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أشْرَكُوا بِاللَّهِ، وهم كُفّارُ مَكَّةَ، أيْ: لِأجْلِهِمْ وفي حَقِّهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ﴾ يَعْنُونَهم ﴿أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِاللَّهِ وحْدَهُ: ﴿سَبِيلا﴾ أيْ: أرْشَدُ طَرِيقَةً، وإيرادُهم بِعُنْوانِ الإيمانِ لَيْسَ مِن قِبَلِ القائِلِينَ، بَلْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى؛ تَعْرِيفًا لَهم بِالوَصْفِ الجَمِيلِ، وتَخْطِئَةً لِمَن رَجَّحَ عَلَيْهِمُ المُتَّصِفِينَ بِأقْبَحِ القَبائِحِ.

52

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا

Those are the ones whom Allah has cursed; and he whom Allah curses - never will you find for him a helper.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [٥٢]

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أبْعَدَهم عَنْ رَحْمَتِهِ وطَرَدَهم ﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ﴾ أيْ: يُبْعِدْهُ عَنْ رَحْمَتِهِ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ عَنْهُ العَذابَ دُنْيَوِيًّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًّا، لا بِشَفاعَةٍ ولا بِغَيْرِها.

قالَ الرّازِيُّ: إنَّما اسْتَحَقُّوا هَذا اللَّعْنَ الشَّدِيدَ لِأنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِن تَفْضِيلِ عَبَدَةِ الأوْثانِ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ يَجْرِي مَجْرى المُكابَرَةِ، فَمَن يَعْبُدْ غَيْرَ اللَّهِ كَيْفَ يَكُونُ أفْضَلَ حالًا مِمَّنْ لا يَرْضى بِمَعْبُودٍ غَيْرِ اللَّهِ؟! ومَن كانَ دِينُهُ الإقْبالَ بِالكُلِّيَّةِ عَلى خِدْمَةِ الخالِقِ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ كَيْفَ يَكُونُ أقَلَّ حالًا مِمَّنْ كانَ بِالضِّدِّ في كُلِّ هَذِهِ الأحْوالِ؟!

وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا قَدِمَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ مَكَّةَ قالَتْ قُرَيْشٌ: ألا تَرى هَذا الصُّنْبُورَ المُنْبَتِرَ مِن قَوْمِهِ يَزْعُمُ أنَّهُ خَيْرٌ مِنّا ونَحْنُ أهْلُ الحَجِيجِ وأهْلُ السَّدانَةِ وأهْلُ السِّقايَةِ، قالَ: أنْتُمْ خَيْرٌ، قالَ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] [الكَوْثَرِ: ٣] ونَزَلَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [النساء: ٥١] إلى: ﴿نَصِيرًا﴾

وقالَ الإمامُ ابْنُ إسْحاقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الَّذِينَ حَزَّبُوا الأحْزابَ مِن قُرَيْشٍ وغَطَفانَ وبَنِي قُرَيْظَةَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، وسَلّامُ بْنُ أبِي الحُقَيْقِ، وأبُو رافِعٍ، والرَّبِيعُ بْنُ أبِي الحُقَيْقِ، وأبُو عامِرٍ، ووَحْوَحُ بْنُ عامِرٍ، وهَوْدَةُ بْنُ قَيْسٍ.

فَأمّا وحْوَحٌ وأبُو عامِرٍ وهَوْدَةُ فَمِن بَنِي وائِلٍ، وكانَ سائِرُهم مِن بَنِي النَّضِيرِ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلى قُرَيْشٍ قالُوا: هَؤُلاءِ أحْبارُ يَهُودَ وأهْلُ العِلْمِ بِالكِتابِ الأوَّلِ، فاسْألُوهم أُدِينُكم خَيْرٌ أمْ دِينُ مُحَمَّدٍ ؟ فَسَألُوهم فَقالُوا: دِينُكم خَيْرٌ مِن دِينِهِ وأنْتُمْ أهْدى مِنهُ ومِمَّنِ اتَّبَعَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [النساء: ٥١] إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] وهَذا لَعْنٌ لَهُمْ، وإخْبارٌ بِأنَّهم لا ناصِرَ لَهم في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم إنَّما ذَهَبُوا يَسْتَنْصِرُونَ بِالمُشْرِكِينَ، وإنَّما قالُوا لَهم ذَلِكَ لِيَسْتَمِيلُوهم إلى نُصْرَتِهِمْ، وقَدْ أجابُوهم وجاؤُوا مَعَهم يَوْمَ الأحْزابِ حَتّى حَفَرَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ حَوْلَ المَدِينَةِ الخَنْدَقَ فَكَفى اللَّهُ شَرَّهم ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] [الأحْزابِ: مِنَ الآيَةِ ٢٥].

