Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 41–50 of 176

41

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍۢ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًۭا

So how [will it be] when We bring from every nation a witness and we bring you, [O Muhammad] against these [people] as a witness?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآَيَةِ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ هَؤُلاءِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَحَذَفَ الحالَ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ. ولَفْظُ "كَيْفَ" لَفَظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها: التَّوْبِيخُ. والشَّهِيدُ: نَبِيُّ الأُمَّةِ. وبِماذا يَشْهَدُ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بِأنَّهُ قَدْ بَلَّغَ أُمَّتَهُ. قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: بِإيمانِهِمْ، قالَهُ أبُو العالِيَةَ. والثّالِثُ: بِأعْمالِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والرّابِعُ: يَشْهَدُ لَهم وعَلَيْهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجِئْنا بِكَ﴾ يَعْنِي: نَبِيُّنا ﷺ . وفي هَؤُلاءِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنَّهم جَمِيعُ أُمَّتِهِ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ. والثّانِي: يَشْهَدُ لَهم فَتَكُونُ "عَلى" بِمَعْنى: اللّامُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الكُفّارُ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. . والثّالِثُ: اليَهُودُ والنَّصارى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

42

يَوْمَئِذٍۢ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًۭا

That Day, those who disbelieved and disobeyed the Messenger will wish they could be covered by the earth. And they will not conceal from Allah a [single] statement.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو: لَوْ تُسَوّى، بِضَمِّ التّاءِ، وتَخْفِيفِ السِّينِ. والمَعْنى: ودُّوا لَوْ جُعِلُوا تُرابًا، فَكانُوا هم والأرْضُ سَواءً، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ في آَخَرِينَ. قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: إذا حَشَرَ اللَّهُ الخَلائِقَ، قالَ لِلْبَهائِمِ، والدَّوابِّ، والطَّيْرِ: كُونِي تُرابًا. فَعِنْدَها يَقُولُ: الكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا.

وَقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: لَوْ تُسَوّى، بِفَتْحِ التّاءِ، وتَشْدِيدِ السِّينِ، والمَعْنى: لَوْ تَتَسَوّى، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ، لِقُرْبِها مِنها. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ اتِّساعٌ، لِأنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى الأرْضِ، ولَيْسَ المُرادُ: ودُّوا لَوْ صارَتِ الأرْضُ مِثْلَهم، وإنَّما المَعْنى: ودُّوا لَوْ يَتَسَوُّونَ بِها. ثُمَّ في المَعْنى لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: ودُّوا لَوْ تَخَرَّقَتْ بِهِمُ الأرْضُ، فَساحُوا فِيها، قالَهُ قَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: ودُّوا أنَّهم لَمْ يُبْعَثُوا، لِأنَّ الأرْضَ كانَتْ مُسْتَوِيَةً بِهِمْ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ، مِنها قالَهُ ابْنُ كِيسانَ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الزُّجاجُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: لَوْ تُسَوّى، بِفَتْحِ التّاءِ، وتَخْفِيفِ السِّينِ والواوِ مُشَدَّدَةً مُمالَةً، وهي بِمَعْنى: تَتَسَوّى، فَحَذَفَ التّاءَ الَّتِي أدْغَمَهانافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ. فَأمّا مَعْنى القِراءَتَيْنِ فَواحِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ في الحَدِيثِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: ما كُنّا مُشْرِكِينَ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. والثّانِي: أنَّهُ أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ وصِفَتُهُ ونَعْتُهُ، قالَهُ عَطاءٌ: فَعَلى الأوَّلِ يَتَعَلَّقُ الكِتْمانُ بِالآخِرَةِ، وعَلى الثّانِي يَتَعَلَّقُ بِما كانَ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَعْنى: ودُّوا أنَّهم لَمْ يَكْتُمُوا ذَلِكَ.

وَفِي مَعْنى الآيَةِ: سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: ودُّوا إذا فَضَحَتْهم جَوارِحُهم أنَّهم لَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ شِرْكَهم، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم لَمّا شَهِدَتْ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم لَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ حَدِيثًا بَعْدَ ذَلِكَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّهم في مَوْطِنٍ لا يَكْتُمُونَهُ حَدِيثًا، وفي مَوْطِنٍ يَكْتُمُونَ، ويَقُولُونَ: ما كُنّا مُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ. ومَعْنى: لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا: لا يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِهِ، لِأنَّهُ ظاهِرٌ عِنْدَ اللَّهِ.

والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: ودُّوا لَوْ سُوِّيَتْ بِهِمُ الأرْضُ، وأنَّهم لَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ حَدِيثًا.

والسّادِسُ: أنَّهم لَمْ يَعْتَقِدُوا قَوْلَهُمْ: ما كُنّا مُشْرِكِينَ كَذِبًا، وإنَّما اعْتَقَدُوا أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ طاعَةٌ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وَقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: أخْبَرُوا بِما تَوَهَّمُوا، إذْ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهم لَيْسُوا بِمُشْرِكِينَ، وذَلِكَ لا يُخْرِجُهم عَنْ أنْ يَكُونُوا قَدْ كَذَّبُوا.

43

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا

O you who have believed, do not approach prayer while you are intoxicated until you know what you are saying or in a state of janabah, except those passing through [a place of prayer], until you have washed [your whole body]. And if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women and find no water, then seek clean earth and wipe over your faces and your hands [with it]. Indeed, Allah is ever Pardoning and Forgiving.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ رَوى أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: صَنَعَ لَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعامًا، فَدَعانا، وسَقانا مِنَ الخَمْرِ، فَأخَذَتِ [الخَمْرُ] مِنّا، وحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَقَدَّمُونِي، فَقَرَأتُ ( قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ، ونَحْنُ نَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ) فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ الَّذِي قَدَّمُوهُ، وخَلَطَ في هَذِهِ السُّورَةِ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.

وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لا تَتَعَرَّضُوا بِالسُّكْرِ في أوْقاتِ الصَّلاةِ. والثّانِي: لا تَدْخُلُوا في الصَّلاةِ في حالِ السُّكْرِ، والأوَّلُ أصَحُّ، لِأنَّ السَّكْرانَ لا يَعْقِلُ ما يُخاطِبُ بِهِ. وفي مَعْنى: ﴿وَأنْتُمْ سُكارى﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مِنَ الخَمْرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والثّانِي: مِنَ النَّوْمِ، قالَهُ الضِّحاكُ، وفِيهِ بَعْدُ. وهَذِهِ الآيَةُ اقْتَضَتْ إباحَةُ السُّكْرِ في غَيْرِ أوْقاتِ الصَّلاةِ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِتَحْرِيمِ الخَمْرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا جُنُبًا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الجَنابَةُ: البُعْدُ، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَجُلٌ جُنُبٌ، ورَجُلانِ جُنُبٌ، ورِجالٌ جُنُبٌ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ رِضًى، وقَوْمٌ رِضًى، وفي تَسْمِيَةِ الجُنُبِ بِهَذا الِاسْمِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لِمُجانَبَةِ مائِهِ مَحَلَّهُ، والثّانِي: لِما يَلْزَمُهُ مِنَ اجْتِنابِ الصَّلاةِ، وقِراءَةِ القُرْآَنِ، ومَسِّ المُصْحَفِ، ودُخُولِ المَسْجِدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ جُنُبٌ إلّا أنْ تَكُونُوا مُسافِرِينَ غَيْرَ واجِدِينَ لِلْماءِ فَتَيَمَّمُوا، وتُصَلُّوا. وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومُجاهِدٍ، والحَكَمِ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، ومُقاتِلٍ، والفِراءِ، والزَّجّاجِ.

والثّانِي: لا تَقْرَبُوا مَواضِعَ الصَّلاةِ وهي المَساجِدُ وأنْتُمْ جُنُبٌ إلّا مُجْتازِينَ، ولا تَقْعُدُوا. وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، والحُسْنِ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، والزُّهْرِيِّ، وعَمْرٍو بْنِ دِينارٍ، وأبِي الضُّحى، وأحْمَدَ، والشّافِعِيِّ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، كالقَوْلَيْنِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: "عابِرُ السَّبِيلِ": المُسافِرُ، و"قُرْبانُ الصَّلاةِ": فِعْلُها، وعَلى الثّانِي: "عابِرُ السَّبِيلِ": المُجْتازُ في المَسْجِدِ، و"قُرْبانُ الصَّلاةِ": دُخُولُ المَسْجِدِ الَّذِي تُفْعَلُ فِيهِ الصَّلاةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ في سَبَبِ نُزُولِ هَذا الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ كانَ مَرِيضًا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَقُومَ فَيَتَوَضَّأُ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ خادِمٌ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ﴾» قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: «أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أصابَتْهم جِراحاتٌ، فَفَشَتْ فِيهِمْ، وابْتُلُوا بِالجَنابَةِ، فَشَكَوا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ الآيَةَ كُلَّها،» قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي جَوازُ التَّيَمُّمِ مَعَ حُصُولِ المَرَضِ …

