Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 41–50 of 176

41

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍۢ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًۭا

So how [will it be] when We bring from every nation a witness and we bring you, [O Muhammad] against these [people] as a witness?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [٤١]

﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قالَ الرّازِيُّ: وجْهُ النَّظْمِ هو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ في الآخِرَةِ لا يَجْرِي عَلى أحَدٍ ظُلْمٌ، وأنَّهُ تَعالى يُجازِي المُحْسِنَ عَلى إحْسانِهِ ويَزِيدُهُ عَلى قَدْرِ حَقِّهِ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ يَجْرِي بِشَهادَةِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ الحُجَّةَ عَلى الخَلْقِ لِتَكُونَ الحُجَّةُ عَلى المُسِيءِ أبْلَغَ، والتَّبْكِيتُ لَهُ أعْظَمَ، وحَسْرَتُهُ أشَدَّ، ويَكُونَ سُرُورُ مَن قَبِلَ ذَلِكَ مِنَ الرَّسُولِ وأظْهَرَ الطّاعَةَ أعْظَمَ، ويَكُونَ هَذا وعِيدًا لِلْكُفّارِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٤٠] ووَعْدًا لِلْمُطِيعِينَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٤٠].

ثُمَّ قالَ: مِن عادَةِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ في الشَّيْءِ الَّذِي يَتَوَقَّعُونَهُ: كَيْفَ بِكَ إذا كانَ كَذا وكَذا، وإذا فَعَلَ فُلانٌ كَذا، أوْ إذا جاءَ وقْتُ كَذا؟ فَمَعْنى هَذا الكَلامِ: كَيْفَ تَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا اسْتَشْهَدَ اللَّهُ عَلى كُلِّ أُمَّةٍ بِرَسُولِها، واسْتَشْهَدَكَ عَلى هَؤُلاءِ، يَعْنِي قَوْمَهُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ الَّذِينَ شاهَدَهم وعَرَفَ أحْوالَهُمْ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ كُلِّ عَصْرٍ يَشْهَدُونَ عَلى غَيْرِهِمْ مِمَّنْ شاهَدُوا أحْوالَهُمْ، وعَلى هَذا الوَجْهِ قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] [المائِدَةِ: مِنَ الآيَةِ ١١٧] ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٨٩] [النَّحْلِ: مِنَ الآيَةِ ٨٩] إلَخْ.

ورَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اقْرَأْ عَلَيَّ. فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قالَ: نَعَمْ، إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيْرِي فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّساءِ، حَتّى أتَيْتُ إلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ فَقالَ: حَسْبُكَ الآنَ فَإذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ».

زادَ مُسْلِمٌ: «شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ، أوْ قالَ: ما كُنْتُ فِيهِمْ» شَكَّ أحَدُ رُواتِهِ.

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ ما دُمْتُ فِيهِمْ، فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ» .

42

يَوْمَئِذٍۢ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًۭا

That Day, those who disbelieved and disobeyed the Messenger will wish they could be covered by the earth. And they will not conceal from Allah a [single] statement.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [٤٢]

﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿يَوَدُّ﴾ أيْ: يَتَمَنّى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِاللَّهِ ﴿وعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ بِالإجابَةِ ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ أيْ: يُهْلَكُونَ فِيها، أيْ: يُدْفَنُونَ، فَتُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ كَما تُسَوّى بِالمَوْتى، إذْ هو أعْزُّ لَهم مِنَ الهَوانِ الَّذِي يَلْحَقُهم مِن فَضائِحِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ [النبإ: ٤٠] الآيَةَ، فَـ(تُسَوّى) بِمَعْنى: تُجْعَلُ مُسْتَوِيَةً، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: تُسَوّى الأرْضُ مُتَلَبِّسَةً بِهِمْ.

وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى (عَلى) وفي "الدُّرِّ المَصُونِ": وتَسْوِيَةُ الأرْضِ بِهِمْ أوْ عَلَيْهِمْ: دَفْنُهُمْ، أوْ أنْ تَنْشَقَّ وتَبْلَعَهُمْ، أوْ أنَّهم يَبْقَوْنَ تُرابًا عَلى أصْلِهِمْ مِن غَيْرِ خَلْقٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ عَطْفٌ عَلى (يَوَدُّ) أيْ: ويَعْتَرِفُونَ بِجَمِيعِ ما فَعَلُوهُ لا يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِهِ؛ لِأنَّ جَوارِحَهم تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ، أوِ (الواوُ) لِلْحالِ، أيْ: يَوَدُّونَ أنْ يُدْفَنُوا في الأرْضِ وحالُهم أنَّهم لا يَكْتُمُونَ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا، ولا يُكَذِّبُونَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] كَما رَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ أتى ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ ! قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: إنِّي أحْسَبُكَ قُمْتَ مِن عِنْدِ أصْحابِكَ فَقُلْتَ: أُلْقِيَ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ مُتَشابَهُ القُرْآنِ، فَإذا رَجَعْتَ إلَيْهِمْ فَأخْبِرْهم أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْمَعُ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ في بَقِيعٍ واحِدٍ، فَيَقُولُ المُشْرِكُونَ: إنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ مِن أحَدٍ شَيْئًا إلّا مِمَّنْ وحَّدَهُ، فَيَقُولُونَ: تَعالَوْا نَقُلْ، فَيَسْألُهم فَيَقُولُونَ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] قالَ: فَيَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ ويَسْتَنْطِقُ جَوارِحَهم فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم أنَّهم كانُوا مُشْرِكِينَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَمَنَّوْا لَوْ أنَّ الأرْضَ سُوِّيَتْ بِهِمْ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا.

ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ، واعْتَمَدَهُ الإمامُ أحْمَدُ في كِتابِ "الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ " في بابِ (بَيانُ ما ضَلَّتْ فِيهِ الزَّنادِقَةُ مِن مُتَشابَهِ القُرْآنِ) وساقَ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ثُمَّ قالَ: فَهَذا تَفْسِيرُ ما شَكَّتْ فِيهِ الزَّنادِقَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى:

43

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا

O you who have believed, do not approach prayer while you are intoxicated until you know what you are saying or in a state of janabah, except those passing through [a place of prayer], until you have washed [your whole body]. And if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women and find no water, then seek clean earth and wipe over your faces and your hands [with it]. Indeed, Allah is ever Pardoning and Forgiving.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [٤٣]

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ في جَماعَةٍ كانُوا يَشْرَبُونَها ثُمَّ يُصَلُّونَ، أيْ: مِن مُقْتَضى إيمانِكُمُ الحَياءُ مِنَ اللَّهِ، ومِنَ الحَياءِ مِنهُ أنْ لا تَقُومُوا إلى الصَّلاةِ وأنْتُمْ سُكارى لا تَعْلَمُونَ ما تُخاطِبُونَهُ، فالحَياءُ مِنَ اللَّهِ يُوجِبُ ذَلِكَ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِحَرْفَيِ النِّداءِ والتَّنْبِيهِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في حَمْلِهِمْ عَلى العَمَلِ بِمُوجَبِ النَّهْيِ، وتَوْجِيهُ النَّهْيِ إلى قُرْبانِ الصَّلاةِ - مَعَ أنَّ المُرادَ هو النَّهْيُ عَنْ إقامَتِها - لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ.

قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَ هَذا النَّهْيُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ «قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢١٩] الآيَةَ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلاها عَلى عُمَرَ، فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَلاها عَلَيْهِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَكانُوا لا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ في أوْقاتِ الصَّلَواتِ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] [المائِدَةِ: ٩٠ - ٩١] فَقالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا انْتَهَيْنا».

ولَفْظُ أبِي داوُدَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قِصَّةِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وفِيهِ: «نَزَلَتْ الآيَةُ الَّتِي في النِّساءِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ فَكانَ مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا قامَتِ الصَّلاةُ يُنادِي: لا يَقْرَبَنَّ الصَّلاةَ سَكْرانُ».

ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ [أبِي] حاتِمٍ، عَنْ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أرْبَعُ آياتٍ: صَنَعَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ طَعامًا فَدَعا أُناسًا مِنَ المُهاجِرِينَ وأُناسًا مِنَ الأنْصارِ، فَأكَلْنا وشَرِبْنا حَتّى سَكِرْنا، ثُمَّ افْتَخَرْنا، فَرَفَعَ رَجُلٌ لِحى بَعِيرٍ فَغَرَزَ بِها أنْفَ سَعْدٍ، فَكانَ سَعْدٌ مَغْرُوزَ الأنْفِ، وذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ الآيَةَ.

والحَدِيثُ بِطُولِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، ورَواهُ أهْلُ السُّنَنِ إلّا ابْنَ ماجَهْ.

ورَوى أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ كانَ هو وعَبْدُ الرَّحْمَنِ ورَجُلٌ آخَرُ شَرِبُوا الخَمْرَ فَصَلّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَرَأ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فَخَلَّطَ فِيها، فَنَزَلَتْ: ﴿لا تَقْرَبُوا﴾ الآيَةَ.

