Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 51–60 of 176

51

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in superstition and false objects of worship and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ اليَهُودِ نَوْعًا آخَرَ مِنَ المَكْرِ، وهو أنَّهم كانُوا يُفَضِّلُونَ عَبَدَةَ الأصْنامِ عَلى المُؤْمِنِينَ، ولا شَكَّ أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ ذَلِكَ باطِلٌ، فَكانَ إقْدامُهم عَلى هَذا القَوْلِ لِمَحْضِ العِنادِ والتَّعَصُّبِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّ حُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ وكَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّيْنِ خَرَجا إلى مَكَّةَ مَعَ جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ يُحالِفُونَ قُرَيْشًا عَلى مُحارَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ فَقالُوا: أنْتُمْ أهْلُ كِتابٍ، وأنْتُمْ أقْرَبُ إلى مُحَمَّدٍ مِنكم إلَيْنا فَلا نَأْمَنُ مَكْرَكم، فاسْجُدُوا لِآلِهَتِنا حَتّى تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. فَهَذا إيمانُهم بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ؛ لِأنَّهم سَجَدُوا لِلْأصْنامِ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: أنْحَنُ أهْدى سَبِيلًا أمْ مُحَمَّدٌ ؟ فَقالَ كَعْبٌ: ماذا يَقُولُ مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، ويَنْهى عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، وتَرَكَ دِينَ آبائِهِ، وأوْقَعَ الفُرْقَةَ. قالَ: وما دِينُكم ؟ قالُوا: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ نَسْقِي الحاجَّ ونَقْرِي الضَّيْفَ ونَفُكُّ العانِي. وذَكَرُوا أفْعالَهم، فَقالَ: أنْتُمْ أهْدى سَبِيلًا. فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في الجِبْتِ والطّاغُوتِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: كُلُّ مَعْبُودٍ دُونَ اللَّهِ فَهو جِبْتٌ وطاغُوتٌ، ثُمَّ زَعَمَ الأكْثَرُونَ أنَّ الجِبْتَ لَيْسَ لَهُ تَصَرُّفٌ في اللُّغَةِ. وحَكى القَفّالُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ الجِبْتَ أصْلُهُ جِبْسٌ، فَأُبْدِلَتِ السِّينُ تاءً، والجِبْسُ هو الخَبِيثُ الرَّدِيءُ، وأمّا الطّاغُوتُ فَهو مَأْخُوذٌ مِنَ الطُّغْيانِ، وهو الإسْرافُ في المَعْصِيَةِ، فَكُلُّ مَن دَعا إلى المَعاصِي الكِبارِ لَزِمَهُ هَذا الِاسْمُ، ثُمَّ تَوَسَّعُوا في هَذا الِاسْمِ حَتّى أوْقَعُوهُ عَلى الجَمادِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [ إبْراهِيمَ: ٣٥] فَأضافَ الإضْلالَ إلى الأصْنامِ مَعَ أنَّها جَماداتٌ.

الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الجِبْتُ: الأصْنامُ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، والطّاغُوتُ: الشَّيْطانُ.

الثّالِثُ: الجِبْتُ: الأصْنامُ، والطّاغُوتُ: تَراجِمَةُ الأصْنامِ، يُتَرْجِمُونَ لِلنّاسِ عَنْها الأكاذِيبَ فَيُضِلُّونَهم بِها، وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: الكاهِنُ، والطّاغُوتُ: السّاحِرُ.

الخامِسُ: قالَ الكَلْبِيُّ: الجِبْتُ في هَذِهِ

صفحة ١٠٤

الآيَةِ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، والطّاغُوتُ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكانَتِ اليَهُودُ يَرْجِعُونَ إلَيْهِما، فَسُمِّيا بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ لِسَعْيِهِما في إغْواءِ النّاسِ وإضْلالِهِمْ.

السّادِسُ: الجِبْتُ والطّاغُوتُ صَنَمانِ لِقُرَيْشٍ، وهُما الصَّنَمانِ اللَّذانِ سَجَدَ اليَهُودُ لَهُما طَلَبًا لِمَرْضاةِ قُرَيْشٍ، وبِالجُمْلَةِ فالأقاوِيلُ كَثِيرَةٌ، وهُما كَلِمَتانِ وُضِعَتا عَلَمَيْنِ عَلى مَن كانَ غايَةً في الشَّرِّ والفَسادِ.

