Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 1–10 of 176

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا

O mankind, fear your Lord, who created you from one soul and created from it its mate and dispersed from both of them many men and women. And fear Allah, through whom you ask one another, and the wombs. Indeed Allah is ever, over you, an Observer.

٤ - سُورَةُ النِّساءِ

﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها وبَثَّ مِنهُما رِجالا كَثِيرًا ونِساءً واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا﴾

اخْتَلَفُوا في نُزُولِها عَلى قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ عَطاءُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ. وقِيلَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ إلّا آيَةً نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ حِينَ أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ مَفاتِيحَ الكَعْبَةِ، فَيُسَلِّمَها إلى العَبّاسِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِمَعْنى: الخَشْيَةُ. قالَهُ مُقاتِلٌ. .

والنَّفْسُ الواحِدَةُ: آدَمُ، وزَوْجُها حَوّاءُ، و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقَ مِنها﴾ لِلتَّبْعِيضِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: مِنها، أيْ: مِن جِنْسِها.

واخْتَلَفُوا أيُّ وقْتٍ خُلِقَتْ لَهُ، عَلى قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّها خُلِقَتْ بَعْدَ دُخُولِهِ الجَنَّةَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: قَبْلَ دُخُولِهِ الجَنَّةَ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ، ووَهْبٌ، وابْنُ إسْحاقَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ، ألْقى عَلَيْهِ النَّوْمَ، فَخَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِهِ اليُسْرى، فَلَمْ تُؤْذِهِ بِشَيْءٍ، ولَوْ وجَدَ الأذى ما عَطَفَ عَلَيْها أبَدًا، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ؛ قِيلَ: يا آدَمَ ما هَذِهِ؟ قالَ: حَوّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَثَّ مِنهُما﴾ قالَ الفَرّاءُ: بَثَّ: نَشَرَ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: أبَثَّ اللَّهُ الخَلْقَ، ويَقُولُونَ: بَثَثْتُكَ ما في نَفْسِي، وأبْثَثْتُكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والبُرْجُمِيُّ، عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ. واليَزِيدِيُّ، وشُجاعٌ، والجَعْفِيُّ، وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( تَسّاءَلُونَ) بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وكَثِيرٌ مِن أصْحابِ أبِي عَمْرٍو عَنْهُ بِالتَّخْفِيفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ: تَتَساءَلُونَ، فَمَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ. أدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، لِقُرْبِ مَكانِ هَذِهِ مِن هَذِهِ، ومَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ، حَذَفَ التّاءَ الثّانِيَةَ لِاجْتِماعِ التّاءَيْنِ.

وَفِي مَعْنى "تُساءَلُونَ بِهِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَتَعاطَفُونَ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: تَتَعاقَدُونَ، وتَتَعاهَدُونَ بِهِ. قالَهُ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ.

والثّالِثُ: تَطْلُبُونَ حُقُوقَكم بِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

فَأمّا قَوْلُهُ: "والأرْحامَ" فالجُمْهُورُ عَلى نَصْبِ المِيمِ عَلى مَعْنى: واتَّقُوا الأرْحامَ أنْ تَقْطَعُوها، وفَسَّرَها عَلى هَذا ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِخَفْضِ المِيمِ عَلى مَعْنى: تُساءَلُونَ بِهِ وبِالأرْحامِ، وفَسَّرَها عَلى هَذا الحَسَنُ، وعَطاءُ، والنَّخَعِيُّ.

وَقالَ الزَّجّاجُ: الخَفْضُ في "الأرْحامِ" خَطَأٌ في العَرَبِيَّةِ لا يَجُوزُ إلّا في اضْطِرارِ الشِّعْرِ، وخَطَأٌ في الدِّينِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « "لا تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ"» وذَهَبَ إلى نَحْوِ هَذا الفَرّاءُ، وقالَ …

2

وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبًۭا كَبِيرًۭا

And give to the orphans their properties and do not substitute the defective [of your own] for the good [of theirs]. And do not consume their properties into your own. Indeed, that is ever a great sin.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ رَجُلًا مِن غَطْفانَ كانَ مَعَهُ مالٌ كَثِيرٌ لِابْنِ أخٍ لَهُ يَتِيمٌ، فَلَمّا بَلَغَ، طَلَبَ مالَهُ فَمَنَعَهُ، فَخاصَمَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ،» قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا﴾ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما سُمُّوا يَتامى بَعْدَ البُلُوغِ، بِالِاسْمِ الَّذِي كانَ لَهم، وقَدْ كانَ يُقالُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَتِيمُ أبِي طالِبٍ.

قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "تَبَدَّلُوا" بِتاءٍ واحِدَةٍ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إبْدالُ حَقِيقَةٍ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أخْذُ الجِيدِ، وإعْطاءُ الرَّدِيءِ مَكانَهُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، والضَّحّاكُ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، والسُّدِّيُّ. قالَ السُّدِّيُّ: كانَ أحَدُهم يَأْخُذُ الشّاةَ السَّمِينَةَ مِن غَنَمِ اليَتِيمِ، ويَجْعَلُ مَكانَها المَهْزُولَةَ، ويَأْخُذُ الدَّراهِمَ الجِيادَ، ويَطْرَحُ مَكانَها الزُّيُوفَ.

والثّانِي: أنَّهُ الرِّبْحُ عَلى اليَتِيمِ، واليَتِيمُ غِرٌّ لا عِلْمَ لَهُ، قالَهُ عَطاءُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ بِإبْدالِ حَقِيقَةٍ، وإنَّما هو أخَذَهُ مُسْتَهْلِكًا، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا لا يُورِّثُونَ النِّساءَ والصِّغارَ، وإنَّما يَأْخُذُ المِيراثَ الأكابِرُ مِنَ الرِّجالِ، فَنَصِيبُ الرَّجُلِ مِنَ المِيراثِ طَيِّبٌ، وما أخَذَهُ مِن حَقِّ اليَتِيمِ خَبِيثٌ، هَذا قَوْلُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ أكَلَ مالَ اليَتِيمِ بَدَلًا مِن أكْلِ أمْوالِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

و"إلى" بِمَعْنى: "مَعَ" والحُوبُ: الإثْمُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ، بِفَتْحِ الحاءِ.

قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: حُوبٌ بِالضَّمِّ، وتَمِيمٌ يَقُولُونَهُ بِالفَتْحِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقالَ الفَرّاءُ: المَضْمُومُ الِاسْمُ، والمَفْتُوحُ المَصْدَرُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وفِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: حَوْبٌ، وحُوبٌ، وحابٌ.

3

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟

And if you fear that you will not deal justly with the orphan girls, then marry those that please you of [other] women, two or three or four. But if you fear that you will not be just, then [marry only] one or those your right hand possesses. That is more suitable that you may not incline [to injustice].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ اخْتَلَفُوا في تَنْزِيلِها، وتَأْوِيلِها عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ القَوْمَ كانُوا يَتَزَوَّجُونَ عَدَدًا كَثِيرًا مِنَ النِّساءِ في الجاهِلِيَّةِ، ولا يَتَحَرَّجُونَ مِن تَرْكِ العَدْلَ بَيْنَهُنَّ، وكانُوا يَتَحَرَّجُونَ في شَأْنِ اليَتامى، فَقِيلَ لَهُمْ: بِهَذِهِ الآيَةِ: احْذَرُوا مَن تَرْكِ العَدْلِ بَيْنَ النِّساءِ، كَما تَحْذَرُونَ مَن تَرْكِهِ في اليَتامى، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنَّ أوْلِياءَ اليَتامى كانُوا يَتَزَوَّجُونَ النِّساءَ بِأمْوالِ اليَتامى، فَلَمّا كَثُرَ النِّساءُ، مالُوا عَلى أمْوالِ اليَتامى، فَقَصَرُوا عَلى الأرْبَعِ حِفْظًا لِأمْوالِ اليَتامى.

وَهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وعِكْرِمَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْناها: وإنْ خِفْتُمْ يا أوْلِياءَ اليَتامى أنْ لا تَعْدِلُوا في صَدَقاتِ اليَتامى إذا نَكَحْتُمُوهُنَّ، فانْكِحُوا سِواهُنَّ مِنَ الغَرائِبِ اللَّواتِي أحَلَّ اللَّهُ لَكم، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ عائِشَةَ.

والرّابِعُ: أنَّ مَعْناها: وإنْ خِفْتُمْ يا أوْلِياءَ اليَتامى أنْ لا تَعْدِلُوا في نِكاحِهِنَّ، وحَذِرْتُمْ سُوءَ الصُّحْبَةِ لَهُنَّ، وقِلَّةَ الرَّغْبَةِ فِيهِنَّ، فانْكِحُوا غَيْرَهُنَّ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ عائِشَةَ أيْضًا، والحَسَنِ.

والخامِسُ: أنَّهم كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن وِلايَةِ اليَتامى، فَأُمِرُوا بِالتَّحَرُّجِ مِنَ الزِّنى أيْضًا، ونُدِبُوا إلى النِّكاحِ الحَلّالِ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ.

