Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 41–50 of 176

41

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍۢ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًۭا

So how [will it be] when We bring from every nation a witness and we bring you, [O Muhammad] against these [people] as a witness?

قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ هم في مَحَلِّ نَصْبٍ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ مُخْتالًا﴾ أوْ عَلى الذَّمِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مُقَدَّمٌ؛ أيْ: لَهم كَذا وكَذا مِنَ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ: ﴿مُخْتالًا فَخُورًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى تَقْدِيرِ أعْنِي، أوْ مَرْفُوعًا عَلى الخَبَرِ والمُبْتَدَأُ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: هُمُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ.

والبُخْلُ المَذْمُومُ في الشَّرْعِ هو الِامْتِناعُ مِن أداءِ ما أوْجَبَ اللَّهُ، وهَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ضَمُّوا إلى ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ البُخْلِ الَّذِي هو أشَرُّ خِصالِ الشَّرِّ ما هو أقْبَحُ مِنهُ وأدَلُّ عَلى سُقُوطِ نَفْسِ فاعِلِهِ، وبُلُوغِهِ في الرَّذالَةِ إلى غايَتِها، وهو أنَّهم مَعَ بُخْلِهِمْ بِأمْوالِهِمْ وكَتْمِهِمْ لِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن فَضْلِهِ ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ كَأنَّهم يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ مِن جُودِ غَيْرِهِمْ بِمالِهِ حَرَجًا ومَضاضَةً، فَلا كَثَّرَ في عِبادِهِ مِن أمْثالِكم، هَذِهِ أمْوالُكم قَدْ بَخِلْتُمْ بِها لِكَوْنِكم تَظُنُّونَ انْتِقاصَها بِإخْراجِ بَعْضِها في مَواضِعِهِ، فَما بالُكم بَخِلْتُمْ بِأمْوالِ غَيْرِكم ؟ مَعَ أنَّهُ لا يَلْحَقُكم في ذَلِكَ ضَرَرٌ، وهَلْ هَذا إلّا غايَةُ اللَّوْمِ ونِهايَةُ الحُمْقِ والرَّقاعَةِ وقُبْحِ الطِّباعِ وسُوءِ الِاخْتِيارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القِراءاتِ في البُخْلِ.

وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ اليَهُودُ فَإنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الِاخْتِيالِ والفَخْرِ والبُخْلِ بِالمالِ وكِتْمانِ ما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها المُنافِقُونَ، ولا يَخْفى أنَّ اللَّفْظَ أوْسَعُ مِن ذَلِكَ وأكْثَرُ شُمُولًا وأعَمُّ فائِدَةً. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الأوَّلِينَ قَدْ فَرَّطُوا بِالبُخْلِ وبِأمْرِ النّاسِ بِهِ وبِكَتْمِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وهَؤُلاءِ أفْرَطُوا بِبَذْلِ أمْوالِهِمْ في غَيْرِ مَواضِعِها لِمُجَرَّدِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ كَما يَفْعَلُهُ مَن يُرِيدُ أنْ يَتَسامَعَ النّاسُ بِأنَّهُ كَرِيمٌ، ويَتَطاوَلَ عَلى غَيْرِهِ بِذَلِكَ ويَشْمَخَ بِأنْفِهِ عَلَيْهِ، مَعَ ما ضُمَّ إلى هَذا الإنْفاقِ الَّذِي يَعُودُ عَلَيْهِ بِالضَّرَرِ مِن عَدَمِ الإيمانِ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ.

قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا﴾ في الكَلامِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ فَقَرِينُهُمُ الشَّيْطانُ ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ والقَرِينُ المُقارِنُ، وهو الصّاحِبُ والخَلِيلُ. والمَعْنى: مَن قَبِلَ الشَّيْطانَ في الدُّنْيا فَقَدْ قارَنَهُ فِيها، أوْ فَهو قَرِينُهُ في النّارِ فَساءَ الشَّيْطانُ قَرِينًا.

﴿وماذا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى هَذِهِ الطَّوائِفِ ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ ابْتِغاءً لِوَجْهِهِ وامْتِثالًا لِأمْرِهِ؛ أيْ: وماذا يَكُونُ عَلَيْهِمْ مِن ضَرَرٍ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ المِثْقالُ مِفْعالٌ مِنَ الثِّقَلِ كالمِقْدارِ مِنَ القَدْرِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا يَظْلِمُ شَيْئًا مِثْقالَ ذَرَّةٍ. والذَّرَّةُ واحِدَةُ الذَّرِّ. وهي النَّمْلُ الصِّغارُ، وقِيلَ: رَأْسُ …

42

يَوْمَئِذٍۢ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًۭا

That Day, those who disbelieved and disobeyed the Messenger will wish they could be covered by the earth. And they will not conceal from Allah a [single] statement.

قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ هم في مَحَلِّ نَصْبٍ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ مُخْتالًا﴾ أوْ عَلى الذَّمِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مُقَدَّمٌ؛ أيْ: لَهم كَذا وكَذا مِنَ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ: ﴿مُخْتالًا فَخُورًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى تَقْدِيرِ أعْنِي، أوْ مَرْفُوعًا عَلى الخَبَرِ والمُبْتَدَأُ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: هُمُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ.

