Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 31–40 of 176

31

إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا

If you avoid the major sins which you are forbidden, We will remove from you your lesser sins and admit you to a noble entrance [into Paradise].

﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مَدْخَلًا كَرِيمًا﴾ .

اعْتِراضٌ ناسَبَ ذِكْرُهُ بَعْدَ ذِكْرِ ذَنْبَيْنِ كَبِيرَيْنِ: وهُما قَتْلُ النَّفْسِ، وأكْلُ المالِ بِالباطِلِ، عَلى عادَةِ القُرْآنِ في التَّفَنُّنِ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ، وفي انْتِهازِ الفُرَصِ في إلْقاءِ التَّشْرِيعِ عَقِبَ المَواعِظِ وعَكْسِهِ.

وقَدْ دَلَّتْ إضافَةُ ”كَبائِرَ“ إلى ”ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ“ عَلى أنَّ المَنهِيّاتِ قِسْمانِ: كَبائِرُ، ودُونَها، وهي الَّتِي تُسَمّى الصَّغائِرَ، وصْفًا بِطَرِيقِ المُقابَلَةِ، وقَدْ سُمِّيَتْ هُنا سَيِّئاتٌ. ووَعَدَ بِأنَّهُ يَغْفِرُ السَّيِّئاتِ لِلَّذِينِ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ المَنهِيّاتِ، وقالَ في آيَةِ النَّجْمِ ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] فَسَمّى الكَبائِرَ فَواحِشَ وسَمّى مُقابِلَها اللَّمَمَ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ المَعاصِيَ عِنْدَ اللَّهِ قِسْمانِ: مَعاصٍ كَبِيرَةٌ فاحِشَةٌ، ومَعاصٍ دُونَ ذَلِكَ يَكْثُرُ أنْ يُلِمَّ المُؤْمِنُ بِها، ولِذَلِكَ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَعْيِينِ الكَبائِرِ. فَعَنْ عَلِيٍّ: هي سَبْعٌ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والفِرارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، والتَّعَرُّبُ بَعْدَ الهِجْرَةِ. واسْتَدَلَّ لِجَمِيعِها بِما في القُرْآنِ مِن أدِلَّةِ جازِمِ النَّهْيِ عَنْها. وفي حَدِيثِ البُخارِيِّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «اتَّقُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ» . فَذَكَرَ الَّتِي ذَكَرَها عَلِيٌّ إلّا أنَّهُ جَعَلَ السِّحْرَ عِوَضَ التَّعَرُّبِ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: هي تِسْعٌ بِزِيادَةِ الإلْحادِ في المَسْجِدِ الحَرامِ، وعُقُوقِ الوالِدَيْنِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هي ما نُهِيَ عَنْهُ مِن أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ إلى هُنا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كُلُّ ما ورَدَ عَلَيْهِ وعِيدُ نارٍ أوْ عَذابٌ أوْ لَعْنَةٌ فَهو كَبِيرَةٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الكَبائِرُ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ في كِتابِهِ. وأحْسَنُ ضَبْطٍ لِلْكَبِيرَةِ قَوْلُ إمامِ الحَرَمَيْنِ: هي كُلُّ جَرِيمَةٍ تُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِراثِ مُرْتَكِبِها بِالدِّينِ

صفحة ٢٧

وبِضَعْفِ دِيانَتِهِ. ومِنَ السَّلَفِ مَن قالَ: الذُّنُوبُ كُلُّها سَواءٌ، إنْ كانَتْ عَنْ عَمْدٍ. وعَنْ أبِي إسْحاقَ الإسْفَرائِينِيِّ أنَّ الذُّنُوبَ كُلَّها سَواءٌ مُطْلَقًا، ونَفى الصَّغائِرَ. وهَذانِ القَوْلانِ واهِيانِ لِأنَّ الأدِلَّةَ شاهِدَةٌ بِتَقْسِيمِ الذُّنُوبِ إلى قِسْمَيْنِ، ولِأنَّ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الذُّنُوبُ مِنَ المَفاسِدِ مُتَفاوِتٌ أيْضًا، وفي الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ إثْباتُ نَوْعِ الكَبائِرِ وأكْبَرِ الكَبائِرِ.