والسّادِسُ: أنَّهم تَحَرَّجُوا مِن نِكاحِ اليَتامى، كَما تَحَرَّجُوا مِن أمْوالِهِمْ، فَرَخَّصَ اللَّهُ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ، وقَصَرَهم عَلى عَدَدٍ يُمْكِنُ العَدْلُ فِيهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: وإنْ خِفْتُمْ يا أوْلِياءَ اليَتامى أنْ لا تَعْدِلُوا فِيهِنَّ، فانْكِحُوهُنَّ، ولا تَزِيدُوا عَلى أرْبَعٍ لِتَعْدِلُوا، فَإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تَعْدِلُوا فِيهِنَّ، فَواحِدَةٌ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى قَوْلِهِ: وإنْ خِفْتُمْ، أيْ: [فَإنْ] عَلِمْتُمْ أنَّكم لا تَعْدِلُونَ، [بَيْنَ اليَتامى] يُقالُ: أقْسَطَ الرَّجُلُ: إذا عَدَلَ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ « "المُقْسِطُونَ في الدُّنْيا عَلى مَنابِرَ مِن لُؤْلُؤٍ يَوْمَ القِيامَةِ"» ويُقالُ: قَسَطَ الرَّجُلُ: إذا جارَ ومِنهُ قَوْلُ اللَّهِ" ﴿وَأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وفي مَعْنى العَدْلِ في اليَتامى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: في نِكاحِ اليَتامى، والثّانِي: في أمْوالِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ أيْ: ما حَلَّ لَكم.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ "ما طابَ لَكُمْ" ﴾، الفِعْلَ دُونَ أعْيانِ النِّساءِ، ولِذَلِكَ قالَ: "ما" ولَمْ يَقِلْ: "مِن" واخْتَلَفُوا: هَلِ النِّكاحُ مِنَ اليَتامى، أوْ مَن غَيْرِهِنَّ؟ عَلى قَوْلَيْنِ قَدْ سَبَقا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾

قالَ الزَّجّاجُ: هو بَدَلٌ مِن "ما طابَ لَكُمْ" ومَعْناهُ: اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وثَلاثًا ثَلاثًا، وأرْبَعًا أرْبَعًا، وإنَّما خاطَبَ اللَّهُ العَرَبَ بِأفْصَحِ اللُّغاتِ، ولَيْسَ مِن شَأْنِ البَلِيغِ أنْ يُعَبِّرَ في العَدَدِ عَنِ التِّسْعَةِ بِاثْنَتَيْنِ، وثَلاثٍ، وأرْبَعٍ، لِأنَّ التِّسْعَةَ قَدْ وُضِعَتْ لِهَذا العَدَدِ، فَيَكُونُ عِيًّا في الكَلامِ.

وَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذِهِ الواوُ مَعْناها التَّفَرُّقُ، ولَيْسَتْ جامِعَةً، فالمَعْنى: فانْكِحُوا ما طابَ لَكم …

4

وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةًۭ ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍۢ مِّنْهُ نَفْسًۭا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًۭٔا مَّرِيٓـًۭٔا

And give the women [upon marriage] their [bridal] gifts graciously. But if they give up willingly to you anything of it, then take it in satisfaction and ease.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن خُوطِبَ بِهَذا عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأزْواجُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، واحْتَجُّوا بِأنَّ الخِطابَ لِلنّاكِحِينَ قَدْ تَقَدَّمَ، وهَذا مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ بِلا مَهْرٍ، فَيَقُولُ: أرِثُكِ وتَرِثِينِي، فَتَقُولُ المَرْأةُ: نَعَمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. والثّانِي: أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى الأوْلِياءِ ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ. .

أحَدُهُما: أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا زَوَّجَ أيِّمَةً جازَ صِداقَها دُونَها، فَنُهُوا بِهَذِهِ الآَيَةِ، هَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّ الرَّجُلَ كانَ يُعْطِي الرَّجُلَ أُخْتَهُ ويَأْخُذُ أُخْتَهُ مَكانَها مِن غَيْرِ مَهْرٍ، فَنُهُوا عَنْ هَذا بِهَذِهِ الآَيَةِ، رَواهُ أبُو سُلَيْمانَ التَّيْمِيُّ عَنْ بَعْضِ أشْياخِهِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والصَّدُقاتُ: المُهُورُ، وأحَدُها: صَدُقَةٌ. وفي قَوْلِهِ: ﴿نِحْلَةً﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى: الفَرِيضَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّها الهِبَةُ والعَطِيَّةُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ لا تُعْطِي النِّساءَ شَيْئًا مِن مُهُورِهِنَّ، فَلَمّا فَرَضَ اللَّهُ لَهُنَّ المَهْرَ، كانَ نِحْلَةً مِنَ اللَّهِ، أيْ: هِبَةً لِلنِّساءِ، فَرْضًا عَلى الرِّجالِ.