53

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًۭا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا

Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ [٥٣]

﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ لَمّا ذَمَّ سُبْحانَهُ اليَهُودَ بِتَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهم وتَفْضِيلِ المُشْرِكِينَ عَلى المُوَحِّدِينَ - شَرَعَ في تَفْصِيلِ بَعْضٍ آخَرَ مِن مَثالِبِهِمْ، وهو وصْفُهم بِالبُخْلِ والحَسَدِ اللَّذَيْنِ هُما شَرُّ خَصْلَتَيْنِ.

و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ الجَزائِيَّةِ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ أحَدًا مِقْدارَ نَقِيرٍ لِفَرْطِ بُخْلِهِمْ.

و(النَّقِيرُ) النَّقْرَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ وهُوَ مَثَلٌ في القِلَّةِ والحَقارَةِ، كالفَتِيلِ والقِطْمِيرِ، والمُرادُ بِالمُلْكِ إمّا مُلْكُ أهْلِ الدُّنْيا وإمّا مُلْكُ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠] [الإسْراءِ: مِنَ الآيَةِ ١٠٠].

وقالَ أبُو السُّعُودِ: وهَذا هو البَيانُ الكاشِفُ عَنْ كُنْهِ حالِهِمْ، وإذا كانَ شَأْنُهم كَذَلِكَ وهم مُلُوكٌ فَما ظَنُّكُ بِهِمْ وهم أذِلّاءُ مُتَنافِرُونَ؟

ويَجُوزُ أنْ لا تَكُونَ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ بَلْ لِإنْكارِ الواقِعِ والتَّوْبِيخِ عَلَيْهِ، أيْ: لِعَدِّهِ مُنْكَرًا غَيْرَ لائِقٍ بِالوُقُوعِ، عَلى أنَّ الفاءَ لِلْعَطْفِ، والإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفَيْنِ عَلى مَعْنى: ألَهم نَصِيبٌ وافِرٌ مِنَ المُلْكِ حَيْثُ كانُوا أصْحابَ أمْوالٍ وبَساتِينَ وقُصُورٍ مُشَيَّدَةٍ كالمُلُوكِ فَلا يُؤْتُونَ النّاسَ مَعَ ذَلِكَ نَقِيرًا؟ كَما تَقُولُ لِغَنِيٍّ لا يُراعِي أباهُ: ألَكَ هَذا القَدْرُ مِنَ المالِ فَلا تُنْفِقُ عَلى أبِيكَ شَيْئًا؟

وفائِدَةُ (إذَنْ) تَأْكِيدُ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، حَيْثُ يَجْعَلُونَ ثُبُوتَ النَّصِيبِ سَبَبًا لِلْمَنعِ مَعَ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْإعْطاءِ، وهي مُلْغاةٌ عَنِ العَمَلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا يُؤْتُونَ النّاسَ إذَنْ، وقُرِئَ: (فَإذَنْ لا يُؤْتُوا) بِالنَّصْبِ عَلى إعْمالِها.

54

أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًۭا

Or do they envy people for what Allah has given them of His bounty? But we had already given the family of Abraham the Scripture and wisdom and conferred upon them a great kingdom.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [٥٤]

﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ مُنْقَطِعَةٌ أيْضًا مُفِيدَةٌ لِلِانْتِقالِ مِن تَوْبِيخِهِمْ بِما سَبَقَ - أعْنِي البُخْلَ - إلى تَوْبِيخِهِمْ بِالحَسَدِ، وهُما شَرُّ الرَّذائِلِ كَما قَدَّمْنا، وكَأَّنَ بَيْنَهُما تَلازُمًا وتَجاذُبًا، واللّامُ في (النّاسَ) لِلْعَهْدِ والإشارَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ.

