Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 41–50 of 176

41

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍۢ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًۭا

So how [will it be] when We bring from every nation a witness and we bring you, [O Muhammad] against these [people] as a witness?

﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ الفاءُ فَصَيْحَةٌ، و(كَيْفَ) مَحَلُّها إمّا الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وإمّا النَّصْبُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى التَّشْبِيهِ بِالحالِ، كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ، أوْ عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ

صفحة 34

كَما هو رَأْيُ الأخْفَشِ، والعامِلُ بِالظَّرْفِ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ مِنَ التَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ المُسْتَفادِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ أوِ الفِعْلِ المُصَدَّرِ، كَما قَرَّرَهُ صاحِبُ (الدُّرِّ المَصُونِ) والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، أيْ: إذا كانَ كُلُّ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ يُجازِي عَلَيْهِ، فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وغَيْرِهِمْ؟ أوْ كَيْفَ يَصْنَعُونَ؟ أوْ كَيْفَ يَكُونُ حالُهم إذا جِئْنا يَوْمَ القِيامَةِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ وطائِفَةٍ مِنَ الطَّوائِفِ بِشَهِيدٍ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا عَلَيْهِ مِن فَسائِدِ العَقائِدِ وقَبائِحِ الأعْمالِ، وهو نَبِيُّهُمْ، ﴿وجِئْنا بِكَ﴾ يا خاتَمَ الأنْبِياءِ ﴿عَلى هَؤُلاءِ﴾ إشارَةٌ إلى الشُّهَداءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِما ذُكِرَ ﴿شَهِيدًا﴾ تَشْهَدُ عَلى صِدْقِهِمْ لِعِلْمِكَ بِما أُرْسِلُوا واسْتِجْماعِ شَرْعِكَ مَجامِعَ ما فَرَّعُوا وأصَّلُوا، وقِيلَ: إلى المُكَذِّبِينَ المُسْتَفْهَمِ عَنْ حالِهِمْ، يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والعِصْيانِ؛ تَقْوِيَةً لِشَهادَةِ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أوْ كَما يَشْهَدُونَ عَلى أُمَمِهِمْ، وقِيلَ: إلى المُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ ومَتى أُقْحِمَ المَشْهُودُ عَلَيْهِ في الكَلامِ وأُدْخِلَتْ (عَلى) عَلَيْهِ لا يَحْتاجُ لِتَضْمِينِ الشَّهادَةِ مَعْنى التَّسْجِيلِ.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُمْ، مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ««قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ-: اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أقْرَأُ عَلَيْكَ، وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قالَ: نَعَمْ، إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيْرِي، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّساءِ، حَتّى أتَيْتُ إلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ إلَخْ فَقالَ: حَسْبُكَ الآنَ، فَإذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ»» فَإذا كانَ هَذا الشّاهِدُ تَفِيضُ عَيْناهُ لِهَوْلِ هَذِهِ المَقالَةِ، وعِظَمِ تِلْكَ الحالَةِ، فَماذا لَعَمْرِي يَصْنَعُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ؟! وكَأنَّهُ بِالقِيامَةِ وقَدْ أناخَتْ لَدَيْهِ.

42

يَوْمَئِذٍۢ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًۭا

That Day, those who disbelieved and disobeyed the Messenger will wish they could be covered by the earth. And they will not conceal from Allah a [single] statement.

﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمُ الَّتِي أُشِيرَ إلى شِدَّتِها وفَظاعَتِها، وتَنْوِينُ (إذٍ) عِوَضٌ - عَلى الصَّحِيحِ - عَنِ الجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، وقِيلَ: عَنِ الأُولى، وقِيلَ: عَنِ الأخِيرَةِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَوَدُّ) وجَعْلُهُ مُتَعَلِّقًا (بِشَهِيدٍ) وجُمْلَةُ (يَوَدُّ) صِفَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فِيهِ بِعِيدٌ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا المُكَذِّبُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ ما اعْتَراهم مِنَ الحالِ الفَظِيعَةِ والأمْرِ الهائِلِ، وإيرادُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِتَشْرِيفِهِ وزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِ مُكَذِّبِيهِ، وإمّا جِنْسُ الكَفَرَةِ، ويَدْخُلُ أُولَئِكَ في زُمْرَتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمُرادُ مِنَ (الرَّسُولَ) الجِنْسُ أيْضًا، ويُزِيدُ شَرَفَهُ انْتِظامُهُ لِلنَّبِيِّﷺانْتِظامًا أوَّلِيًّا، و(عَصَوْا) مَعْطُوفٌ عَلى (كَفَرُوا) داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والمُرادُ عِصْيانُهم بِما سِوى الكُفْرِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطِبُونَ بِالفُرُوعِ في حَقِّ المُؤاخَذَةِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (كَفَرُوا) وقَدْ مُرادَةٌ، وقِيلَ: صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ آخَرَ، أيْ: والَّذِينَ عَصَوْا، فالإخْبارُ عَنْ نَوْعَيْنِ: الكَفَرَةِ والعُصاةِ، وهو ظاهِرٌ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ إضْمارَ المَوْصُولِ كالفِراءِ، وفي المَسْألَةِ خِلافٌ، أيْ: يَوَدُّ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِمَزِيدِ شِدَّتِهِ ومُضاعَفِ هَوْلِهِ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ في الدُّنْيا.

﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ إمّا مَفْعُولُ (يَوَدُّ) عَلى أنَّ (لَوْ) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ يَوَدُّونَ أنْ يُدْفَنُوا وتُسَوّى الأرْضُ مُلْتَبِسَةً بِهِمْ، أوْ تُسَوّى عَلَيْهِمْ كالمَوْتى، وقِيلَ: يَوَدُّونَ أنَّهم بَقُوا تُرابًا عَلى أصْلِهِمْ مِن غَيْرِ خَلْقٍ، وتَمَنَّوْا أنَّهم كانُوا هم والأرْضُ سَواءً، وقِيلَ: تَصِيرُ البَهائِمُ تُرابًا فَيَوَدُّونَ حالَها.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى: يَوَدُّونَ أنْ يَمْشِيَ عَلَيْهِمْ أهْلُ الجَمْعِ يَطَئُونَهم بِأقْدامِهِمْ كَما يَطَئُونَ الأرْضَ، وقِيلَ: يَوَدُّونَ لَوْ يُعَدَّلُ بِهِمُ الأرْضَ، أيْ يُؤْخَذُ مِنهم ما عَلَيْها فَدِيَةً، وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى أنْ (لَوْ) عَلى بابِها، ومَفْعُولُ (يَوَدُّ) مَحْذُوفٌ

صفحة 35

لِدَلالَةِ الجُمْلَةِ، وكَذا جَوابُ (لَوْ) إيذانًا بِغايَةِ ظُهُورِهِ، أيْ: يَوَدُّونَ تَسْوِيَةَ الأرْضِ بِهِمْ (لَوْ تُسَوّى) لَسُرُّوا.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَزِيدُ (تَسَوّى) عَلى أنَّ أصْلَهُ (تَتَسَوّى) فَأُدْغِمَ التّاءُ في السِّينِ لِقُرْبِها مِنها، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَسَوّى) بِحَذْفِ التّاءِ الثّانِيَةِ مَعَ الإمالَةِ، يُقالُ: سَوَّيْتُهُ فَتَسَوّى.

﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ عَطْفٌ عَلى (يَوَدُّ) أيْ أنَّهم يَوْمَئِذٍ لا يَكْتُمُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَدِيثًا؛ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى الكِتْمانِ، حَيْثُ إنَّ جَوارِحَهم تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما صَنَعُوا، أوْ أنَّهم لا يَكْتُمُونَ شَيْئًا مِن أعْمالِهِمْ، بَلْ يَعْتَرِفُونَ بِها، فَيُدْخَلُونَ النّارَ بِاعْتِرافِهِمْ، وإنَّما لا يَكْتُمُونَ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ الكِتْمانُ، وإنَّما يَقُولُونَ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ في بَعْضِ المَواطِنِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ، أيْ: يَوَدُّونَ أنْ يُدْفَنُوا في الأرْضِ …

43

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا

O you who have believed, do not approach prayer while you are intoxicated until you know what you are saying or in a state of janabah, except those passing through [a place of prayer], until you have washed [your whole body]. And if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women and find no water, then seek clean earth and wipe over your faces and your hands [with it]. Indeed, Allah is ever Pardoning and Forgiving.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ إرْشادٌ لِإخْلاصِ الصَّلاةِ الَّتِي هي رَأْسُ العِبادَةِ مِن شَوائِبِ الكَدَرِ؛ لِيَجْمَعُوا بَيْنَ إخْلاصِ عِبادَةِ الحَقِّ ومَكارِمِ الأخْلاقِ الَّتِي بَيْنَهم وبَيْنَ الخَلْقِ المُبَيَّنَةِ فِيما تَقَدَّمَ، وبِهَذا يَحْصُلُ الرَّبْطُ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: لَمّا نُهُوا فِيما سَلَفَ عَنِ الإشْراكِ بِهِ تَعالى نُهُوا ها هُنا عَمّا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ.

فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - قالَ: «صَنَعَ لَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - طَعامًا فَدَعانا وسَقانا مِنَ الخَمْرِ، فَأخَذَتِ الخَمْرُ مِنّا، وحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَقَدَّمُونِي، فَقَرَأتْ: (قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ونَحْنُ نَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ) فَنَزَلَتْ.

