Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 1–10 of 176

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا

O mankind, fear your Lord, who created you from one soul and created from it its mate and dispersed from both of them many men and women. And fear Allah, through whom you ask one another, and the wombs. Indeed Allah is ever, over you, an Observer.

سُورَةُ النِّساءِ

رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ بِالمَدِينَةِ.

وكَذا رَوى ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ.

وقَدْ زَعَمَ النَّحّاسُ أنَّها مَكِّيَّةٌ مُسْتَنِدًا إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ [النساء: ٥٨] [النِّساءِ: ٥٨] الآيَةَ، نَزَلَتْ بِمَكَّةَ اتِّفاقًا في شَأْنِ مِفْتاحِ الكَعْبَةِ، وذَلِكَ مُسْتَنَدٌ واهٍ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن نُزُولِ آيَةٍ أوْ آياتٍ مِن سُوَرٍ طَوِيلَةٍ - نَزَلَ مُعْظَمُها بِالمَدِينَةِ - أنْ تَكُونَ مَكِّيَّةً، خُصُوصًا أنَّ الأرْجَحَ أنَّ ما نَزَلَ بَعْدَ الهِجْرَةِ مَدَنِيٌّ.

ومَن راجَعَ أسْبابَ نُزُولِ آياتِها عَرَفَ الرَّدَّ عَلَيْهِ، ومِمّا يَرُدُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ما نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ والنِّساءِ إلّا وأنا عِنْدُهُ» ودُخُولُها عَلَيْهِ كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ اتِّفاقًا.

وقِيلَ: نَزَلَتْ عِنْدَ الهِجْرَةِ.

وآياتُها مِائَةٌ وسَبْعُونَ وخَمْسٌ، وقِيلَ سِتٌّ وقِيلَ سَبْعٌ، كَذا في الإتْقانِ.

ورَوى الحاكِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: إنَّ في سُورَةِ النِّساءِ لَخَمْسُ آياتٍ ما يَسُرُّنِي أنَّ لِي بِها الدُّنْيا وما فِيها: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] [النِّساءِ: ٤٠] الآيَةَ، و َ ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] [النِّساءِ: ٣١] الآيَةَ، و﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] [النِّساءِ: ٤٨]، ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٤] [النِّساءِ: ٦٤] الآيَةَ.

ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: خَمْسُ آياتٍ مِنَ النِّساءِ لَهُنَّ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا جَمِيعًا: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] [النِّساءِ: ٦٤] وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] [النِّساءِ: ١١٠].

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ثَمانِي آياتٍ نَزَلَتْ في سُورَةِ النِّساءِ خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتْ؛ أوَّلُهُنَّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦] [النِّساءِ: ٢٦]، والثّانِيَةُ: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧] [النِّساءِ: ٢٧] والثّالِثَةُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] [النِّساءِ: ٢٨] ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ سَواءً، يَعْنِي في الخَمْسَةِ الباقِيَةِ.

لَطِيفَةٌ: إنَّما سُمِّيَتْ سُورَةَ النِّساءِ؛ لِأنَّ ما نَزَلَ مِنها في أحْكامِهِنَّ أكْثَرُ مِمّا نَزَلَ في غَيْرِها.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها وبَثَّ مِنهُما رِجالا كَثِيرًا ونِساءً واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا﴾ [١]

﴿يا أيُّها …

2

وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبًۭا كَبِيرًۭا

And give to the orphans their properties and do not substitute the defective [of your own] for the good [of theirs]. And do not consume their properties into your own. Indeed, that is ever a great sin.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهم ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكم إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [٢]

﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ مَوارِدِ الِاتِّقاءِ ومَظانِّهِ بِتَكْلِيفِ ما يُقابِلُها أمْرًا ونَهْيًا.

وتَقْدِيمُ ما يَتَعَلَّقُ بِاليَتامى لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِأمْرِهِمْ ولِمُلابَسَتِهِمْ بِالأرْحامِ، إذِ الخِطابُ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ، وقَلَّما تُفَوَّضُ الوِصايَةُ إلى الأجانِبِ.

واليَتِيمُ مَن ماتَ أبُوهُ، مِنَ اليُتْمِ، وهو الِانْفِرادُ، ومِنهُ الدُّرَّةُ اليَتِيمَةُ، والقِياسُ الِاشْتِقاقِيُّ يَقْتَضِي وُقُوعَهُ عَلى الصِّغارِ والكِبارِ، وقَدْ خَصَّهُ الشَّرْعُ بِمَن لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ، كَما رَوى أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ» .

وفِي الآيَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنْ يُرادَ بِاليَتامى الكِبارَ الَّذِينَ أُونِسَ مِنهُمُ الرُّشْدُ مَجازًا، بِاعْتِبارِ ما كانَ، أُوثِرَ لِقُرْبِ العَهْدِ بِالصِّغَرِ، والإشارَةِ إلى وُجُوبِ المُسارَعَةِ إلى دَفْعِ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ حِينَئِذٍ، حَتّى كَأنَّ اسْمَ اليَتِيمِ باقٍ بَعْدُ، غَيْرُ زائِلٍ.

الثّانِي: أنْ يُرادَ بِهِمُ الكِبارَ حَقِيقَةً، وارِدَةً عَلى أصْلِ اللُّغَةِ.

الثّالِثُ: أنْ يُرادَ بِهِمُ الصِّغارَ، وبِـ (الإيتاءِ) ما يَدْفَعُهُ الأوْلِياءُ والأوْصِياءُ إلَيْهِمْ مِنَ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ، لا دَفْعُها إلَيْهِمْ، وفِيهِ بُعْدٌ.