ورَوى الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَحْنُ النّاسُ دُونَ النّاسِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ.

قالَ الرّازِيُّ: وإنَّما حَسُنَ ذِكْرُ النّاسِ لِإرادَةِ طائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الخَلْقِ إنَّما هو القِيامُ بِالعُبُودِيَّةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] [الذّارِياتِ: ٥٦] فَلَمّا كانَ القائِمُونَ بِهَذا المَقْصُودِ لَيْسَ إلّا مُحَمَّدًا ﷺ ومَن كانَ عَلى دِينِهِ - كانَ هو وأصْحابُهُ كَأنَّهم كُلُّ النّاسِ، فَلِهَذا حَسُنَ إطْلاقُ لَفْظِ (النّاسَ) وإرادَتُهم عَلى التَّعْيِينِ ﴿عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وهو النُّبُوَّةُ والكِتابُ والرُّشْدُ وازْدِيادُ العِزِّ والنَّصْرِ يَوْمًا فَيَوْمًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ والِاسْتِقْباحِ، وإلْزامٌ لَهم بِما هو مُسَلَّمٌ عِنْدَهُمْ، وحَسْمٌ لِمادَّةِ حَسَدِهِمْ واسْتِبْعادِهِمُ المَبْنِيَّيْنِ عَلى تَوَهُّمِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِ المَحْسُودِ لِما أُوتِيَ مِنَ الفَضْلِ بِبَيانِ اسْتِحْقاقِهِ لَهُ بِطَرِيقِ الوِراثَةِ كابِرًا عَنْ كابِرٍ، وإجْراءُ الكَلامِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِالأمْرِ، والمَعْنى: إنَّ حَسَدَهُمُ المَذْكُورَ في غايَةِ القُبْحِ والبُطْلانِ؛ فَإنّا قَدْ آتَيْنا مِن قَبْلِ هَذا: ﴿آلَ إبْراهِيمَ﴾ الَّذِينَ هم أسْلافُ مُحَمَّدٍ ﷺ وأبْناءُ أعْمامِهِ: ﴿الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ النُّبُوَّةَ: ﴿وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، فَكَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ نُبُوَّتَهُ ويَحْسُدُونَهُ عَلى إيتائِها؟! أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

قالَ الرّازِيُّ: إنَّ الحَسَدَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ الفَضِيلَةِ، فَكُلَّما كانَتْ فَضِيلَةُ الإنْسانِ أتَمَّ وأكْمَلَ كانَ حَسَدُ الحاسِدِينَ عَلَيْهِ أعْظَمَ، ومَعْلُومٌ أنَّ النُّبُوَّةَ أعْظَمُ المَناصِبِ في الدِّينِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعْطاها لِمُحَمَّدٍ ﷺ وضَمَّ إلَيْها أنَّهُ جَعَلَهُ كُلَّ يَوْمٍ أقْوى دَوْلَةً وأعْظَمَ شَوْكَةً وأكْثَرَ أنْصارًا وأعْوانًا، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ النِّعَمُ سَبَبًا لِحَسَدِ هَؤُلاءِ بَيَّنَ تَعالى ما يَدْفَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ والمَعْنى: أنَّهُ حَصَلَ في أوْلادِ إبْراهِيمَ جَماعَةٌ كَثِيرُونَ جَمَعُوا بَيْنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ وأنْتُمْ لا تَتَعَجَّبُونَ مِن ذَلِكَ ولا تَحْسُدُونَهُمْ، فَلِمَ تَتَعَجَّبُونَ مِن حالِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولِمَ تَحْسُدُونَهُ؟!

