Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 41–50 of 176

41

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍۢ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًۭا

So how [will it be] when We bring from every nation a witness and we bring you, [O Muhammad] against these [people] as a witness?

﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تَسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ .

الفاءُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ فاءً فَصِيحَةً تَدُلُّ عَلى شَرْطٍ مُقَدَّرٍ نَشَأ عَنِ الوَعِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ٣٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَساءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨]؛ وعَنِ التَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ: ﴿وماذا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٣٩]؛ وعَنِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] الآيَةَ، والتَّقْدِيرُ: إذا أيْقَنْتَ بِذَلِكَ فَكَيْفَ حالُ كُلِّ أُولَئِكَ إذا جاءَ الشُّهَداءُ وظَهَرَ مُوجَبُ الشَّهادَةِ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ وعَلى العَمَلِ السَّيِّئِ، وعَلى هَذا فَلَيْسَ ضَمِيرُ ”بِكَ“ إضْمارًا في مَقامِ الإظْهارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةٌ يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠]، أيْ يَتَفَرَّعُ عَنْ ذَلِكَ سُؤالٌ عَنْ حالِ النّاسِ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ؛ فالنّاسُ بَيْنَ مُسْتَبْشِرٍ ومُتَحَسِّرٍ، وعَلى هَذا فَضَمِيرُ ”بِكَ“ واقِعٌ مَوْقِعَ الِاسْمِ الظّاهِرِ لِأنَّ مُقْتَضى هَذا أنْ يَكُونَ الكَلامُ مَسُوقًا لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، فَيَقْتَضِيَ أنْ يُقالَ: وجِئْنا بِالرَّسُولِ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا، فَعَدَلَ إلى الخِطابِ تَشْرِيفًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِعِزِّ الحُضُورِ والإقْبالِ عَلَيْهِ.

صفحة ٥٧

والحالَةُ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها الِاسْتِفْهامُ المُسْتَعْمَلُ في التَّعْجِيبِ تُؤْذِنُ بِحالَةٍ مَهُولَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ وتُنادِي عَلى حَيْرَتِهِمْ ومُحاوَلَتِهِمُ التَّمَلُّصَ مِنَ العِقابِ بِسُلُوكِ طَرِيقِ إنْكارِ أنْ يَكُونُوا أُنْذِرُوا مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ مَجِيءُ شَهِيدٍ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ حُذِفَ المُبْتَدَأُ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ ويُقَدَّرُ بِنَحْوِ: كَيْفَ أُولَئِكَ، أوْ كَيْفَ المَشْهَدُ، ولا يُقَدَّرُ بِكَيْفَ حالِهِمْ خاصَّةً، إذْ هي أحْوالٌ كَثِيرَةٌ ما مِنها إلّا يَزِيدُهُ حالُ ضِدِّهِ وُضُوحًا، فالنّاجِي يَزْدادُ سُرُورًا بِمُشاهَدَةِ حالِ ضِدِّهِ، والمُوبَقُ يَزْدادُ تَحَسُّرًا بِمُشاهَدَةِ حالِ ضِدِّهِ، والكُلُّ يَقْوى يَقِينُهُ بِما حَصَلَ لَهُ بِشَهادَةِ الصّادِقِينَ لَهُ أوْ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ لَمّا ذَكَرَ الشَّهِيدَ لَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ مُتَعَلِّقَهُ بِعَلى أوِ اللّامِ: لِيَعُمَّ الأمْرَيْنِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ مِنَ التَّعْجِيبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

و”إذا“ ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ مُضافٌ إلى جُمْلَةِ ”جِئْنا“ أيْ زَمانِ إتْيانِنا بِشَهِيدٍ. ومَضْمُونُ الجُمْلَةِ مَعْلُومٌ مِن آياتٍ أُخْرى تَقَدَّمَ نُزُولُها مِثْلَ آيَةِ سُورَةِ النَّحْلِ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] فَلِذَلِكَ صَلَحَتْ لِأنْ يُتَعَرَّفَ اسْمُ الزَّمانِ بِإضافَتِهِ إلى تِلْكَ الجُمْلَةِ، والظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِـ ”كَيْفَ“ لِما فِيها مِن مَعْنى الفِعْلِ وهو مَعْنى التَّعْجِيبِ، كَما انْتَصَبَ بِمَعْنى التَّلَهُّفِ في قَوْلِ أبِي الطَّمْحانِ:

وقَبْلَ غَدٍ، يا لَهْفَ قَلْبِي مِن غَدٍ إذا راحَ أصْحابِي ولَسْتُ بِرائِحِ

والمَجْرُورانِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ وقَوْلِهِ (بِشَهِيدٍ) يَتَعَلَّقانِ بِـ ”جِئْنا“ . وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُخْتَصَرًا عَلى نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ …

42

يَوْمَئِذٍۢ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًۭا

That Day, those who disbelieved and disobeyed the Messenger will wish they could be covered by the earth. And they will not conceal from Allah a [single] statement.

﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تَسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ .

الفاءُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ فاءً فَصِيحَةً تَدُلُّ عَلى شَرْطٍ مُقَدَّرٍ نَشَأ عَنِ الوَعِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ٣٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَساءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨]؛ وعَنِ التَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ: ﴿وماذا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٣٩]؛ وعَنِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] الآيَةَ، والتَّقْدِيرُ: إذا أيْقَنْتَ بِذَلِكَ فَكَيْفَ حالُ كُلِّ أُولَئِكَ إذا جاءَ الشُّهَداءُ وظَهَرَ مُوجَبُ الشَّهادَةِ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ وعَلى العَمَلِ السَّيِّئِ، وعَلى هَذا فَلَيْسَ ضَمِيرُ ”بِكَ“ إضْمارًا في مَقامِ الإظْهارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةٌ يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠]، أيْ يَتَفَرَّعُ عَنْ ذَلِكَ سُؤالٌ عَنْ حالِ النّاسِ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ؛ فالنّاسُ بَيْنَ مُسْتَبْشِرٍ ومُتَحَسِّرٍ، وعَلى هَذا فَضَمِيرُ ”بِكَ“ واقِعٌ مَوْقِعَ الِاسْمِ الظّاهِرِ لِأنَّ مُقْتَضى هَذا أنْ يَكُونَ الكَلامُ مَسُوقًا لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، فَيَقْتَضِيَ أنْ يُقالَ: وجِئْنا بِالرَّسُولِ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا، فَعَدَلَ إلى الخِطابِ تَشْرِيفًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِعِزِّ الحُضُورِ والإقْبالِ عَلَيْهِ.

صفحة ٥٧

والحالَةُ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها الِاسْتِفْهامُ المُسْتَعْمَلُ في التَّعْجِيبِ تُؤْذِنُ بِحالَةٍ مَهُولَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ وتُنادِي عَلى حَيْرَتِهِمْ ومُحاوَلَتِهِمُ التَّمَلُّصَ مِنَ العِقابِ بِسُلُوكِ طَرِيقِ إنْكارِ أنْ يَكُونُوا أُنْذِرُوا مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ مَجِيءُ شَهِيدٍ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ حُذِفَ المُبْتَدَأُ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ ويُقَدَّرُ بِنَحْوِ: كَيْفَ أُولَئِكَ، أوْ كَيْفَ المَشْهَدُ، ولا يُقَدَّرُ بِكَيْفَ حالِهِمْ خاصَّةً، إذْ هي أحْوالٌ كَثِيرَةٌ ما مِنها إلّا يَزِيدُهُ حالُ ضِدِّهِ وُضُوحًا، فالنّاجِي يَزْدادُ سُرُورًا بِمُشاهَدَةِ حالِ ضِدِّهِ، والمُوبَقُ يَزْدادُ تَحَسُّرًا بِمُشاهَدَةِ حالِ ضِدِّهِ، والكُلُّ يَقْوى يَقِينُهُ بِما حَصَلَ لَهُ بِشَهادَةِ الصّادِقِينَ لَهُ أوْ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ لَمّا ذَكَرَ الشَّهِيدَ لَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ مُتَعَلِّقَهُ بِعَلى أوِ اللّامِ: لِيَعُمَّ الأمْرَيْنِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ مِنَ التَّعْجِيبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

و”إذا“ ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ مُضافٌ إلى جُمْلَةِ ”جِئْنا“ أيْ زَمانِ إتْيانِنا بِشَهِيدٍ. ومَضْمُونُ الجُمْلَةِ مَعْلُومٌ مِن آياتٍ أُخْرى تَقَدَّمَ نُزُولُها مِثْلَ آيَةِ سُورَةِ النَّحْلِ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] فَلِذَلِكَ صَلَحَتْ لِأنْ يُتَعَرَّفَ اسْمُ الزَّمانِ بِإضافَتِهِ إلى تِلْكَ الجُمْلَةِ، والظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِـ ”كَيْفَ“ لِما فِيها مِن مَعْنى الفِعْلِ وهو مَعْنى التَّعْجِيبِ، كَما انْتَصَبَ بِمَعْنى التَّلَهُّفِ في قَوْلِ أبِي الطَّمْحانِ:

وقَبْلَ غَدٍ، يا لَهْفَ قَلْبِي مِن غَدٍ إذا راحَ أصْحابِي ولَسْتُ بِرائِحِ

والمَجْرُورانِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ وقَوْلِهِ (بِشَهِيدٍ) يَتَعَلَّقانِ بِـ ”جِئْنا“ . وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُخْتَصَرًا عَلى نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ …

43

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا

O you who have believed, do not approach prayer while you are intoxicated until you know what you are saying or in a state of janabah, except those passing through [a place of prayer], until you have washed [your whole body]. And if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women and find no water, then seek clean earth and wipe over your faces and your hands [with it]. Indeed, Allah is ever Pardoning and Forgiving.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حُكْمَيْنِ يَتَعَلَّقانِ بِالصَّلاةِ، دَعا إلى نُزُولِها عَقِبَ الآياتِ الماضِيَةِ أنَّهُ آنَ الأوانُ لِتَشْرِيعِ هَذا الحُكْمِ في الخَمْرِ حِينَئِذٍ، وإلى قَرْنِهِ بِحُكْمٍ مُقَرَّرٍ يَتَعَلَّقُ بِالصَّلاةِ أيْضًا، ويَظْهَرُ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها طَرَأ في أثْناءِ نُزُولِ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها والَّتِي بَعْدَها، فَوَقَعَتْ في مَوْقِعِ وقْتِ نُزُولِها وجاءَتْ كالمُعْتَرِضَةِ بَيْنَ تِلْكَ الآياتِ. تَضَمَّنَتْ حُكْمًا أوَّلَ يَتَعَلَّقُ بِالصَّلاةِ ابْتِداءً، وهو مَقْصُودٌ في ذاتِهِ أيْضًا بِحَسَبِ الغايَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ . وذَلِكَ أنَّ الخَمْرَ كانَتْ حَلالًا لَمْ يُحَرِّمْها اللَّهُ تَعالى، فَبَقِيَتْ عَلى الإباحَةِ الأصْلِيَّةِ، وفي المُسْلِمِينَ مَن يَشْرَبُها. ونَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] في أوَّلِ مُدَّةِ الهِجْرَةِ. فَقالَ فَرِيقٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: نَحْنُ نَشْرَبُها لِمَنافِعِها لا لِإثْمِها، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ المُرادَ مِنَ الإثْمِ الحَرَجُ والمَضَرَّةُ والمَفْسَدَةُ، وتِلْكَ الآيَةُ كانَتْ إيذانًا لَهم بِأنَّ الخَمْرَ يُوشِكُ أنْ تَكُونَ حَرامًا لِأنَّ ما يَشْتَمِلُ عَلى الإثْمِ مُتَّصِفٌ بِوَصْفٍ مُناسِبٍ لِلتَّحْرِيمِ، ولَكِنَّ اللَّهَ أبْقى إباحَتَها رَحْمَةً لَهم في مُعْتادِهِمْ، مَعَ تَهْيِئَةِ النُّفُوسِ إلى قَبُولِ تَحْرِيمِها، فَحَدَثَ بَعْدَ ثَلاثِ سِنِينَ ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: صَنَعَ لَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعامًا فَدَعانا وسَقانا خَمْرًا وحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَقَدَّمُونِي فَقَرَأْتُ: قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ونَحْنُ نَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ . قالَ أبُو عِيسى: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

صفحة ٦١

والقُرْبُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ المَجازِيِّ وهو التَّلَبُّسُ بِالفِعْلِ، لِأنَّ (قَرُبَ) حَقِيقَةٌ في الدُّنُوِّ مِنَ المَكانِ أوِ الذّاتِ. يُقالُ: قَرُبَ مِنهُ بِضَمِّ الرّاءِ وقَرِبَهُ بِكَسْرِ الرّاءِ وهُما بِمَعْنًى، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ مَكْسُورَ الرّاءِ لِلْقُرْبِ المَجازِيِّ خاصَّةً، ولا يَصِحُّ.

وإنَّما اخْتِيرَ هَذا الفِعْلُ دُونَ (لا تُصَلُّوا) ونَحْوِهِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ تِلْكَ حالَةٌ مُنافِيَةٌ لِلصَّلاةِ، وصاحِبُها جَدِيرٌ بِالِابْتِعادِ عَنْ أفْضَلِ عَمَلٍ في الإسْلامِ، ومِن هُنا كانَتْ مُؤْذِنَةً بِتَغَيُّرِ شَأْنِ الخَمْرِ والتَّنْفِيرِ مِنها، لِأنَّ المُخاطَبِينَ يَوْمَئِذٍ هم أكْمَلُ النّاسِ إيمانًا وأعْلَقُهم بِالصَّلاةِ، فَلا يَرْمُقُونَ شَيْئًا يَمْنَعُهم مِنَ الصَّلاةِ إلّا بِعَيْنِ الِاحْتِقارِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن تَأوَّلَ الصَّلاةَ هُنا بِالمَسْجِدِ مِن إطْلاقِ اسْمِ الحالِ عَلى المَحَلِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وصَلَواتٌ ومَساجِدُ﴾ [الحج: ٤٠]، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ قالُوا: كانَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ ثُمَّ يَأْتُونَ المَسْجِدَ لِلصَّلاةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. ولا يَخْفى بُعْدُهُ ومُخالَفَتُهُ لِمَشْهُورِ الآثارِ.

وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ غايَةٌ لِلنَّهْيِ وإيماءٌ إلى عِلَّتِهِ، واكْتَفى بِقَوْلِهِ ”تَقُولُونَ“ عَنْ …

44

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, purchasing error [in exchange for it] and wishing you would lose the way?

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكم وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ .

اسْتِئْنافُ كَلامٍ راجِعٌ إلى مَهْيَعِ الآياتِ الَّتِي سَبَقَتْ مِن قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] فَإنَّهُ بَعْدَ نِذارَةِ المُشْرِكِينَ وجَّهَ الإنْذارَ لِأهْلِ الكِتابِ، ووَقَعَتْ آياتُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ وقْتَ الصَّلاةِ، وآياتُ مَشْرُوعِيَّةِ الطَّهارَةِ لَها فِيما بَيْنَهُما، وفِيهِ مُناسَبَةٌ لِلْأمْرِ بِتَرْكِ الخَمْرِ في أوْقاتِ الصَّلَواتِ والأمْرِ بِالطَّهارَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الهُدى الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لِلْيَهُودِ نَظِيرُهُ، فَهم يَحْسُدُونَ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، لِأنَّهم حُرِمُوا مِن مِثْلِهِ وفَرَّطُوا في هُدًى عَظِيمٍ، وأرادُوا إضْلالَ المُسْلِمِينَ عَداءً مِنهم.