الرّابِعُ: أنْ يُرادَ بِهِمْ ما ذُكِرَ، وبِـ(إيتائِهِمُ) الأمْوالَ أنْ لا يَطْمَعَ فِيها الأوْلِياءُ والأوْصِياءُ، وُلاةُ السُّوءِ وقُضاتُهُ، ويَكُفُّوا عَنْها أيْدِيَهُمُ الخاطِفَةَ حَتّى تُؤْتى اليَتامى إذا بَلَغُوا سالِمَةً غَيْرَ مَحْذُوفَةٍ، فالتَّجَوُّزُ في الإيتاءِ حِينَئِذٍ بِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِ مَعْناهُ وهو تَرْكُها سالِمَةً؛ لِأنَّها لا تُؤْتى إلّا إذا كانَتْ كَذَلِكَ.

قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": هَذا الوَجْهُ قَوِيٌّ بِقَوْلِهِ بَعْدَ آياتٍ: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٦] دَلَّ عَلى أنَّ الآيَةَ الأُولى في الحَضِّ عَلى حِفْظِها لَهم لِيُؤْتَوْها عِنْدَ بُلُوغِهِمْ ورُشْدِهِمْ، والثّانِيَةَ في الحَضِّ عَلى الإيتاءِ الحَقِيقِيِّ عِنْدَ حُصُولِ البُلُوغِ والرُّشْدِ.

ويُقَوِّيهِ أيْضًا قَوْلُهُ عَقِيبَ الأُولى: ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا﴾ إلَخْ، فَهَذا كُلُّهُ تَأْدِيبٌ لِلْوَصِيِّ ما دامَ المالُ بِيَدِهِ واليَتِيمُ في حِجْرِهِ.

وأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَيَكُونُ مُؤَدّى الآيَتَيْنِ واحِدًا وهو الأمْرُ بِالإيتاءِ حَقِيقَةً، ويُخَلَّصُ عَنِ التَّكْرارِ بِأنَّ الأُولى كالمُجْمَلَةِ والثّانِيَةَ كالمُبَيِّنَةِ لِشَرْطِ الإيتاءِ: مِنَ البُلُوغِ وإيناسِ الرُّشْدِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ أيْ: ولا تَسْتَبْدِلُوا الحَرامَ - وهو مالُ اليَتامى - بِالحَلالِ وهو مالُكُمْ، وما أُبِيحَ لَكم مِنَ المَكاسِبِ، ورِزْقِ اللَّهِ المَبْثُوثِ في الأرْضِ فَتَأْكُلُوهُ مَكانَهُ.

﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ آخَرَ كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ، أيْ: لا تَأْكُلُوها مَضْمُومَةً إلى أمْوالِكم مَخْلُوطَةً بِها لِلتَّوْسِعَةِ ﴿إنَّهُ﴾ أيِ: الأكْلُ: ﴿كانَ حُوبًا﴾ أيْ: ذَنْبًا عَظِيمًا، وقُرِئَ بِفَتْحِ الحاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَبِيرًا﴾ مُبالَغَةٌ في بَيانِ عِظَمِ ذَنْبِ الأكْلِ …

3

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟

And if you fear that you will not deal justly with the orphan girls, then marry those that please you of [other] women, two or three or four. But if you fear that you will not be just, then [marry only] one or those your right hand possesses. That is more suitable that you may not incline [to injustice].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكم ذَلِكَ أدْنى ألا تَعُولُوا﴾ [٣]

﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا﴾ أيْ: أنْ لا تَعْدِلُوا ﴿فِي اليَتامى﴾ أيْ: يَتامى النِّساءِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُقالُ لِلْإناثِ اليَتامى كَما يُقالُ لِلذُّكُورِ، وهو جَمْعُ يَتِيمَةٍ عَلى القَلْبِ، كَما قِيلَ: أيامى والأصْلُ أيائِمُ ويَتائِمُ.

﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ أيْ: مَن طِبْنَ لِنُفُوسِكم مِن جِهَةِ الجَمالِ والحُسْنِ أوِ العَقْلِ أوِ الصَّلاحِ مِنهُنَّ.

﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ ومَعْنى الآيَةِ: وإنْ خِفْتُمْ يا أوْلِياءَ اليَتامى أنْ لا تَعْدِلُوا فِيهِنَّ إذا نَكَحْتُمُوهُنَّ؛ بِإساءَةِ العِشْرَةِ أوْ بِنَقْصِ الصَّداقِ، فانْكِحُوا غَيْرَهُنَّ مِنَ الغَرِيباتِ فَإنَّهُنَّ كَثِيرٌ، ولَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكم.

فالآيَةُ لِلتَّحْذِيرِ مِنَ التَّوَرُّطِ فِي الجَوْرِ والأمْرِ بِالِاحْتِياطِ، وإنَّ في غَيْرِهِنَّ مُتَّسَعًا إلى الأرْبَعِ.

ورَوى البُخارِيُّ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَها وكانَ لَها عَذْقٌ (أيْ: نَخْلَةٌ) وكانَ يُمْسِكُها عَلَيْهِ ولَمْ يَكُنْ لَها مِن نَفْسِهِ شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ أحْسَبُهُ قالَ: كانَتْ شَرِيكَتَهُ في ذَلِكَ العَذْقِ وفي مالِهِ، ورَواهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ.