* * *

ثُمَّ قالَ …

52

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا

Those are the ones whom Allah has cursed; and he whom Allah curses - never will you find for him a helper.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ اليَهُودِ نَوْعًا آخَرَ مِنَ المَكْرِ، وهو أنَّهم كانُوا يُفَضِّلُونَ عَبَدَةَ الأصْنامِ عَلى المُؤْمِنِينَ، ولا شَكَّ أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ ذَلِكَ باطِلٌ، فَكانَ إقْدامُهم عَلى هَذا القَوْلِ لِمَحْضِ العِنادِ والتَّعَصُّبِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّ حُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ وكَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّيْنِ خَرَجا إلى مَكَّةَ مَعَ جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ يُحالِفُونَ قُرَيْشًا عَلى مُحارَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ فَقالُوا: أنْتُمْ أهْلُ كِتابٍ، وأنْتُمْ أقْرَبُ إلى مُحَمَّدٍ مِنكم إلَيْنا فَلا نَأْمَنُ مَكْرَكم، فاسْجُدُوا لِآلِهَتِنا حَتّى تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. فَهَذا إيمانُهم بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ؛ لِأنَّهم سَجَدُوا لِلْأصْنامِ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: أنْحَنُ أهْدى سَبِيلًا أمْ مُحَمَّدٌ ؟ فَقالَ كَعْبٌ: ماذا يَقُولُ مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، ويَنْهى عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، وتَرَكَ دِينَ آبائِهِ، وأوْقَعَ الفُرْقَةَ. قالَ: وما دِينُكم ؟ قالُوا: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ نَسْقِي الحاجَّ ونَقْرِي الضَّيْفَ ونَفُكُّ العانِي. وذَكَرُوا أفْعالَهم، فَقالَ: أنْتُمْ أهْدى سَبِيلًا. فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في الجِبْتِ والطّاغُوتِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: كُلُّ مَعْبُودٍ دُونَ اللَّهِ فَهو جِبْتٌ وطاغُوتٌ، ثُمَّ زَعَمَ الأكْثَرُونَ أنَّ الجِبْتَ لَيْسَ لَهُ تَصَرُّفٌ في اللُّغَةِ. وحَكى القَفّالُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ الجِبْتَ أصْلُهُ جِبْسٌ، فَأُبْدِلَتِ السِّينُ تاءً، والجِبْسُ هو الخَبِيثُ الرَّدِيءُ، وأمّا الطّاغُوتُ فَهو مَأْخُوذٌ مِنَ الطُّغْيانِ، وهو الإسْرافُ في المَعْصِيَةِ، فَكُلُّ مَن دَعا إلى المَعاصِي الكِبارِ لَزِمَهُ هَذا الِاسْمُ، ثُمَّ تَوَسَّعُوا في هَذا الِاسْمِ حَتّى أوْقَعُوهُ عَلى الجَمادِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [ إبْراهِيمَ: ٣٥] فَأضافَ الإضْلالَ إلى الأصْنامِ مَعَ أنَّها جَماداتٌ.

الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الجِبْتُ: الأصْنامُ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، والطّاغُوتُ: الشَّيْطانُ.

الثّالِثُ: الجِبْتُ: الأصْنامُ، والطّاغُوتُ: تَراجِمَةُ الأصْنامِ، يُتَرْجِمُونَ لِلنّاسِ عَنْها الأكاذِيبَ فَيُضِلُّونَهم بِها، وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: الكاهِنُ، والطّاغُوتُ: السّاحِرُ.

الخامِسُ: قالَ الكَلْبِيُّ: الجِبْتُ في هَذِهِ

صفحة ١٠٤

الآيَةِ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، والطّاغُوتُ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكانَتِ اليَهُودُ يَرْجِعُونَ إلَيْهِما، فَسُمِّيا بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ لِسَعْيِهِما في إغْواءِ النّاسِ وإضْلالِهِمْ.

السّادِسُ: الجِبْتُ والطّاغُوتُ صَنَمانِ لِقُرَيْشٍ، وهُما الصَّنَمانِ اللَّذانِ سَجَدَ اليَهُودُ لَهُما طَلَبًا لِمَرْضاةِ قُرَيْشٍ، وبِالجُمْلَةِ فالأقاوِيلُ كَثِيرَةٌ، وهُما كَلِمَتانِ وُضِعَتا عَلَمَيْنِ عَلى مَن كانَ غايَةً في الشَّرِّ والفَسادِ.

* * *

ثُمَّ قالَ …

53

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًۭا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا

Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ اليَهُودَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالجَهْلِ الشَّدِيدِ، وهو اعْتِقادُهم أنَّ عِبادَةَ الأوْثانِ أفْضَلُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ووَصَفَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِالبُخْلِ والحَسَدِ، فالبُخْلُ هو أنْ لا يَدْفَعَ لِأحَدٍ شَيْئًا مِمّا آتاهُ اللَّهُ مِنَ النِّعْمَةِ، والحَسَدُ هو أنْ يَتَمَنّى أنْ لا يُعْطِيَ اللَّهُ غَيْرَهُ شَيْئًا مِنَ النِّعَمِ، فالبُخْلُ والحَسَدُ يَشْتَرِكانِ في أنَّ صاحِبَهُ يُرِيدُ مَنعَ النِّعْمَةِ مِنَ الغَيْرِ، فَأمّا البَخِيلُ فَيَمْنَعُ نِعْمَةَ نَفْسِهِ عَنِ الغَيْرِ، وأمّا الحاسِدُ فَيُرِيدُ أنْ يَمْنَعَ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن عِبادِهِ، وإنَّما قَدَّمَ تِلْكَ الآيَةَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ لَها قُوَّتانِ: القُوَّةُ العالِمَةُ والقُوَّةُ العامِلَةُ، فَكَمالُ القُوَّةِ العالِمَةِ العِلْمُ، ونُقْصانُها الجَهْلُ، وكَمالُ القُوَّةِ العامِلَةِ الأخْلاقُ الحَمِيدَةُ، ونُقْصانُها الأخْلاقُ الذَّمِيمَةُ، وأشَدُّ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ نُقْصانًا البُخْلُ والحَسَدُ؛ لِأنَّهُما مَنشَآنِ لِعَوْدِ المَضارِّ إلى عِبادِ اللَّهِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّما قَدَّمَ وصْفَهم بِالجَهْلِ عَلى وصْفِهِمْ بِالبُخْلِ والحَسَدِ لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ القُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ في الشَّرَفِ والرُّتْبَةِ وأصْلٌ لَها، فَكانَ شَرْحُ حالِها يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلى شَرْحِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ.