44

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, purchasing error [in exchange for it] and wishing you would lose the way?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في رَفاعَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ كانا إذا تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ لَوَيا ألْسِنَتَهُما وعاباهُ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفِي النَّصِيبِ الَّذِي أُوتُوهُ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَلِمَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ ﷺ . والثّانِي: العِلْمُ بِما في كِتابِهِمْ دُونَ العَمَلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا مِنَ الِاخْتِصارِ، والمَعْنى: يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ بِالهُدى، ومِثْلُهُ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصّافّاتِ: ٧٨] أيْ: تَرَكْنا عَلَيْهِ ثَناءً حَسَنًا، فَحَذَفَ الثَّناءَ لِعِلْمِ المُخاطَبِ.

وَفِي مَعْنى اشْتِرائِهِمُ الضَّلالَةَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اسْتِبْدالُهُمُ الضَّلالَةَ بِالإيمانِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْتِبْدالُهُمُ التَّكْذِيبَ بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ ظُهُورِهِ بِإيمانِهِمْ بِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ إيثارُهُمُ التَّكْذِيبَ بِالنَّبِيِّ لِأخْذِ الرِّشْوَةِ، وثُبُوتِ الرِّئاسَةِ لَهم، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ إعْطاؤُهم أحْبارَهم أمْوالَهم عَلى ما يَصْنَعُونَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالنَّبِيِّ ﷺ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. والمُرادُ بِالسَّبِيلِ: طَرِيقُ الهُدى.

45

وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًۭا

And Allah is most knowing of your enemies; and sufficient is Allah as an ally, and sufficient is Allah as a helper.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ فَهو يُعَلِّمُكم ما هم عَلَيْهِ، فَلا تَسْتَنْصِحُوهم، وهُمُ اليَهُودُ، ﴿وَكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ لَكم، فَمَن كانَ ولِيَّهُ، لَمْ يَضُرَّهُ عَدُوُّهُ. قالَ الخَطابِيُّ: "الوَلِيُّ": النّاصِرُ، و"الوَلِيُّ": المُتَوَلِّي لِلْأمْرِ، والقائِمُ بِهِ، وأصْلُهُ مِنَ الوَلِيِّ، وهو القُرْبُ، "والنَّصِيرُ": فَعِيلٌ بِمَعْنى: فاعِلٌ.

46

مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍۢ وَرَٰعِنَا لَيًّۢا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًۭا فِى ٱلدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا

Among the Jews are those who distort words from their [proper] usages and say, "We hear and disobey" and "Hear but be not heard" and "Ra'ina," twisting their tongues and defaming the religion. And if they had said [instead], "We hear and obey" and "Wait for us [to understand]," it would have been better for them and more suitable. But Allah has cursed them for their disbelief, so they believe not, except for a few.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، ومالِكٍ ابْنِ الضَّيْفِ، وكَعْبِ بْنِ أُسِيدٍ، وكُلُّهم يَهُودٌ. وفي "مِن" قَوْلانِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.

أحَدُهُما: أنَّها مِن صِلَةِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، فَيَكُونُ المَعْنى: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ مِنَ الَّذِينَ هادَوْا.

والثّانِي: أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ، فالمَعْنى: مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: يُحَرِّفُونَ، صِفَةٌ، ويَكُونُ المَوْصُوفُ مَحْذُوفًا، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:

؎ وما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ

والمَعْنى: فَمِنهُما تارَةٌ أمُوتُ فِيها، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: والمَعْنى: وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا مِنَ الَّذِينَ هادَوْا، أيْ: إنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ عَلَيْهِمْ.

فَأمّا "التَّحْرِيفُ"، فَهو التَّغْيِيرُ. و"الكَلِمُ": جَمْعُ كَلِمَةٍ. وقِيلَ: إنَّ "الكَلامَ" مَأْخُوذٌ مِنَ "الكَلِمِ"، وهو الجُرْحُ الَّذِي يَشُقُّ الجِلْدَ واللَّحْمَ، فَسُمِّيَ الكَلامُ كَلامًا، لِأنَّهُ يَشُقُّ الأسْماعَ بِوُصُولِهِ إلَيْها، وقِيلَ: بَلْ لِتَشْقِيقِهِ المَعانِيَ المَطْلُوبَةَ في أنْواعِ الخِطابِ.