والبُخْلُ المَذْمُومُ في الشَّرْعِ هو الِامْتِناعُ مِن أداءِ ما أوْجَبَ اللَّهُ، وهَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ضَمُّوا إلى ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ البُخْلِ الَّذِي هو أشَرُّ خِصالِ الشَّرِّ ما هو أقْبَحُ مِنهُ وأدَلُّ عَلى سُقُوطِ نَفْسِ فاعِلِهِ، وبُلُوغِهِ في الرَّذالَةِ إلى غايَتِها، وهو أنَّهم مَعَ بُخْلِهِمْ بِأمْوالِهِمْ وكَتْمِهِمْ لِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن فَضْلِهِ ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ كَأنَّهم يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ مِن جُودِ غَيْرِهِمْ بِمالِهِ حَرَجًا ومَضاضَةً، فَلا كَثَّرَ في عِبادِهِ مِن أمْثالِكم، هَذِهِ أمْوالُكم قَدْ بَخِلْتُمْ بِها لِكَوْنِكم تَظُنُّونَ انْتِقاصَها بِإخْراجِ بَعْضِها في مَواضِعِهِ، فَما بالُكم بَخِلْتُمْ بِأمْوالِ غَيْرِكم ؟ مَعَ أنَّهُ لا يَلْحَقُكم في ذَلِكَ ضَرَرٌ، وهَلْ هَذا إلّا غايَةُ اللَّوْمِ ونِهايَةُ الحُمْقِ والرَّقاعَةِ وقُبْحِ الطِّباعِ وسُوءِ الِاخْتِيارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القِراءاتِ في البُخْلِ.

وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ اليَهُودُ فَإنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الِاخْتِيالِ والفَخْرِ والبُخْلِ بِالمالِ وكِتْمانِ ما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها المُنافِقُونَ، ولا يَخْفى أنَّ اللَّفْظَ أوْسَعُ مِن ذَلِكَ وأكْثَرُ شُمُولًا وأعَمُّ فائِدَةً. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الأوَّلِينَ قَدْ فَرَّطُوا بِالبُخْلِ وبِأمْرِ النّاسِ بِهِ وبِكَتْمِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وهَؤُلاءِ أفْرَطُوا بِبَذْلِ أمْوالِهِمْ في غَيْرِ مَواضِعِها لِمُجَرَّدِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ كَما يَفْعَلُهُ مَن يُرِيدُ أنْ يَتَسامَعَ النّاسُ بِأنَّهُ كَرِيمٌ، ويَتَطاوَلَ عَلى غَيْرِهِ بِذَلِكَ ويَشْمَخَ بِأنْفِهِ عَلَيْهِ، مَعَ ما ضُمَّ إلى هَذا الإنْفاقِ الَّذِي يَعُودُ عَلَيْهِ بِالضَّرَرِ مِن عَدَمِ الإيمانِ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ.

قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا﴾ في الكَلامِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ فَقَرِينُهُمُ الشَّيْطانُ ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ والقَرِينُ المُقارِنُ، وهو الصّاحِبُ والخَلِيلُ. والمَعْنى: مَن قَبِلَ الشَّيْطانَ في الدُّنْيا فَقَدْ قارَنَهُ فِيها، أوْ فَهو قَرِينُهُ في النّارِ فَساءَ الشَّيْطانُ قَرِينًا.

﴿وماذا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى هَذِهِ الطَّوائِفِ ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ ابْتِغاءً لِوَجْهِهِ وامْتِثالًا لِأمْرِهِ؛ أيْ: وماذا يَكُونُ عَلَيْهِمْ مِن ضَرَرٍ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ المِثْقالُ مِفْعالٌ مِنَ الثِّقَلِ كالمِقْدارِ مِنَ القَدْرِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا يَظْلِمُ شَيْئًا مِثْقالَ ذَرَّةٍ. والذَّرَّةُ واحِدَةُ الذَّرِّ. وهي النَّمْلُ الصِّغارُ، وقِيلَ: رَأْسُ …

43

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا

O you who have believed, do not approach prayer while you are intoxicated until you know what you are saying or in a state of janabah, except those passing through [a place of prayer], until you have washed [your whole body]. And if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women and find no water, then seek clean earth and wipe over your faces and your hands [with it]. Indeed, Allah is ever Pardoning and Forgiving.

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ جَعَلَ الخِطابَ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقْرَبُونَ الصَّلاةَ حالَ السُّكْرِ، وأمّا الكُفّارُ فَهم لا يَقْرَبُونَها سُكارى ولا غَيْرَ سُكارى.

