أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا
Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in superstition and false objects of worship and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ ومَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾
هَذا لَفْظٌ عامٌّ في ظاهِرِهِ، ولَمْ يَخْتَلِفْ أحَدٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ في أنَّ المُرادَ اليَهُودُ، واخْتُلِفَ في المَعْنى الَّذِي بِهِ زَكُّوا أنْفُسَهم، فَقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقَوْلُهُمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١].وَقالَ الضَحّاكُ، والسُدِّيُّ: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لا ذُنُوبَ لَنا وما فَعَلْناهُ نَهارًا غُفِرَ لَيْلًا، وما فَعَلْناهُ لَيْلًا غُفِرَ نَهارًا، ونَحْنُ كالأطْفالِ في عَدَمِ الذُنُوبِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وعِكْرِمَةُ: تَقْدِيمُهم أولادَهُمُ الصِغارَ لِلصَّلاةِ لِأنَّهم لا ذُنُوبَ لَهم.
قالَ المُؤَلِّفُ: وهَذا يَبْعُدُ مِن مَقْصِدِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: أبْناؤُنا الَّذِينَ ماتُوا يَشْفَعُونَ لَنا، ويُزَكُّونَنا، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ذَلِكَ ثَناءُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، ومَدْحُهم لَهم وتَزْكِيَتُهم لَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَتَقْتَضِي هَذِهِ الآيَةُ الغَضَّ مِنَ المُزَكِّي لِنَفْسِهِ بِلِسانِهِ، والإعْلامَ بِأنَّ الزاكِيَ المُزَكّى مَن حَسُنَتْ أفْعالُهُ، وزَكّاهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، والضَمِيرُ فِي: "يُزَكُّونَ" عائِدٌ عَلى المَذْكُورِينَ مِمَّنْ زَكّى نَفْسَهُ، أو مِمَّنْ يُزَكِّيهِ اللهُ تَعالى، وغَيْرُ هَذَيْنِ الصِنْفَيْنِ عُلِمَ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَظْلِمُهم مِن غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَرَأتْ طائِفَةٌ "وَلا تُظْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ.
والفَتِيلُ: هو ما فُتِلَ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، وَمُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمُ: الفَتِيلُ: الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ نَواةِ التَمْرَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وأبُو مالِكٍ، والسُدِّيُّ: هو ما خَرَجَ مِن بَيْنِ إصْبَعَيْكَ أو كَفَّيْكَ إذا فَتَلْتَهُما، وهَذا كُلُّهُ يَرْجِعُ إلى الكِنايَةِ عن تَحْقِيرِ الشَيْءِ وتَصْغِيرِهِ، وأنَّ اللهَ لا يَظْلِمُهُ، ولا شَيْءَ دُونَهُ في الصِغَرِ، فَكَيْفَ بِما فَوْقَهُ. ونَصْبُهُ عَلى مَفْعُولٍ ثانٍ بِـ "يُظْلَمُونَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ﴾ الآيَةُ، يُبَيِّنُ أنَّ تَزْكِيَتَهم أنْفُسَهم كانَتْ بِالباطِلِ والكَذِبِ، ويُقَوِّي أنَّ التَزْكِيَةَ كانَتْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] إذِ الافْتِراءُ في هَذِهِ المَقالَةِ أمْكَنُ.
و"كَيْفَ" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "يَفْتَرُونَ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: "يَفْتَرُونَ".
و"وَكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا" خَبَرٌ في مُضَمَّنِهِ تَعَجُّبٌ وتَعْجِيبٌ مِنَ الأمْرِ، ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الباءُ لِتَدُلَّ عَلى مَعْنى الأمْرِ بِالتَعَجُّبِ، وأنْ يُكْتَفى لَهم بِهَذا الكَذِبِ إثْمًا ولا يُطْلَبَ لَهم غَيْرُهُ، إذْ هو مُوبِقٌ ومُهْلِكٌ، و"إثْمًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ الآيَةُ. ظاهِرُها يَعُمُّ اليَهُودَ والنَصارى، ولَكِنْ أجْمَعَ المُتَأوِّلُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِها طائِفَةٌ …