55

فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا

And some among them believed in it, and some among them were averse to it. And sufficient is Hell as a blaze.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [٥٥]

﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ حِكايَةٌ لِما صَدَرَ عَنْ أسْلافِهِمْ، أيْ: فَمِن جِنْسِ هَؤُلاءِ الحاسِدِينَ وآبائِهِمْ مَن آمَنَ بِما أُوتِيَ آلُ إبْراهِيمَ، ومِنهم مَن كَفَرَ بِهِ وأعْرَضَ عَنْهُ وسَعى في صَدِّ النّاسِ عَنْهُ، وهو مِنهم ومِن جِنْسِهِمْ، أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقَدِ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، فَكَيْفَ بِكَ يا مُحَمَّدُ ولَسْتَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؟ فالكَفَرَةُ مِنهم أشَدُّ تَكْذِيبًا لَكَ وأبْعَدُ عَمّا جِئْتَهم بِهِ مِنَ الهُدى والحَقِّ المُبِينِ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّ ذَلِكَ دَيْدَنُهُمُ المُسْتَمِرُّ.

﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أيْ: نارًا مُسَعَّرَةً يُعَذَّبُونَ بِها عَلى كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ كُتُبَ اللَّهِ ورُسُلَهُ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَمّا يُعاقِبُ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ مَن كَفَرَ بِآياتِهِ وصَدَّ عَنْ رُسُلِهِ فَقالَ:

56

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًۭا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًۭا

Indeed, those who disbelieve in Our verses - We will drive them into a Fire. Every time their skins are roasted through We will replace them with other skins so they may taste the punishment. Indeed, Allah is ever Exalted in Might and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [٥٦]

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا﴾ أيْ: عَظِيمَةً هائِلَةً ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أيِ احْتَرَقَتِ احْتِراقًا تامًّا ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيْ: لِيَدُومَ لَهُمْ، وذَلِكَ أبْلَغُ في العَذابِ لِلشَّخْصِ؛ لِأنَّ إحْساسَهُ لِعَمَلِ النّارِ في الجِلْدِ الَّذِي لَمْ يَحْتَرِقْ أبْلُغُ مِن إحْساسِهِ لِعَمَلِها في المُحْتَرِقِ.

* *

تَنْبِيهٌ:

لَهم في التَّبْدِيلِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَبْدِيلٌ حَقِيقِيٌّ مادِّيٌّ، فَيُخْلَقُ مَكانَها جُلُودٌ أُخَرُ جَدِيدَةٌ مُغايِرَةٌ لِلْمُحْتَرِقَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَبْدِيلُ وصْفِيٌّ: أيْ: أعَدْنا الجُلُودَ جَدِيدَةً مُغايِرَةً لِلْمُحْتَرِقَةِ صُورَةً، وإنْ كانَتْ عَيْنَها مادَّةً، بِأنْ يُزالَ عَنْها الِاحْتِراقُ لِيَعُودَ إحْساسُها لِلْعَذابِ، فَلَمْ تُبَدَّلْ إلّا صِفَتُها، لا مادَّتُها الأصْلِيَّةُ، وفِيهِ بُعْدٌ؛ إذْ يَأْباهُ مَعْنى التَّبْدِيلِ.

وقالَ الرّازِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ اسْتِعارَةٌ عَنِ الدَّوامِ وعَدَمِ الِانْقِطاعِ، كَما يُقالُ لِمَن يُرادُ وصْفُهُ بِالدَّوامِ: كُلَّما انْتَهى فَقَدِ ابْتَدَأ، وكُلَّما وصَلَ إلى آخِرِهِ فَقَدِ ابْتَدَأ مِن أوَّلِهِ، فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي: كُلَّما ظَنُّوا أنَّهم نَضَجُوا واحْتَرَقُوا وانْتَهَوْا إلى الهَلاكِ أعْطَيْناهم قُوَّةً جَدِيدَةً مِنَ الحَياةِ، بِحَيْثُ ظَنُّوا أنَّهُمُ الآنَ حَدَثُوا ووُجِدُوا، فَيَكُونُ المَقْصُودُ بَيانَ دَوامِ العَذابِ وعَدَمِ انْقِطاعِهِ. انْتَهى.