الثّانِي: أنَّ السَّبَبَ لِحُصُولِ البُخْلِ والحَسَدِ هو الجَهْلُ، والسَّبَبُ مُقَدَّمٌ عَلى المُسَبَّبِ، لا جَرَمَ قَدَّمَ تَعالى ذِكْرَ الجَهْلِ عَلى ذِكْرِ البُخْلِ والحَسَدِ. وإنَّما قُلْنا إنَّ الجَهْلَ سَبَبُ البُخْلِ والحَسَدِ؛ أمّا البُخْلُ فَلِأنَّ بَذْلَ المالِ سَبَبٌ لِطَهارَةِ النَّفْسِ ولِحُصُولِ السَّعادَةِ في الآخِرَةِ، وحَبْسُ المالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ مالِ الدُّنْيا في يَدِهِ، فالبُخْلُ يَدْعُوكَ إلى الدُّنْيا ويَمْنَعُكَ عَنِ الآخِرَةِ، والجُودُ يَدْعُوكَ إلى الآخِرَةِ ويَمْنَعُكَ عَنِ الدُّنْيا، ولا شَكَّ أنَّ تَرْجِيحَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ لا يَكُونُ إلّا مِن مَحْضِ الجَهْلِ. وأمّا الحَسَدُ فَلِأنَّ الإلَهِيَّةَ عِبارَةٌ عَنْ إيصالِ النِّعَمِ والإحْسانِ إلى العَبِيدِ، فَمَن كَرِهَ ذَلِكَ فَكَأنَّهُ أرادَ عَزْلَ الإلَهِ عَنِ الإلَهِيَّةِ، وذَلِكَ

صفحة ١٠٥

مَحْضُ الجَهْلِ. فَثَبَتَ أنَّ السَّبَبَ الأصْلِيَّ لِلْبُخْلِ والحَسَدِ هو الجَهْلُ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى الجَهْلَ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ البُخْلِ والحَسَدِ؛ لِيَكُونَ المُسَبَّبُ مَذْكُورًا عَقِيبَ السَّبَبِ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ، وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ”أمْ“ هَهُنا فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ بَعْضُهم: المِيمُ صِلَةٌ، وتَقْدِيرُهُ: ألَهم؛ لِأنَّ حَرْفَ ”أمْ“ إذا لَمْ يَسْبِقْهُ اسْتِفْهامٌ كانَ المِيمُ فِيهِ صِلَةً.

الثّانِي: أنَّ ”أمْ“ هَهُنا مُتَّصِلَةٌ، وقَدْ سَبَقَ هَهُنا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ هَؤُلاءِ المَلْعُونِينَ قَوْلَهم لِلْمُشْرِكِينَ: إنَّهم أهْدى سَبِيلًا مِنَ المُؤْمِنِينَ، عَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: أمِن ذَلِكَ يُتَعَجَّبُ، أمْ مِن قَوْلِهِمْ: لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، مَعَ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهم مُلْكٌ لَبَخِلُوا بِأقَلِّ القَلِيلِ.

الثّالِثُ: أنَّ ”أمْ“ هَهُنا مُنْقَطِعَةٌ وغَيْرُ مُتَّصِلَةٍ بِما …

54

أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًۭا

Or do they envy people for what Allah has given them of His bounty? But we had already given the family of Abraham the Scripture and wisdom and conferred upon them a great kingdom.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أمْ: مُنْقَطِعَةٌ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ يَحْسُدُونَ النّاسَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ بِلَفْظِ ”النّاسِ“ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والأكْثَرِينَ أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ وإنَّما جازَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِ لَفْظُ الجَمْعِ، وهو واحِدٌ؛ لِأنَّهُ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِن خِصالِ الخَيْرِ ما لا يَحْصُلُ إلّا مُتَفَرِّقًا في الجَمْعِ العَظِيمِ، ومِن هَذا يُقالُ: فُلانٌ أُمَّةٌ وحْدَهُ، أيْ يَقُومُ مَقامَ أُمَّةٍ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠] .

صفحة ١٠٧

والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ هَهُنا هو الرَّسُولُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقالَ مَن ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ: إنَّ لَفْظَ ”النّاسِ“ جَمْعٌ، فَحَمْلُهُ عَلى الجَمْعِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى المُفْرَدِ.

واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما حَسُنَ ذِكْرُ ”النّاسِ“ لِإرادَةِ طائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الخَلْقِ إنَّما هو القِيامُ بِالعُبُودِيَّةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَلَمّا كانَ القائِمُونَ بِهَذا المَقْصُودِ لَيْسَ إلّا مُحَمَّدًا ﷺ ومَن كانَ عَلى دِينِهِ كانَ وهو وأصْحابُهُ كَأنَّهم كُلُّ النّاسِ؛ فَلِهَذا حَسُنَ إطْلاقُ لَفْظِ النّاسِ وإرادَتِهِمْ عَلى التَّعْيِينِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ الفَضْلِ الَّذِي لِأجْلِهِ صارُوا مَحْسُودِينَ عَلى قَوْلَيْنِ:

فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ هو النُّبُوَّةُ والكَرامَةُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِها في الدِّينِ والدُّنْيا.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم حَسَدُوهُ عَلى أنَّهُ كانَ لَهُ مِنَ الزَّوْجاتِ تِسْعٌ.