وفِي رِوايَةٍ لَهم عَنْ عائِشَةَ: هي اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حِجْرِ ولِيِّها تُشْرِكُهُ في مالِهِ ويُعْجِبُهُ مالُها وجِمالُها، فَيُرِيدُ ولِيُّها أنْ يَتَزَوَّجَها بِغَيْرِ أنْ يُقْسِطَ في صَداقِها، فَيُعْطِيها مِثْلَ ما يُعْطِيها غَيْرُهُ، فَنُهُوا عَنْ أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ ويَبْلُغُوا لَهُنَّ أعْلى سُنَّتِهِنَّ في الصَّداقِ، فَأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا ما طابَ لَهم مِنَ النِّساءِ سِواهُنَّ.

قالَ عُرْوَةُ: قالَتْ عائِشَةُ: وإنَّ النّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ [النساء: ١٢٧] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ١٢٧].

قالَتْ عائِشَةُ: وقَوْلُ اللَّهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ١٢٧] رَغْبَةُ أحَدِكم عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المالِ والجِمالِ.

قالَتْ: فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوا عَنْ مَن رَغِبُوا في مالِهِ وجِمالِهِ في يَتامى النِّساءِ إلّا بِالقِسْطِ مِن أجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ، إذا كُنَّ قَلِيلاتِ المالِ والجَمالِ.

وفِي رِوايَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ [النساء: ١٢٧] إلى آخَرَ الآيَةِ، قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: هي اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حِجْرِ الرَّجُلِ قَدْ شَرِكَتْهُ في مالِهِ فَيَرْغَبُ عَنْها أنْ يَتَزَوَّجَها، ويَكْرَهُ أنْ يُزَوِّجَها غَيْرَهُ فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ في مالِهِ فَيَحْبِسُها، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.

زادَ أبُو داوُدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: وقالَ رَبِيعَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ قالَ: يَقُولُ: اتْرُكُوهُنَّ إنْ خِفْتُمْ فَقَدْ أحْلَلْتُ لَكم أرْبَعًا.

لَطائِفُ:

الأوَّلُ: (ما) في قَوْلِهِ تَعالى: (ما طابَ لَكُمْ) مَوْصُولَةٌ، وجاءَ بِـ (ما) مَكانَ (مِن) لِأنَّهُما قَدْ يَتَعاقَبانِ، فَيَقَعُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ، كَما في …

4

وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةًۭ ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍۢ مِّنْهُ نَفْسًۭا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًۭٔا مَّرِيٓـًۭٔا

And give the women [upon marriage] their [bridal] gifts graciously. But if they give up willingly to you anything of it, then take it in satisfaction and ease.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [٤]

﴿وآتُوا﴾ أيْ: أعْطُوا ﴿النِّساءَ﴾ أيِ: اللّاتِي أُمِرَ بِنِكاحِهِنَّ ﴿صَدُقاتِهِنَّ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ (جَمْعُ صَدُقَةٍ كَسَمُرَةَ) وهي المَهْرُ ﴿نِحْلَةً﴾ أيْ: عَطاءً غَيْرَ مُسْتَرَدٍّ بِحِيلَةٍ تُلْجِئُهُنَّ إلى الرَّدِّ، والنِّحْلَةُ (بِكَسْرِ النُّونِ وضَمِّها، عَلى ما رَواهُ ابْنُ دُرَيْدٍ) اسْمُ مَصْدَرٍ لِـ (نَحَلَ) والمَصْدَرُ النُّحْلُ (بِالضَّمِّ) وهو العَطاءُ بِلا عِوَضٍ، والتَّعْبِيرُ عَنْ إيتاءِ المُهُورِ بِالنِّحْلَةِ - مَعَ كَوْنِها واجِبَةً عَلى الأزْواجِ - لِإفادَةِ مَعْنى الإيتاءِ عَنْ كَمالِ الرِّضا وطِيبِ الخاطِرِ.

فائِدَتانِ:

الأُولى: هَذا الخِطابُ إمّا لِلْأزْواجِ، كَما رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ والنَّخَعِيِّ وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، فَإنَّ ما قَبْلَهُ خِطابٌ لِلنّاكِحِينَ وهُمُ الأزْواجُ، وإمّا لِأوْلِياءِ النِّساءِ، وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ لا تُعْطِي النِّساءَ مِن مُهُورِهِنَّ شَيْئًا.

ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ لِمَن وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ: هَنِيئًا لَكَ النّافِجَةُ، ومَعْناهُ إنَّكَ تَأْخُذُ مَهْرَها إبَلًا فَتَضُمُّها إلى إبِلِكَ فَتَنَفِجُ مالَكَ أيْ: تُعَظِّمُهُ.

وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: النّافِجَةُ ما يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ مِنَ الحُلْوانِ إذا زَوَّجَ ابْنَتَهُ، فَنَهى اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ وأمَرَ بِدَفْعِ الحَقِّ إلى أهْلِهِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ وأبِي صالِحٍ، واخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ.

الثّانِيَةُ: قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الإيتاءِ المُناوَلَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الِالتِزامَ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] [التَّوْبَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٩]، والمَعْنى حَتّى يَضْمَنُوها ويَلْتَزِمُوها، فَعَلى هَذا الوَجْهِ الأوَّلِ كانَ المُرادُ أنَّهم أُمِرُوا بِدَفْعِ المُهُورِ الَّتِي قَدْ سَمَّوْها لَهُنَّ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي كانَ المُرادُ أنَّ الفُرُوجَ لا تُسْتَباحُ إلّا بِعِوَضٍ يُلْزَمُ، سَواءٌ سُمِّيَ ذَلِكَ أوْ لَمْ يُسَمَّ، إلّا ما خُصَّ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ في المَوْهُوبَةِ.