وجُمْلَةُ (ألَمْ تَرَ) إلى (الكِتابِ) جُمْلَةٌ يُقْصَدُ مِنها التَّعْجِيبُ، والِاسْتِفْهامُ فِيها تَقْرِيرِيٌّ عَنْ نَفْيِ فِعْلٍ لا يَوَدُّ المُخاطَبُ انْتِفاءَهُ عَنْهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ مُحَرِّضًا عَلى الإقْرارِ بِأنَّهُ فَعَلَ، وهو مُفِيدٌ مَعَ ذَلِكَ لِلتَّعْجِيبِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وجُمْلَةُ (يَشْتَرُونَ) حالِيَّةٌ فَهي قَيْدٌ لِجُمْلَةِ ”ألَمْ تَرَ“ وحالَةُ اشْتِرائِهِمُ الضَّلالَةَ وإنْ كانَتْ غَيْرَ مُشاهَدَةٍ بِالبَصَرِ فَقَدْ نُزِّلَتْ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ المَرْئِيِّ، لِأنَّ شُهْرَةَ الشَّيْءِ وتَحَقُّقَهُ تَجْعَلُهُ بِمَنزِلَةِ المَرْئِيِّ.

والنَّصِيبُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] في هَذِهِ السُّورَةِ، وفي اخْتِيارِهِ هُنا إلْقاءُ احْتِمالِ قِلَّتِهِ في نُفُوسِ السّامِعِينَ، وإلّا لَقِيلَ: أُوتُوا الكِتابَ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ

صفحة ٧٢

هَذا ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٤١]، أيْ نَصِيبٌ مِنَ الفَتْحِ أوْ مِنَ النَّصْرِ.

والمُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ، لِأنَّ اليَهُودَ هُمُ الَّذِينَ كانُوا مُخْتَلَطِينَ مَعَ المُسْلِمِينَ بِالمَدِينَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيها أحَدٌ مِنَ النَّصارى.

والِاشْتِراءُ مَجازٌ في الِاخْتِيارِ والسَّعْيِ لِتَحْصِيلِ الشَّيْءِ، لِأنَّ المُشْتَرِيَ هو آخِذُ الشَّيْءِ المَرْغُوبِ فِيهِ مِنَ المُتَبائِعَيْنِ، والبائِعُ هو باذِلُ الشَّيْءِ المَرْغُوبِ فِيهِ لِحاجَتِهِ إلى ثَمَنِهِ، هَكَذا اعْتَبَرَ أهْلُ العُرْفِ الَّذِي بُنِيَتْ عَلَيْهِ اللُّغَةُ وإلّا فَإنَّ كِلا المُتَبايِعَيْنِ مُشْتَرٍ وشارٍ، فَلا جَرَمَ أنْ أُطْلِقَ الِاشْتِراءُ مَجازًا عَلى الِاخْتِيارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اقْتَحَمُوا الضَّلالَةَ عَنْ عَمْدٍ لِضَعْفِ إيمانِهِمْ بِكِتابِهِمْ وقِلَّةِ جَدْوى عِلْمِهِمْ عَلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أيْ يُرِيدُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ الضَّلالَةَ لِئَلّا يَفْضُلُوهم بِالِاهْتِداءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] . فالإرادَةُ هُنا بِمَعْنى …

45

وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًۭا

And Allah is most knowing of your enemies; and sufficient is Allah as an ally, and sufficient is Allah as a helper.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكم وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ .

اسْتِئْنافُ كَلامٍ راجِعٌ إلى مَهْيَعِ الآياتِ الَّتِي سَبَقَتْ مِن قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] فَإنَّهُ بَعْدَ نِذارَةِ المُشْرِكِينَ وجَّهَ الإنْذارَ لِأهْلِ الكِتابِ، ووَقَعَتْ آياتُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ وقْتَ الصَّلاةِ، وآياتُ مَشْرُوعِيَّةِ الطَّهارَةِ لَها فِيما بَيْنَهُما، وفِيهِ مُناسَبَةٌ لِلْأمْرِ بِتَرْكِ الخَمْرِ في أوْقاتِ الصَّلَواتِ والأمْرِ بِالطَّهارَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الهُدى الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لِلْيَهُودِ نَظِيرُهُ، فَهم يَحْسُدُونَ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، لِأنَّهم حُرِمُوا مِن مِثْلِهِ وفَرَّطُوا في هُدًى عَظِيمٍ، وأرادُوا إضْلالَ المُسْلِمِينَ عَداءً مِنهم.

وجُمْلَةُ (ألَمْ تَرَ) إلى (الكِتابِ) جُمْلَةٌ يُقْصَدُ مِنها التَّعْجِيبُ، والِاسْتِفْهامُ فِيها تَقْرِيرِيٌّ عَنْ نَفْيِ فِعْلٍ لا يَوَدُّ المُخاطَبُ انْتِفاءَهُ عَنْهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ مُحَرِّضًا عَلى الإقْرارِ بِأنَّهُ فَعَلَ، وهو مُفِيدٌ مَعَ ذَلِكَ لِلتَّعْجِيبِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وجُمْلَةُ (يَشْتَرُونَ) حالِيَّةٌ فَهي قَيْدٌ لِجُمْلَةِ ”ألَمْ تَرَ“ وحالَةُ اشْتِرائِهِمُ الضَّلالَةَ وإنْ كانَتْ غَيْرَ مُشاهَدَةٍ بِالبَصَرِ فَقَدْ نُزِّلَتْ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ المَرْئِيِّ، لِأنَّ شُهْرَةَ الشَّيْءِ وتَحَقُّقَهُ تَجْعَلُهُ بِمَنزِلَةِ المَرْئِيِّ.

والنَّصِيبُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] في هَذِهِ السُّورَةِ، وفي اخْتِيارِهِ هُنا إلْقاءُ احْتِمالِ قِلَّتِهِ في نُفُوسِ السّامِعِينَ، وإلّا لَقِيلَ: أُوتُوا الكِتابَ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ

صفحة ٧٢

هَذا ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٤١]، أيْ نَصِيبٌ مِنَ الفَتْحِ أوْ مِنَ النَّصْرِ.

والمُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ، لِأنَّ اليَهُودَ هُمُ الَّذِينَ كانُوا مُخْتَلَطِينَ مَعَ المُسْلِمِينَ بِالمَدِينَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيها أحَدٌ مِنَ النَّصارى.

والِاشْتِراءُ مَجازٌ في الِاخْتِيارِ والسَّعْيِ لِتَحْصِيلِ الشَّيْءِ، لِأنَّ المُشْتَرِيَ هو آخِذُ الشَّيْءِ المَرْغُوبِ فِيهِ مِنَ المُتَبائِعَيْنِ، والبائِعُ هو باذِلُ الشَّيْءِ المَرْغُوبِ فِيهِ لِحاجَتِهِ إلى ثَمَنِهِ، هَكَذا اعْتَبَرَ أهْلُ العُرْفِ الَّذِي بُنِيَتْ عَلَيْهِ اللُّغَةُ وإلّا فَإنَّ كِلا المُتَبايِعَيْنِ مُشْتَرٍ وشارٍ، فَلا جَرَمَ أنْ أُطْلِقَ الِاشْتِراءُ مَجازًا عَلى الِاخْتِيارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اقْتَحَمُوا الضَّلالَةَ عَنْ عَمْدٍ لِضَعْفِ إيمانِهِمْ بِكِتابِهِمْ وقِلَّةِ جَدْوى عِلْمِهِمْ عَلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أيْ يُرِيدُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ الضَّلالَةَ لِئَلّا يَفْضُلُوهم بِالِاهْتِداءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] . فالإرادَةُ هُنا بِمَعْنى …

46

مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍۢ وَرَٰعِنَا لَيًّۢا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًۭا فِى ٱلدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا

Among the Jews are those who distort words from their [proper] usages and say, "We hear and disobey" and "Hear but be not heard" and "Ra'ina," twisting their tongues and defaming the religion. And if they had said [instead], "We hear and obey" and "Wait for us [to understand]," it would have been better for them and more suitable. But Allah has cursed them for their disbelief, so they believe not, except for a few.

صفحة ٧٤

﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ .

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا كَلامًا مُسْتَأْنَفًا.

و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، وهي خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِفَتُهُ وهي جُمْلَةُ ”يُحَرِّفُونَ“ . والتَّقْدِيرُ: قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ.

وحَذْفُ المُبْتَدَإ في مِثْلِ هَذا شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ اجْتِزاءً بِالصِّفَةِ عَنِ المَوْصُوفِ، وذَلِكَ إذا كانَ المُبْتَدَأُ مَوْصُوفًا بِجُمْلَةٍ أوْ ظَرْفٍ، وكانَ بَعْضَ اسْمٍ مَجْرُورٍ بِحَرْفِ ”مِن“، وذَلِكَ الِاسْمُ مُقَدَّمٌ عَلى المُبْتَدَإ. ومِن كَلِماتِ العَرَبِ المَأْثُورَةِ قَوْلُهم: مِنّا ظَعَنَ ومِنّا أقامَ. أيْ مِنّا فَرِيقٌ ظَعَنَ ومِنّا فَرِيقٌ أقامَ. ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:

فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ غالِبٌ لَهُ وآخَرُ يَذْرِي دَمْعَةَ العَيْنِ بِالهَمْلِ

أيْ ومِنهم فَرِيقٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في العَطْفِ: وآخَرُ. وقَوْلُ تَمِيمِ بْنِ مُقْبِلٍ:

وما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنـهُـمَـا أمُوتُ ∗∗∗ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ

وقَدْ دَلَّ ضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ (﴿يُحَرِّفُونَ﴾) أنَّ هَذا صَنِيعُ فَرِيقٍ مِنهم، وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهِ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ مِنَ اليَهُودِ، ولَعَلَّ قائِلَ هَذا يَعْنِي أنَّهُ مِن جُمْلَةِ هَؤُلاءِ الفَرِيقِ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ واحِدًا ويُؤْتى بِضَمِيرِ الجَماعَةِ، ولَيْسَ المَقامُ مَقامَ إخْفاءٍ حَتّى يَكُونَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - «ما بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ» إلَخْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ صِفَةً لِلَّذِينِ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ، وتَكُونَ (مِن) بَيانِيَّةً أيْ هُمُ الَّذِينَ هادُوا، فَتَكُونَ جُمْلَةُ يُحَرِّفُونَ حالًا مِن قَوْلِهِ: الَّذِينَ هادُوا. وعَلى الوَجْهَيْنِ فَقَدْ أُثْبِتَتْ لَهم أوْصافُ التَّحْرِيفِ والضَّلالَةِ ومَحَبَّةِ ضَلالِ المُسْلِمِينَ.