واعْلَمْ أنَّ الحَسَدَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ الفَضِيلَةِ، فَكُلَّما كانَتْ فَضِيلَةُ الإنْسانِ أتَمَّ وأكْمَلَ كانَ حَسَدُ الحاسِدِينَ عَلَيْهِ أعْظَمَ، ومَعْلُومٌ أنَّ النُّبُوَّةَ أعْظَمُ المَناصِبِ في الدِّينِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعْطاها لِمُحَمَّدٍ ﷺ وضَمَّ إلَيْها أنَّهُ جَعَلَهُ كُلَّ يَوْمٍ أقْوى دَوْلَةً وأعْظَمَ شَوْكَةً وأكْثَرَ أنْصارًا وأعْوانًا، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ الحَسَدَ العَظِيمَ. فَأمّا كَثْرَةُ النِّساءِ فَهو كالأمْرِ الحَقِيرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما ذَكَرْناهُ، فَلا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذا الفَضْلِ بِهِ، بَلْ إنْ جُعِلَ الفَضْلُ اسْمًا لِجَمِيعِ ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ دَخَلَ هَذا أيْضًا تَحْتَهُ، فَأمّا عَلى سَبِيلِ القَصْرِ عَلَيْهِ فَبَعِيدٌ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ كَثْرَةَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ صارَتْ سَبَبًا لِحَسَدِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ، بَيَّنَ ما يَدْفَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ حَصَلَ في أوْلادِ إبْراهِيمَ جَماعَةٌ كَثِيرُونَ جَمَعُوا بَيْنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ، وأنْتُمْ لا تَتَعَجَّبُونَ مِن ذَلِكَ ولا تَحْسُدُونَهُ، فَلِمَ تَتَعَجَّبُونَ مِن حالِ مُحَمَّدٍ، ولِمَ تَحْسُدُونَهُ ؟

واعْلَمْ أنَّ ”الكِتابَ“ إشارَةٌ إلى ظَواهِرِ الشَّرِيعَةِ، ”والحِكْمَةَ“ إشارَةٌ إلى أسْرارِ الحَقِيقَةِ، وذَلِكَ هو كَمالُ العِلْمِ، وأمّا المُلْكُ العَظِيمُ فَهو كَمالُ القُدْرَةِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الكَمالاتِ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ إلّا العِلْمَ والقُدْرَةَ، فَهَذا الكَلامُ …

55

فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا

And some among them believed in it, and some among them were averse to it. And sufficient is Hell as a blaze.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أمْ: مُنْقَطِعَةٌ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ يَحْسُدُونَ النّاسَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ بِلَفْظِ ”النّاسِ“ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والأكْثَرِينَ أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ وإنَّما جازَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِ لَفْظُ الجَمْعِ، وهو واحِدٌ؛ لِأنَّهُ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِن خِصالِ الخَيْرِ ما لا يَحْصُلُ إلّا مُتَفَرِّقًا في الجَمْعِ العَظِيمِ، ومِن هَذا يُقالُ: فُلانٌ أُمَّةٌ وحْدَهُ، أيْ يَقُومُ مَقامَ أُمَّةٍ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠] .

صفحة ١٠٧

والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ هَهُنا هو الرَّسُولُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقالَ مَن ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ: إنَّ لَفْظَ ”النّاسِ“ جَمْعٌ، فَحَمْلُهُ عَلى الجَمْعِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى المُفْرَدِ.

واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما حَسُنَ ذِكْرُ ”النّاسِ“ لِإرادَةِ طائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الخَلْقِ إنَّما هو القِيامُ بِالعُبُودِيَّةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَلَمّا كانَ القائِمُونَ بِهَذا المَقْصُودِ لَيْسَ إلّا مُحَمَّدًا ﷺ ومَن كانَ عَلى دِينِهِ كانَ وهو وأصْحابُهُ كَأنَّهم كُلُّ النّاسِ؛ فَلِهَذا حَسُنَ إطْلاقُ لَفْظِ النّاسِ وإرادَتِهِمْ عَلى التَّعْيِينِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ الفَضْلِ الَّذِي لِأجْلِهِ صارُوا مَحْسُودِينَ عَلى قَوْلَيْنِ:

فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ هو النُّبُوَّةُ والكَرامَةُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِها في الدِّينِ والدُّنْيا.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم حَسَدُوهُ عَلى أنَّهُ كانَ لَهُ مِنَ الزَّوْجاتِ تِسْعٌ.

واعْلَمْ أنَّ الحَسَدَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ الفَضِيلَةِ، فَكُلَّما كانَتْ فَضِيلَةُ الإنْسانِ أتَمَّ وأكْمَلَ كانَ حَسَدُ الحاسِدِينَ عَلَيْهِ أعْظَمَ، ومَعْلُومٌ أنَّ النُّبُوَّةَ أعْظَمُ المَناصِبِ في الدِّينِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعْطاها لِمُحَمَّدٍ ﷺ وضَمَّ إلَيْها أنَّهُ جَعَلَهُ كُلَّ يَوْمٍ أقْوى دَوْلَةً وأعْظَمَ شَوْكَةً وأكْثَرَ أنْصارًا وأعْوانًا، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ الحَسَدَ العَظِيمَ. فَأمّا كَثْرَةُ النِّساءِ فَهو كالأمْرِ الحَقِيرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما ذَكَرْناهُ، فَلا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذا الفَضْلِ بِهِ، بَلْ إنْ جُعِلَ الفَضْلُ اسْمًا لِجَمِيعِ ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ دَخَلَ هَذا أيْضًا تَحْتَهُ، فَأمّا عَلى سَبِيلِ القَصْرِ عَلَيْهِ فَبَعِيدٌ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ كَثْرَةَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ صارَتْ سَبَبًا لِحَسَدِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ، بَيَّنَ ما يَدْفَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ حَصَلَ في أوْلادِ إبْراهِيمَ جَماعَةٌ كَثِيرُونَ جَمَعُوا بَيْنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ، وأنْتُمْ لا تَتَعَجَّبُونَ مِن ذَلِكَ ولا تَحْسُدُونَهُ، فَلِمَ تَتَعَجَّبُونَ مِن حالِ مُحَمَّدٍ، ولِمَ تَحْسُدُونَهُ ؟