وهَذا أبْعَدُ مِمّا قَبْلَهُ، إذْ لَيْسَ لَنا أنْ نَعْدِلَ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ، إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، لا سِيَّما وقَدْ رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ - صَحابَةً وتابِعِينَ - أنَّهم يُبَدَّلُونَ في اليَوْمِ أوِ السّاعَةِ مَرّاتٍ عَدِيدَةً، كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ مُفَصَّلًا.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا﴾ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ما يُرِيدُ ﴿حَكِيمًا﴾ فِيما يَقْضِيهِ، ومِنهُ هَذا التَّبْدِيلُ، إذْ لا يَتِمُّ تَخْلِيدُ العَذابِ المَوْعُودِ عَلى الكُفْرِ الَّذِي لا يَنْزَجِرُونَ عَنْهُ بِالعَذابِ المُنْقَطِعِ وعْدًا لا بُدَّ مِن إيفائِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ مَآلَ أهْلِ السَّعادَةِ فَقالَ:

57

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّۭا ظَلِيلًا

But those who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide forever. For them therein are purified spouses, and We will admit them to deepening shade.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ونُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا﴾ [٥٧]

﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِمُحَمَّدٍ ﷺ والقُرْآنِ وجُمْلَةِ الكُتُبِ والرُّسُلِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيِ: الطّاعاتِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ بِالإخْلاصِ ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ ﴿جَنّاتٍ﴾ أيْ: بَساتِينَ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها﴾ أيْ: مِن تَحْتِ شَجَرِها وصُوَرِها ﴿الأنْهارُ﴾ أيْ: أنْهارُ الخَمْرِ واللَّبَنِ والعَسَلِ والماءِ.

﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ أيْ: مُقِيمِينَ في الجَنَّةِ لا يَمُوتُونَ ولا يَخْرُجُونَ مِنها ﴿لَهم فِيها﴾ أيِ: الجَنَّةِ ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أيْ: مِنَ الحَيْضِ والنِّفاسِ والأذى والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ والصِّفاتِ النّاقِصَةِ ﴿ونُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا﴾ أيْ: كِنًّا كَنِينًا لا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، ولا حَرَّ فِيهِ ولا بَرْدَ، و(ظَلِيلًا) صِفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن لَفْظِ (الظِّلِّ) لِتَأْكِيدِ مَعْناهُ، كَما يُقالُ: لَيْلٌ ألْيَلُ، ويَوْمٌ أيْوَمُ.

وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ في الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرّاكِبُ الجَوادَ المُضَمَّرَ السَّرِيعَ مِائَةَ عامٍ ما يَقْطَعُها» .

وفِيهِما أيْضًا مِن رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ ما يَقْطَعُها» .

58

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا

Indeed, Allah commands you to render trusts to whom they are due and when you judge between people to judge with justice. Excellent is that which Allah instructs you. Indeed, Allah is ever Hearing and Seeing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ إنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [٥٨]

﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ هَذِهِ الآيَةُ مِن أُمَّهاتِ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى كَثِيرٍ مِن أحْكامِ الشَّرْعِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: في تَصْدِيرِ الكَلامِ بِكَلِمَةِ التَّحْقِيقِ، وإظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ، وإيرادِ الأمْرِ عَلى صُورَةِ الإخْبارِ - مِنَ الفَخامَةِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ والدَّلالَةِ عَلى الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وهو خِطابٌ يَعُمُّ حُكْمُهُ المُكَلَّفِينَ قاطِبَةً، كَما أنَّ الأماناتِ تَعُمُّ جَمِيعَ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِذِمَمِهِمْ: مِن حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى وحُقُوقِ العِبادِ، سَواءٌ كانَتْ فِعْلِيَّةً أوْ قَوْلِيَّةً أوِ اعْتِقادِيَّةً، وإنْ ورَدَ في شَأْنِ عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ. انْتَهى.

أيْ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الأماناتِ مَرْدُودَةٌ إلى أرْبابِها الأبْرارِ مِنهم والفُجّارِ، كَما قالَ ابْنُ المُنْذِرِ.

وفِي حَدِيثِ سَمُرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ ولا تَخُنْ مَن خانَكَ» رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ.

قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، واسْمُ أبِي طَلْحَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ العُزّى بْنِ عُثْمانَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ القُرَشِيُّ العَبْدَرِيُّ حاجِبُ الكَعْبَةِ المُعَظَّمَةِ، وهو ابْنُ عَمِّ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ الَّذِي صارَتِ الحِجابَةُ في نَسْلِهِ إلى اليَوْمِ.

أسْلَمَ عُثْمانُ هَذا في الهُدْنَةِ بَيْنَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وفَتْحِ مَكَّةَ، هو وخالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأمّا عَمُّهُ عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ فَكانَ مَعَهُ لِواءُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وقُتِلَ يَوْمَئِذٍ كافِرًا.

وإنَّما نَبَّهْنا عَلى هَذا النَّسَبِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ المُفَسِّرِينَ قَدْ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ هَذا بِهَذا.

وسَبَبُ نُزُولِها فِيهِ لَمّا أخَذَ مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِفْتاحَ الكَعْبَةِ يَوْمَ الفَتْحِ ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهِ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ في غَزْوَةِ الفَتْحِ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي ثَوْرٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ واطْمَأنَّ النّاسُ، خَرَجَ حَتّى جاءَ إلى البَيْتِ فَطافَ بِهِ سَبْعًا عَلى راحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ في يَدِهِ، فَلَمّا قَضى طَوافَهُ دَعا عُثْمانَ بْنَ طَلْحَةَ فَأخَذَ مِنهُ مِفْتاحَ الكَعْبَةِ فَفُتِحَتْ لَهُ، فَدَخَلَها فَوَجَدَ فِيها حَمامَةً مِن عِيدانٍ فَكَسَرَها بِيَدِهِ ثُمَّ طَرَحَها، ثُمَّ وقَفَ عَلى بابِ الكَعْبَةِ وقَدِ اسْتَكَفَّ لَهُ النّاسُ في المَسْجِدِ».

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قامَ عَلى بابِ الكَعْبَةِ فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ، ألا كُلُّ مَأْثُرَةٍ أوْ دَمٍ أوْ مالٍ يُدَّعى فَهو تَحْتَ قَدَمَيَّ هاتَيْنِ إلّا سِدانَةَ البَيْتِ …

59

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

O you who have believed, obey Allah and obey the Messenger and those in authority among you. And if you disagree over anything, refer it to Allah and the Messenger, if you should believe in Allah and the Last Day. That is the best [way] and best in result.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكم فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ [٥٩]

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الرُّعاةَ والوُلاةَ بِأداءِ الأماناتِ إلى أهْلِها والحُكْمِ بِالعَدْلِ أمَرَ الرَّعِيَّةَ مِنَ الجُيُوشِ وغَيْرِهِمْ بِطاعَةِ أُولِي الأمْرِ الفاعِلِينَ لِذَلِكَ في قَسْمِهِمْ وحُكْمِهِمْ ومَغازِيهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ، إلّا أنْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ.

قالَ الرّازِيُّ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: حَقٌّ عَلى الإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ ويُؤَدِّيَ الأمانَةَ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلى الرَّعِيَّةِ أنْ يَسْمَعُوا ويُطِيعُوا، وقَدْ رَوى الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: إنَّ أُولِي الأمْرِ هُمُ الأُمَراءُ.

واحْتَجَّ لَهُ الشّافِعِيُّ بِأنَّ قُرَيْشًا ومَن يَلِيها مِنَ العَرَبِ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الإمارَةَ ولا يَنْقادُونَ إلى أمِيرٍ، فَأُمِرُوا بِالطّاعَةِ لِمَن ولِيَ الأمْرَ، والِانْقِيادِ لَهُ إذا بَعَثَهم في السَّرايا، وإذا ولّاهُمُ البِلادَ فَلا يَخْرُجُوا عَلَيْهِمْ ولا يَمْتَنِعُوا عَلَيْهِمْ؛ لِئَلّا تَفْتَرِقَ الكَلِمَةُ، ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: «مَن أطاعَ أمِيرِي فَقَدْ أطاعَنِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وفِي البُخارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ إذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ في سِرِّيَّةٍ».