قَوْلُهُ: لا تَقْرَبُوا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: إذا قِيلَ: لا تَقْرَبْ بِفَتْحِ الرّاءِ مَعْناهُ لا تَتَلَبَّسْ بِالفِعْلِ، وإذا كانَ بِضَمِّ الرّاءِ كانَ مَعْناهُ: لا تَدْنُ مِنهُ. والمُرادُ هُنا: النَّهْيُ عَنِ التَّلَبُّسِ بِالصَّلاةِ وغِشْيانِها. وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ. وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مَواضِعُ الصَّلاةِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ: وعَلى هَذا فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ، ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ وقالَتْ طائِفَةٌ: المُرادُ الصَّلاةُ ومَواضِعُها مَعًا؛ لِأنَّهم كانُوا حِينَئِذٍ لا يَأْتُونَ المَسْجِدَ إلّا لِلصَّلاةِ، ولا يُصَلُّونَ إلّا مُجْتَمِعِينَ، فَكانا مُتَلازِمَيْنِ.

قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ سُكارى﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وسُكارى جَمْعُ سَكْرانَ، مِثْلُ كُسالى جَمْعُ كَسْلانَ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ " سَكْرى " بِفَتْحِ السِّينِ، وهو تَكْسِيرُ سَكْرانَ. وقَرَأ الأعْمَشُ " سُكْرى " كَحُبْلى، صِفَةٌ مُفْرَدَةٌ. وقَدْ ذَهَبَ العُلَماءُ كافَّةً إلى أنَّ المُرادَ بِالسُّكْرِ هُنا سُكْرُ الخَمْرِ، إلّا الضَّحّاكُ فَإنَّهُ قالَ: المُرادُ سُكْرُ النَّوْمِ. وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، وبِهِ يَنْدَفِعُ ما يُخالِفُ الصَّوابَ مِن هَذِهِ الأقْوالِ.

قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ هَذا غايَةُ النَّهْيِ عَنْ قُرْبانِ الصَّلاةِ في حالِ السُّكْرِ؛ أيْ: حَتّى يَزُولَ عَنْكم أثَرُ السُّكْرِ وتَعْلَمُوا ما تَقُولُونَهُ، فَإنَّ السَّكْرانَ لا يَعْلَمُ ما يَقُولُهُ وقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ طَلاقَ السَّكْرانِ لا يَقَعُ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَعْلَمْ ما يَقُولُهُ انْتَفى القَصْدُ. وبِهِ قالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وابْنُ عَبّاسٍ وطاوُسٌ وعَطاءٌ والقاسِمُ ورَبِيعَةُ، وهو قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وإسْحاقَ وأبِي ثَوْرٍ والمُزَنِيِّ، واخْتارَهُ الطَّحاوِيُّ وقالَ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ طَلاقَ المَعْتُوهِ لا يَجُوزُ، والسَّكْرانُ مَعْتُوهٌ كالمُوَسْوِسِ. وأجازَتْ طائِفَةٌ وُقُوعَ طَلاقِهِ وهو مَحْكِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ومُعاوِيَةَ وجَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ والثَّوْرِيِّ والأوْزاعِيِّ. واخْتَلَفَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ في ذَلِكَ. وقالَ مالِكٌ: يَلْزَمُهُ الطَّلاقُ والقَوَدُ في الجِراحِ والقَتْلِ ولا يَلْزَمُهُ النِّكاحُ والبَيْعُ.

قَوْلُهُ: ولا جُنُبًا عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ سُكارى﴾ والجُنُبُ لا يُؤَنَّثُ ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ؛ لِأنَّهُ مُلْحَقٌ بِالمَصْدَرِ كالبُعْدِ والقُرْبِ. قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: جَنُبَ الرَّجُلُ وأجْنَبَ مِنَ الجَنابَةِ، وقِيلَ: يُجْمَعُ الجُنُبُ في لُغَةٍ عَلى أجَنابٍ، مِثْلُ عُنُقٍ وأعْناقٍ، وطُنُبٍ وأطْنابٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ، أيْ: لا تَقْرَبُوها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ عُبُورِ السَّبِيلِ. والمُرادُ بِهِ هُنا السَّفَرُ، ويَكُونُ مَحَلُّ هَذا الِاسْتِثْناءِ المُفْرَّغِ النَّصْبَ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ لا تَقْرَبُوا بَعْدَ تَقْيِيدِهِ بِالحالِ الثّانِيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ولا جُنُبًا لا بِالحالِ الأُولى، وهي قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ سُكارى﴾ فَيَصِيرُ المَعْنى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ حالَ كَوْنِكم جُنُبًا إلّا حالَ السَّفَرِ، فَإنَّهُ يَجُوزُ لَكم أنْ تُصَلُّوا …

44

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, purchasing error [in exchange for it] and wishing you would lose the way?

قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ. والنَّصِيبُ: الحَظُّ، والمُرادُ اليَهُودُ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ التَّوْراةِ. وقَوْلُهُ: يَشْتَرُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والمُرادُ بِالِاشْتِراءِ الِاسْتِبْدالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ. والمَعْنى: أنَّ اليَهُودَ اسْتَبْدَلُوا الضَّلالَةَ، وهي البَقاءُ عَلى اليَهُودِيَّةِ بَعْدَ وُضُوحِ الحُجَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: يَشْتَرُونَ مُشارِكٌ لَهُ في بَيانِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ وضِعْفِ اخْتِيارِهِمْ؛ أيْ: لَمْ يَكْتَفُوا بِما جَنَوْهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنِ اسْتِبْدالِ الضَّلالَةِ بِالهُدى، بَلْ أرادُوا مَعَ ضَلالِهِمْ أنْ يَتَوَصَّلُوا بِكَتْمِهِمْ وجَحْدِهِمْ إلى أنْ تَضِلُّوا أنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ السَّبِيلَ المُسْتَقِيمَ الَّذِي هو سَبِيلُ الحَقِّ.

﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ وما يُرِيدُونَهُ بِكم مِنَ الإضْلالِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ لَكم ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُكم في مُواطِنِ الحَرْبِ، فاكْتَفُوا بِوِلايَتِهِ ونَصْرِهِ ولا تَتَوَلَّوْا غَيْرَهُ ولا تَسْتَنْصِرُوهُ، والباءُ في قَوْلِهِ: بِاللَّهِ في المَوْضِعَيْنِ زائِدَةٌ. قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنْ جُعِلَتْ مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلُ فَلا يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: نَصِيرًا وإنْ جُعِلَتْ مُنْقَطِعَةً، فَيَجُوزُ الوَقْفُ عَلى نَصِيرًا والتَّقْدِيرُ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ، ثُمَّ حُذِفَ، وهَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها لَمْ أيْثَمِ يَفْضُلُها في حَسَبٍ ومِيسَمِ

قالُوا: المَعْنى: لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها أحَدٌ يَفْضُلُها، ثُمَّ حُذِفَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَحْذُوفُ لَفْظُ مَن؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ هادَوْا مَن يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ مَن لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:

؎فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ

أيْ: مَن دَمْعُهُ، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ؛ لِأنَّ حَذْفَ المَوْصُولِ كَحَذْفِ بَعْضِ الكَلِمَةِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ . والتَّحْرِيفُ: الإمالَةُ والإزالَةُ؛ أيْ: يُمِيلُونَهُ ويُزِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ ويَجْعَلُونَ مَكانَهُ غَيْرَهُ، أوِ المُرادُ أنَّهم يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ وذَمَّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَفْعَلُونَهُ عِنادًا وبَغْيًا، وتَأْثِيرًا لِغَرَضِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ أيْ: سَمِعْنا قَوْلَكَ وعَصَيْنا أمْرَكَ ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أيِ: اسْمَعْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مُسْمَعٍ. وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: اسْمَعْ لا سَمِعْتَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا، أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ جَوابًا.

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في راعِنا. ومَعْنى ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ أنَّهم يَلْوُونَها عَنِ الحَقِّ؛ أيْ: يُمِيلُونَها إلى ما في قُلُوبِهِمْ، وأصْلُ اللَّيِّ: الفَتْلُ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لَيًّا؛ …

45

وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًۭا

And Allah is most knowing of your enemies; and sufficient is Allah as an ally, and sufficient is Allah as a helper.

قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ. والنَّصِيبُ: الحَظُّ، والمُرادُ اليَهُودُ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ التَّوْراةِ. وقَوْلُهُ: يَشْتَرُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والمُرادُ بِالِاشْتِراءِ الِاسْتِبْدالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ. والمَعْنى: أنَّ اليَهُودَ اسْتَبْدَلُوا الضَّلالَةَ، وهي البَقاءُ عَلى اليَهُودِيَّةِ بَعْدَ وُضُوحِ الحُجَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: يَشْتَرُونَ مُشارِكٌ لَهُ في بَيانِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ وضِعْفِ اخْتِيارِهِمْ؛ أيْ: لَمْ يَكْتَفُوا بِما جَنَوْهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنِ اسْتِبْدالِ الضَّلالَةِ بِالهُدى، بَلْ أرادُوا مَعَ ضَلالِهِمْ أنْ يَتَوَصَّلُوا بِكَتْمِهِمْ وجَحْدِهِمْ إلى أنْ تَضِلُّوا أنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ السَّبِيلَ المُسْتَقِيمَ الَّذِي هو سَبِيلُ الحَقِّ.

﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ وما يُرِيدُونَهُ بِكم مِنَ الإضْلالِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ لَكم ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُكم في مُواطِنِ الحَرْبِ، فاكْتَفُوا بِوِلايَتِهِ ونَصْرِهِ ولا تَتَوَلَّوْا غَيْرَهُ ولا تَسْتَنْصِرُوهُ، والباءُ في قَوْلِهِ: بِاللَّهِ في المَوْضِعَيْنِ زائِدَةٌ. قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنْ جُعِلَتْ مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلُ فَلا يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: نَصِيرًا وإنْ جُعِلَتْ مُنْقَطِعَةً، فَيَجُوزُ الوَقْفُ عَلى نَصِيرًا والتَّقْدِيرُ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ، ثُمَّ حُذِفَ، وهَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها لَمْ أيْثَمِ يَفْضُلُها في حَسَبٍ ومِيسَمِ

قالُوا: المَعْنى: لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها أحَدٌ يَفْضُلُها، ثُمَّ حُذِفَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَحْذُوفُ لَفْظُ مَن؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ هادَوْا مَن يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ مَن لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:

؎فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ

أيْ: مَن دَمْعُهُ، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ؛ لِأنَّ حَذْفَ المَوْصُولِ كَحَذْفِ بَعْضِ الكَلِمَةِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ . والتَّحْرِيفُ: الإمالَةُ والإزالَةُ؛ أيْ: يُمِيلُونَهُ ويُزِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ ويَجْعَلُونَ مَكانَهُ غَيْرَهُ، أوِ المُرادُ أنَّهم يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ وذَمَّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَفْعَلُونَهُ عِنادًا وبَغْيًا، وتَأْثِيرًا لِغَرَضِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ أيْ: سَمِعْنا قَوْلَكَ وعَصَيْنا أمْرَكَ ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أيِ: اسْمَعْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مُسْمَعٍ. وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: اسْمَعْ لا سَمِعْتَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا، أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ جَوابًا.