واعْلَمْ أنَّ ”الكِتابَ“ إشارَةٌ إلى ظَواهِرِ الشَّرِيعَةِ، ”والحِكْمَةَ“ إشارَةٌ إلى أسْرارِ الحَقِيقَةِ، وذَلِكَ هو كَمالُ العِلْمِ، وأمّا المُلْكُ العَظِيمُ فَهو كَمالُ القُدْرَةِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الكَمالاتِ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ إلّا العِلْمَ والقُدْرَةَ، فَهَذا الكَلامُ …

56

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًۭا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًۭا

Indeed, those who disbelieve in Our verses - We will drive them into a Fire. Every time their skins are roasted through We will replace them with other skins so they may taste the punishment. Indeed, Allah is ever Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعْدَما ذَكَرَ الوَعِيدَ بِالطّائِفَةِ الخاصَّةِ مِن أهْلِ الكِتابِ بَيَّنَ ما يَعُمُّ الكافِرِينَ مِنَ الوَعِيدِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: يَدْخُلُ في الآياتِ كُلُّ ما يَدُلُّ عَلى ذاتِ اللَّهِ وأفْعالِهِ وصِفاتِهِ وأسْمائِهِ والمَلائِكَةُ والكُتُبُ والرُّسُلُ، وكُفْرُهم بِالآياتِ لَيْسَ يَكُونُ بِالجَحْدِ، لَكِنْ بِوُجُوهٍ، مِنها أنْ يُنْكِرُوا كَوْنَها آياتٍ، ومِنها أنْ يَغْفُلُوا عَنْها فَلا يَنْظُرُوا فِيها، ومِنها أنْ يُلْقُوا الشُّكُوكَ والشُّبُهاتِ فِيها، ومِنها: أنْ يُنْكِرُوها مَعَ العِلْمِ بِها عَلى سَبِيلِ العِنادِ والحَسَدِ. وأمّا حَدُّ الكُفْرِ وحَقِيقَتُهُ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ سِيبَوَيْهِ: ”سَوْفَ“ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، يُقالُ: سَوْفَ أفْعَلُ، ويَنُوبُ عَنْها حَرْفُ السِّينِ كَقَوْلِهِ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦] وقَدْ تَرِدُ كَلِمَةُ ”سَوْفَ“ في الوَعْدِ أيْضًا قالَ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] وقالَ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] قِيلَ: أخَّرَهُ إلى وقْتِ السَّحَرِ تَحْقِيقًا لِلدُّعاءِ، وبِالجُمْلَةِ فَكَلِمَةُ ”السِّينِ“ و”سَوْفَ“ مَخْصُوصَتانِ بِالِاسْتِقْبالِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ أيْ نُدْخِلُهُمُ النّارَ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ فِيهِ زِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ، فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ: شَوَيْتُهُ بِالنّارِ، يُقالُ: شاةٌ مَصْلِيَّةٌ أيْ مَشْوِيَّةٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: لَمّا كانَ تَعالى قادِرًا عَلى إبْقائِهِمْ أحْياءً في النّارِ أبَدَ الآبادِ، فَلِمَ لَمْ يُبْقِ أبْدانَهم في النّارِ مَصُونَةً عَنِ النُّضْجِ والِاحْتِراقِ مَعَ أنَّهُ يُوَصِّلُ إلَيْها الآلامَ الشَّدِيدَةَ، حَتّى لا يَحْتاجَ إلى تَبْدِيلِ جُلُودِهِمْ بِجُلُودٍ أُخْرى ؟

والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، بَلْ نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُوَصِّلَ إلى أبْدانِهِمْ آلامًا عَظِيمَةً مِن غَيْرِ إدْخالِ النّارِ مَعَ أنَّهُ تَعالى أدْخَلَهُمُ النّارَ.

السُّؤالُ الثّانِي: الجُلُودُ العاصِيَةُ إذا احْتَرَقَتْ فَلَوْ خَلَقَ اللَّهُ مَكانَها جُلُودًا أُخْرى وعَذَّبَها كانَ هَذا تَعْذِيبًا لِمَن لَمْ يَعْصِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ.

والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنْ يُجْعَلَ النُّضْجُ غَيْرُ النَّضِيجِ، فالذّاتُ واحِدَةٌ والمُتَبَدِّلِ هو الصِّفَةُ،

صفحة ١٠٩

فَإذا كانَتِ الذّاتُ واحِدَةً كانَ العَذابُ لَمْ يَصِلْ إلّا إلى العاصِي، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ المُرادُ بِالغَيْرِيَّةِ التَّغايُرُ في الصِّفَةِ.

الثّانِي: المُعَذَّبُ هو الإنْسانُ، وذَلِكَ الجِلْدُ ما كانَ جُزْءًا مِن ماهِيَّةِ الإنْسانِ، بَلْ كانَ كالشَّيْءِ المُلْتَصِقِ بِهِ الزّائِدِ عَلى ذاتِهِ، فَإذا جَدَّدَ اللَّهُ الجِلْدَ وصارَ ذَلِكَ الجِلْدُ الجَدِيدُ سَبَبًا لِوُصُولِ العَذابِ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَعْذِيبًا إلّا لِلْعاصِي.

الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالجُلُودِ السَّرابِيلُ، قالَ تَعالى: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] …

57

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّۭا ظَلِيلًا

But those who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide forever. For them therein are purified spouses, and We will admit them to deepening shade.