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: صَنَعَ لَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ …

44

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, purchasing error [in exchange for it] and wishing you would lose the way?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [٤٤]

﴿ألَمْ تَرَ﴾ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وضُمِّنَ مَعْنى الِانْتِهاءِ، أيْ: ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ، أوْ مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ، أيْ: ألَمْ تَنْظُرْ ﴿إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ: حَظًّا مِن عِلْمِ التَّوْراةِ، وهم أحْبارُ اليَهُودِ، قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: المُرادُ بِالَّذِي أُوتُوهُ ما بُيِّنَ لَهم فِيها مِنَ الأحْكامِ والعُلُومِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما عَلِمُوهُ مِن نُعُوتِ النَّبِيِّ ﷺ وحَقِيَةِ الإسْلامِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالنَّصِيبِ المُنْبِئِ عَنْ كَوْنِهِ حَقًّا مِن حُقُوقِهِمُ الَّتِي يَجِبُ مُراعاتُها والمُحافَظَةُ عَلَيْها لِلْإيذانِ بِكَمالِ رَكاكَةِ آرائِهِمْ حَيْثُ ضَيَّعُوهُ تَضْيِيعًا.

وتَنْوِينُهُ تَفْخِيمِيٌّ مُؤَيِّدٌ لِلتَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ، والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، فالتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلتَّنْبِيهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى كَمالِ شَناعَتِهِمْ، والإشْعارِ بِمَكانِ ما طُوِيَ ذِكْرُهُ في المُعامَلَةِ المَحْكِيَّةِ عَنْهم مِنَ الهُدى الَّذِي هو أحَدُ العِوَضَيْنِ: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ وهو البَقاءُ عَلى اليَهُودِيَّةِ، بَعْدَ وُضُوحِ الآياتِ لَهم عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ ﷺ وأنَّهُ هو النَّبِيُّ المُبَشَّرُ بِهِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، أيْ: يَأْخُذُونَ الضَّلالَةَ ويَتْرُكُونَ ما أُوتُوهُ مِنَ الهُدى لِيَشْتَرُوا ثَمَنًا قَلِيلًا مِن حُطامِ الدُّنْيا.

وإنَّما طُوِيَ ذِكْرُ المَتْرُوكِ لِغايَةِ ظُهُورِ الأمْرِ، لا سِيَّما بَعْدَ الإشْعارِ المَذْكُورِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالِاشْتِراءِ - الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ اسْتِبْدالِ السِّلْعَةِ بِالثَّمَنِ، أيْ: أخْذِها بَدَلًا مِنهُ أخْذًا ناشِئًا عَنِ الرَّغْبَةِ فِيها والإعْراضِ عَنْهُ - لِلْإيذانِ بِكَمالِ رَغْبَتِهِمْ في الضَّلالَةِ، الَّتِي حَقُّها أنْ يُعْرَضَ عَنْها كُلَّ الإعْراضِ، وإعْراضِهِمْ عَنِ الهِدايَةِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ، وفِيهِ مِنَ التَّسْجِيلِ عَلى نِهايَةِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ، وغايَةِ رَكاكَةِ آرائِهِمْ ما لا يَخْفى، حَيْثُ صُوِّرَتْ حالُهم بِصُورَةِ ما لا يَكادُ يَتَعاطاهُ أحَدٌ مِمَّنْ لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ، قالَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أيْ: لا يَكْتَفُونَ بِضَلالِ أنْفُسِهِمْ بَلْ يُرِيدُونَ بِما فَعَلُوا مِن كِتْمانِ نُعُوتِهِ ﷺ أنْ تَضِلُّوا أيُّها المُؤْمِنُونَ سَبِيلَ الحَقِّ كَما ضَلُّوا، ويَوَدُّونَ لَوْ تَكْفُرُونَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْكم مِنَ الهُدى والعِلْمِ النّافِعِ.

45

وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًۭا

And Allah is most knowing of your enemies; and sufficient is Allah as an ally, and sufficient is Allah as a helper.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكم وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [٤٥]

﴿واللَّهُ أعْلَمُ﴾ أيْ: مِنكم ﴿بِأعْدائِكُمْ﴾ أيْ: وقَدْ أخْبَرَكم بِعَداوَتِهِمْ لَكُمْ، وما يُرِيدُونَ بِكُمْ، فاحْذَرُوهُمْ، ولا تَسْتَنْصِحُوهم في أُمُورِكم ولا تَسْتَشِيرُوهم ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ يَلِي أُمُورَكم ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُكُمْ، أيْ: فَثِقُوا بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ دُونَهُمْ، ولا تَتَوَلَّوْا غَيْرَهُ، أوْ: ولا تُبالُوا بِهِمْ وبِما يَسُومُونَكم مِنَ السُّوءِ، فَإنَّهُ تَعالى يَكْفِيكم مَكْرَهم وشَرَّهُمْ، فَفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ.