ثُمَّ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ جامِعًا لِلْوَجْهَيْنِ مَعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.

﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ الضَّمِيرُ لِلصَّدُقاتِ، وتَذْكِيرُهُ لِإجْرائِهِ مَجْرى ذَلِكَ، أيْ: فَإنْ أحْلَلْنَ لَكم مِنَ المَهْرِ شَيْئًا بِطِيبَةِ نَفْسٍ؛ جَلْبًا لِمَوَدَّتِكُمْ، لا لِحَياءٍ عَرَضَ لَهُنَّ مِنكم أوْ مِن غَيْرِكُمْ، ولا لِاضْطِرارِهِنَّ إلى البَذْلِ مِن شَكاسَةِ أخْلاقِكم وسُوءِ مُعاشَرَتِكم.

﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ أيْ: فَخُذُوهُ وتَصَرَّفُوا فِيهِ تَمَلُّكًا، وتَخْصِيصُ الأكْلِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ وُجُوهِ التَّصَرُّفاتِ المالِيَّةِ.

وهَنِيئًا مَرِيئًا: صِفَتانِ مِن (هَنُؤَ الطَّعامُ ومَرُؤَ) إذا كانَ سائِغًا لا تَنْغِيصَ فِيهِ، وقِيلَ: الهَنِيءُ ما أتاكَ بِلا مَشَقَّةٍ ولا تَبِعَةٍ، والمَرِيءُ حَمِيدُ المَغَبَّةِ، وهُما عِبارَةٌ عَنِ التَّحْلِيلِ والمُبالَغَةِ في الإباحَةِ وإزالَةِ التَّبِعَةِ؛ لِأنَّهُنَّ كالرِّجالِ في التَّصَرُّفاتِ والتَّبَرُّعاتِ.

* *

تَنْبِيهٌ:

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: لِلْآيَةِ ثَمَراتٌ:

مِنها: أنَّهُ لا بُدَّ في النِّكاحِ مِن صَداقٍ.

ومِنها: أنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ لِلْمَرْأةِ كَسائِرِ الدُّيُونِ.

ومِنها: أنَّ لَها أنْ تَتَصَرَّفَ فِيهِ …

5

وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰمًۭا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا

And do not give the weak-minded your property, which Allah has made a means of sustenance for you, but provide for them with it and clothe them and speak to them words of appropriate kindness.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهم وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [٥]

﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهم وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ وُجُوهًا يَحْتَمِلُها النَّظْمُ الكَرِيمُ:

الأوَّلُ: أنْ يُرادَ بِالسُّفَهاءِ اليَتامى، كَما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والخِطابُ حِينَئِذٍ لِلْأوْلِياءِ، نُهُوا أنْ يُؤْتُوا اليَتامى أمْوالَهم مَخافَةَ أنْ يُضَيِّعُوها لِقِلَّةِ عُقُولِهِمْ؛ لِأنَّ السَّفِيهَ هو الخَفِيفُ الحِلْمِ.، وإنَّما أُضِيفَتْ لِلْأوْلِياءِ - وهي لِلْيَتامى - تَنْزِيلًا لِاخْتِصاصِها بِأصْحابِها مَنزِلَةَ اخْتِصاصِها بِالأوْلِياءِ، فَكَأنَّ أمْوالَهم عَيْنُ أمْوالِهِمْ؛ لِما بَيْنَهم وبَيْنَهم مِنَ الِاتِّحادِ الجِنْسِيِّ والنَّسَبِيِّ؛ مُبالَغَةً في حَمْلِهِمْ عَلى المُحافَظَةِ عَلَيْها، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٢٩]، أيْ: لا يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا حَيْثُ عُبِّرَ عَنْ بَنِي نَوْعِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ؛ مُبالَغَةً في زَجْرِهِمْ عَنْ قَتْلِهِمْ، فَكَأنَّ قَتْلَهم قَتْلُ أنْفُسِهِمْ، وقَدْ أيَّدَ ذَلِكَ حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ جَعْلِها مَناطًا لِمَعاشِ أصْحابِها بِجَعْلِها مَناطًا لِمَعاشِ الأوْلِياءِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ أيْ: جَعَلَها اللَّهُ شَيْئًا تَقُومُونَ وتَنْتَعِشُونَ، فَلَوْ ضَيَّعْتُمُوها لَضِعْتُمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ أيِ: اجْعَلُوها مَكانًا لِرِزْقِهِمْ وكِسْوَتِهِمْ، بِأنْ تَتَّجِرُوا وتَتَرَبَّحُوا؛ حَتّى تَكُونَ نَفَقاتُهم مِنَ الأرْباحِ لا مِن صُلْبِ المالِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ أيْ: كَلامًا لَيِّنًا تَطِيبُ بِهِ نُفُوسُهُمْ، ومِنهُ أنْ يَعِدَهم عِدَّةً جَمِيلَةً، بِأنْ يَقُولَ ولِيُّهُمْ: إذا صَلُحْتُمْ ورَشَدْتُمْ سَلَّمْنا إلَيْكم أمْوالَكم.

الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُرادَ بِالسُّفَهاءِ النّاسُ والصِّبْيانُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وغَيْرِهِما، فالخِطابُ عامٌّ، والنَّهْيُ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَعْمِدَ إلى ما خَوَّلَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المالِ فَيُعْطِيَهُ امْرَأتَهُ وأوْلادَهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ إلى أيْدِيهِمْ، وإنَّما سَمّاهم سُفَهاءَ؛ اسْتِخْفافًا بِعَقْلِهِمْ واسْتِهْجانًا لِجَعْلِهِمْ قُوّامًا عَلى أنْفُسِهِمْ.

قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَقُولُ: لا تَعْمِدْ إلى مالِكَ خَوَّلَكَ اللَّهُ وجَعَلَهُ لَكَ مَعِيشَةً فَتُعْطِيَهُ امْرَأتَكَ أوِ ابْنَتَكَ ثُمَّ تُنْظَرُ إلى ما في أيْدِيهِمْ، ولَكِنْ أمْسِكْ مالَكَ وأصْلِحْهُ وكُنْ أنْتَ الَّذِي تُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِن كِسْوَتِهِمْ ومُؤْنَتِهِمْ ورِزْقِهِمْ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يُرادَ بِالسُّفَهاءِ كُلُّ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَقْلٌ يَفِي بِحِفْظِ المالِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ النِّساءُ والصِّبْيانُ والأيْتامُ كُلُّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

قالَ الرّازِيُّ: وهَذا القَوْلُ أوْلى؛ لِأنَّ التَّخْصِيصَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ لا يَجُوزُ.

قالَ السُّيُوطِيُّ فِي: "الإكْلِيلِ": في هَذِهِ الآيَةِ الحَجْرُ عَلى السَّفِيهِ، وأنَّهُ لا يُمَكَّنُ مِن مالِهِ، وأنَّهُ يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنهُ ويُكْسى، ولا يُنْفَقُ في التَّبَرُّعاتِ، وأنَّهُ يُقالُ لَهُ مَعْرُوفٌ كَـ: (إنْ رَشَدْتَ دَفَعْنا إلَيْكَ مالَكَ، وإنَّما يَحْتاطُ لِنَفْعِكَ).

واسْتَدَلَّ بِعُمُومِ …

6

وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًۭا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًۭا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا۟ ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّۭا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًۭا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًۭا

And test the orphans [in their abilities] until they reach marriageable age. Then if you perceive in them sound judgement, release their property to them. And do not consume it excessively and quickly, [anticipating] that they will grow up. And whoever, [when acting as guardian], is self-sufficient should refrain [from taking a fee]; and whoever is poor - let him take according to what is acceptable. Then when you release their property to them, bring witnesses upon them. And sufficient is Allah as Accountant.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [٦]

﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾ أيِ: اخْتَبِرُوا عُقُولَهم ومَعْرِفَتَهم بِالتَّصَرُّفِ ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ أيْ: بِأنْ يَحْتَلِمُوا أوْ يَبْلُغُوا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ لِما في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وهو ابْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجْزِنِي ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ وأنا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَأجازَنِي» .

قالَ نافِعٌ: فَقَدِمْتُ عَلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وهو خَلِيفَةٌ فَحَدَّثْتُهُ هَذا الحَدِيثَ فَقالَ: إنَّ هَذا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، وكَتَبَ إلى عُمّالِهِ أنْ يَفْرِضُوا لِمَن بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ.

وكَذا نَباتُ الشَّعَرِ الخَشِنِ حَوْلَ العَوْرَةِ؛ لِما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ عَنْ عَطِيَّةَ القُرَظِيِّ قالَ: «عُرِضْنا عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ فَكانَ مَن أنْبَتَ قُتِلَ، ومَن لَمْ يُنْبِتْ خَلّى سَبِيلَهُ، فَكُنْتُ فِيمَن لَمْ يُنْبِتْ، فَخَلّى سَبِيلِي» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

﴿فَإنْ آنَسْتُمْ﴾ أيْ: شاهَدْتُمْ وتَبَيَّنْتُمْ ﴿مِنهم رُشْدًا﴾ أيْ: صَلاحًا في دِينِهِمْ وحِفْظًا لِأمْوالِهِمْ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وغَيْرِ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ ﴿فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ.

وظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ مَن بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ إمّا بِالتَّبْذِيرِ أوْ بِالعَجْزِ أوْ بِالفِسْقِ، لا يُسَلَّمُ إلَيْهِ مالُهُ؛ لِأنَّها مَفْسَدَةٌ لِلْمالِ.

﴿ولا تَأْكُلُوها﴾ أيُّها الأوْلِياءُ ﴿إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾ أيْ: مُسْرِفِينَ ومُبادِرِينَ كِبَرَهُمْ، أوْ لِإسْرافِكم ومُبادَرَتِكم كِبَرَهُمْ، تُفَرِّطُونَ في إنْفاقِها وتَقُولُونَ: نُنْفِقُ كَما نَشْتَهِي قَبْلَ أنْ يَكْبُرَ اليَتامى فَيَنْتَزِعُوها مِن أيْدِينا.

﴿ومَن كانَ﴾ مِنَ الأوْلِياءِ ﴿غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أيْ: يَتَنَزَّهُ عَنْ أكْلِ مالِ اليَتِيمِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ كالمَيْتَةِ والدَّمِ، ولْيَقْنَعْ بِما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الزُّرْقِ ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا﴾ يَمْنَعُهُ اشْتِغالُهُ بِمالِ اليَتِيمِ عَنِ الكَسْبِ، وإهْمالُهُ يُفْضِي إلى تَلَفِهِ عَلَيْهِ ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ بِقَدْرِ حاجَتِهِ الضَّرُورِيَّةِ وأُجْرَةِ سَعْيِهِ وخِدْمَتِهِ.