صفحة ١١٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ونُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ قَدْ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ بِأنَّ الوَعْدَ والوَعِيدَ يَتَلازَمانِ في الذِّكْرِ عَلى سَبِيلِ الأغْلَبِ، وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الإيمانَ غَيْرُ العَمَلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ العَمَلَ عَلى الإيمانِ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. قالَ القاضِي: مَتى ذُكِرَ لَفْظُ الإيمانِ وحْدَهُ دَخَلَ فِيهِ العَمَلُ، ومَتى ذُكِرَ مَعَهُ العَمَلُ كانَ الإيمانُ هو التَّصْدِيقُ، وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الِاشْتِراكِ وعَدَمُ التَّغْيِيرِ، ولَوْلا أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ لَخَرَجَ القُرْآنُ عَنْ كَوْنِهِ مُفِيدًا. فَلَعَلَّ هَذِهِ الألْفاظَ الَّتِي نَسْمَعُها في القُرْآنِ يَكُونُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها مَعْنًى سِوى ما نَعْلَمُهُ، ويَكُونُ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِنهُ ذَلِكَ المَعْنى، لا هَذا الَّذِي تَبادَرَتْ أفْهامُنا إلَيْهِ. هَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّ احْتِمالَ الِاشْتِراكِ والإفْرادِ عَلى السَّوِيَّةِ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ احْتِمالَ البَقاءِ عَلى الأصْلِ واحْتِمالَ التَّغْيِيرِ مُتَساوِيانِ فَلا؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الألْفاظُ كانَتْ في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ مَوْضُوعَةً لِمَعْنًى آخَرَ غَيْرِ ما نَفْهَمُهُ الآنَ، ثُمَّ تَغَيَّرَتْ إلى هَذا الَّذِي نَفْهَمُهُ الآنَ. فَثَبَتَ أنَّ عَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ يَخْرُجُ القُرْآنُ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً، وإذا ثَبَتَ أنَّ الِاشْتِراكَ والتَّغْيِيرَ خِلافَ الأصْلِ انْدَفَعَ كَلامُ القاضِي.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في شَرْحِ ثَوابِ المُطِيعِينَ أُمُورًا:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ تَجْرِي مِن تَحْتِها مِياهُ الأنْهارِ، واعْلَمْ أنَّهُ إنْ جُعِلَ النَّهْرُ اسْمًا لِمَكانِ الماءِ كانَ الأمْرُ مِثْلَ ما قالَهُ الزَّجّاجُ، أمّا إنْ جَعَلْناهُ في المُتَعارَفِ اسْمًا لِذَلِكَ الماءِ فَلا حاجَةَ إلى هَذا الإضْمارِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى وصَفَها بِالخُلُودِ والتَّأْبِيدِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى جَهْمِ بْنِ صَفْوانَ حَيْثُ يَقُولُ: إنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ وعَذابَ النّارِ يَنْقَطِعانِ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مَعَ الخُلُودِ التَّأْبِيدَ، ولَوْ كانَ الخُلُودُ عِبارَةً عَنِ التَّأْبِيدِ لَزِمَ التَّكْرارُ وهو غَيْرُ جائِزٍ، فَدَلَّ هَذا أنَّ الخُلُودَ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ التَّأْبِيدِ، بَلْ هو عِبارَةٌ عَنْ طُولِ المُكْثِ مِن غَيْرِ بَيانِ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ أوْ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، وإذا ثَبَتَ هَذا الأصْلُ فَعِنْدَ هَذا يَبْطُلُ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها﴾ [النساء: ٩٣] عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ يَبْقى في النّارِ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ؛ لِأنّا بَيَّنّا بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الخُلُودَ لِطُولِ المُكْثِ لا لِلتَّأْبِيدِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ والمُرادُ طَهارَتُهُنَّ مِنَ الحَيْضِ والنِّفاسِ وجَمِيعِ أقْذارِ الدُّنْيا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وهم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥] واللَّطائِفُ اللّائِقَةُ بِهَذا المَوْضِعِ قَدْ ذَكَرْناها في تِلْكَ الآيَةِ. …