46

مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍۢ وَرَٰعِنَا لَيًّۢا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًۭا فِى ٱلدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا

Among the Jews are those who distort words from their [proper] usages and say, "We hear and disobey" and "Hear but be not heard" and "Ra'ina," twisting their tongues and defaming the religion. And if they had said [instead], "We hear and obey" and "Wait for us [to understand]," it would have been better for them and more suitable. But Allah has cursed them for their disbelief, so they believe not, except for a few.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ [٤٦]

﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ وهُوَ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [النساء: ٤٤] فَإنَّهُ مُتَناوِلٌ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ، وقَدْ وُسِّطَ بَيْنَهُما ما وُسِّطَ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِبَيانِ مَحَلِّ التَّشْنِيعِ والتَّعْجِيبِ والمُسارَعَةِ إلى تَنْفِيرِ المُؤْمِنِينَ مِنهُمْ، وتَحْذِيرِهِمْ عَنْ مُخالَطَتِهِمْ، والِاهْتِمامِ بِحَمْلِهِمْ عَلى الثِّقَةِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والِاكْتِفاءِ بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ هو وما عُطِفَ عَلَيْهِ بَيانٌ لاشَتْرائِهِمُ المَذْكُورِ، وتَفْصِيلٌ لِفُنُونِ ضَلالِهِمْ، فَقَدْ رُوعِيَتْ في النَّظْمِ الكَرِيمِ طَرِيقَةُ التَّفْسِيرِ بَعْدَ الإبْهامِ، والتَّفْصِيلِ إثْرَ الإجْمالِ رَوْمًا لِزِيادَةِ تَقْرِيرٍ يَقْتَضِيهِ الحالُ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

قالَ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ: قَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ أيْ: يَتَناوَلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، ويُفَسِّرُونَهُ بِغَيْرِ مُرادِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قَصْدًا مِنهم وافْتِراءً.

وقالَ العَلّامَةُ الرّازِيُّ: في كَيْفِيَّةِ التَّحْرِيفِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: إنَّهم كانُوا يُبَدِّلُونَ اللَّفْظَ بِلَفْظٍ آخَرَ.

ثُمَّ قالَ:

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالتَّحْرِيفِ إلْقاءُ الشُّبَهِ الباطِلَةِ والتَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ وصَرْفُ اللَّفْظِ مِن مَعْناهُ الحَقِّ إلى مَعْنًى باطِلٍ بِوُجُوهِ الحِيَلِ اللَّفْظِيَّةِ، كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ البِدْعَةِ في زَمانِنا هَذا، بِالآياتِ المُخالِفَةِ لِمَذاهِبِهِمْ، وهَذا هو الأصَحُّ.

والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ويَسْألُونَهُ عَنْ أمْرٍ فَيُخْبِرُهم لِيَأْخُذُوا بِهِ، فَإذا خَرَجُوا مِن عِنْدِهِ حَرَّفُوا كَلامَهُ. انْتَهى.

وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في "إغاثَةِ اللَّهْفانِ": قَدِ اخْتُلِفَ في التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِيهِمْ، هَلْ هي مُبَدَّلَةٌ أمِ التَّبْدِيلُ وقَعَ في التَّأْوِيلِ دُونَ التَّنْزِيلِ؟ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:

قالَتْ طائِفَةٌ: كُلُّها أوْ أكْثَرُها مُبَدَّلٌ، وغَلا بَعْضُهم حَتّى قالَ: يَجُوزُ الِاسْتِجْمارُ بِها.

وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أئِمَّةِ الحَدِيثِ والفِقْهِ والكَلامِ: إنَّما وقَعَ التَّبْدِيلُ في التَّأْوِيلِ.

قالَ البُخارِيُّ في "صَحِيحِهِ": يُحَرِّفُونَ يُزِيلُونَ، ولَيْسَ أحَدٌ يُزِيلُ لَفْظَ كِتابٍ مِن كُتُبِ اللَّهِ ولَكِنَّهم يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وهو اخْتِيارُ الرّازِيِّ أيْضًا.