كَما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ حَيْثُ قالَتْ: فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ بِقَدْرِ قِيامِهِ عَلَيْهِ، ورَواهُ البُخارِيُّ أيْضًا.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ الفُقَهاءُ: لَهُ أنْ يَأْكُلَ أقَلَّ الأمْرَيْنِ: أُجْرَةَ مِثْلِهِ، وقَدْرَ حاجَتِهِ، وهَلْ يَرُدُّ إذا أيْسَرَ؟ وجْهانِ:

أحَدُهُما: لا يَرُدُّ لِأنَّهُ أكَلَ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ وكانَ فَقِيرًا، وهَذا هو الصَّحِيحُ عِنْدَ أصْحابِ الشّافِعِيِّ؛ لِأنَّ الآيَةَ أباحَتِ الأكْلَ مِن غَيْرٍ بَدَلٍ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَيْسَ لِي مالٌ ولِي يَتِيمٌ، فَقالَ: كُلْ مِن مالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ، ولا مُبَذِّرٍ ولا مُتَأثِّلٍ مالًا، ومِن غَيْرِ أنْ تَقِيَ مالَكَ أوْ قالَ: تَفْدِيَ …

7

لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا

For men is a share of what the parents and close relatives leave, and for women is a share of what the parents and close relatives leave, be it little or much - an obligatory share.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أحْكامَ المَوارِيثِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [٧]

﴿لِلرِّجالِ﴾ أيِ: الأوْلادِ والأقْرِباءِ ﴿نَصِيبٌ﴾ أيْ: حَظٌّ ﴿مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ أيِ: المُتَوَفُّونَ ﴿ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ﴾ أيِ: المالِ ﴿أوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أيْ: مَقْطُوعًا واجِبًا لَهُمْ، وإيرادُ حُكْمِ النِّساءِ عَلى الِاسْتِقْلالِ دُونَ الدَّرْجِ في تَضاعِيفِ أحْكامِ الرِّجالِ - بِأنْ يُقالَ: لِلرِّجالِ والنِّساءِ إلَخْ - لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِهِنَّ، والإشارَةِ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلى تَفاوُتِ ما بَيْنَ نَصِيبَيِ الفَرِيقَيْنِ، والمُبالَغَةِ في إبْطالِ حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّهم كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ والأطْفالَ، ويَقُولُونَ: لا يَرِثُ إلّا مَن طاعَنَ بِالرِّماحِ، وذادَ عَنِ الحَوْزَةِ، وحازَ الغَنِيمَةَ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ؛ لِأنَّهم مِنَ الأقْرَبِينَ، وهو اسْتِدْلالٌ وجِيهٌ، ولا حُجَّةَ لِمَن حاوَلَ دَفْعَهُ.

8

وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُو۟لُوا۟ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا

And when [other] relatives and orphans and the needy are present at the [time of] division, then provide for them [something] out of the estate and speak to them words of appropriate kindness.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [٨]

﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ أيْ: قِسْمَةَ التَّرِكَةِ ﴿أُولُو القُرْبى﴾ ذَوُو القَرابَةِ مِمَّنْ لا يَرِثُ، قَدَّمَهم لِأنَّ إعْطاءَهم صَدَقَةٌ وصِلَةٌ ﴿واليَتامى﴾ الضُّعَفاءُ بِفَقْدِ الآباءِ ﴿والمَساكِينُ﴾ الضُّعَفاءُ بِفَقْدِ ما يَكْفِيهِمْ مِنَ المالِ ﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ أيْ: أعْطُوهم مِنَ المِيراثِ شَيْئًا ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ بِتَلْطِيفِ القَوْلِ لَهم والدُّعاءِ لَهم بِمِثْلِ: بارَكَ اللَّهُ عَلَيْكم.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في هَذِهِ الآيَةِ: المَعْنى أنَّهُ إذا حَضَرَ هَؤُلاءِ الفُقَراءُ - مِنَ القَرابَةِ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ - واليَتامى والمَساكِينُ قِسْمَةَ مالٍ جَزِيلٍ فَإنَّ أنْفُسَهم تَتُوقُ إلى شَيْءٍ مِنهُ إذا رَأوْا هَذا يَأْخُذُ وهَذا يَأْخُذُ، وهم يائِسُونَ لا يُعْطَوْنَ شَيْئًا، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى - وهو الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ - أنْ يُرْضَخَ لَهم شَيْءٌ مِنَ الوَسَطِ يَكُونُ بِرًّا بِهِمْ، وصَدَقَةً عَلَيْهِمْ، وإحْسانًا إلَيْهِمْ، وجَبْرًا لِكَسْرِهِمْ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] [الأنْعامِ: مِنَ الآيَةِ ١٤١] وذَمَّ الَّذِينَ يَنْقُلُونَ المالَ خُفْيَةً؛ خَشْيَةَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمُ المَحاوِيجُ وذَوُو الفاقَةِ كَما أخْبَرَ بِهِ عَنْ أصْحابِ الجَنَّةِ: ﴿إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧] [القَلَمِ: مِنَ الآيَةِ ١٧] ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] [القَلَمِ: ٢٣-٢٤] ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠] [مُحَمَّدٍ: ١٠] فَمَن جَحَدَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ عاقَبَهُ في أعَزِّ ما يَمْلِكُهُ، ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ: «ما خالَطَتِ الصَّدَقَةُ مالًا إلّا أفْسَدَتْهُ» أيْ: مَنعُها يَكُونُ سَبَبَ مَحْقٍ ذَلِكَ المال بِالكُلِّيَّةِ، انْتَهى.

