فَأمَرَ تَعالى بِطاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ، وأعادَ الفِعْلَ إعْلامًا بِأنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ تَجِبُ اسْتِقْلالًا مِن غَيْرِ عَرْضِ ما أمَرَ بِهِ عَلى الكِتابِ، بَلْ إذا أمَرَ وجَبَتْ طاعَتُهُ مُطْلَقًا، سَواءٌ كانَ ما أمَرَ بِهِ في الكِتابِ أوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَإنَّهُ أُوتِيَ الكِتابَ ومِثْلَهُ مَعَهُ، ولَمْ يَأْمُرْ بِطاعَةِ أُولِي الأمْرِ اسْتِقْلالًا، بَلْ حَذَفَ الفِعْلَ وجَعَلَ طاعَتَهم في ضِمْنِ طاعَةِ الرَّسُولِ؛ إيذانًا بِأنَّهم إنّما يُطاعُونَ تَبَعًا لِطاعَةِ الرَّسُولِ، فَمَن أمَرَ مِنهم بِطاعَةِ الرَّسُولِ وجَبَتْ طاعَتُهُ، ومَن أمَرَ بِخِلافِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَلا سَمْعَ لَهُ ولا طاعَةَ كَما صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ»
وَقالَ: «إنّما الطّاعَةُ في المَعْرُوفِ» وقالَ في وُلاةِ الأُمُورِ: «مَن أمَرَكم مِنهم بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلا سَمْعَ لَهُ ولا طاعَةَ».
وَقَدْ «أخْبَرَ ﷺ عَنْ الَّذِينَ أرادُوا دُخُولَ النّارِ لَمّا أمَرَهم أمِيرُهم بِدُخُولِها: إنّهم لَوْ دَخَلُوا لَما خَرَجُوا مِنها» مَعَ أنَّهم إنّما كانُوا يَدْخُلُونَها طاعَةً لِأمِيرِهِمْ، وظَنًّا أنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلَيْهِمْ، ولَكِنْ لَمّا قَصَّرُوا في الِاجْتِهادِ وبادَرُوا إلى طاعَةِ مَن أمَرَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وحَمَلُوا عُمُومَ الأمْرِ بِالطّاعَةِ بِما لَمْ يُرِدْهُ الآمِرُ ﷺ وما قَدْ عُلِمَ مِن دِينِهِ إرادَةُ خِلافِهِ، فَقَصَّرُوا في الِاجْتِهادِ وأقْدَمُوا عَلى تَعْذِيبِ أنْفُسِهِمْ وإهْلاكِها مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ وتَبَيُّنٍ هَلْ ذَلِكَ طاعَةٌ لِلَّهِ ورَسُولِهِ أمْ لا، فَما الظَّنُّ بِمَن أطاعَ غَيْرَهُ في صَرِيحِ مُخالَفَةِ ما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ ورَسُولُهُ؟ ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِرَدِّ ما تَنازَعَ فِيهِ المُؤْمِنُونَ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ، وأخْبَرَهم أنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهم في العاجِلِ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا في العاقِبَةِ.
[فصل: النداء بالإيمان]
فأمر سبحانه بطاعته وطاعة رسوله، وافتتح الآية بالنداء باسم الإيمان المشعر بأن المطلوب منهم من موجبات الاسم الذي نودوا به وخوطبوا به، كما يقال: يا من أنعم الله عليه وأغناه من فضله، أحسن كما أحسن الله إليك: ويا أيها العالم علم الناس ما ينفعهم، ويا أيها الحاكم احكم بالحق، ونظائره.
ولهذا كثيرا ما يقع الخطاب في القرآن بالشرائع كقوله تعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾، ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ﴾، ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾. ففي هذا إشارة إلى أنكم إن كنتم مؤمنين فالإيمان يقتضي منكم كذا وكذا فإنه من موجبات الإيمان وتمامه.
ثم قال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ فقرن بين طاعة الله والرسول وطاعة أولي الأمر، وسلط عليهما عاملًا واحدًا. وقد كان ربما يسبق إلى الوهم أن الأمر يقتضي عكس هذا فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله ولكن الواقع هنا في الآية المناسب.
وتحته سر لطيف وهو دلالته على أن ما يأمر به رسوله يجب طاعته فيه وإن لم يكن مأمورًا به بعينه في القرآن طاعة الرسول مفردة ومقرونة. فلا يتوهم متوهم أن ما يأمر به الرسول إن لم يكن في القرآن وإلا فلا تجب طاعته فيه، كما قال النبي ﷺ: " يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله تعالى، ما وجدنا فيه من شئ اتبعناه. ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه".
(طاعة أولي الأمر)
أما أولو الأمر فلا تجب طاعة أحدهم إلا إذا اندرجت تحت طاعة الرسول، لا طاعة مفردة مستقلة، كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: " على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره ما لم يؤمر …