وسَمِعْتُ شَيْخَنا يَقُولُ: وقَعَ النِّزاعُ بَيْنَ الفُضَلاءِ، فَأجازَ هَذا المَذْهَبَ ووَهّى غَيْرَهُ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِ، فَأظْهَرَ خَمْسَةَ عَشَرَ نَقْلًا بِهِ، ومِن حُجَّةٍ هَؤُلاءِ أنَّ التَّوْراةَ قَدْ طَبَّقَتْ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، وانْتَشَرَتْ جَنُوبًا وشِمالًا، ولا يَعْلَمُ عَدَدَ نُسَخِها إلّا اللَّهُ، فَيُمْتَنَعُ التَّواطُؤُ عَلى التَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ في جَمِيعِ تِلْكَ النُّسَخِ، حَتّى لا تَبْقى في الأرْضِ نُسْخَةٌ إلّا مُبْدَلَةً، وهَذا مِمّا يُحِيلُهُ العَقْلُ، قالُوا: وقَدْ قالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ …

47

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ ءَامِنُوا۟ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًۭا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا

O you who were given the Scripture, believe in what We have sent down [to Muhammad], confirming that which is with you, before We obliterate faces and turn them toward their backs or curse them as We cursed the sabbath-breakers. And ever is the decree of Allah accomplished.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَـزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ [٤٧]

﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَـزَّلْنا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ أيْ: مُوافِقًا لِلتَّوْراةِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ أيْ: نَمْحُوَ تَخْطِيطَ صُوَرِها مِن عَيْنٍ وحاجِبٍ وأنْفٍ وفَمٍ، وقالَ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: طَمْسُها أنْ تَعْمى.

﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ أيْ: فَنَجْعَلُها عَلى هَيْئَةِ أدْبارِها وهي الأقْفاءُ مَطْمُوسَةً مِثْلَها جَزاءً عَلى الكُفْرِ، فالفاءُ لِلتَّسْبِيبِ، أوْ نُنَكِّسُها بَعْدَ الطَّمْسِ فَنَرُدُّها إلى مَوْضِعِ الأقْفاءِ والأقْفاءَ إلى مَوْضِعِها، وقَدِ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ أشَدِّهِما، فالفاءُ لِلتَّعْقِيبِ.

قالَ الرّازِيُّ: وهَذا المَعْنى إنَّما جَعَلَهُ اللَّهُ عُقُوبَةً لِما فِيهِ مِنَ التَّشْوِيهِ في الخِلْقَةِ والمُثْلَةِ والفَضِيحَةِ؛ لِأنَّ عِنْدَ ذَلِكَ يَعْظُمُ الغَمُّ والحَسْرَةُ.

﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾ أيْ: أوْ نَفْعَلَ بِهِمْ أبْلَغَ مِن ذَلِكَ، وهو أنْ نَطْرُدَهم عَنِ الإنْسانِيَّةِ بِالمَسْخِ الكُلِّيِّ جَزاءً عَلى اعْتِدائِهِمْ بِتَرْكِ الإيمانِ، كَما أخْزَيْنا بِهِ أوائِلَهم أصْحابَ السَّبْتِ جَزاءً عَلى اعْتِدائِهِمْ عَلى السَّبْتِ بِالحِيلَةِ عَلى الِاصْطِيادِ، فَمَسَخْناهم قِرْدَةً.

﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: ما أمَرَ بِهِ ﴿مَفْعُولا﴾ أيْ: نافِذًا كائِنًا لا مَحالَةَ، هَذا وفي الآيَةِ تَأْوِيلٌ آخَرُ وهو أنَّ المُرادَ مِن طَمْسِ الوُجُوهِ مَجازُهُ، وهو صَرْفُهم عَنِ الحَقِّ ورَدُّهم إلى الباطِلِ ورُجُوعُهم عَنِ المَحَجَّةِ البَيْضاءِ إلى سَبِيلِ الضَّلالَةِ، يُهْرَعُونَ ويَمْشُونَ القَهْقَرى عَلى أدْبارِهِمْ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا كَما قالَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا فَهي إلى الأذْقانِ فَهم مُقْمَحُونَ﴾ [يس: ٨] ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأغْشَيْناهم فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] [يس: ٨ - ٩]: أيْ: هَذا مَثَلُ سُوءٍ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهم في ضَلالِهِمْ ومَنعِهِمْ عَنِ الهُدى.

قالَ مُجاهِدٌ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ يَقُولُ: عَنْ صِراطِ الحَقِّ ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ أيْ: في الضَّلالِ.

قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ نَحْوُ هَذا.