وفِي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: «إنَّ إمامَ القَوْمِ يَوْمَئِذٍ هو عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وكانَتِ الصَّلاةُ صَلاةَ المَغْرِبِ، وكانَ ذَلِكَ لَمّا كانَتِ الخَمْرُ مُباحَةً» والخِطابُ لِلصَّحابَةِ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِحَرْفَيِ النِّداءِ والتَّنْبِيهِ اعْتِناءً بِشَأْنِ الحُكْمِ، والمُرادُ بِالصَّلاةِ عِنْدَ الكَثِيرِ الهَيْئَةُ المَخْصُوصَةُ، وبِقُرْبِها القِيامُ بِها والتَّلَبُّسُ بِها، إلّا أنَّهُ نَهى عَنِ القُرْبِ مُبالَغَةً، وبِالسُّكْرِ الحالَةُ المُقَرَّرَةُ الَّتِي تَحْصُلُ لِشارِبِ الخَمْرِ، ومادَّتُهُ تَدُلُّ عَلى الِانْسِدادِ، ومِنهُ: سُكِّرَتْ أعْيُنُهُمْ، أيِ: انْسَدَّتْ، والمَعْنى: لا تُصَلُّوا في حالَةِ السُّكْرِ حَتّى تَعْلَمُوا قَبْلَ الشُّرُوعِ ما تَقُولُونَهُ قَبْلَها، إذْ بِذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّكم سَتَعْلَمُونَ ما سَتَقْرَءُونَهُ فِيها.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، أنَّ المَعْنى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ نَشاوى مِنَ الشَّرابِ؛ حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقْرَءُونَهُ في صَلاتِكُمْ، ولَعَلَّ مُرادَهُ: حَتّى تَكُونُوا بِحَيْثُ تَعْلَمُونَ ما تَقْرَءُونَهُ، وإلّا فَهو يَسْتَدْعِي تَقَدُّمَ الشُّرُوعِ في الصَّلاةِ عَلى غايَةِ النَّهْيِ، وإذا أُرِيدَ ذَلِكَ رُجِعَ إلى ما تَقَدَّمَ، ولَكِنْ فِيهِ تَطْوِيلٌ بِلا طائِلٍ، عَلى أنَّ إيثارَ (ما تَقُولُونَ) عَلى (ما تَقْرَءُونَ) حِينَئِذٍ يَكُونُ عارِيًا عَنِ الدّاعِي.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ، والضَّحّاكِ، وعِكْرِمَةَ، والحَسَنِ، أنَّ المُرادَ مِنَ الصَّلاةِ مَواضِعُها، فَهو مَجازٌ مِن ذِكْرِ الحالِ وإرادَةِ المَحَلِّ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى فِيما يَأْتِي: ﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فالآيَةُ مَسُوقَةٌ عَنْ نَهْيِ قُرْبانِ السَّكْرانِ المَسْجِدَ تَعْظِيمًا لَهُ.

وفِي الخَبَرِ: ««جَنِّبُوا مَساجِدَكم صِبْيانَكم ومَجانِينَكُمْ»» ويَأْباهُ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ حَمَلَ الصَّلاةَ عَلى الهَيْئَةِ المَخْصُوصَةِ، وعَلى مَواضِعِها؛ مُراعاةً لِلْقَوْلَيْنِ، وفي الكَلامِ حِينَئِذٍ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، ونَحْنُ لا نَقُولُ بِهِ.

ورُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – والضَّحّاكِ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ المُرادَ مِنَ السُّكْرِ سُكْرُ النُّعاسِ وغَلَبَةِ النَّوْمِ، …

44

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, purchasing error [in exchange for it] and wishing you would lose the way?

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِتَعْجِيبِ المُؤْمِنِينَ مِن سُوءِ حالِهِمْ، والتَّحْذِيرِ عَنْ مُوالاتِهِمْ إثْرَ ذِكْرِ أنْواعِ التَّكالِيفِ والأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ شُهْرَةِ شَناعَةِ حالِهِمْ، وقِيلَ: لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وخِطابُ سَيِّدِ القَوْمِ في مَقامِ خِطابِهِمْ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، وتَعَدِّيها بِـ(إلى) حَمْلًا لَها عَلى النَّظَرِ، أيْ: ألَمْ تَنْظُرْ إلَيْهِمْ، وجَعْلُها عِلْمِيَّةً وتَعَدِّيها بِـ(إلى) لِتَضْمِينِها مَعْنى الِانْتِهاءِ، أيْ: ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ مُنْحَطٌّ في مَقامِ التَّعْجِيبِ وتَشْهِيرِ شَنائِعِهِمْ، ونَظْمِها في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ.

والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ يَهُودُ المَدِينَةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -أنَّها نَزَلَتْ في رِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، ومالِكِ بْنِ دَخْشَمٍ، كانا إذا تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَوِيا لِسانَهُما، وعاباهُ، وعَنْهُ أنَّها

صفحة 45

نَزَلَتْ في حَبْرَيْنِ كانا يَأْتِيانِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ورَهْطَهُ يُثَبِّطانِهِمْ عَنِ الإسْلامِ.

والمُرادُ مِنَ الكِتابِ التَّوْراةُ، وقِيلَ: الجِنْسُ، وتَدْخُلُ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفِيهِ تَطْوِيلٌ لِلْمَسافَةِ، وقِيلَ: القُرْآنُ؛ لِأنَّ اليَهُودَ عَلِمُوا أنَّهُ كِتابٌ حَقٌّ، أتى بِهِ نَبِيٌّ صادِقٌ، لا شُبْهَةَ في نُبُوَّتِهِ، وفِيهِ أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ.

و(بِالَّذِي أُوتُوهُ) ما بُيِّنَ لَهم فِيهِ مِنَ الأحْكامِ والعُلُومِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما عَلِمُوهُ مِن نَعْتِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالنَّصِيبِ المُشْعِرِ بِأنَّهُ حَقٌّ مِن حُقُوقِهِمُ الَّتِي تَجِبُ مُراعاتُها والمُحافَظَةُ عَلَيْها لِلْإيذانِ بِرَكاكَةِ آرائِهِمْ في الإهْمالِ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، وهو مُؤَيِّدٌ لِلتَّشْنِيعِ، ومِثْلُهُ ما لَوْ حُمِلَ عَلى التَّكْثِيرِ، و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَـ(نَصِيبًا) مُبَيِّنَةٌ لِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ إثْرَ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(أُوتُوا).