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في راعِنا. ومَعْنى ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ أنَّهم يَلْوُونَها عَنِ الحَقِّ؛ أيْ: يُمِيلُونَها إلى ما في قُلُوبِهِمْ، وأصْلُ اللَّيِّ: الفَتْلُ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لَيًّا؛ …

46

مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍۢ وَرَٰعِنَا لَيًّۢا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًۭا فِى ٱلدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا

Among the Jews are those who distort words from their [proper] usages and say, "We hear and disobey" and "Hear but be not heard" and "Ra'ina," twisting their tongues and defaming the religion. And if they had said [instead], "We hear and obey" and "Wait for us [to understand]," it would have been better for them and more suitable. But Allah has cursed them for their disbelief, so they believe not, except for a few.

قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ. والنَّصِيبُ: الحَظُّ، والمُرادُ اليَهُودُ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ التَّوْراةِ. وقَوْلُهُ: يَشْتَرُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والمُرادُ بِالِاشْتِراءِ الِاسْتِبْدالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ. والمَعْنى: أنَّ اليَهُودَ اسْتَبْدَلُوا الضَّلالَةَ، وهي البَقاءُ عَلى اليَهُودِيَّةِ بَعْدَ وُضُوحِ الحُجَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: يَشْتَرُونَ مُشارِكٌ لَهُ في بَيانِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ وضِعْفِ اخْتِيارِهِمْ؛ أيْ: لَمْ يَكْتَفُوا بِما جَنَوْهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنِ اسْتِبْدالِ الضَّلالَةِ بِالهُدى، بَلْ أرادُوا مَعَ ضَلالِهِمْ أنْ يَتَوَصَّلُوا بِكَتْمِهِمْ وجَحْدِهِمْ إلى أنْ تَضِلُّوا أنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ السَّبِيلَ المُسْتَقِيمَ الَّذِي هو سَبِيلُ الحَقِّ.

﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ وما يُرِيدُونَهُ بِكم مِنَ الإضْلالِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ لَكم ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُكم في مُواطِنِ الحَرْبِ، فاكْتَفُوا بِوِلايَتِهِ ونَصْرِهِ ولا تَتَوَلَّوْا غَيْرَهُ ولا تَسْتَنْصِرُوهُ، والباءُ في قَوْلِهِ: بِاللَّهِ في المَوْضِعَيْنِ زائِدَةٌ. قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنْ جُعِلَتْ مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلُ فَلا يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: نَصِيرًا وإنْ جُعِلَتْ مُنْقَطِعَةً، فَيَجُوزُ الوَقْفُ عَلى نَصِيرًا والتَّقْدِيرُ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ، ثُمَّ حُذِفَ، وهَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها لَمْ أيْثَمِ يَفْضُلُها في حَسَبٍ ومِيسَمِ

قالُوا: المَعْنى: لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها أحَدٌ يَفْضُلُها، ثُمَّ حُذِفَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَحْذُوفُ لَفْظُ مَن؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ هادَوْا مَن يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ مَن لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:

؎فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ

أيْ: مَن دَمْعُهُ، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ؛ لِأنَّ حَذْفَ المَوْصُولِ كَحَذْفِ بَعْضِ الكَلِمَةِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ . والتَّحْرِيفُ: الإمالَةُ والإزالَةُ؛ أيْ: يُمِيلُونَهُ ويُزِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ ويَجْعَلُونَ مَكانَهُ غَيْرَهُ، أوِ المُرادُ أنَّهم يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ وذَمَّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَفْعَلُونَهُ عِنادًا وبَغْيًا، وتَأْثِيرًا لِغَرَضِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ أيْ: سَمِعْنا قَوْلَكَ وعَصَيْنا أمْرَكَ ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أيِ: اسْمَعْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مُسْمَعٍ. وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: اسْمَعْ لا سَمِعْتَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا، أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ جَوابًا.

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في راعِنا. ومَعْنى ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ أنَّهم يَلْوُونَها عَنِ الحَقِّ؛ أيْ: يُمِيلُونَها إلى ما في قُلُوبِهِمْ، وأصْلُ اللَّيِّ: الفَتْلُ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لَيًّا؛ …

47

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ ءَامِنُوا۟ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًۭا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا

O you who were given the Scripture, believe in what We have sent down [to Muhammad], confirming that which is with you, before We obliterate faces and turn them toward their backs or curse them as We cursed the sabbath-breakers. And ever is the decree of Allah accomplished.

قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ. والنَّصِيبُ: الحَظُّ، والمُرادُ اليَهُودُ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ التَّوْراةِ. وقَوْلُهُ: يَشْتَرُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والمُرادُ بِالِاشْتِراءِ الِاسْتِبْدالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ. والمَعْنى: أنَّ اليَهُودَ اسْتَبْدَلُوا الضَّلالَةَ، وهي البَقاءُ عَلى اليَهُودِيَّةِ بَعْدَ وُضُوحِ الحُجَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: يَشْتَرُونَ مُشارِكٌ لَهُ في بَيانِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ وضِعْفِ اخْتِيارِهِمْ؛ أيْ: لَمْ يَكْتَفُوا بِما جَنَوْهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنِ اسْتِبْدالِ الضَّلالَةِ بِالهُدى، بَلْ أرادُوا مَعَ ضَلالِهِمْ أنْ يَتَوَصَّلُوا بِكَتْمِهِمْ وجَحْدِهِمْ إلى أنْ تَضِلُّوا أنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ السَّبِيلَ المُسْتَقِيمَ الَّذِي هو سَبِيلُ الحَقِّ.

﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ وما يُرِيدُونَهُ بِكم مِنَ الإضْلالِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ لَكم ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُكم في مُواطِنِ الحَرْبِ، فاكْتَفُوا بِوِلايَتِهِ ونَصْرِهِ ولا تَتَوَلَّوْا غَيْرَهُ ولا تَسْتَنْصِرُوهُ، والباءُ في قَوْلِهِ: بِاللَّهِ في المَوْضِعَيْنِ زائِدَةٌ. قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنْ جُعِلَتْ مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلُ فَلا يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: نَصِيرًا وإنْ جُعِلَتْ مُنْقَطِعَةً، فَيَجُوزُ الوَقْفُ عَلى نَصِيرًا والتَّقْدِيرُ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ، ثُمَّ حُذِفَ، وهَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها لَمْ أيْثَمِ يَفْضُلُها في حَسَبٍ ومِيسَمِ

قالُوا: المَعْنى: لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها أحَدٌ يَفْضُلُها، ثُمَّ حُذِفَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَحْذُوفُ لَفْظُ مَن؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ هادَوْا مَن يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ مَن لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:

؎فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ

أيْ: مَن دَمْعُهُ، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ؛ لِأنَّ حَذْفَ المَوْصُولِ كَحَذْفِ بَعْضِ الكَلِمَةِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ . والتَّحْرِيفُ: الإمالَةُ والإزالَةُ؛ أيْ: يُمِيلُونَهُ ويُزِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ ويَجْعَلُونَ مَكانَهُ غَيْرَهُ، أوِ المُرادُ أنَّهم يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ وذَمَّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَفْعَلُونَهُ عِنادًا وبَغْيًا، وتَأْثِيرًا لِغَرَضِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ أيْ: سَمِعْنا قَوْلَكَ وعَصَيْنا أمْرَكَ ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أيِ: اسْمَعْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مُسْمَعٍ. وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: اسْمَعْ لا سَمِعْتَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا، أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ جَوابًا.

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في راعِنا. ومَعْنى ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ أنَّهم يَلْوُونَها عَنِ الحَقِّ؛ أيْ: يُمِيلُونَها إلى ما في قُلُوبِهِمْ، وأصْلُ اللَّيِّ: الفَتْلُ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لَيًّا؛ …

48

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا

Indeed, Allah does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allah has certainly fabricated a tremendous sin.

قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ. والنَّصِيبُ: الحَظُّ، والمُرادُ اليَهُودُ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ التَّوْراةِ. وقَوْلُهُ: يَشْتَرُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والمُرادُ بِالِاشْتِراءِ الِاسْتِبْدالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ. والمَعْنى: أنَّ اليَهُودَ اسْتَبْدَلُوا الضَّلالَةَ، وهي البَقاءُ عَلى اليَهُودِيَّةِ بَعْدَ وُضُوحِ الحُجَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: يَشْتَرُونَ مُشارِكٌ لَهُ في بَيانِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ وضِعْفِ اخْتِيارِهِمْ؛ أيْ: لَمْ يَكْتَفُوا بِما جَنَوْهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنِ اسْتِبْدالِ الضَّلالَةِ بِالهُدى، بَلْ أرادُوا مَعَ ضَلالِهِمْ أنْ يَتَوَصَّلُوا بِكَتْمِهِمْ وجَحْدِهِمْ إلى أنْ تَضِلُّوا أنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ السَّبِيلَ المُسْتَقِيمَ الَّذِي هو سَبِيلُ الحَقِّ.

﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ وما يُرِيدُونَهُ بِكم مِنَ الإضْلالِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ لَكم ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُكم في مُواطِنِ الحَرْبِ، فاكْتَفُوا بِوِلايَتِهِ ونَصْرِهِ ولا تَتَوَلَّوْا غَيْرَهُ ولا تَسْتَنْصِرُوهُ، والباءُ في قَوْلِهِ: بِاللَّهِ في المَوْضِعَيْنِ زائِدَةٌ. قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنْ جُعِلَتْ مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلُ فَلا يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: نَصِيرًا وإنْ جُعِلَتْ مُنْقَطِعَةً، فَيَجُوزُ الوَقْفُ عَلى نَصِيرًا والتَّقْدِيرُ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ، ثُمَّ حُذِفَ، وهَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها لَمْ أيْثَمِ يَفْضُلُها في حَسَبٍ ومِيسَمِ

قالُوا: المَعْنى: لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها أحَدٌ يَفْضُلُها، ثُمَّ حُذِفَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَحْذُوفُ لَفْظُ مَن؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ هادَوْا مَن يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ مَن لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:

؎فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ

أيْ: مَن دَمْعُهُ، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ؛ لِأنَّ حَذْفَ المَوْصُولِ كَحَذْفِ بَعْضِ الكَلِمَةِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ . والتَّحْرِيفُ: الإمالَةُ والإزالَةُ؛ أيْ: يُمِيلُونَهُ ويُزِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ ويَجْعَلُونَ مَكانَهُ غَيْرَهُ، أوِ المُرادُ أنَّهم يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ وذَمَّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَفْعَلُونَهُ عِنادًا وبَغْيًا، وتَأْثِيرًا لِغَرَضِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ أيْ: سَمِعْنا قَوْلَكَ وعَصَيْنا أمْرَكَ ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أيِ: اسْمَعْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مُسْمَعٍ. وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: اسْمَعْ لا سَمِعْتَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا، أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ جَوابًا.

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في راعِنا. ومَعْنى ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ أنَّهم يَلْوُونَها عَنِ الحَقِّ؛ أيْ: يُمِيلُونَها إلى ما في قُلُوبِهِمْ، وأصْلُ اللَّيِّ: الفَتْلُ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لَيًّا؛ …

49

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا

Have you not seen those who claim themselves to be pure? Rather, Allah purifies whom He wills, and injustice is not done to them, [even] as much as a thread [inside a date seed].

قَوْلُهُ: ( ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم﴾ ) تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ. وقَدِ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في المَعْنى الَّذِي زَكَّوْا بِهِ أنْفُسَهم، فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: هو قَوْلُهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُهم لا ذُنُوبَ لَنا ونَحْنُ كالأطْفالِ، وقِيلَ: قَوْلُهم: إنَّ آباءَهم يَشْفَعُونَ لَهم، وقِيلَ: ثَناءُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ومَعْنى التَّزْكِيَةِ: التَّطْهِيرُ والتَّنْزِيهُ، فَلا يَبْعُدُ صِدْقُها عَلى جَمِيعِ هَذِهِ التَّفاسِيرِ وعَلى غَيْرِها، واللَّفْظُ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِحَقٍّ أوْ بِباطِلٍ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، ويَدْخُلُ في هَذا التَّلَقُّبُ بِالألْقابِ المُتَضَمِّنَةِ لِلتَّزْكِيَةِ كَمُحْيِي الدِّينِ وعِزِّ الدِّينِ ونَحْوِهِما.

قَوْلُهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ أيْ: ذَلِكَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَهو العالِمُ بِمَن يَسْتَحِقُّ التَّزْكِيَةَ مِن عِبادِهِ ومَن لا يَسْتَحِقُّها، فَلْيَدَعِ العِبادُ تَزْكِيَةَ أنْفُسِهِمْ ويُفَوِّضُوا أمْرَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ تَزْكِيَتَهم لِأنْفُسِهِمْ مُجَرَّدُ دَعاوى فاسِدَةٍ تُحْمَلُ عَلَيْها مَحَبَّةُ النَّفْسِ وطَلَبُ العُلُوِّ والتَّرَفُّعِ والتَّفاخُرِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] . قَوْلُهُ: ولا تُظْلَمُونَ أيْ هَؤُلاءِ المُزَكُّونَ لِأنْفُسِهِمْ فَتِيلًا وهو الخَيْطُ الَّذِي في نَواةِ التَّمْرِ، وقِيلَ: القِشْرَةُ الَّتِي حَوْلَ النَّواةِ، وقِيلَ: هو ما يَخْرُجُ بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ أوْ كَفَّيْكَ مِنَ الوَسَخِ إذا فَتَلْتَهُما، فَهو فَتِيلٌ بِمَعْنى مَفْتُولٍ، والمُرادُ هُنا: الكِنايَةُ عَنِ الشَّيْءِ الحَقِيرِ، ومِثْلُهُ ﴿ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] وهو النُّكْتَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ.

والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم يُعاقَبُونَ عَلى تَزْكِيَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ بِقَدْرِ هَذا الذَّنْبِ ولا يُظْلَمُونَ بِالزِّيادَةِ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى مَن يَشاءُ أيْ: لا يُظْلَمُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُزَكِّيهِمُ اللَّهُ فَتِيلًا مِمّا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ. ثُمَّ عَجِبَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن تَزْكِيَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ فَقالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ.