قالَ السُّدِّيُّ: ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ فَنَمْنَعُها عَنِ الحَقِّ، نُرْجِعُها كُفّارًا.

قالَ الرّازِيُّ: المَقْصُودُ عَلى هَذا بَيانُ إلْقائِها في أنْواعِ الخِذْلانِ وظُلُماتِ الضَّلالاتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] [الأنْفالِ: ٢٤] تَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ في مَبْدَأِ خِلْقَتِهِ ألِفَ هَذا العالَمَ المَحْسُوسَ، ثُمَّ إنَّهُ عِنْدَ الفِكْرِ والعُبُودِيَّةِ كَأنَّهُ يُسافِرُ مِن عالَمِ المَحْسُوساتِ إلى عالَمِ المَعْقُولاتِ، فَقُدّامَهُ عالَمُ المَعْقُولاتِ، ووَراءَهُ عالَمُ المَحْسُوساتِ، فالمَخْذُولُ هو الَّذِي يَرُدُّ عَنْ قُدّامِهِ إلى خَلْفِهِ، كَما قالَ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] [السَّجْدَةِ: ١٢].

ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ: قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ …

48

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا

Indeed, Allah does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allah has certainly fabricated a tremendous sin.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ [٤٨]

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِنَ الوَعِيدِ، وتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ مِنَ الإيمانِ - بِبَيانِ اسْتِحالَةِ المَغْفِرَةِ بِدُونِهِ، فَإنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ التَّحْرِيفِ ويَطْمَعُونَ في المَغْفِرَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ﴾ [الأعراف: ١٦٩] [الأعْرافِ: مِنَ الآيَةِ ١٦٩]: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ [الأعراف: ١٦٩] أيْ: عَلى التَّحْرِيفِ ﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ [الأعراف: ١٦٩] والمُرادُ بِالشِّرْكِ مُطْلَقُ الكُفْرِ المُنْتَظِمِ لِكُفْرِ اليَهُودِ انْتِظامًا أوَّلِيًّا؛ فَإنَّ الشَّرْعَ قَدْ نَصَّ عَلى إشْراكِ أهْلِ الكِتابِ قاطِبَةً، وقَضى بِخُلُودِ أصْنافِ الكَفَرَةِ في النّارِ، ونُزُولُهُ في حَقِّ اليَهُودِ - كَما قالَ مُقاتِلٌ - هو الأنْسَبُ بِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وسِياقُهُ لا يَقْتَضِي اخْتِصاصَهُ بِكُفْرِهِمْ، بَلْ يَكْفِي انْدِراجُهُ فِيهِ قَطْعًا، بَلْ لا وجْهَ لَهُ أصْلًا؛ لِاقْتِضائِهِ جَوازَ مَغْفِرَةِ ما دُونُ كُفْرِهِمْ في الشِّدَّةِ مِن أنْواعِ الكُفْرِ، أيْ: لا يَغْفِرُ الكُفْرَ لِمَنِ اتَّصَفَ بِهِ بِلا تَوْبَةٍ وإيمانٍ؛ لِأنَّ الحِكْمَةَ التَّشْرِيعِيَّةَ مُقْتَضِيَةٌ لِسَدِّ بابِ الكُفْرِ، وجَوازُ مَغْفِرَتِهِ بِلا إيمانٍ مِمّا يُؤَدِّي إلى فَتْحِهِ، ولِأنَّ ظُلُماتِ الكُفْرِ والمَعاصِي إنَّما يَسْتُرُها نُورُ الإيمانِ، فَمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ إيمانٌ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي. انْتَهى.

قالَ الشِّهابُ: الشَّكُّ يَكُونُ بِمَعْنى اعْتِقادِ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا، وبِمَعْنى الكُفْرِ مُطْلَقًا، وهو المُرادُ هُنا، وقَدْ صُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ (البَيِّنَةِ) بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ [البينة: ٦] [البَيِّنَةِ: مِنَ الآيَةِ ٦]، فَلا يَبْقى شُبْهَةٌ في عُمُومِهِ. انْتَهى.

وقالَ الرّازِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ اليَهُودِيَّ يُسَمّى مُشْرِكًا، في عُرْفِ الشَّرْعِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ ما سِوى الشِّرْكِ مَغْفُورٌ، فَلَوْ كانَتِ اليَهُودِيَّةُ مُغايِرَةً لِلشِّرْكِ لَوَجَبَ أنْ تَكُونَ مَغْفُورَةً بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، وبِالإجْماعِ هي غَيْرُ مَغْفُورَةٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّها داخِلَةٌ تَحْتَ اسْمِ الشِّرْكِ.