صفحة ٧٥

والتَّحْرِيفُ: المَيْلُ بِالشَّيْءِ إلى الحَرْفِ وهو جانِبُ الشَّيْءِ وحافَّتُهُ، وسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣] في سُورَةِ المائِدَةِ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في المَيْلِ عَنْ سَواءِ المَعْنى وصَرِيحِهِ إلى التَّأْوِيلِ الباطِلِ، كَما يُقالُ: تَنَكَّبَ عَنِ الصِّراطِ، وعَنِ الطَّرِيقِ، إذا أخْطَأ الصَّوابَ وصارَ إلى سُوءِ الفَهْمِ أوِ التَّضْلِيلِ، فَهو عَلى هَذا تَحْرِيفُ مُرادِ اللَّهِ في التَّوْراةِ إلى تَأْوِيلاتٍ باطِلَةٍ، كَما يَفْعَلُ أهْلُ الأهْواءِ في تَحْرِيفِ مَعانِي القُرْآنِ بِالتَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّحْرِيفُ مُشْتَقًّا مِنَ الحَرْفِ وهو الكَلِمَةُ والكِتابَةُ، فَيَكُونُ مُرادًا بِهِ تَغْيِيرُ كَلِماتِ التَّوْراةِ وتَبْدِيلُها بِكَلِماتٍ أُخْرى لِتُوافِقَ أهْواءَ أهْلِ الشَّهَواتِ في تَأْيِيدِ ما هم عَلَيْهِ مِن فاسِدِ الأعْمالِ. والظّاهِرُ أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ قَدِ ارْتَكَبَهُ اليَهُودُ في كِتابِهِمْ. وما يُنْقَلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّحْرِيفَ فَسادُ التَّأْوِيلِ ولا يَعْمِدُ قَوْمٌ عَلى تَغْيِيرِ كِتابِهِمْ، ناظِرٌ إلى غالِبِ أحْوالِهِمْ، فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ اسْتِعْمالُ ”عَنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ مَجازًا، ولا مُجاوَزَةَ ولا مَواضِعَ، وعَلى الثّانِي …

47

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ ءَامِنُوا۟ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًۭا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا

O you who were given the Scripture, believe in what We have sent down [to Muhammad], confirming that which is with you, before We obliterate faces and turn them toward their backs or curse them as We cursed the sabbath-breakers. And ever is the decree of Allah accomplished.

صفحة ٧٨

﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ .

أقْبَلَ عَلى خِطابِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ أُرِيدَ بِهِمُ اليَهُودُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ مِن عَجائِبِ ضَلالِهِمْ، وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ما فِيهِ وازِعٌ لَهم لَوْ كانَ بِهِمْ وزْعٌ، وكَذَلِكَ شَأْنُ القُرْآنِ أنْ لا يُفْلِتَ فُرْصَةً تَعِنُّ مِن فُرَصِ المَوْعِظَةِ والهُدى إلّا انْتَهَزَها، وكَذَلِكَ شَأْنُ النّاصِحِينَ مِنَ الحُكَماءِ والخُطَباءِ أنْ يَتَوَسَّمُوا أحْوالَ تَأثُّرِ نُفُوسِ المُخاطَبِينَ ومَظانِّ ارْعِوائِها عَنِ الباطِلِ، وتَبَصُّرِها في الحَقِّ، فَيُنْجِدُوها حِينَئِذٍ بِقَوارِعِ المَوْعِظَةِ والإرْشادِ، كَما أشارَ إلَيْهِ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ ١١ إذْ قالَ: فَلَمّا ألْحَدُوا المَيْتَ، وفاتَ قَوْلُ لَيْتَ، أشْرَفَ شَيْخٌ مِن رِباوَةْ، مُتَأبِّطًا لِهِراوَةْ، فَقالَ: لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ إلَخْ. لِذَلِكَ جِيءَ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ الآيَةَ عَقِبَ ما تَقَدَّمَ.

وهَذا مُوجِبُ اخْتِلافِ الصِّلَةِ هُنا عَنِ الصِّلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [النساء: ٤٤] لِأنَّ ذَلِكَ جاءَ في مَقامِ التَّعْجِيبِ والتَّوْبِيخِ فَناسَبَتْهُ صِلَةٌ مُؤْذِنَةٌ بِتَهْوِينِ شَأْنِ عِلْمِهِمْ بِما أُوتُوهُ مِنَ الكِتابِ، وما هُنا جاءَ في مَقامِ التَّرْغِيبِ فَناسَبَتْهُ صِلَةٌ تُؤْذِنُ بِأنَّهم شُرِّفُوا بِإيتاءِ التَّوْراةِ لِتُثِيرَ هِمَمَهم لِلِاتِّسامِ بِمِيسَمِ الرّاسِخِينَ في جَرَيانِ أعْمالِهِمْ عَلى وفْقِ ما يُناسِبُ ذَلِكَ، ولَيْسَ بَيْنَ الصِّلَتَيْنِ اخْتِلافٌ في الواقِعِ لِأنَّهم أُوتُوا الكِتابَ كُلَّهُ حَقِيقَةً بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وأُوتُوا نَصِيبًا مِنهُ بِاعْتِبارِ جَرَيانِ أعْمالِهِمْ عَلى خِلافِ ما جاءَ بِهِ كِتابُهم، فالَّذِي لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ مِنهُ كَأنَّهم لَمْ يُؤْتَوْهُ.

وجِيءَ بِالصِّلَتَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿بِما نَزَّلْنا﴾ وقَوْلِهِ (لِما مَعَكم) دُونَ الِاسْمَيْنِ العَلَمَيْنِ، وهُما: القُرْآنُ والتَّوْراةُ: لِما في قَوْلِهِ: ﴿بِما نَزَّلْنا﴾ مِنَ التَّذْكِيرِ بِعِظَمِ شَأْنِ القُرْآنِ أنَّهُ مُنَزَّلٌ بِإنْزالِ اللَّهِ، ولِما في قَوْلِهِ (لِما مَعَكم) مِنَ التَّعْرِيضِ بِهِمْ في أنَّ التَّوْراةَ كِتابٌ مُسْتَصْحَبٌ عِنْدَهم لا يَعْلَمُونَ مِنهُ حَقَّ عِلْمِهِ ولا يَعْمَلُونَ بِما فِيهِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] .