58

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا

Indeed, Allah commands you to render trusts to whom they are due and when you judge between people to judge with justice. Excellent is that which Allah instructs you. Indeed, Allah is ever Hearing and Seeing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ بَعْضَ أحْوالِ الكُفّارِ وشَرَحَ وعِيدَهُ عادَ إلى ذِكْرِ التَّكالِيفِ مَرَّةً أُخْرى، وأيْضًا لَمّا حَكى عَنْ أهْلِ الكِتابِ أنَّهم كَتَمُوا الحَقَّ حَيْثُ قالُوا لِلَّذِينِ كَفَرُوا: هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، أمَرَ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأداءِ الأماناتِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، سَواءٌ كانَتْ تِلْكَ الأُمُورُ مِن بابِ المَذاهِبِ والدِّياناتِ، أوْ مِن بابِ الدُّنْيا والمُعامَلاتِ، وأيْضًا لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ السّابِقَةِ الثَّوابَ العَظِيمَ لِلَّذِينِ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وكانَ مِن أجَلِّ الأعْمالِ الصّالِحَةِ الأمانَةٌ، لا جَرَمَ أمَرَ بِها في هَذِهِ الآيَةِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: «رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ أغْلَقَ عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ - وكانَ سادِنَ الكَعْبَةِ - بابَ الكَعْبَةِ، وصَعِدَ السَّطْحَ، وأبى أنْ يَدْفَعَ المِفْتاحَ إلَيْهِ، وقالَ: لَوْ عَلِمْتُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ أمْنَعْهُ، فَلَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَدَهُ وأخَذَهُ مِنهُ وفَتَحَ، ودَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وصَلّى رَكْعَتَيْنِ، فَلَمّا خَرَجَ سَألَهُ العَبّاسُ أنْ يُعْطِيَهُ المِفْتاحَ ويَجْمَعَ لَهُ السِّقايَةَ والسَّدانَةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأمَرَ عَلِيًّا أنْ يَرُدَّهُ إلى عُثْمانَ ويَعْتَذِرَ إلَيْهِ، فَقالَ عُثْمانُ لِعَلِيٍّ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخْبَرَ الرَّسُولَ ﷺ أنَّ السَّدانَةَ في أوْلادِ عُثْمانَ أبَدًا» . فَهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحَقَ. وقالَ أبُو رَوْقٍ: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُثْمانَ: أعْطِنِي المِفْتاحَ فَقالَ: هاكَ بِأمانَةِ اللَّهِ، فَلَمّا أرادَ أنْ يَتَناوَلَهُ ضَمَّ يَدَهُ، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ مَرَّةً ثانِيَةً: إنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَأعْطِنِي المِفْتاحَ، فَقالَ: هاكَ بِأمانَةِ اللَّهِ، فَلَمّا أرادَ أنْ يَتَناوَلَهُ ضَمَّ يَدَهُ، فَقالَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ذَلِكَ مَرَّةً ثالِثَةً، فَقالَ عُثْمانُ في الثّالِثَةِ: هاكَ بِأمانَةِ اللَّهِ، ودَفَعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ يَطُوفُ ومَعَهُ المِفْتاحُ، وأرادَ أنْ يَدْفَعَهُ إلى العَبّاسِ، ثُمَّ قالَ: يا عُثْمانُ خُذِ المِفْتاحَ عَلى أنَّ لِلْعَبّاسِ نَصِيبًا مَعَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُثْمانَ: ”هاكَ خالِدَةٌ تالِدَةٌ لا يَنْزِعُها مِنكَ إلّا ظالِمٌ» “ ثُمَّ إنَّ عُثْمانَ هاجَرَ ودَفَعَ المِفْتاحَ إلى أخِيهِ شَيْبَةَ فَهو في ولَدِهِ اليَوْمَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ هَذِهِ القِصَّةِ لا يُوجِبُ كَوْنَها مَخْصُوصَةً بِهَذِهِ القَضِيَّةِ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أنْواعِ الأماناتِ، واعْلَمْ أنَّ مُعامَلَةَ الإنْسانِ إمّا أنْ تَكُونَ مَعَ رَبِّهِ أوْ مَعَ سائِرِ العِبادِ، أوْ مَعَ نَفْسِهِ، ولا بُدَّ مِن رِعايَةِ الأمانَةِ في جَمِيعِ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ.

أمّا رِعايَةُ الأمانَةِ مَعَ الرَّبِّ: فَهي في فِعْلِ المَأْمُوراتِ وتَرْكِ المَنهِيّاتِ، وهَذا بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الأمانَةُ في كُلِّ شَيْءٍ لازِمَةٌ، في الوُضُوءِ والجَنابَةِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّهُ …

59

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

O you who have believed, obey Allah and obey the Messenger and those in authority among you. And if you disagree over anything, refer it to Allah and the Messenger, if you should believe in Allah and the Last Day. That is the best [way] and best in result.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكم فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الرُّعاةَ والوُلاةَ بِالعَدْلِ في الرَّعِيَّةِ أمَرَ الرَّعِيَّةَ بِطاعَةِ الوُلاةِ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ﴾ ولِهَذا قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: حَقٌّ عَلى الإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ ويُؤَدِّيَ الأمانَةَ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلى الرَّعِيَّةِ أنْ يَسْمَعُوا ويُطِيعُوا. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الطّاعَةُ مُوافَقَةُ الإرادَةِ، وقالَ أصْحابُنا: الطّاعَةُ مُوافَقَةُ الأمْرِ لا مُوافَقَةُ الإرادَةِ. لَنا أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّ مُوافَقَةَ الأمْرِ طاعَةٌ، إنَّما النِّزاعُ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ هَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُرادًا أمْ لا ؟ فَإذا دَلَلْنا عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ قَدْ لا يَكُونُ مُرادًا ثَبَتَ حِينَئِذٍ أنَّ الطّاعَةَ لَيْسَتْ عِبارَةً عَنْ مُوافَقَةِ الإرادَةِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ اللَّهَ قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ؛ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ وخَبَرَهُ قَدْ تَعَلَّقا بِأنَّ الإيمانَ لا يُوجَدُ مِن أبِي لَهَبٍ البَتَّةَ، وهَذا العِلْمُ وهَذا الخَبَرُ يَمْتَنِعُ زَوالُهُما وانْقِلابُهُما جَهْلًا، ووُجُودُ الإيمانِ مُضادٌّ ومُنافٍ لِهَذا العِلْمِ ولِهَذا الخَبَرِ، والجَمْعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ مُحالٌ، فَكانَ صُدُورُ الإيمانِ مِن أبِي لَهَبٍ مُحالًا. واللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ هَذِهِ الأحْوالِ فَيَكُونُ عالِمًا بِكَوْنِهِ مُحالًا، والعالِمُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ مُحالًا لا يَكُونُ مُرِيدًا لَهُ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُرِيدٍ لِلْإيمانِ مِن أبِي لَهَبٍ وقَدْ أمَرَهُ بِالإيمانِ، فَثَبَتَ أنَّ الأمْرَ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الإرادَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ طاعَةَ اللَّهِ عِبارَةٌ عَنْ مُوافَقَةِ أمْرِهِ لا عَنْ مُوافَقَةِ إرادَتِهِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى أنَّ الطّاعَةَ اسْمٌ لِمُوافَقَةِ الإرادَةِ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:

رُبَّ مَن أنْضَجْتُ غَيْظًا صَدْرَهُ قَدْ تَمَنّى لِيَ مَوْتًا لَمْ يُطَعْ

رَتَّبَ الطّاعَةَ عَلى التَّمَنِّي وهو مِن جِنْسِ الإرادَةِ.