وَفِي مَعْنى تَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَسْألُونَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الشَّيْءِ، فَإذا خَرَجُوا، حَرَّفُوا كَلامَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ تَبْدِيلُهُمُ التَّوْراةَ قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ أيْ: عَنْ أماكِنِهِ ووُجُوهِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ قالَ مُجاهِدٌ: سَمِعْنا قَوْلَكَ، وعَصَيْنا أمْرَكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: اسْمَعْ لا سَمِعَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: اسْمَعْ غَيْرَ مَقْبُولٍ ما تَقُولُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ في (البَقَرَةِ) مَعْنى: وراعِنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ قالَ قَتادَةُ: "اللَّيُّ": تَحْرِيكُ ألْسِنَتِهِمْ بِذَلِكَ.

وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى "لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ": أنَّهم يُحَرِّفُونَ "راعِنا" عَنْ طَرِيقِ المُراعاةِ، والِانْتِظارِ إلى السَّبِّ بِالرُّعُونَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ مِمّا بَدَّلُوا، و(أقُومُ) أيْ: أعْدَلُ، ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ بِمُحَمَّدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فَلا يُؤْمِنُ مِنهُمُ الّا قَلِيلٌ، وهم عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ، ومَن تَبِعَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا إيمانًا قَلِيلًا، قالَهُ قَتادَةُ، والزَّجّاجُ. قالَ مُقاتِلٌ: وهو اعْتِقادُهم أنَّ اللَّهَ خَلَقَهم ورَزَقَهم.

47

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ ءَامِنُوا۟ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًۭا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا

O you who were given the Scripture, believe in what We have sent down [to Muhammad], confirming that which is with you, before We obliterate faces and turn them toward their backs or curse them as We cursed the sabbath-breakers. And ever is the decree of Allah accomplished.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا قَوْمًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيّا، وكَعْبُ [ابْنُ أسَدٍ] إلى الإسْلامِ، وقالَ لَهُمْ: إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي جِئْتُ بِهِ حَقٌّ، فَقالُوا: ما نَعْرِفُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَفِي الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الكِتابُ: التَّوْراةَ، وعَلى الثّانِي: التَّوْراةَ والإنْجِيلَ. والمُرادُ بِما نَزَّلْنا: القُرْآَنُ، وقَدْ سَبَقَ في (البَقَرَةِ) بَيانُ تَصْدِيقِهِ لِما مَعَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ في طَمْسِ الوُجُوهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ إعْماءُ العُيُونِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضِّحاكُ.

والثّانِي: أنَّهُ طُمِسَ ما فِيها مِن عَيْنٍ، وأنْفٍ، وحاجِبٍ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتِيارُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّالِثُ: أنَّهُ رَدَّها عَنْ طَرِيقِ الهُدى، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الحُسْنُ، ومُجاهِدٌ، والضِّحاكُ، والسَّدِّيُّ. وقالَ مُقاتِلٌ: مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا، أيْ: نُحَوِّلَ المِلَّةَ عَنِ الهُدى والبَصِيرَةِ. فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ ذِكْرُ الوَجْهِ مَجازًا. والمُرادُ: البَصِيرَةُ والقُلُوبُ. وعَلى القَوْلَيْنِ قَبْلَهُ يَكُونُ المُرادُ بِالوَجْهِ: العُضْوُ المَعْرُوفُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: نُصَيِّرُها في الأقْفاءِ، ونَجْعَلُ عُيُونَها في الأقْفاءِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَطِيَّةَ.

والثّانِي: نُصَيِّرُها كالأقْفاءِ، لَيْسَ فِيها فَمٌ، ولا حاجِبٌ، ولا عَيْنٌ، وهَذا قَوْلُ قَوْمٍ، مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: نَجْعَلُ الوَجْهَ مَنبَتًا لِلشَّعْرِ، كالقُرُودِ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والرّابِعُ: نَنْفِيها مُدَبِّرَةً عَنْ دِيارِها ومَواضِعِها. وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَيَكُونُ المَعْنى: مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهَهُمُ الَّتِي هم فِيها. وناحِيَتَهُمُ الَّتِي هم بِها نُزُولٌ، فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها مِن حَيْثُ جاؤُوا بَدِيًّا مِنَ الشّامِ.

والخامِسُ: نَرُدُّها في الضَّلالَةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ يَعُودُ إلى أصْحابِ الوُجُوهِ. وفي مَعْنى لَعْنِ أصْحابِ السَّبْتِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَسَخَهم قِرَدَةً، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: طَرَدَهم في التِّيهِ، حَتّى هَلَكَ فِيهِ أكْثَرُهم ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الأمْرُ هاهُنا: بِمَعْنى: المَأْمُورُ، سُمِّيَ بِاسْمِ الأمْرِ لِحُدُوثِهِ عَنْهُ.