الثّانِي: إنَّ اتِّصال هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها إنَّما كانَ لِأنَّها تَتَضَمَّنُ تَهْدِيدَ اليَهُودِ، فَلَوْلا أنَّ اليَهُودِيَّةَ داخِلَةٌ تَحْتَ اسْمِ الشِّرْكِ وإلّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٦٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] [المائِدَةِ: مِنَ الآيَةِ ٨٢] فَعَطَفَ المُشْرِكَ عَلى اليَهُودِيِّ، وذَلِكَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، قُلْنا: المُغايَرَةُ حاصِلَةٌ بِسَبَبِ المَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ، والِاتِّحادُ حاصِلٌ بِسَبَبِ المَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ، ولا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلّا ما ذَكَرْناهُ؛ دَفْعًا لِلتَّناقُضِ. انْتَهى.

لَطِيفَةٌ:

قالَ أبُو البَقاءِ: الشِّرْكُ أنْواعٌ:

شِرْكُ الِاسْتِقْلالِ وهو إثْباتُ إلَهَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ، كَشِرْكِ المَجُوسِ.

وشِرْكُ …

49

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا

Have you not seen those who claim themselves to be pure? Rather, Allah purifies whom He wills, and injustice is not done to them, [even] as much as a thread [inside a date seed].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [٤٩]

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ تَعْجِيبٌ مِن تَمادُحِهِمْ بِالتَّزْكِيَةِ الَّتِي هي التَّطْهِيرُ والتَّبْرِئَةُ مِنَ القَبِيحِ فِعْلًا وقَوْلًا، المُنافِيَةِ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الطُّغْيانِ والشِّرْكِ الَّذِي قَصَّهُ تَعالى عَنْهم قَبْلُ، فالمُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ، وقَدْ حَكى تَعالى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] [المائِدَةِ: مِنَ الآيَةِ ١٨] وحَكى عَنْهم أيْضًا أنَّهم قالُوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٨٠] وأنَّهم قالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ١١١].

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ اليَهُودُ يُقَدِّمُونَ صِبْيانَهم يُصَلُّونَ بِهِمْ ويُقَرِّبُونَ قُرْبانَهم ويَزْعُمُونَ أنَّهم لا خَطايا لَهم ولا ذُنُوبَ، وكَذَبُوا، قالَ اللَّهُ: إنِّي لا أُطَهِّرُ ذا ذَنْبٍ بِآخَرَ لا ذَنْبَ لَهُ، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ أيِ: انْظُرْ إلَيْهِمْ فَتَعَجَّبْ مِنِ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أزْكِياءُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والإثْمِ العَظِيمِ، أوْ مِنِ ادِّعائِهِمْ تَكْفِيرَ ذُنُوبِهِمْ مَعَ اسْتِحالَةِ أنْ يُغْفَرَ لِلْكافِرِ شَيْءٌ مِن كُفْرِهِ أوْ مَعاصِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَزْكِيَتَهُ هي المُعْتَدُّ بِها دُونَ تَزْكِيَةِ غَيْرِهِ، فَإنَّهُ العالِمُ بِما يَنْطَوِي عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن حَسَنٍ وقَبِيحٍ، وقَدْ ذَمَّهم وزَكّى المُرْتَضَيْنَ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ.

* *

تَنْبِيهٌ:

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَدْخُلُ في الآيَةِ كُلُّ مَن زَكّى نَفْسَهُ ووَصَفَها بِزَكاءِ العَمَلِ وزِيادَةِ الطّاعَةِ والتَّقْوى والزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ، فَإنْ قُلْتَ: أما قالَ رَسُولُ ﷺ: «واللَّهِ! إنِّي لِأمِينٌ في السَّماءِ، أمِينٌ في الأرْضِ؟» قُلْتُ: إنَّما قالَ ذَلِكَ حِينَ قالَ لَهُ المُنافِقُونَ: اعْدِلْ في القِسْمَةِ؛ إكْذابًا لَهم إذْ وصَفُوهُ بِخِلافِ ما وصَفَهُ بِهِ رَبُّهُ، وشَتّانَ مَن شَهِدَ اللَّهُ لَهُ بِالتَّزْكِيَةِ ومَن شَهِدَ لِنَفْسِهِ أوْ شَهِدَ لَهُ مَن لا يَعْلَمُ.