صفحة ٧٩

وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ تَهْدِيدٌ أوْ وعِيدٌ، ومَعْنى ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ﴾ أيْ آمِنُوا في زَمَنٍ يَبْتَدِئُ مِن قَبْلِ الطَّمْسِ، أيْ مِن قَبْلِ زَمَنِ الطَّمْسِ عَلى الوُجُوهِ، وهَذا تَهْدِيدٌ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ أمْرٌ عَظِيمٌ، وهو يَحْتَمِلُ الحَمْلَ عَلى حَقِيقَةِ الطَّمْسِ بِأنْ يُسَلِّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما يُفْسِدُ بِهِ مُحَيّاهم فَإنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ صالِحَةٌ لِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الطَّمْسُ مَجازًا عَلى إزالَةِ ما بِهِ كَمالُ الإنْسانِ مِنِ اسْتِقامَةِ المَدارِكِ فَإنَّ الوُجُوهَ مَجامِعُ الحَواسِّ.

والتَّهْدِيدُ لا يَقْتَضِي وُقُوعَ المُهَدَّدِ بِهِ، وفي الحَدِيثِ «أما يَخْشى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمامِ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ وجْهَهُ وجْهَ حِمارٍ» .

وأصْلُ الطَّمْسِ إزالَةُ الآثارِ الماثِلَةِ. قالَ …

48

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا

Indeed, Allah does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allah has certainly fabricated a tremendous sin.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ .

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلَها مِن تَهْدِيدِ اليَهُودِ بِعِقابٍ في الدُّنْيا، فالكَلامُ مَسُوقٌ لِتَرْغِيبِ اليَهُودِ في الإسْلامِ، وإعْلامِهِمْ بِأنَّهم بِحَيْثُ يَتَجاوَزُ اللَّهُ عَنْهم عِنْدَ حُصُولِ إيمانِهِمْ، ولَوْ كانَ عَذابُ الطَّمْسِ نازِلًا عَلَيْهِمْ، فالمُرادُ بِالغُفْرانِ التَّجاوُزُ في الدُّنْيا عَنِ المُؤاخَذَةِ لَهم بِعِظَمِ كُفْرِهِمْ وذُنُوبِهِمْ، أيْ بِرَفْعِ العَذابَ عَنْهم. وتَتَضَمَّنُ الآيَةُ تَهْدِيدًا لِلْمُشْرِكِينَ بِعَذابِ الدُّنْيا يَحِلُّ بِهِمْ فَلا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ بَعْدَ حُلُولِ العَذابِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨] الآيَةَ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ حَرْفُ ”أنْ“ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ والتَّسَبُّبِ، أيْ آمِنُوا بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يَنْزِلَ بِكُمُ العَذابُ، لِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ ما دُونُ الإشْراكِ بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، أيْ لِيُعَذِّبَهم عَذابَ الدُّنْيا، ثُمَّ قالَ: ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤]، أيْ في الدُّنْيا، وهو عَذابُ الجُوعِ والسَّيْفِ. وقَوْلُهُ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠]، أيْ دُخانُ عامِ المَجاعَةِ في قُرَيْشٍ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] أيْ بَطْشَةُ يَوْمِ بَدْرٍ؛ أوْ يَكُونُ المُرادُ بِالغُفْرانِ التَّسامُحَ، فَإنَّ الإسْلامَ قَبِلَ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ الدُّخُولَ تَحْتَ ذِمَّةِ الإسْلامِ دُونَ الدُّخُولِ في دِينِ الإسْلامِ، وذَلِكَ حُكْمُ الجِزْيَةِ، ولَمْ يَرْضَ مِنَ المُشْرِكِينَ إلّا بِالإيمانِ دُونَ الجِزْيَةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] إلى قَوْلِهِ

صفحة ٨١

﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . وقالَ في شَأْنِ أهْلِ الكِتابِ ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، وقَعَتِ اعْتِراضًا بَيْنَ قَوارِعِ أهْلِ الكِتابِ ومَواعِظِهِمْ، فَيَكُونُ حَرْفُ ”إنَّ“ لِتَوْكِيدِ الخَبَرِ لِقَصْدِ دَفْعِ احْتِمالِ المَجازِ أوِ المُبالَغَةِ في الوَعِيدِ، وهو إمّا تَمْهِيدٌ لِما بَعْدَهُ لِتَشْنِيعِ جُرْمِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ لِيَكُونَ تَمْهِيدًا لِتَشْنِيعِ حالِ الَّذِينَ فَضَّلُوا الشِّرْكَ عَلى الإيمانِ، وإظْهارًا لِمِقْدارِ التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِهِمُ الآتِي في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١]، أيْ فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ بِحالِ مَن لا يَرْضى اللَّهُ عَنْهُ. والمَغْفِرَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ يَصِحُّ حَمْلُها عَلى مَعْنى التَّجاوُزِ الدُّنْيَوِيِّ، وعَلى مَعْنى التَّجاوُزِ في الآخِرَةِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ.

وإمّا أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ تَعْلِيمِ حِكَمٍ في …

49

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا

Have you not seen those who claim themselves to be pure? Rather, Allah purifies whom He wills, and injustice is not done to them, [even] as much as a thread [inside a date seed].

