فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍۢ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًۭا
So how [will it be] when We bring from every nation a witness and we bring you, [O Muhammad] against these [people] as a witness?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾
وجْهُ النَّظْمِ هو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ في الآخِرَةِ لا يَجْرِي عَلى أحَدٍ ظُلْمٌ، وأنَّهُ تَعالى يُجازِي المُحْسِنَ عَلى إحْسانِهِ ويَزِيدُهُ عَلى قَدْرِ حَقِّهِ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ يَجْرِي بِشَهادَةِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ الحُجَّةَ عَلى الخَلْقِ، لِتَكُونَ الحُجَّةُ عَلى المُسِيءِ أبْلَغَ، والتَّبْكِيتُ لَهُ أعْظَمَ، وحَسْرَتُهُ أشَدَّ، ويَكُونَ سُرُورُ مَن قَبِلَ ذَلِكَ مِنَ الرَّسُولِ وأظْهَرَ الطّاعَةَ أعْظَمَ، ويَكُونَ هَذا وعِيدًا لِلْكُفّارِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ ووَعْدًا لِلْمُطِيعِينَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: «رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: ”اقْرَأِ القُرْآنَ عَلَيَّ“ قالَ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْتَ الَّذِي عَلَّمْتَنِيهِ فَقالَ: ”أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيْرِي“ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فافْتَتَحْتُ سُورَةَ النِّساءِ، فَلَمّا انْتَهَيْتُ إلى هَذِهِ الآيَةِ بَكى الرَّسُولُ ﷺ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَأمْسَكْتُ عَنِ القِراءَةِ» . وذَكَرَ السُّدِّيُّ أنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِالبَلاغِ، والرَّسُولُ ﷺ يَشْهَدُ لِأُمَّتِهِ بِالتَّصْدِيقِ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وحُكِيَ عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِن عادَةِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ في الشَّيْءِ الَّذِي يَتَوَقَّعُونَهُ: كَيْفَ بِكَ إذا كانَ كَذا وكَذا، وإذا فَعَلَ فُلانٌ كَذا، وإذا جاءَ وقْتُ كَذا، فَمَعْنى هَذا الكَلامِ: كَيْفَ تَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا اسْتَشْهَدَ اللَّهُ عَلى كُلِّ أُمَّةٍ بِرَسُولِها، واسْتَشْهَدَكَ عَلى هَؤُلاءِ ؟ يَعْنِي قَوْمَهُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ الَّذِينَ شاهَدَهم وعَرَفَ أحْوالَهم. ثُمَّ إنَّ أهْلَ كُلِّ عَصْرٍ يَشْهَدُونَ عَلى غَيْرِهِمْ مِمَّنْ شاهَدُوا أحْوالَهم، وعَلى هَذا الوَجْهِ قالَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧]
.
* * *
صفحة ٨٦
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ عِصْيانِ الرَّسُولِ مُغايِرًا لِلْكُفْرِ؛ لِأنَّ عَطْفَ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ غَيْرُ جائِزٍ، فَوَجَبَ حَمْلُ عِصْيانِ الرَّسُولِ عَلى المَعاصِي المُغايِرَةِ لِلْكُفْرِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الإسْلامِ، وأنَّهم كَما يُعاقَبُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى الكُفْرِ فَيُعاقَبُونَ أيْضًا عَلى تِلْكَ المَعاصِي؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ المَعْصِيَةِ أثَرٌ في هَذا المَعْنى لَما كانَ في ذِكْرِ مَعْصِيَتِهِمْ في هَذا المَوْضِعِ أثَرٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو ”تُسَوّى“ مَضْمُومَةَ التّاءِ خَفِيفَةَ السِّينِ عَلى ما …