ويَتَرَتَّبُ عَلى إثْباتِ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ أحْكامٌ تَكْلِيفِيَّةٌ: مِنها المُخاطَبَةُ بِتَجَنُّبِ الكَبِيرَةِ تَجَنُّبًا شَدِيدًا، ومِنها وُجُوبُ التَّوْبَةِ مِنها عِنْدَ اقْتِرافِها، ومِنها أنَّ تَرْكَ الكَبائِرِ يُعْتَبَرُ تَوْبَةً مِنَ الصَّغائِرِ، ومِنها سَلْبُ العَدالَةِ عَنْ مُرْتَكِبِ الكَبائِرِ، ومِنها نَقْضُ حُكْمِ القاضِي المُتَلَبِّسِ بِها، ومِنها جَوازُ هِجْرانِ المُتَجاهِرِ بِها، ومِنها تَغْيِيرُ المُنْكَرِ عَلى المُتَلَبِّسِ بِها. وتَتَرَتَّبُ عَلَيْها مَسائِلُ في أُصُولِ الدِّينِ: مِنها تَكْفِيرُ مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ عِنْدَ طائِفَةٍ مِنَ الخَوارِجِ، الَّتِي تُفَرِّقُ بَيْنَ المَعاصِي الكَبائِرِ والصَّغائِرِ، واعْتِبارُهُ مَنزِلَةً بَيْنَ الكُفْرِ والإسْلامِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، خِلافًا لِجُمْهُورِ عُلَماءِ الإسْلامِ. فَمِنَ العَجائِبِ أنْ يَقُولَ قائِلٌ: إنَّ اللَّهَ لَمْ …

32

وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا۟ ۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ۚ وَسْـَٔلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًۭا

And do not wish for that by which Allah has made some of you exceed others. For men is a share of what they have earned, and for women is a share of what they have earned. And ask Allah of his bounty. Indeed Allah is ever, of all things, Knowing.

صفحة ٢٨

﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ واسْئَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ: لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ. و: لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم.

والمُناسَبَةُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ: أنَّ التَّمَنِّيَ يُحَبِّبُ لِلْمُتَمَنِّي الشَّيْءَ الَّذِي تَمَنّاهُ، فَإذا أحَبَّهُ أتْبَعَهُ نَفْسَهُ فَرامَ تَحْصِيلَهُ وافْتَتَنَ بِهِ، فَرُبَّما بَعَثَهُ ذَلِكَ الِافْتِتانُ إلى تَدْبِيرِ الحِيَلِ لِتَحْصِيلِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ، وإلى الِاسْتِئْثارِ بِهِ عَنْ صاحِبِ الحَقِّ فَيُغْمِضُ عَيْنَهُ عَنْ مُلاحَظَةِ الواجِبِ مِن إعْطاءِ الحَقِّ صاحِبَهُ وعَنْ مَناهِي الشَّرِيعَةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الجُمَلُ المَعْطُوفُ عَلَيْها. وقَدْ أصْبَحَ هَذا التَّمَنِّي في زَمانِنا هَذا فِتْنَةً لِطَوائِفَ مِنَ المُسْلِمِينَ سَرَتْ لَهم مِن أخْلاقِ الغُلاةِ في طَلَبِ المُساواةِ مِمّا جَرَّ أُمَمًا كَثِيرَةً إلى نِحْلَةِ الشِّيُوعِيَّةِ فَصارُوا يَتَخَبَّطُونَ لِطَلَبِ التَّساوِي في كُلِّ شَيْءٍ ويُعانُونَ إرْهاقًا لَمْ يَحْصُلُوا مِنهُ عَلى طائِلٍ.