وَقالَ الزَّجّاجُ: هو هِبَةٌ مِنَ اللَّهِ لِلنِّساءِ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَ المَهْرُ نِحْلَةً، لِأنَّ الزَّوْجَ لا يَمْلِكُ بَدَلَهُ شَيْئًا، لِأنَّ البُضْعَ بَعْدَ النِّكاحِ في مِلْكِ المَرْأةِ، ألا تَرى أنَّها لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، كانَ المَهْرُ لَها دُونَ الزَّوْجِ، وإنَّما الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الزَّوْجُ الِاسْتِباحَةَ، لا المِلْكَ.

وَأنَّها العَطِيَّةُ بِطِيبِ نَفْسٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تُعْطُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ وأنْتُمْ كارِهُونَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى "النِّحْلَةُ" الدِّيانَةُ، فَتَقْدِيرُهُ: وآتَوْهُنَّ صَدُقاتِهِنَّ دِيانَةً، يُقالُ: فُلانٌ يَنْتَحِلُ كَذا، أيْ: يَدِينُ بِهِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكُمْ﴾ يَعْنِي: النِّساءُ المَنكُوحاتُ. وفي "لَكُمْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَعْنِي: الأزْواجُ.

والثّانِي: الأوْلِياءُ. و"الهاءُ" في "مِنهُ" كِنايَةٌ عَنِ الصَّداقِ، قالَ الزَّجّاجُ: و"مِنهُ" هاهُنا: لِلْجِنْسِ، كَقَوْلِهِ ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ مَعْناهُ: فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو وثَنٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلُوا الشَّيْءَ الَّذِي هو مَهْرٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَسْألَ الرَّجُلُ المَهْرَ كُلَّهُ. و"نَفْسًا": مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.

فالمَعْنى: فَإنْ طابَتْ أنْفُسُهُنَّ لَكم بِذَلِكَ، فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا، وفي الهَنِيءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ ما تُؤْمَنُ عاقِبَتُهُ. والثّانِي: ما أعْقَبَ نَفْعًا وشِفاءً.

والثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي لا يُنَغِّصُهُ شَيْءٌ. وأمّا "المَرِيءُ" فَيُقالُ: مَرِئَ الطَّعامُ: إذا انْهَضَمَ، وحُمِدَتْ عاقِبَتُهُ.

5

وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰمًۭا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا

And do not give the weak-minded your property, which Allah has made a means of sustenance for you, but provide for them with it and clothe them and speak to them words of appropriate kindness.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾ المُرادُ بِالسُّفَهاءِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ النِّساءُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

والثّانِي: النِّساءُ والصِّبْيانُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. وعَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: الأوْلادُ، قالَهُ أبُو مالِكٍ. وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، قالَ: هُمُ الأوْلادُ الصِّغارُ.

والرّابِعُ: اليَتامى، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآَيَةِ: ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَهم، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿وارْزُقُوهم فِيها﴾ وَإنَّما قالَ: "أمْوالَكُمْ" ذِكْرًا لِلْجِنْسِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أمْوالًا لِلنّاسِ. وقالَ غَيْرُهُ: أضافَها إلى الوُلاةِ، لِأنَّهم قِوامُها.

والخامِسُ: أنَّ القَوْلَ عَلى إطْلاقِهِ، والمُرادُ بِهِ كُلُّ سَفِيهٍ يَسْتَحِقُّ الحَجْرَ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وغَيْرُهُما، وهو ظاهِرُ الآَيَةِ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿أمْوالَكُمُ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ أمْوالُ اليَتامى. والثّانِي: أمْوالُ السُّفَهاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ قَرَأ الحَسَنُ: " اللّاتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِوامًا" . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو: "قِيامًا" بِالياِءِ مَعَ الألِفِ هاهُنا، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "قَيِّمًا" بِغَيْرِ ألِفٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قِيامًا وقِوامًا بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، تَقُولُ: هَذا قِوامُ أمْرِكَ وقِيامُهُ، أيْ: ما يَقُومُ بِهِ [أمْرُكَ] . وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أنَّ "قِوامًا" و"قِيامًا" و"قَيِّمًا"، بِمَعْنى: القَوّامُ الَّذِي يُقِيمُ الشَّأْنَ، قالَ: ولَيْسَ قَوْلُ مَن قالَ: "القِيَمَ" هاهُنا: جَمَعَ: "قِيمَةٍ" بِشَيْءٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وارْزُقُوهم فِيها﴾ أيْ: مِنها. وفي "القَوْلِ المَعْرُوفِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: العُدَّةُ الحَسَنَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: الرَّدُّ الجَمِيلُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: الدُّعاءُ، كَقَوْلِكَ: عافاكَ اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