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمَناطِ التَّشْنِيعِ ومَدارِ التَّعْجِيبِ المَفْهُومَيْنِ مَن صَدْرِ الكَلامِ، مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَصْنَعُونَ حَتّى يَنْظُرَ إلَيْهِمْ؟ فَقِيلَ: يَخْتارُونَ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، أوْ يَسْتَبْدِلُونَها بِهِ بَعْدَ تَمَكُّنِهِمْ مِنهُ المُنَزَّلَ مَنزِلَةَ الحُصُولِ، أوْ حُصُولُهُ لَهم بِالفِعْلِ بِإنْكارِهِمْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى يَأْخُذُونَ الرِّشا، ويُحَرِّفُونَ التَّوْراةَ، فالضَّلالَةُ هو هَذا التَّحْرِيفُ، أيِ اشْتَرَوْها بِمالِ الرِّشا، وذَهَبَ أبُو البَقاءِ إلى أنَّ جُمْلَةَ (يَشْتَرُونَ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن ضَمِيرِ (أُوتُوا) أوْ حالٌ مِنَ (الَّذِينَ) وتُعُقِّبَ الوَجْهُ الأوَّلُ بِأنَّهُ لا رَيْبَ في أنَّ اعْتِبارَ تَقْدِيرِ اشْتِرائِهِمُ المَذْكُورِ في الإيتاءِ مِمّا لا يَلِيقُ بِالمَقامِ، والثّانِي بِأنَّهُ خالٍ عَنْ إفادَةِ أنَّ مادَّةَ التَّشْنِيعِ والتَّعْجِيبِ هو الِاشْتِراءُ المَذْكُورُ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ .

فالأوْجَهُ الِاسْتِئْنافُ، والمَعْطُوفُ شَرِيكٌ …

45

وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًۭا

And Allah is most knowing of your enemies; and sufficient is Allah as an ally, and sufficient is Allah as a helper.

﴿واللَّهُ أعْلَمُ﴾ مِنكم أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿بِأعْدائِكُمْ﴾ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ هَؤُلاءِ، وقَدْ أخْبَرَكم بِعَداوَتِهِمْ لَكُمْ، وما يُرِيدُونَ، فاحْذَرُوهُمْ، فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وبَيانِ التَّحْذِيرِ، وإلّا فَأعْلَمِيَّةُ اللَّهِ تَعالى مَعْلُومَةٌ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحالِهِمْ ومَآلِ أمْرِهِمْ، فَلا تَلْتَفِتُوا إلَيْهِمْ، ولا تَكُونُوا في فِكْرٍ مِنهم ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ يَلِي أمْرَكم ويَنْفَعُكم بِما شاءَ ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ عَنْكم مَكْرَهم وشَرَّهُمْ، فاكْتَفُوا بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ، ولا تُبالُوا بِهِمْ، ولا تَكُونُوا في ضِيقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ، وفي ذَلِكَ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ووَعِيدٌ لِأعْدائِهِمْ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ أيْضًا، والباءُ مَزِيدَةٌ في فاعِلِ (كَفى) تَأْكِيدًا لِلنِّسْبَةِ بِما يُفِيدُ الِاتِّصالَ، وهو الباءُ الإلْصاقِيَّةُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما دَخَلَتْ هَذِهِ الباءُ؛ لِأنَّ الكَلامَ عَلى مَعْنى: اكْتَفُوا بِاللَّهِ و(ولِيًّا) و(نَصِيرًا) مَنصُوبانِ عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ، وتَكْرِيرُ الفِعْلِ في الجُمْلَتَيْنِ مَعَ إظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَأْكِيدِ كِفايَتِهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ الإشْعارِ بِالعَلِيَّةِ.

46

مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍۢ وَرَٰعِنَا لَيًّۢا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًۭا فِى ٱلدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا

Among the Jews are those who distort words from their [proper] usages and say, "We hear and disobey" and "Hear but be not heard" and "Ra'ina," twisting their tongues and defaming the religion. And if they had said [instead], "We hear and obey" and "Wait for us [to understand]," it would have been better for them and more suitable. But Allah has cursed them for their disbelief, so they believe not, except for a few.

﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قِيلَ: بَيانٌ (لِلَّذِينَ أُوتُوا) المُتَناوَلِ بِحَسَبِ المَفْهُومِ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ، وقَدْ وُسِّطَ بَيْنَهُما ما وُسِّطَ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِبَيانِ مَحَلِّ التَّشْنِيعِ والتَّعْجِيبِ، والمُسارَعَةِ إلى تَنْفِيرِ المُؤْمِنِينَ عَنْهُمْ، والِاهْتِمامِ بِحَثِّهِمْ عَلى

صفحة 46

الثِّقَةِ بِاللَّهِ تَعالى، والِاكْتِفاءِ بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ.

واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الفارِسِيَّ قَدْ مَنَعَ الِاعْتِراضَ بِجُمْلَتَيْنِ فَما ظَنُّكُ بِالثَّلاثِ؟! وأجابَ الحَلَبِيُّ بِأنَّ الخِلافَ إذا لَمْ يَكُنْ عَطْفٌ - والجُمَلُ هُنا مُتَعاطِفَةٌ - وبِهِ يَصِيرُ الشَّيْئانِ شَيْئًا واحِدًا، وقِيلَ: إنَّهُ بَيانٌ لِأعْدائِكُمْ، وفِيهِ أنَّهُ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِطائِفَةٍ مِن أعْدائِهِمْ، لا سِيَّما في مَعْرِضِ الِاعْتِراضِ، وقِيلَ: إنَّهُ صِلَةٌ لِـ(نَصِيرٍ) أيْ: يَنْصُرُكم (مِنَ الَّذِينَ هادُوا)، وفِيهِ تَحْجِيرٌ لِواسِعِ نُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى، مَعَ أنَّهُ لا داعِيَ لِوَضْعِ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الأعْداءِ، وكَوْنُ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وصْفًا مُلائِمًا لِلنَّصْرِ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ صِفَةٌ لَهُ، أيْ (مِنَ الَّذِينَ هادُوا) قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ، ويَتَعَيَّنُ هَذا في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، و(مِنَ الَّذِينَ) وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ المُبْتَدَأ إذا وُصِفَ بِجُمْلَةٍ أوْ ظَرْفٍ وكانَ بَعْضَ اسْمٍ مَجْرُورٍ بِمِن أوْ في مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ يَطَّرِدُ حَذْفُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ:

وما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ

والفَرّاءُ يَجْعَلُ المُبْتَدَأ المَحْذُوفَ اسْمًا مَوْصُولًا و(يُحَرِّفُونَ) صِلَتُهُ، أيْ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا مَن يُحَرِّفُونَ، والبَصْرِيُّونَ يَمْنَعُونَ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَقاءِ صِلَتِهِ، إلّا أنَّهُ يُؤَيِّدُهُ ما في مُصْحَفِ حَفْصَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها (مَن يُحَرِّفُونَ).

واعْتُرِضَ هَذا أيْضًا بِأنَّهُ يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ كَوْنَ الفَرِيقِ السّابِقِ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّحْرِيفِ الَّذِي هو المِصْداقُ لاشَتْرائِهِمْ في الحَقِيقَةِ و(الكَلِمُ) اسْمُ جِنْسٍ، واحِدُهُ كَلِمَةٌ، كَلَبِنَةٍ ولَبِنٍ، ونَبِقَةٍ ونَبِقٍ، وقِيلَ: جَمْعٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ مِنَ المُخْتارِ.

ولَعَلَّ مَن أطْلَقَهُ عَلَيْهِ أرادَ المَعْنى اللُّغَوِيَّ، أعْنِي ما يَدُلُّ عَلى ما فَوْقَ الِاثْنَيْنِ مُطْلَقًا، وتَذْكِيرُ ضَمِيرِهِ بِاعْتِبارِ أفْرادِهِ لَفْظًا، وجَمْعِيَّتُهُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِهِ مَعْنًى، وقُرِئَ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ جَمْعَ (كِلْمَةٍ) تَخْفِيفَ (كَلِمَةٍ) بِنَقْلِ كَسْرَةِ اللّامِ إلى الكافِ، وقُرِئَ (يُحَرِّفُونَ) الكَلامَ، والمُرادُ بِهِ ها هُنا إمّا ما في التَّوْراةِ وإمّا ما هو أعَمُّ مِنهُ، ومِمّا سَيُحْكى عَنْهم مِنَ الكَلِماتِ الواقِعَةِ مِنهم في أثْناءِ مُحاوَرَتِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والأوَّلُ هو المَأْثُورُ عَنِ السَّلَفِ كابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وغَيْرِهِما، وتَحْرِيفُ ذَلِكَ إمّا إزالَتُهُ عَنْ مَواضِعِهِ الَّتِي وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى فِيها مِنَ التَّوْراةِ كَتَحْرِيفِهِمْ (رَبْعَةً) في نَعْتِ النَّبِيِّﷺووَضْعِهِمْ مَكانَهُ (طِوالٌ) وكَتَحْرِيفِهِمُ الرَّجْمَ ووَضْعِ الحَدِّ مَوْضِعَهُ، وإمّا صَرَفُهُ عَنِ المَعْنى الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ إلى ما لا صِحَّةَ لَهُ بِالتَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ والتَّمَحُّلاتِ الزّائِغَةِ، كَما تَفْعَلُهُ المُبْتَدَعَةُ …

47

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ ءَامِنُوا۟ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًۭا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا

O you who were given the Scripture, believe in what We have sent down [to Muhammad], confirming that which is with you, before We obliterate faces and turn them toward their backs or curse them as We cursed the sabbath-breakers. And ever is the decree of Allah accomplished.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ نَزَلَتْ - كَما قالَ السُّدِّيُّ - في زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ، ومالِكِ بْنِ الصَّيْفِ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -قالَ: ««كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رُؤَساءَ مِن أحْبارِ يَهُودَ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيّا، وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ، فَقالَ لَهُمْ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ، اتَّقُوا اللَّهَ وأسْلِمُوا، فَواللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي جِئْتُكم بِهِ لَحَقٌّ، فَقالُوا: ما نَعْرِفُ ذَلِكَ يا مُحَمَّدُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ الآيَةَ»» ولا يَخْفى أنَّ العِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ، وهو شامِلٌ لِمَن حُكِيَتْ أحْوالُهم وأقْوالُهم ولِغَيْرِهِمْ، وجُعِلَ الخِطابُ لِلْأوَّلِينَ خاصَّةً بِطْرِيقِ الِالتِفاتِ، وأنَّ وصْفَهم بِإيتاءِ الكِتابِ تارَةً وبِإيتاءِ نَصِيبٍ مِنهُ أُخْرى لِتَوْفِيَةِ كُلٍّ مِنَ المَقامَيْنِ حَظَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا، ولَمّا كانَ تَفْصِيلُ هاتِيكَ الأحْوالِ والأقْوالِ مِن مَظانِّ إقْلاعِ مَن تَوَجَّهَ الخِطابُ إلَيْهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالمُبادَرَةِ إلى سُلُوكِ مَحَجَّةِ الهُدى، مَشْفُوعًا بِالتَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلى المُخالَفَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿آمِنُوا﴾ إيمانًا شَرْعِيًّا ﴿بِما نَزَّلْنا﴾ أيْ: بِالَّذِي أنْزَلْناهُ مِن عِنْدِنا عَلى رَسُولِنا مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ القُرْآنِ ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ مِنَ التَّوْراةِ الغَيْرِ المُبَدَّلَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ تَصْدِيقِ القُرْآنِ لِذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ التَّوْراةِ بِما ذُكِرَ لِلْإيذانِ بِكَمالِ وُقُوفِهِمْ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ المُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِكَوْنِ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لَها ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ، مُفِيدٌ لِلْمُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ لِما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ الوارِدِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، حَيْثُ لَمْ يُعَلِّقْ وُقُوعَ المُتَوَعَّدِ بِهِ بِالمُخالَفَةِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِوُقُوعِهِ عِنْدَها؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ الإخْبارِ بِهِ، وأنَّهُ عَلى شَرَفِ الوُقُوعِ مُتَوَجِّهٌ نَحْوَ المُخاطَبِينَ، وفي تَنْكِيرِ (وُجُوهٍ) تَهْوِيلٌ لِلْخَطْبِ مَعَ لُطْفٍ وحُسْنِ اسْتِدْعاءٍ.

وأصْلُ الطَّمْسِ اسْتِئْصالُ أثَرِ الشَّيْءِ، والمُرادُ (آمِنُوا) مِن قَبْلِ أنْ نَمْحُوَ ما خَطَّهُ البارِي بِقَلَمِ قُدْرَتِهِ في صَحائِفِ الوُجُوهِ، مِن نُونِ الحاجِبِ، وصادِ العَيْنِ، وألِفِ الأنْفِ، ومِيمِ الفَمِ، فَنَجْعَلُها كَخُفِّ البَعِيرِ، أوْ كَحافِرِ الدّابَّةِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وقالَ الفَرّاءُ، والبَلْخِيُّ، وحُسَيْنٌ المَغْرِبِيُّ: إنَّ المَعْنى: آمِنُوا مِن قَبْلِ أنْ نَجْعَلَ الوُجُوهَ مَنابِتَ الشَّعَرِ كَوُجُوهِ القِرَدَةِ ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ أيْ: فَنَجْعَلَها عَلى هَيْئَةِ أدْبارِها وأقْفائِها، مَطْمُوسَةً مِثْلَها، فَإنَّ ما خَلَفَ الوَجْهِ لا تَصْوِيرَ فِيهِ وهو مَنبَتُ الشَّعَرِ أيْضًا، والعَطْفُ بِالفاءِ إمّا عَلى إرادَةِ نُرِيدُ الطَّمْسَ، أوْ عَلى جَعْلِ العَطْفِ مِن عَطْفِ المُفَصَّلِ عَلى المُجْمَلِ.

وعَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ أنَّ المُرادَ: نُنَكِّسَها بَعْدَ الطَّمْسِ، بِجَعْلِ العُيُونِ الَّتِي فِيها وما مَعَها في القَفا، فالعَطْفُ بِالفاءِ ظاهِرٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوُجُوهِ الوُجَهاءُ، عَلى أنَّ الطَّمْسَ بِمَعْنى مُطْلَقِ التَّغْيِيرِ، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ نُغَيِّرَ أحْوالَ …

48

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا

Indeed, Allah does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allah has certainly fabricated a tremendous sin.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الوَعِيدِ، ومُؤَكِّدٌ وُجُوبَ امْتِثالِ الأمْرِ بِالإيمانِ، حَيْثُ إنَّهُ لا مَغْفِرَةَ بِدُونِهِ كَما زَعَمَ اليَهُودُ، وأشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ وفِيهِ أيْضًا إزالَةُ خَوْفِهِمْ مِن سُوءِ الكَبائِرِ السّابِقَةِ إذا آمَنُوا.