وقَدْ رَوى البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هي مُحْكَمَةٌ ولَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، وفي لَفْظٍ عَنْهُ: هي قائِمَةٌ يُعْمَلُ بِها.

ورُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها واجِبَةٌ عَلى أهْلِ المِيراثِ ما طابَتْ بِهِ أنْفُسُهم.

ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ فِي: "مُصَنَّفِهِ" أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ قَسَمَ مِيراثَ أبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وعائِشَةُ حَيَّةٌ - فَلَمْ يَدَعْ في الدّارِ مِسْكِينًا ولا ذا قَرابَةٍ إلّا أعْطاهُ مِن مِيراثِ أبِيهِ، وتَلا: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى﴾ الآيَةَ.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ قالَ: ثَلاثُ آياتٍ مَدَنِيّاتٍ مُحْكَماتٍ ضَيَّعَهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ وآيَةُ الِاسْتِئْذانِ: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ [النور: ٥٨] وقَوْلُهُ: ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣] الآيَةَ.

وقَدْ ذَكَرَ هَهُنا كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ آثارًا عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المِيراثِ، وهي مِنَ الضَّعْفِ بِمَكانٍ، ولَقَدْ أبْعَدَ القائِلُ بِالنَّسْخِ عَنْ فَهْمِ سِرِّ الآيَةِ فِيما نَدَبَتْ إلَيْهِ مِن هَذِهِ المَكْرُمَةِ الجَلِيلَةِ، وهي إسْعافُ مَن ذُكِرَ مِنَ المالِ المَوْرُوثِ، والنَّفْسُ الأبِيَّةُ تَنْفِرُ مِن أنْ تَأْخُذَ المالَ الجَزْلَ وذُو الرَّحِمِ حاضِرٌ مَحْرُومٌ، ولا يُسْعَفُ ولا …

9

وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةًۭ ضِعَٰفًا خَافُوا۟ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًا

And let those [executors and guardians] fear [injustice] as if they [themselves] had left weak offspring behind and feared for them. So let them fear Allah and speak words of appropriate justice.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [٩]

﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ في الآيَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّها أمْرٌ لِلْأوْصِياءِ بِأنْ يَخْشَوُا اللَّهَ تَعالى ويَتَّقُوهُ في أمْرِ اليَتامى، فَيَفْعَلُوا بِهِمْ ما يُحِبُّونَ أنْ يُفْعَلَ بِذَرارِيِّهِمُ الضِّعافِ بَعْدَ وفاتِهِمْ.

الثّانِي: أنَّها أمْرٌ لِمَن حَضَرَ المَرِيضَ مِنَ العُوّادِ عِنْدَ الإيصاءِ بِأنْ يَخْشَوْا رَبَّهم أوْ يَخْشَوْا أوْلادَ المَرِيضِ ويُشْفِقُوا عَلَيْهِمْ شَفَقَتَهم عَلى أوْلادِهِمْ، فَلا يَتْرُكُوهُ أنْ يَضُرَّ بِهِمْ بِصَرْفِ المالِ عَنْهم.

الثّالِثُ: أنَّها أمْرٌ لِلْوَرَثَةِ بِالشَّفَقَةِ عَلى مَن حَضَرَ القِسْمَةَ مِن ضُعَفاءِ الأقارِبِ واليَتامى والمَساكِينِ، مُتَصَوِّرِينَ أنَّهم لَوْ كانُوا أوْلادَهم بَقُوا خَلْفَهم ضِعافًا مِثْلَهُمْ، هَلْ يُجَوِّزُونَ حِرْمانَهُمْ؟!

الرّابِعُ: أنَّها أمْرٌ لِلْمُوصِينَ بِأنْ يَنْظُرُوا لِلْوَرَثَةِ فَلا يُسْرِفُوا في الوَصِيَّةِ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا دَخَلَ عَلى سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ يَعُودُهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي ذُو مالٍ ولا يَرِثُنِي إلى ابْنَةٌ، أفَأتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مالِي؟ قالَ: لا قالَ: فالشَّطْرُ؟ قالَ: لا قالَ: فالثُّلُثُ، قالَ: الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ أنْ تَذَرَ ورَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَذَرَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ» .

وفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَوْ غَضَّ النّاسُ إلى الرُّبُعِ؟ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ الثُّلُثُ: والثُّلُثُ كَثِيرٌ (أوْ كَبِيرٌ)».

والوَجْهُ الأوَّلُ حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو قَوْلٌ حَسَنٌ يَتَأيَّدُ بِما بَعْدَهُ مِنَ التَّهْدِيدِ في أكْلِ أمْوالِ اليَتامى ظُلْمًا.

ونَقَلَ الرّازِيُّ عَنِ القاضِي: إنَّ هَذا الوَجْهَ ألْيَقُ بِما تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ مِنَ الآياتِ الوارِدَةِ في بابِ الأيْتامِ، فَجَعَلَ تَعالى آخِرَ ما دَعاهم إلى حِفْظِ مالِ اليَتِيمِ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى حالِ أنْفُسِهِمْ وذُرِّيَّتِهِمْ إذا تَصَوَّرُوها، ولا شَكَّ أنَّهُ مِن أقْوى الدَّواعِي والبَواعِثِ في هَذا المَقْصُودِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والقَوْلُ السَّدِيدُ مِنَ الأوْصِياءِ أنْ لا يُؤْذُوا اليَتامى، ويُكَلِّمُوهم كَما يُكَلِّمُونَ أوْلادَهم بِالأدَبِ الحَسَنِ والتَّرْحِيبِ، ويَدْعُوهم بِـ(يا بُنَيَّ) ويا ولَدِي، ومِنَ الجالِسِينَ إلى المَرِيضِ أنْ يَقُولُوا لَهُ - إذا أرادَ الوَصِيَّةَ -: لا تُسْرِفْ في وصِيَّتِكَ فَتُجْحِفَ بِأوْلادِكَ، مِثْلَ «قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِسَعْدٍ: إنَّكَ أنْ تَتْرُكَ ولَدَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَدَعَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ» ومِنَ المُتَقاسِمِينَ مِيراثَهم أنْ يَلْطُفُوا القَوْلَ ويُجْمِلُوهُ لِلْحاضِرِينَ.