6

وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًۭا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًۭا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا۟ ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّۭا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًۭا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًۭا

And test the orphans [in their abilities] until they reach marriageable age. Then if you perceive in them sound judgement, release their property to them. And do not consume it excessively and quickly, [anticipating] that they will grow up. And whoever, [when acting as guardian], is self-sufficient should refrain [from taking a fee]; and whoever is poor - let him take according to what is acceptable. Then when you release their property to them, bring witnesses upon them. And sufficient is Allah as Accountant.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ رَجُلًا، يُقالُ لَهُ: رِفاعَةُ، ماتَ وتَرَكَ ولَدًا صَغِيرًا، يُقالُ لَهُ: ثابِتٌ، فَوَلِيَهُ عَمُّهُ، فَجاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: إنَّ ابْنَ أخِي يَتِيمٌ في حِجْرِي، فَما يَحِلُّ لِي مِن مالِهِ؟ ومَتى أدْفَعُ إلَيْهِ مالَهُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، ذَكَرَ نَحْوَهُ مُقاتِلٌ. والِابْتِلاءُ: الِاخْتِبارُ. وبِماذا يُخْتَبَرُونَ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم يُخْتَبَرُونَ في عُقُولِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وسُفْيانُ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: يُخْتَبَرُونَ في عُقُولِهِمْ ودِينِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: في عُقُولِهِمْ ودِينِهِمْ، وحِفْظِهِمْ أمْوالَهم، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا الِابْتِلاءُ قَبْلَ البُلُوغِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بَلَغُوا أنْ يَنْكِحُوا النِّساءَ ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ﴾ أيْ: عَلِمْتُمْ، وتَبَيَّنْتُمْ. وأصْلُ: أنَسَتْ: أبْصَرَتْ. وفي الرُّشْدِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الصَّلاحُ في الدِّينِ، وحِفْظُ المالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

والثّانِي: الصَّلاحُ في العَقْلِ، وحِفْظِ المالِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ العَقْلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والنَّخْعِيُّ. والرّابِعُ: العَقْلُ، والصَّلاحُ في الدِّينِ، رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ.

فَصْلٌ

واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلَّقَ رَفْعَ الحَجْرِ عَنِ اليَتامى بِأمْرَيْنِ؛ بِالبُلُوغِ والرُّشْدِ، وأمَرَ الأوْلِياءَ بِاخْتِبارِهِمْ، فَإذا اسْتَبانُوا رُشْدَهم، وجَبَ عَلَيْهِمْ تَسْلِيمُ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ.

والبُلُوغُ يَكُونُ بِأحَدِ خَمْسَةِ أشْياءَ، ثَلاثَةٌ يَشْتَرِكُ فِيها الرِّجالُ والنِّساءُ؛ الِاحْتِلامُ، واسْتِكْمالُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، والإنْباتُ، وشَيْئانِ يُخْتَصّانِ بِالنِّساءِ الحَيْضُ والحَمْلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوها إسْرافًا﴾ خِطابٌ لِلْأوْلِياءِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَأْكُلُوها بِغَيْرِ حَقٍّ. و"بِدارًا": تُبادِرُونَ أكْلَ المالِ قَبْلَ بُلُوغِ الصَّبِيِّ ﴿وَمَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ بِمالِهِ عَنْ مالِ اليَتِيمِ. وفي الأكْلِ بِالمَعْرُوفِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الأخْذُ عَلى وجْهِ القَرْضِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي العالِيَةِ، وعُبَيْدَةَ، وأبِي وائِلٍ، ومُجاهِدٍ، ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: الأكْلُ بِمِقْدارِ الحاجَةِ مِن غَيْرِ إسْرافٍ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، والنَّخْعِيِّ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الأخْذُ بِقَدْرِ الأُجْرَةِ إذا عَمِلَ لِلْيَتِيمِ عَمَلًا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ، وهي رِوايَةُ أبِي طالِبٍ، وابْنِ مَنصُورٍ، عَنْ أحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الأخْذُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَإنَّ أيْسَرَ قَضاهُ، وإنْ لَمْ يُوسِرْ، فَهو في حِلٍّ، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ.