وقَدْ ورَدَ في ذَمِّ التَّمادُحِ والتَّزْكِيَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنها:

عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يُثْنِي عَلى رَجُلٍ ويُطْرِيهِ في المَدْحِ فَقالَ: أهْلَكْتُمْ أوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وعَنْ أبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأثْنى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ويْحَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صاحِبِكَ - يَقُولُهُ مِرارًا - إنْ كانَ أحَدُكم مادِحًا لا مَحالَةَ فَلْيَقُلْ: أحْسَبُ كَذا وكَذا إنْ كانَ يَرى أنَّهُ كَذَلِكَ، وحَسِيبُهُ اللَّهُ، ولا يُزَكِّي عَلى اللَّهِ أحَدًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وعَنْ هَمّامِ بْنِ الحارِثِ، عَنِ المِقْدادِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ رَجُلًا جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَعَمَدَ المِقْدادُ فَجَثا عَلى رُكْبَتَيْهِ، فَجَعَلَ يَحْثُو في وجْهِهِ الحَصْباءَ، فَقالَ لَهُ عُثْمانُ: ما شَأْنُكَ؟ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إذا رَأيْتُمُ المَدّاحِينَ فاحْثُوا في وُجُوهِهِمُ التُّرابَ» …

50

ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثْمًۭا مُّبِينًا

Look how they invent about Allah untruth, and sufficient is that as a manifest sin.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ [٥٠]

﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيْ: في تَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهم ودَعْواهم أنَّهم أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، وقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ١١١] وقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٨٠] واتِّكالِهِمْ عَلى أعْمالِ آبائِهِمُ الصّالِحَةِ، وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ أنَّ أعْمالَ الآباءِ لا تَجْزِي عَنِ الأبْناءِ شَيْئًا في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ١٣٤] الآيَةَ.

قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: (كَيْفَ) نُصِبَ إمّا عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ أوْ بِالحالِ، والعامِلُ (يَفْتَرُونَ) وبِهِ تَتَعَلَّقُ (عَلى) أيْ: في حالٍ أوْ عَلى أيِّ حالٍ يَفْتَرُونَ عَلَيْهِ تَعالى الكَذِبَ، والمُرادُ بَيانُ شَناعَةِ تِلْكَ الحالِ وكَمالِ فَظاعَتِها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بَعْدَ نَزْعِ الخافِضِ و(النَّظَرُ) مُتَعَلِّقٌ بِهِما، وهو تَعْجِيبٌ إثْرَ تَعْجِيبٍ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما ارْتَكَبُوهُ مُتَضَمِّنٌ لِأمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ مُوجِبَيْنِ لِلتَّعْجِيبِ: ادِّعاؤُهُمُ الِاتِّصافَ بِما هم مُتَّصِفُونَ بِنَقِيضِهِ، وافْتِراؤُهم عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ ادِّعاءَهُمُ الزُّكاءَ عِنْدَهُ تَعالى مُتَضَمِّنٌ لِادِّعائِهِمْ قُرْبَ اللَّهِ وارْتِضاءَهُ إيّاهُمْ، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ولِكَوْنِ هَذا أشْنَعَ مِنَ الأوَّلِ جُرْمًا، وأعْظَمَ قُبْحًا لِما فِيهِ مِن نِسْبَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى ما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ مِن قَوْلِ الكُفْرِ وارْتِضائِهِ لِعِبادِهِ، ومَغْفِرَةِ كُفْرِ الكافِرِ وسائِرِ مَعاصِيهِ - وجَّهَ النَّظَرَ إلى كَيْفِيَّتِهِ تَشْدِيدًا لِلتَّشْنِيعِ وتَأْكِيدًا لِلتَّعْجِيبِ، والتَّصْرِيحُ بِالكَذِبِ - مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا - لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِهِمْ.

﴿وكَفى بِهِ﴾ أيْ: بِافْتِرائِهِمْ هَذا مِن حَيْثُ هو افْتِراءٌ عَلَيْهِ تَعالى مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُقارَنَتِهِ لِتَزْكِيَةِ أنْفُسِهِمْ وسائِرِ آثامِهِمُ العِظامِ ﴿إثْمًا مُبِينًا﴾ ظاهِرًا بَيِّنًا كَوْنُهُ إثْمًا، والمَعْنى: كَفى ذَلِكَ وحْدَهُ في كَوْنِهِمْ أشَدَّ إثْمًا مِن كُلِّ كَفّارٍ أثِيمٍ، أوْ في اسْتِحْقاقِهِمْ لِأشَدِّ العُقُوباتِ، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ اليَهُودِ نَوْعًا آخَرَ مِنَ المَكْرِ، وهو أنَّهم كانُوا يُفَضِّلُونَ عَبَدَةَ الأصْنامِ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ تَعَصُّبًا وعِنادًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.