48

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا

Indeed, Allah does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allah has certainly fabricated a tremendous sin.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهِ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] قالُوا: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: والشِّرْكُ؟ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ.» وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الإشْراكُ.

والمُرادُ مِنَ الآَيَةُ: لا يَغْفِرُ لِمُشْرِكٍ ماتَ عَلى شِرْكِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِن وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّها تَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَيِّتٍ عَلى ذَنْبٍ دُونَ الشِّرْكِ لا يَقْطَعُ عَلَيْهِ بِالعَذابِ، وإنْ ماتَ مُصِرًّا. والثّانِي: أنَّ تَعْلِيقَهُ بِالمَشِيئَةِ فِيهِ نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وهو أنْ يَكُونُوا عَلى خَوْفٍ وطَمَعٍ.

49

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا

Have you not seen those who claim themselves to be pure? Rather, Allah purifies whom He wills, and injustice is not done to them, [even] as much as a thread [inside a date seed].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ مُرَحِّبَ ابْنَ زَيْدٍ، وبَحْرَيَّ بْنَ عَوْنٍ -وَهُما مِنَ اليَهُودِ- أتَيا النَّبِيَّ ﷺ بِأطْفالِهِما، ومَعَهُما طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ هَلْ عَلى هَؤُلاءِ مِن ذَنْبٍ؟ قالَ: لا، قالُوا: واللَّهِ ما نَحْنُ إلّا كَهَيْئَتِهِمْ، ما مِن ذَنْبٍ نَعْمَلُهُ بِالنَّهارِ إلّا كُفِّرَ عَنّا بِاللَّيْلِ، وما مِن ذَنْبٍ نَعْمَلُهُ بِاللَّيْلِ إلّا كُفِّرَ عَنّا بِالنَّهارِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: ألَمْ تُخْبَرْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: ألَمْ تَعْلَمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وفي الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم قَوْلانِ. أحَدُهُما: اليَهُودُ عَلى ما ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، والنَّصارى، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومَعْنى "يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ": يَزْعُمُونَ أنَّهم أزْكِياءُ، يُقالُ: زَكّى الشَّيْءَ: إذا نَما في الصَّلاحِ.

وَفِي الَّذِي زَكَّوْا بِهِ أنْفُسَهم أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم بَرَّؤُوا أنْفُسَهم مِنَ الذُّنُوبِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنَّ أبْناءَنا الَّذِينَ ماتُوا يُزَكُّونَنا عِنْدَ اللَّهِ، ويَشْفَعُونَ لَنا رَواهُ عَطِيَّةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يُقَدِّمُونَ صِبْيانَهم في الصَّلاةِ فَيَؤُمُّونَهم، يَزْعُمُونَ أنَّهم لا ذُنُوبَ لَهم، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٌ، وأبِي مالِكٍ.

والرّابِعُ: أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائِدَةِ: ١٨] وقالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البَقَرَةِ: ١١١] هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ أيْ: يَجْعَلُهُ زاكِيًا، ولا يَظْلِمُ اللَّهُ أحَدًا مِقْدارَ فَتِيلٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُ "الفَتِيلِ" المَفْتُولُ، صُرِفَ عَنْ مَفْعُولٍ إلى فَعِيلٍ، كَصَرِيعٍ، ودَهِينٍ.

وَفِي الفَتِيلِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ ما يَكُونُ في شِقِّ النَّواةِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، وعَطِيَّةُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ ما يَخْرُجُ بَيْنَ الأصابِعِ مِنَ الوَسَخِ إذا دُلِّكْنَ، رَواهُ العَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مالِكٍ، والسُّدِّيُّ، والفَرّاءُ.

50

ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثْمًۭا مُّبِينًا

Look how they invent about Allah untruth, and sufficient is that as a manifest sin.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ وهو قَوْلُهم ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ وقَوْلُهم ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ وقَوْلُهم:لا ذَنْبَ لَنا ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا كَذَّبُوا فِيهِ ﴿وَكَفى بِهِ﴾ أيْ: وحَسِبَهم بِقِيلِهِمُ الكَذِبَ ﴿إثْمًا مُبِينًا﴾ يَتَبَيَّنُ كَذِبُهم لِسامِعِيهِ.

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.