* فَصْلٌ

واخْتَلَفَ العُلَماءُ هَلْ هَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ؟ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدِهِما: مَحْكَمَةٌ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والنَّخْعِيِّ، وقَتادَةَ في آَخَرِينَ. وحُكْمُها عِنْدَهم أنَّ الغَنِيَّ لَيْسَ لَهُ أنْ يَأْكُلَ مِن مالِ اليَتِيمِ شَيْئًا، فَأمّا الفَقِيرُ الَّذِي لا يَجِدُ ما يَكْفِيهِ، وتَشْغَلُهُ رِعايَةُ مالِ اليَتِيمِ عَنْ تَحْصِيلِ الكِفايَةِ، فَلَهُ …

7

لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا

For men is a share of what the parents and close relatives leave, and for women is a share of what the parents and close relatives leave, be it little or much - an obligatory share.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ أوْسَ بْنَ ثابِتٍ الأنْصارِيَّ تُوُفِّيَ وتَرَكَ ثَلاثَ بَناتٍ وامْرَأةٍ، فَقامَ رَجُلانِ مِن بَنِي عَمِّهِ، يُقالُ لَهُما: قَتادَةُ، وعُرْفُطَةُ فَأخَذا مالَهُ، ولَمْ يُعْطِيا امْرَأتَهُ، ولا بَناتَهُ شَيْئًا، فَجاءَتِ امْرَأتُهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، وشَكَتِ الفَقْرَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

والمُرادُ بِالرِّجالِ: الذُّكُورُ، وبِالنِّساءِ: الإناثُ، صِغارًا كانُوا أوْ كِبارًا.

و"النَّصِيبُ": الحَظُّ مِنَ الشَّيْءِ، وهو مُجْمَلٌ في هَذِهِ الآَيَةِ، ومِقْدارُهُ مَعْلُومٌ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنْعامِ: ١٤١] وقَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣] والمَفْرُوضُ: الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ، وهو آَكَدُ مِنَ الواجِبِ.

8

وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُو۟لُوا۟ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا

And when [other] relatives and orphans and the needy are present at the [time of] division, then provide for them [something] out of the estate and speak to them words of appropriate kindness.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى﴾ في هَذِهِ القِسْمَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قِسْمَةُ المِيراثِ بَعْدَ مَوْتِ المَوْرُوثِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الخِطابُ لِلْوارِثِينَ، وبِهَذا قالَ الأكْثَرُونَ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ.

والثّانِي: أنَّها وصِيَّةُ المَيِّتِ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِأنْ يُعِيِّنَ لِمَن لا يَرِثُهُ شَيْئًا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِأُولِي القُرْبى: الَّذِينَ لا يَرِثُونَ، ﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ أيْ: أعْطَوْهم مِنهُ، وقِيلَ: أطْعِمُوهم، وهَذا عَلى الِاسْتِحْبابِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ واجِبٌ في المالِ، فَإنْ كانَ الوَرَثَةُ كِبارًا، تَوَلَّوْا إعْطاءَهم، وإنْ كانُوا صِغارًا، تَوَلّى ذَلِكَ عَنْهم ولِيُّ مالِهِمْ، فَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدَةَ أنَّهُ قَسَّمَ مالَ أيْتامٍ، فَأمَرَ بِشاةٍ، فاشْتُرِيَتْ مِن مالِهِمْ، وبِطَعامٍ فَصَنَعَ، وقالَ: لَوْلا هَذِهِ الآَيَةُ لَأحْبَبْتُ أنْ يَكُونَ مِن مالِي وكَذَلِكَ فَعَلَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ في أيْتامِ ولِيِّهِمْ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآَيَةُ واجِبٌ.