لَطِيفَةٌ:

لا بُدَّ مِن حَمْلِ قَوْلِهِ تَعالى: (تَرَكُوا) عَلى المُشارَفَةِ؛ لِيَصِحَّ وُقُوعُ (خافُوا) خَبَرًا لَهُ، ضَرُورَةَ أنَّهُ لا خَوْفَ بَعْدَ حَقِيقَةِ المَوْتِ وتَرْكِ الوَرَثَةِ، ونَظِيرُهُ: ﴿فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٣١] أيْ: شارَفْنَ بُلُوغَ الأجَلِ، ولِهَذا المَجازِ في التَّعْبِيرِ عَنِ المُشارَفَةِ عَلى …

10

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًۭا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًۭا

Indeed, those who devour the property of orphans unjustly are only consuming into their bellies fire. And they will be burned in a Blaze.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [١٠]

﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ أيْ: عَلى وجْهِ الظُّلْمِ مِنَ الوَرَثَةِ، أوْ أوْلِياءُ السُّوءِ وقُضاتُهُ، بِخِلافِ أكْلِ الفَقِيرِ النّاظِرِ في أمْوالِهِمْ بِقَدْرِ أُجْرَتِهِ، كَما تَقَدَّمَ.

﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ أيْ: ما يَجُرُّ إلى النّارِ ويُؤَدِّي إلَيْها ﴿وسَيَصْلَوْنَ﴾ أيْ: في القِيامَةِ ﴿سَعِيرًا﴾ أيْ: نارًا مُسْتَعِرَةً.

رَوى ابْنُ حِبّانَ فِي: "صَحِيحِهِ " وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بَرْزَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ قَوْمٌ مِن قُبُورِهِمْ تَأجَّجُ أفْواهُهم نارًا قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! مَن هُمْ؟ قالَ: ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ الآيَةَ».

لَطِيفَةٌ:

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في بُطُونِهِمْ، أيْ: مَلْءَ بُطُونِهِمْ، يُقالُ: أكَلَ فُلانٌ في بَطْنِهِ وفي بَعْضِ بَطْنِهِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎كُلُوا في بَعْضٍ بَطْنِكُمُو تَعُفُّوا فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ

قالَ النّاصِرُ: ومِثْلُهُ: قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ أيْ: شَرَقُوا بِها وقالُوها بِمَلْءِ أفْواهِهِمْ، ويَكُونُ المُرادُ بِذِكْرِ البُطُونِ تَصْوِيرَ الأكْلِ لِلسّامِعِ حَتّى يَتَأكَّدَ عِنْدَهُ بَشاعَةُ هَذا الجُرْمُ بِمَزِيدِ تَصْوِيرٍ، ولِأجْلِ تَأْكِيدِ التَّشْنِيعِ عَلى الظّالِمِ لِلْيَتِيمِ في مالِهِ خُصَّ الأكْلُ؛ لِأنَّهُ أبْشَعُ الأحْوالِ الَّتِي يُتَناوَلُ مالُ اليَتِيمِ فِيها، واللَّهُ أعْلَمُ.

* *

تَنْبِيهٌ:

رَوى أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وغَيْرُهم أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ انْطَلَقَ مَن كانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعامَهُ مِن طَعامِهِ، وشَرابَهُ مِن شَرابِهِ، فَجَعَلَ يَفْضُلُ لَهُ الشَّيْءُ مِن طَعامِهِ فَيَحْبِسُ لَهُ حَتّى يَأْكُلَهُ أوْ يَفْسَدَ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٢٠] الآيَةَ، فَخَلَطُوا طَعامَهم بِطَعامِهِ وشَرابَهم بِشَرابِهِ، وقَدْ مَضى ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

قالَ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ومِنَ الجُهّالِ مَن قالَ: صارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةً بِتِلْكَ، وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ في المَنعِ مِنَ الظُّلْمِ، وهَذا لا يَصِيرُ مَنسُوخًا بِتِلْكَ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّ مُخالَطَةَ أمْوالِ اليَتامى - إنَّ كانَ عَلى سَبِيلِ الظُّلْمِ - فَهو مِن أعْظَمِ أبْوابِ الإثْمِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وإنْ كانَ عَلى سَبِيلِ التَّرْبِيَةِ والإحْسانِ فَهو مِن أعْظَمِ أبْوابِ البِرِّ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]

وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ: ما أشَدَّ دَلالَةَ هَذا الوَعِيدِ عَلى سَعَةِ رَحْمَتِهِ تَعالى وكَثْرَةِ عَفْوِهِ وفَضْلِهِ؛ لِأنَّ اليَتامى لَمّا بَلَغُوا في الضَّعْفِ إلى الغايَةِ القُصْوى بَلَغَتْ عِنايَةُ اللَّهِ بِهِمْ إلى الغايَةِ القُصْوى.

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.