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَكَذا أخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الجَماعَةِ إلّا ابْنَ ماجَهْ، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، ولا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ.

ورَوى الطَّبَرِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ «أنَّها نَزَلَتْ في قِصَّةٍ جَرَتْ لِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ مَعَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وكانَ خالِدٌ أمِيرًا، فَأجازَ عَمّارٌ رَجُلًا بِغَيْرِ أمْرِهِ، فَتَخاصَما وارْتَفَعا إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَأجازَ أمانَ عَمّارٍ ونَهاهُ أنْ يُجْبِرَ الثّانِيَةَ عَلى أمِيرٍ».

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَكَذا رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقٍ عَنِ السُّدِّيِّ مُرْسَلًا، ورَواهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ، اهـ.

ولا تَنافِيَ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ لِما أسْلَفْناهُ في مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ في بَحْثِ سَبَبِ النُّزُولِ، فَتَذَكَّرْ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِأُولِي الأمْرِ مِنكم أُمَراءُ الحَقِّ؛ لِأنَّ أُمَراءَ الجَوْرِ اللَّهُ ورَسُولُهُ بَرِيئانِ مِنهُمْ، فَلا يُعْطَفُونَ عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ في وُجُوبِ الطّاعَةِ لَهُمْ، وإنَّما يُجْمَعُ بَيْنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ والأُمَراءِ المُوافِقِينَ لَهُما في إيثارِ العَدْلِ واخْتِيارِ الحَقِّ والأمْرِ بِهِما والنَّهْيِ عَنْ أضْدادِهِما، كالخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ ومَن تَبِعَهم بِإحْسانٍ، وكانَ الخُلَفاءُ يَقُولُونَ: أطِيعُونِي ما عَدَلْتُ فِيكم فَإنْ خالَفْتُ فَلا طاعَةَ لِي عَلَيْكم.

وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّما الطّاعَةُ في المَعْرُوفِ» .

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا طاعَةَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ» .

لَطِيفَةٌ:

قالَ …

60

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًۭا

Have you not seen those who claim to have believed in what was revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you? They wish to refer legislation to Taghut, while they were commanded to reject it; and Satan wishes to lead them far astray.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالا بَعِيدًا﴾ [٦٠]

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ، ووَصْفُهم بِادِّعاءِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ وبِما أنْزِلَ مِن قَبْلِهِ لِتَأْكِيدِ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والِاسْتِقْباحِ، بِبَيانِ كَمالِ المُبايَنَةِ بَيْنَ دَعْواهُمُ المُقْتَضِيَةِ - حَتْمًا - لِلتَّحاكُمِ إلى الرَّسُولِ وبَيْنَ ما صَدَرَ عَنْهم مِن مُخالَفَةِ الأمْرِ المَحْتُومِ.

﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ الدّاعِي إلى الطُّغْيانِ بِالحُكْمِ عَلى خِلافِ المُنَزَّلِ إلَيْكَ والمُنَزَّلِ عَلى مَن قَبْلِكَ، وتَقَدَّمَ قَرِيبًا مَعانِي الطّاغُوتِ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا ما سِوى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ مِنَ الباطِلِ.

﴿وقَدْ أُمِرُوا﴾ في جَمِيعِ تِلْكَ الكُتُبِ ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أيْ: يَتَبَرَّؤُوا مِنهُ؛ لِأنَّهُ تَحاكُمٌ عَلى خِلافِ ما أنْزَلَ اللَّهُ في كُتُبِهِ فَيَعْصُونَهُ ويُطِيعُونَ الشَّيْطانَ ﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴿أنْ يُضِلَّهم ضَلالا بَعِيدًا﴾ عَنِ الحَقِّ والهُدى.

وقَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُ﴾ إلَخْ عَطْفٌ عَلى (يُرِيدُونَ) داخِلٌ في حُكْمِ التَّعْجِيبِ، فَإنَّ اتِّباعَهم لِمَن يُرِيدُ إضْلالَهم وإعْراضَهم عَمَّنْ يُرِيدُ هِدايَتَهم أعْجَبُ مَن كُلِّ عَجِيبٍ.

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.