وَفِي "القَوْلِ المَعْرُوفِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنْ يَقُولَ: لَهُمُ الوَلِيُّ حِينَ يُعْطِيهِمْ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ فِيكَ، رَواهُ سالِمٌ الأفْطَسُ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ. والثّانِي: أنْ يَقُولَ: الوَلِيُّ: إنَّهُ مالُ يَتامى، ومالِي فِيهِ شَيْءٌ، رَواهُ أبُو بِشْرٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: إنْ كانَ المَيِّتُ أوْصى لَهم بِشَيْءٍ أنْفَذْتُ لَهم وصِيَّتَهم، وإنْ كانَ الوَرَثَةُ كِبارًا رَضَخُوا لَهم، وإنْ كانُوا صِغارًا، قالَ ولِيُّهُمْ: إنِّي لَسْتُ أمْلِكُ هَذا المالَ، إنَّما هو لِلصِّغارِ، فَذَلِكَ القَوْلُ المَعْرُوفُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ العُدَّةُ الحَسَنَةُ، وهو أنْ يَقُولَ: لَهم أوْلِياءُ الوَرَثَةِ: إنَّ هَؤُلاءِ الوَرَثَةَ صِغارٌ، فَإذا بَلَغُوا، أمَرْناهم أنْ يَعْرِفُوا حَقَّكم، رَواهُ عَطاءُ بْنُ دِينارٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: أنَّهم يُعْطَوْنَ مِنَ المالِ، ويُقالُ لَهم عِنْدَ قِسْمَةِ الأرَضِينَ والرَّقِيقِ: بُورِكَ فِيكم، وهَذا القَوْلُ المَعْرُوفُ. قالَ الحَسَنُ والنَّخْعِيُّ: أدْرَكْنا النّاسَ يَفْعَلُونَ هَذا.

فَصْلٌ

اخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآَيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها مَحْكَمَةٌ، وهو قَوْلُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وأبِي العالِيَةِ، والشَّعْبِيِّ، وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، والنَّخْعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الأمْرِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، وواجِبٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ نَسَخَها قَوْلُهُ: "يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ" رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ في آخَرِينَ.

9

وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةًۭ ضِعَٰفًا خَافُوا۟ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًا

And let those [executors and guardians] fear [injustice] as if they [themselves] had left weak offspring behind and feared for them. So let them fear Allah and speak words of appropriate justice.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا﴾ اخْتَلَفُوا في المُخاطَبِ بِهَذِهِ الآَيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ خِطابٌ لِلْحاضِرِينَ عِنْدَ المُوصِي، وفي مَعْنى الآَيَةِ: عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلانِ. . أحَدُهُما: ولْيَخْشَ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ مُوصِيًا في مالِهِ أنْ يَأْمُرُوهُ بِتَفْرِيقِهِ فِيمَن لا يَرِثُهُ، فَيُفَرِّقُهُ، ويَتْرُكُ ورَثَتَهُ، كَما لَوْ كانُوا هُمُ المُوصِينَ لَسَرَّهم أنْ يَحُثَّهم مَن حَضَرَهم عَلى حِفْظِ الأمْوالِ لِلْأوْلادِ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: عَلى الضِّدِّ مِن هَذا القَوْلِ، وهو أنَّهُ نُهِيَ لِحاضِرِي المُوصِي أيْ: يَمْنَعُوهُ مِنَ الوَصِيَّةِ لِأقارِبِهِ، وأنْ يَأْمُرُوهُ بِالِاقْتِصارِ عَلى ولَدِهِ، وهَذا قَوْلُ مِقْسَمٍ، وسُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ في آخَرِينَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِأوْلِياءِ اليَتامى مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا﴾ فَمَعْنى الكَلامِ: أحْسَنُوا فِيمَن وُلِّيتُمْ مِنَ اليَتامى، كَما تُحِبُّونَ أنْ يَحْسُنَ وُلاةُ أوْلادِكم بَعْدَكم، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ السّائِبِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأوْصِياءِ أُمِرُوا بِأداءِ الوَصِيَّةِ عَلى ما رَسَمَ المُوصِي، وأنْ تَكُونَ الوُجُوهُ الَّتِي عَيَّنَها مَرْعِيَّةً بِالمُحافَظَةِ كَرَعْيِ الذُّرِّيَّةِ الضِّعافِ مِن غَيْرِ تَبْدِيلٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهم فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٢] فَأمَرَ الوَصِيَّ بِهَذِهِ الآَيَةِ إذا وجَدَ مَيْلًا عَنِ الحَقِّ أنْ يَسْتَعْمِلَ قَضِيَّةَ الشَّرْعِ، ويُصْلِحَ بَيْنَ الوَرَثَةِ، ذَكَرَهُ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وغَيْرُهُ، في "النّاسِخِ والمَنسُوخِ" فَعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ مَنسُوخَةً، وعَلى ما قَبْلُهُ تَكُونُ مَحْكَمَةً.