والِافْتِراءُ: الِاخْتِلاقُ، ومِنهُ افْتَرى فُلانٌ عَلى فُلانٍ؛ أيْ: رَماهُ بِما لَيْسَ فِيهِ، وفَرَيْتُ الشَّيْءَ: قَطَعْتُهُ، وفي قَوْلِهِ:﴿وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ مِن تَعْظِيمِ الذَّنْبِ وتَهْوِيلِهِ ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ بَعْدَ التَّعْجِيبِ الأوَّلِ وهُمُ اليَهُودُ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى الجِبْتِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ: الجِبْتُ: السّاحِرُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، والطّاغُوتُ: الكاهِنُ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ الجِبْتَ: السِّحْرُ، والطّاغُوتَ الشَّيْطانُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الجِبْتَ والطّاغُوتَ هاهُنا كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وقالَ قَتادَةُ: الجِبْتُ: الشَّيْطانُ، والطّاغُوتُ: الكاهِنُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّ الطّاغُوتَ: ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، والجِبْتُ: الشَّيْطانُ، وقِيلَ: هُما كَلُّ …

50

ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثْمًۭا مُّبِينًا

Look how they invent about Allah untruth, and sufficient is that as a manifest sin.

قَوْلُهُ: ( ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم﴾ ) تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ. وقَدِ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في المَعْنى الَّذِي زَكَّوْا بِهِ أنْفُسَهم، فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: هو قَوْلُهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُهم لا ذُنُوبَ لَنا ونَحْنُ كالأطْفالِ، وقِيلَ: قَوْلُهم: إنَّ آباءَهم يَشْفَعُونَ لَهم، وقِيلَ: ثَناءُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ومَعْنى التَّزْكِيَةِ: التَّطْهِيرُ والتَّنْزِيهُ، فَلا يَبْعُدُ صِدْقُها عَلى جَمِيعِ هَذِهِ التَّفاسِيرِ وعَلى غَيْرِها، واللَّفْظُ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِحَقٍّ أوْ بِباطِلٍ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، ويَدْخُلُ في هَذا التَّلَقُّبُ بِالألْقابِ المُتَضَمِّنَةِ لِلتَّزْكِيَةِ كَمُحْيِي الدِّينِ وعِزِّ الدِّينِ ونَحْوِهِما.

قَوْلُهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ أيْ: ذَلِكَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَهو العالِمُ بِمَن يَسْتَحِقُّ التَّزْكِيَةَ مِن عِبادِهِ ومَن لا يَسْتَحِقُّها، فَلْيَدَعِ العِبادُ تَزْكِيَةَ أنْفُسِهِمْ ويُفَوِّضُوا أمْرَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ تَزْكِيَتَهم لِأنْفُسِهِمْ مُجَرَّدُ دَعاوى فاسِدَةٍ تُحْمَلُ عَلَيْها مَحَبَّةُ النَّفْسِ وطَلَبُ العُلُوِّ والتَّرَفُّعِ والتَّفاخُرِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] . قَوْلُهُ: ولا تُظْلَمُونَ أيْ هَؤُلاءِ المُزَكُّونَ لِأنْفُسِهِمْ فَتِيلًا وهو الخَيْطُ الَّذِي في نَواةِ التَّمْرِ، وقِيلَ: القِشْرَةُ الَّتِي حَوْلَ النَّواةِ، وقِيلَ: هو ما يَخْرُجُ بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ أوْ كَفَّيْكَ مِنَ الوَسَخِ إذا فَتَلْتَهُما، فَهو فَتِيلٌ بِمَعْنى مَفْتُولٍ، والمُرادُ هُنا: الكِنايَةُ عَنِ الشَّيْءِ الحَقِيرِ، ومِثْلُهُ ﴿ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] وهو النُّكْتَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ.

والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم يُعاقَبُونَ عَلى تَزْكِيَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ بِقَدْرِ هَذا الذَّنْبِ ولا يُظْلَمُونَ بِالزِّيادَةِ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى مَن يَشاءُ أيْ: لا يُظْلَمُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُزَكِّيهِمُ اللَّهُ فَتِيلًا مِمّا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ. ثُمَّ عَجِبَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن تَزْكِيَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ فَقالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ.

والِافْتِراءُ: الِاخْتِلاقُ، ومِنهُ افْتَرى فُلانٌ عَلى فُلانٍ؛ أيْ: رَماهُ بِما لَيْسَ فِيهِ، وفَرَيْتُ الشَّيْءَ: قَطَعْتُهُ، وفي قَوْلِهِ:﴿وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ مِن تَعْظِيمِ الذَّنْبِ وتَهْوِيلِهِ ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ بَعْدَ التَّعْجِيبِ الأوَّلِ وهُمُ اليَهُودُ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى الجِبْتِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ: الجِبْتُ: السّاحِرُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، والطّاغُوتُ: الكاهِنُ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ الجِبْتَ: السِّحْرُ، والطّاغُوتَ الشَّيْطانُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الجِبْتَ والطّاغُوتَ هاهُنا كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وقالَ قَتادَةُ: الجِبْتُ: الشَّيْطانُ، والطّاغُوتُ: الكاهِنُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّ الطّاغُوتَ: ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، والجِبْتُ: الشَّيْطانُ، وقِيلَ: هُما كَلُّ …

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.