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ .

تَعْجِيبٌ مِن حالِ اليَهُودِ إذْ يَقُولُونَ ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقالُوا ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١] ونَحْوَ ذَلِكَ مِن إدْلالِهِمُ الكاذِبِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ إبْطالٌ لِمُعْتَقَدِهِمْ بِإثْباتِ ضِدِّهِ، وهو أنَّ التَّزْكِيَةَ شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ، ولا يَنْفَعُ أحَدًا أنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ. وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِـ (بَلْ) تَصْرِيحٌ بِإبْطالِ تَزْكِيَتِهِمْ. وأنَّ الَّذِينَ زَكَّوْا أنْفُسَهم لا حَظَّ لَهم في تَزْكِيَةِ اللَّهِ، وأنَّهم لَيْسُوا مِمَّنْ يَشاءُ اللَّهُ تَزْكِيَتَهُ، ولَوْ لَمْ يُذْكَرْ (بَلْ) فَقِيلَ: واللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ. لَكانَ لَهم مَطْمَعٌ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ زَكّاهُ اللَّهُ تَعالى.

ومَعْنى ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أيْ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَحْرِمْهم ما هم بِهِ أحْرِياءُ، وأنَّ تَزْكِيَةَ اللَّهِ غَيْرَهم لا تُعَدُّ ظُلْمًا لَهم لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ ولا يَظْلِمُ أحَدًا.

والفَتِيلُ: شِبْهُ خَيْطٍ في شِقِّ نَواةِ التَّمْرَةِ، وقَدْ شاعَ اسْتِعارَتُهُ لِلْقِلَّةِ إذْ هو لا يُنْتَفَعُ بِهِ ولا لَهُ مَرْأًى واضِحٌ.

صفحة ٨٥

وانْتَصَبَ ”فَتِيلًا“ عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ، لِأنَّهُ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ، إذِ التَّقْدِيرُ: ”ظُلْمًا“ كالفَتِيلِ، أيْ بِقَدْرِهِ، فَحُذِفَتْ أداةُ التَّشْبِيهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] .

وقَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ جَعَلَ افْتِراءَهُمُ الكَذِبَ، لِشَدَّةِ تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، كَأنَّهُ أمْرٌ مَرْئِيٌّ يَنْظُرُهُ النّاسُ بِأعْيُنِهِمْ، وإنَّما هو مِمّا يُسْمَعُ ويُعْقَلُ، وكَلِمَةُ ﴿وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ نِهايَةٌ في بُلُوغِهِ غايَةَ الإثْمِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ تَرْكِيبُ: كَفى بِهِ كَذا، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في (كَفى) عِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] .

50

ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثْمًۭا مُّبِينًا

Look how they invent about Allah untruth, and sufficient is that as a manifest sin.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ .

تَعْجِيبٌ مِن حالِ اليَهُودِ إذْ يَقُولُونَ ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقالُوا ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١] ونَحْوَ ذَلِكَ مِن إدْلالِهِمُ الكاذِبِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ إبْطالٌ لِمُعْتَقَدِهِمْ بِإثْباتِ ضِدِّهِ، وهو أنَّ التَّزْكِيَةَ شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ، ولا يَنْفَعُ أحَدًا أنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ. وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِـ (بَلْ) تَصْرِيحٌ بِإبْطالِ تَزْكِيَتِهِمْ. وأنَّ الَّذِينَ زَكَّوْا أنْفُسَهم لا حَظَّ لَهم في تَزْكِيَةِ اللَّهِ، وأنَّهم لَيْسُوا مِمَّنْ يَشاءُ اللَّهُ تَزْكِيَتَهُ، ولَوْ لَمْ يُذْكَرْ (بَلْ) فَقِيلَ: واللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ. لَكانَ لَهم مَطْمَعٌ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ زَكّاهُ اللَّهُ تَعالى.

ومَعْنى ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أيْ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَحْرِمْهم ما هم بِهِ أحْرِياءُ، وأنَّ تَزْكِيَةَ اللَّهِ غَيْرَهم لا تُعَدُّ ظُلْمًا لَهم لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ ولا يَظْلِمُ أحَدًا.

والفَتِيلُ: شِبْهُ خَيْطٍ في شِقِّ نَواةِ التَّمْرَةِ، وقَدْ شاعَ اسْتِعارَتُهُ لِلْقِلَّةِ إذْ هو لا يُنْتَفَعُ بِهِ ولا لَهُ مَرْأًى واضِحٌ.

صفحة ٨٥

وانْتَصَبَ ”فَتِيلًا“ عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ، لِأنَّهُ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ، إذِ التَّقْدِيرُ: ”ظُلْمًا“ كالفَتِيلِ، أيْ بِقَدْرِهِ، فَحُذِفَتْ أداةُ التَّشْبِيهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] .

وقَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ جَعَلَ افْتِراءَهُمُ الكَذِبَ، لِشَدَّةِ تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، كَأنَّهُ أمْرٌ مَرْئِيٌّ يَنْظُرُهُ النّاسُ بِأعْيُنِهِمْ، وإنَّما هو مِمّا يُسْمَعُ ويُعْقَلُ، وكَلِمَةُ ﴿وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ نِهايَةٌ في بُلُوغِهِ غايَةَ الإثْمِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ تَرْكِيبُ: كَفى بِهِ كَذا، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في (كَفى) عِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] .

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.