وَ"الضِّعافُ": جَمْعُ ضَعِيفٍ، وهُمُ الأوْلادُ الصِّغارُ. وقَرَأ حَمْزَةُ: "ضِعافًا" بِإمالَةِ العَيْنِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: ووَجْهُها: أنَّ ما كانَ عَلى "فِعالٍ" وكانَ أوَّلُهُ حَرْفًا مُسْتَعْلِيًا مَكْسُورًا، نَحْوُ ضِعافٌ، وقِفافٌ، وخِفافٌ؛ حَسُنَتْ فِيهِ الإمالَةُ، لِأنَّهُ قَدْ يُصَعِّدُ بِالحَرْفِ المُسْتَعْلِي، ثُمَّ يُحْدَرُ بِالكَسْرِ، فَيُسْتَحَبُّ أنْ لا يَصْعَدَ بِالتَّفْخِيمِ بَعْدَ التَّصَوُّبِ بِالكَسْرِ، فَيُجْعَلُ الصَّوْتُ عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ، وكَذَلِكَ قَرَأ حَمْزَةُ: ﴿خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ بِإمالَةِ الخاءِ، والإمالَةُ هاهُنا: حَسَنَةٌ، وإنْ كانَتِ "الخاءُ" حَرْفًا مُسْتَعْلِيًا، لِأنَّهُ يَطْلُبُ الكَسْرَةَ الَّتِي في "خِفْتُ" فَيَنْحُو نَحْوَها بِالإمالَةِ. والقَوْلُ السَّدِيدُ: الصَّوابُ.

10

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًۭا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًۭا

Indeed, those who devour the property of orphans unjustly are only consuming into their bellies fire. And they will be burned in a Blaze.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما، أنَّ رَجُلًا مِن غَطَفانَ، يُقالُ لَهُ: مَرْثَدُ بْنُ زَيْدٍ، ولِيَ مالَ ابْنِ أخِيهِ، فَأكَلَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

والثّانِي: أنَّ حَنْظَلَةَ بْنَ الشَّمَرْدَلِ ولِيَ يَتِيمًا، فَأكَلَ مالَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. وإنَّما خُصَّ الأكْلُ بِالذِّكْرِ، لِأنَّهُ مُعْظَمُ المَقْصُودِ، وقِيلَ: عَبَّرَ بِهِ عَنِ الأخْذِ.

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ومَعْنى الظُّلْمِ: أنْ يَأْخُذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ. وأمّا ذِكْرُ "البُطُونِ" فَلِلتَّوْكِيدِ، كَما تَقُولُ: نَظَرْتُ بِعَيْنِي، وسَمِعْتُ بِأُذُنِي. وفي المُرادِ بِأكْلِهِمُ النّارُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم سَيَأْكُلُونَ يَوْمَ القِيامَةِ نارًا، فَسُمِّيَ الأكْلُ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم، كَقَوْلِهِ: ﴿أعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يُوسُفَ: ٣٦] قالَ السُّدِّيُّ: يُبْعَثُ آَكِلُ مالِ اليَتِيمِ ظُلْمًا، ولَهَبُ النّارِ يَخْرُجُ مِن فِيهِ، ومِن مَسامِعِهِ، وأُذُنَيْهِ، وأنْفِهِ، وعَيْنَيْهِ، يَعْرِفَهُ مَن رَآَهُ يَأْكُلُ مالَ اليَتِيمِ.

والثّانِي: أنَّهُ مِثْلُ. مَعْناهُ: يَأْكُلُونَ ما يَصِيرُونَ بِهِ إلى النّارِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٣] أيْ: رَأيْتُمْ أسْبابَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، "وَسَيَصِلُونَ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ عامِرٍ، بِضَمِّ الياءِ، ووافَقَهُما ابْنُ مِقْسَمٍ، إلّا أنَّهُ شَدَّدَ. والمَعْنى: سَيُحْرَقُونَ بِالنّارِ، ويُشْوَوْنَ. والسَّعِيرُ: النّارُ المُسْتَعِرَةُ، واسْتِعارُ النّارِ: تُوَقُّدُها.

فَصْلٌ

وَقَدْ تَوَهَّمَ قَوْمٌ لا عِلْمَ لَهم بِالتَّفْسِيرِ وفِقْهِهِ، أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ، لِأنَّهم سَمِعُوا أنَّها لَمّا نَزَلَتْ، تَحَرَّجَ القَوْمُ عَنْ مُخالَطَةِ اليَتامى، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٠] وهَذا غَلَطٌ، وإنَّما ارْتَفَعَ عَنْهُمُ الحَرَجُ بِشَرْطِ قَصْدِ الإصْلاحِ، لا عَلى إباحَةِ الظُّلْمِ.

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.