والشِّرْكُ يَكُونُ بِمَعْنى اعْتِقادِ أنَّ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ شَرِيكًا، إمّا في الأُلُوهِيَّةِ أوْ في الرُّبُوبِيَّةِ، وبِمَعْنى الكُفْرِ مُطْلَقًا، وهو المُرادُ هُنا، كَما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُفْرُ اليَهُودِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَإنَّ الشَّرْعَ قَدْ نَصَّ عَلى إشْراكِ أهْلِ الكِتابِ قاطِبَةً، وقَضى بِخُلُودِ أصْنافِ الكَفَرَةِ كَيْفَ كانُوا، ونُزُولُ الآيَةِ في حَقِّ اليَهُودِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ لا يَقْتَضِي الِاخْتِصاصَ بِكُفْرِهِمْ، بَلْ يَكْفِي الِانْدِراجُ فِيما يَقْتَضِيهِ عُمُومُ اللَّفْظِ، والمَشْهُورُ أنَّها نَزَلَتْ مُطْلَقَةً.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: «لَما نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ، قامَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى المِنبَرِ فَتَلاها عَلى النّاسِ، فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقالَ: والشِّرْكُ بِاللَّهِ؟ فَسَكَتْ، ثُمَّ قامَ إلَيْهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، والشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى؟ فَسَكَتْ، مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلَخْ».

والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَغْفِرُ الكُفْرَ لِمَنِ اتَّصَفَ بِهِ بِلا تَوْبَةٍ وإيمانٍ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ بَتَّ الحُكْمَ عَلى خُلُودِ عَذابِهِ، وحُكْمُهُ لا يَتَغَيَّرُ، ولِأنَّ الحِكْمَةَ التَّشْرِيعِيَّةَ مُقْتَضِيَةٌ لِسَدِّ بابِ الكُفْرِ، ولِذا لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا لِسَدِّهِ، وجَوازُ مَغْفِرَتِهِ بِلا إيمانٍ مِمّا يُؤَدِّي إلى فَتْحِهِ.

وقِيلَ: لِأنَّ ذَنْبَهُ لا يَنْمَحِي عَنْهُ أثَرُهُ فَلا يَسْتَعِدُّ لِلْعَفْوِ بِخِلافِ غَيْرِهِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى تابِعٌ لِاسْتِعْدادِ المَحَلِّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أكْثَرُ الصُّوفِيَّةِ، وجَمِيعُ الفَلاسِفَةِ، فَإنَّ (يُشْرَكَ) في مَوْضِعِ

صفحة 52

النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: لا يَغْفِرُ مِن أجْلِ أنْ يُشْرَكَ بِهِ شَيْئًا مِنَ الذُّنُوبِ، فَيُفِيدُ عَدَمَ غُفْرانِ الشِّرْكِ مِن بابِ أوْلى، والَّذِي عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ هو الأوَّلُ.

﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ عَطْفٌ عَلى خَبَرِ (إنَّ) لا مُسْتَأْنَفٌ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الشِّرْكِ، وفِيهِ إيذانٌ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِ في القُبْحِ، أيْ: يَغْفِرُ ما دُونَهُ مِنَ المَعاصِي وإنْ عَظُمَتْ وكانَتْ كَرَمْلِ عالِجٍ، ولَمْ يَتُبْ عَنْها تَفَضُّلًا مِن لَدُنْهُ وإحْسانًا.

﴿لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِما ذُكِرَ فَقَطْ، فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَغْفِرُ) المُثْبَتِ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الشِّرْكِ وما دُونَهُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَغْفِرُ الأوَّلَ البَتَّةَ ويَغْفِرُ الثّانِيَ لِمَن يَشاءُ، والجَماعَةُ يَقُولُونَ بِذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ التَّوْبَةِ، فَحَمَلُوا الآيَةَ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ الآياتِ والأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى قَبُولِ التَّوْبَةِ فِيهِما جَمِيعًا ومَغْفِرَتِهِما عِنْدَها بِلا خِلافٍ مِن أحَدٍ. …

49

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا

Have you not seen those who claim themselves to be pure? Rather, Allah purifies whom He wills, and injustice is not done to them, [even] as much as a thread [inside a date seed].

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في «رِجالٍ مِنَ اليَهُودِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأطْفالِهِمْ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، هَلْ عَلى أوْلادِنا هَؤُلاءِ مِن ذَنَبٍ؟ فَقالَ: «لا» فَقالُوا: والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ ما نَحْنُ فِيهِ إلّا كَهَيْئَتِهِمْ، ما مِن ذَنْبٍ نَعْمَلُهُ بِالنَّهارِ إلّا كُفِّرَ عَنّا بِاللَّيْلِ، وما مِن ذَنْبٍ نَعْمَلُهُ بِاللَّيْلِ إلّا كُفِّرَ عَنّا بِالنَّهارِ، فَهَذا الَّذِي زَكَّوْا بِهِ أنْفُسَهم».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، حَيْثُ قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ وقالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ والمَعْنى: انْظُرْ إلَيْهِمْ وتَعَجَّبْ مِنِ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أزْكِياءُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرَ والإثْمِ العَظِيمِ! أوْ مِنِ ادِّعائِهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُكَفِّرُ ذُنُوبَهُمُ اللَّيْلِيَّةَ والنَّهارِيَّةَ مَعَ اسْتِحالَةِ أنْ يُغْفَرَ لِكافِرٍ شَيْءٌ مِن كُفْرِهِ أوْ مَعاصِيهِ! وفي مَعْناهم مَن زَكّى نَفْسَهُ وأثْنى عَلَيْها لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، كالتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ ونَحْوِهِ ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ إبْطالٌ لِتَزْكِيَةِ أنْفُسِهِمْ، وإثْباتٌ لِتَزْكِيَةِ اللَّهِ تَعالى.