والجَوابُ: أنَّ العاقِلَ عالِمٌ بِأنَّ الدَّلِيلَ القاطِعَ الَّذِي ذَكَرْناهُ لا يَلِيقُ مُعارَضَتُهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الحُجَّةِ الرَّكِيكَةِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ آيَةٌ شَرِيفَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أكْثَرِ عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الفُقَهاءَ زَعَمُوا أنَّ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ أرْبَعٌ: الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ والقِياسُ، وهَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى تَقْرِيرِ هَذِهِ الأُصُولِ الأرْبَعَةِ بِهَذا التَّرْتِيبِ. أمّا الكِتابُ والسُّنَّةُ فَقَدْ وقَعَتِ الإشارَةُ إلَيْهِما بِقَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ هي طاعَةُ اللَّهِ، فَما مَعْنى هَذا العَطْفِ ؟

قُلْنا: قالَ القاضِي: الفائِدَةُ في ذَلِكَ بَيانُ الدَّلالَتَيْنِ، فالكِتابُ يَدُلُّ عَلى أمْرِ اللَّهِ، ثُمَّ نَعْلَمُ مِنهُ أمْرَ الرَّسُولِ لا مَحالَةَ، والسُّنَّةُ تَدُلُّ عَلى أمْرِ الرَّسُولِ، ثُمَّ نَعْلَمُ مِنهُ أمْرَ اللَّهِ لا مَحالَةَ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ مُتابَعَةِ الكِتابِ …

60

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًۭا

Have you not seen those who claim to have believed in what was revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you? They wish to refer legislation to Taghut, while they were commanded to reject it; and Satan wishes to lead them far astray.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ في الآيَةِ الأُولى عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ أنْ يُطِيعُوا اللَّهَ ويُطِيعُوا الرَّسُولَ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُنافِقِينَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ لا يُطِيعُونَ الرَّسُولَ ولا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، وإنَّما يُرِيدُونَ حُكْمَ غَيْرِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الزَّعْمُ والزَّعَمُ لُغَتانِ، ولا يُسْتَعْمَلانِ في الأكْثَرَ إلّا في القَوْلِ الَّذِي لا يَتَحَقَّقُ. قالَ اللَّيْثُ: أهْلُ العَرَبِيَّةِ يَقُولُونَ زَعَمَ فُلانٌ إذا شَكُّوا فِيهِ فَلَمْ يَعْرِفُوا أكَذَبَ أوْ صَدَقَ، فَكَذَلِكَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنْعامِ: ١٣٦ ] أيْ بِقَوْلِهِمُ الكَذِبَ. قالَ الأصْمَعِيُّ: الزَّعُومُ مِنَ الغَنَمِ الَّتِي لا يَعْرِفُونَ أبِها شَحْمٌ أمْ لا، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الزَّعْمُ يُسْتَعْمَلُ في الحَقِّ، وأنْشَدَ لِأُمَيَّةَ بْنِ الصَّلْتِ:

وإنِّي أدِينُ لَكم أنَّهُ سَيُنْجِزُكم رَبُّكم ما زَعَمَ

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ المُرادُ بِهِ الكَذِبُ، لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في أسْبابِ النُّزُولِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: «نازَعَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ فَقالَ اليَهُودِيُّ: بَيْنِي وبَيْنَكَ أبُو القاسِمِ، وقالَ المُنافِقُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ كانَ يَقْضِي بِالحَقِّ ولا يَلْتَفِتُ إلى الرِّشْوَةِ، وكَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ كانَ شَدِيدَ الرَّغْبَةِ في الرِّشْوَةِ، واليَهُودِيَّ كانَ مُحِقًّا، والمُنافِقَ كانَ مُبْطِلًا، فَلِهَذا المَعْنى كانَ اليَهُودِيُّ يُرِيدُ التَّحاكُمَ إلى الرَّسُولِ، والمُنافِقُ كانَ يُرِيدُ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، ثُمَّ أصَرَّ اليَهُودِيُّ عَلى قَوْلِهِ، فَذَهَبا إلَيْهِ ﷺ، فَحَكَمَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْيَهُودِيِّ عَلى المُنافِقِ، فَقالَ المُنافِقُ لا أرْضى انْطَلِقْ بِنا إلى أبِي بَكْرٍ، فَحَكَمَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلْيَهُودِيِّ فَلَمْ يَرْضَ المُنافِقُ، وقالَ المُنافِقُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ عُمَرُ، فَصارا إلى عُمَرَ فَأخْبَرَهُ اليَهُودِيُّ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأبا بَكْرٍ حَكَما عَلى المُنافِقِ فَلَمْ يَرْضَ بِحُكْمِهِما، فَقالَ لِلْمُنافِقِ: أهَكَذا ؟ فَقالَ: نَعَمْ، قالَ: اصْبِرا إنَّ لِي حاجَةً أدْخُلُ فَأقْضِيها وأخْرُجُ إلَيْكُما. فَدَخَلَ فَأخَذَ سَيْفَهُ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِما فَضَرَبَ بِهِ المُنافِقَ حَتّى بَرَدَ وهَرَبَ اليَهُودِيُّ، فَجاءَ أهْلُ المُنافِقِ فَشَكَوْا عُمَرَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَألَ عُمَرَ عَنْ قِصَّتِهِ، فَقالَ عُمَرُ: إنَّهُ رَدَّ حُكْمَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَجاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الحالِ وقالَ: إنَّهُ الفارُوقُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: ”أنْتَ الفارُوقُ» “ وعَلى هَذا القَوْلِ الطّاغُوتُ هو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ.

صفحة ١٢٤

الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أسْلَمَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ ونافَقَ بَعْضُهم، …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.