وكَوْنُ ذَلِكَ لِلْإضْرابِ عَنْ ذَمِّهِمْ بِتِلْكَ التَّزْكِيَةِ إلى ذَمِّهِمْ بِالبُخْلِ والحَسَدِ بَعِيدٌ لَفْظًا ومَعْنًى، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: هم لا يُزَكُّونَها في الحَقِيقَةِ، بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ تَزْكِيَتَهُ مِمَّنْ يَسْتَأْهِلُ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، إذْ هو العَلِيمُ الخَبِيرُ، وأصْلُ التَّزْكِيَةِ التَّطْهِيرُ والتَّنْزِيهُ مِنَ القَبِيحِ قَوْلًا - كَما هو ظاهِرٌ - أوْ فِعْلًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ و﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ .

﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ حُذِفَتْ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الحالِ عَلَيْها، وإيذانًا بِأنَّها غَنِيَّةٌ عَنِ الذِّكْرِ، أيْ يُعاقَبُونَ بِتِلْكَ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ، ولا يُظْلَمُونَ في ذَلِكَ العِقابِ أدْنى ظُلْمٍ وأصْغَرَهُ، وهو المُرادُ بِالفَتِيلِ، وهو الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ النَّواةِ، وكَثِيرًا ما يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في القِلَّةِ والحَقارَةِ، كالنَّقِيرِ لِلنُّقْرَةِ الَّتِي في ظَهْرِها، والقِطْمِيرُ وهو قِشْرَتُها الرَّقِيقَةُ، وقِيلَ: الفَتِيلُ ما خَرَجَ بَيْنَ إصْبَعَيْكَ وكَفَّيْكَ مِنَ الوَسَخِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي مالِكٍ، والسُّدِّيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةَ (ولا يُظْلَمُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى (مَن) حَمْلًا لَهُ عَلى المَعْنى، أيْ: والحالُ أنَّهم لا يُنْقَصُونَ مِن ثَوابِهِمْ أصْلًا، بَلْ يُعْطُونَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كامِلًا، مَعَ ما زَكّاهُمُ اللَّهُ تَعالى ومَدَحَهم في الدُّنْيا.

وقِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المَوْصُولَيْنِ: مَن زَكّى نَفْسَهُ، ومَن زَكّاهُ اللَّهُ تَعالى، أيْ: لا يُنْقَصُ هَذا مِن ثَوابِهِ ولا ذاكَ مِن عِقابِهِ، والأوَّلُ أمَسُّ بِمَقامِ الوَعِيدِ، وانْتِصابُ (فَتِيلًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ كَقَوْلِكَ: ظَلَمَتُهُ حَقَّهُ، قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا، كَقَوْلِكَ: تَصَبَّبْتُ عَرَقًا.

50

ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثْمًۭا مُّبِينًا

Look how they invent about Allah untruth, and sufficient is that as a manifest sin.

صفحة 55

﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ في زَعْمِهِمْ أنَّهم أزْكِياءُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى المُتَضَمِّنِ لِزَعْمِهِمْ قَبُولَ اللَّهِ تَعالى وارْتِضاءَهُ إيّاهُمْ، ولِشَناعَةِ هَذا لِما فِيهِ مِن نِسْبَتِهِ تَعالى إلى ما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ وُجِّهَ النَّظَرُ إلى كَيْفِيَّتِهِ تَشْدِيدًا لِلتَّشْنِيعِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّعْجِيبِ الدّالِّ عَلَيْهِ الكَلامُ، وإلّا فَهم أيْضًا مُفْتَرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِادِّعائِهِمُ الِاتِّصافَ بِما هم مُتَّصِفُونَ بِنَقِيضِهِ و(كَيْفَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ إمّا عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ أوْ بِالحالِ، عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ بَيْنَ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشِ، والعامِلُ (يَفْتَرُونَ) و(بِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكَذِبِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ بَعْدَ نَزْعِ الخافِضِ، وفِعْلُ النَّظَرِ مُعَلَّقٌ بِذَلِكَ، والتَّصْرِيحُ بِالكَذِبِ - مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا - لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِهِمْ ﴿وكَفى بِهِ﴾ أيْ بِافْتِرائِهِمْ، وقِيلَ: بِهَذا الكَذِبِ الخاصِّ ﴿إثْمًا مُبِينًا﴾ لا يَخْفى كَوْنُهُ مَأْثَمًا مِن بَيْنِ آثامِهِمْ، وهَذا عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ عَظِيمًا مُنْكَرًا، والجُمْلَةُ - كَما قالَ عِصامُ المُلَّةُ -: في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرٍ قَدْ، أيْ: كَيْفَ يَفْتَرُونَ الكَذِبَ، والحالُ أنَّ ذَلِكَ يُنافِي مَضْمُونَهُ؛ لِأنَّهُ إثْمٌ مُبِينٌ، والآثِمُ بِالإثْمِ المُبِينِ غَيْرُ المُتَحاشِي عَنْهُ مَعَ ظُهُورِهِ، لا يَكُونُ ابْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وحَبِيبَهُ، ولا يَكُونُ زَكِيًّا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وانْتِصابُ (إثْمًا) عَلى التَّمْيِيزِ.

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.