والنَّهْيُ عَنِ التَّمَنِّي وتَطَلُّعِ النُّفُوسِ إلى ما لَيْسَ لَها جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ عامًّا، فَكانَ كالتَّذْيِيلِ لِلْأحْكامِ السّابِقَةِ لِسَدِّ ذَرائِعِها وذَرائِعِ غَيْرِها، فَكانَ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ في دَرْءِ الشُّرُورِ. وقَدْ كانَ التَّمَنِّي مِن أعْظَمِ وسائِلِ الجَرائِمِ، فَإنَّهُ يُفْضِي إلى الحَسَدِ، وقَدْ كانَ أوَّلُ جُرْمٍ حَصَلَ في الأرْضِ نَشَأ عَنِ الحَسَدِ. ولَقَدْ كَثُرَ ما انْتُهِبَتْ أمْوالٌ، وقُتِلَتْ نُفُوسٌ لِلرَّغْبَةِ في بَسْطِ رِزْقٍ، أوْ فِتْنَةِ نِساءٍ، أوْ نَوالِ مُلْكٍ، والتّارِيخُ طافِحٌ بِحَوادِثَ مِن هَذا القَبِيلِ.

والَّذِي يَبْدُو أنَّ هَذا التَّمَنِّيَ هو تَمَنِّي أمْوالِ المُثْرِينَ، وتَمَنِّي أنْصِباءِ الوارِثِينَ، وتَمَنِّي الِاسْتِئْثارِ بِأمْوالِ اليَتامى ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمْ، وتَمَنِّي حِرْمانِ النِّساءِ مِنَ المِيراثِ لِيُناسِبَ ما سَبَقَ مِن إيتاءِ اليَتامى أمْوالَهم وإنْصافِ النِّساءِ في مُهُورِهِنَّ، وتَرْكِ مُضارَّتِهِنَّ إلْجاءً إلى إسْقاطِها، ومِن إعْطاءِ أنْصِباءِ الوَرَثَةِ كَما قَسَمَ اللَّهُ لَهم. وكُلُّ ذَلِكَ مِن تَفْضِيلِ بَعْضِ النّاسِ عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ.

صفحة ٢٩

وقَدْ أبْدى القَفّالُ مُناسَبَةً لِلْعَطْفِ تَنْدَرِجُ فِيما ذَكَرْتُهُ. وفي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ يَغْزُو الرِّجالُ ولا يَغْزُو النِّساءُ، وإنَّما لَنا نِصْفُ المِيراثِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ورِواياتُهُ كُلُّها حِسانٌ لَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ الصِّحَّةِ. قُلْتُ: لَمّا كانَ مُرْسَلًا يَكُونُ قَوْلُهُ: فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا تَتَمَنَّوْا﴾ إلَخْ. مِن كَلامِ مُجاهِدٍ، ومَعْناهُ أنَّ نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ كانَ قَرِيبًا مِن زَمَنِ قَوْلِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَكانَ في عُمُومِها ما يَرُدُّ عَلى أُمِّ سَلَمَةَ وغَيْرِها.

وقَدْ رُوِيَتْ آثارٌ: بَعْضُها في أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في تَمَنِّي النِّساءِ الجِهادَ، وبَعْضُها في أنَّها نَزَلَتْ في قَوْلِ امْرَأةٍ: إنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ وشَهادَةَ امْرَأتَيْنِ بِرَجُلٍ أفَنَحْنُ في العَمَلِ كَذَلِكَ، وبَعْضُها في أنَّ رِجالًا قالُوا: إنَّ ثَوابَ …

33

وَلِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ ۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدًا

And for all, We have made heirs to what is left by parents and relatives. And to those whom your oaths have bound [to you] - give them their share. Indeed Allah is ever, over all things, a Witness.

صفحة ٣٣

﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهم إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ .

الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ جامِعًا لِمَعْنى النَّهْيِ عَنِ الطَّمَعِ في مالِ صاحِبِ المالِ، قُصِدَ مِنها اسْتِكْمالُ تَبْيِينِ مَن لَهم حَقٌّ في المالِ.

وشَأْنُ (كُلٍّ) إذا حُذِفَ ما تُضافُ إلَيْهِ أنْ يُعَوِّضَ التَّنْوِينُ عَنِ المَحْذُوفِ، فَإنْ جَرى في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلى المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ قُدِّرَ المَحْذُوفُ مِن لَفْظِهِ أوْ مَعْناهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ [البقرة: ١٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وكَذَلِكَ هُنا فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ (﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٣٢]) (﴿ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٣٢]) فَيُقَدَّرُ: ولِكُلِّ الرِّجالِ والنِّساءِ جَعَلْنا مَوالِيَ، أوْ لِكُلِّ تارِكٍ جَعَلْنا مَوالِيَ.

ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ: ولِكُلِّ أحَدٍ أوْ شَيْءٍ جَعَلْنا مَوالِيَ.

والجَعْلُ مِن قَوْلِهِ (جَعَلْنا) هو الجَعْلُ التَّشْرِيعِيُّ أيْ شَرَعْنا لِكُلِّ مَوالِي لَهم حَقٌّ في مالِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا.

والمَوالِي جَمْعُ مَوْلًى وهو مَحَلُّ الوَلْيِ، أيِ القُرْبُ، وهو مَحَلٌّ مَجازِيٌّ وقُرْبٌ مَجازِيٌّ، والوَلاءُ اسْمُ المَصْدَرِ لِلْوَلْيِ المَجازِيِّ.

وفِي نَظْمِ الآيَةِ تَقادِيرُ جَدِيرَةٌ بِالِاعْتِبارِ، وجامِعَةٌ لِمَعانٍ مِنَ التَّشْرِيعِ:

الأوَّلُ: ولِكُلِّ تارِكٍ، أيْ تارِكٍ مالًا جَعَلْنا مَوالِيَ، أيْ أهْلَ ولاءٍ لَهُ، أيْ قُرْبٍ، أيْ ورَثَةٍ. ويَتَعَلَّقُ (مِمّا تَرَكَ) بِما في (مَوالِيَ) مِن مَعْنى يَلُونَهُ، أيْ يَرِثُونَهُ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، أيْ يَرِثُونَ مِمّا تَرَكَ، وماصْدَقُ (ما) المَوْصُولَةِ هو المالُ، والصِّلَةُ قَرِينَةٌ عَلى كَوْنِ المُرادِ بِالمَوالِي المِيراثَ، وكَوْنِ المُضافِ إلَيْهِ ”كُلٍّ“ هو الهالِكُ أوِ التّارِكُ، ”ولِكُلٍّ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ (جَعَلْنا)، قُدِّمَ عَلى مُتَعَلَّقِهِ لِلِاهْتِمامِ.

صفحة ٣٤

وقَوْلُهُ ”الوالِدانِ“ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بَيَّنَ بِهِ المُرادَ مِن ”مَوالِيَ“، ويَصْلُحُ أنْ يُبَيِّنَ بِهِ كُلَّ المُقَدَّرَ لَهُ مُضافٌ. تَقْدِيرُهُ: لِكُلِّ تارِكٍ. وتُبَيِّنَ كِلا اللَّفْظَيْنِ سَواءٌ في المَعْنى، لِأنَّ التّارِكَ: والِدٌ أوْ قَرِيبٌ، والمَوالِيَ: والِدُونَ أوْ قَرابَةٌ. وفي ذِكْرِ ”الوالِدانِ“ غُنْيَةٌ عَنْ ذِكْرِ الأبْناءِ لِتَلازُمِهِما، فَإنْ كانَ الوالِدانِ مِنَ الوَرَثَةِ فالهالِكُ ولَدٌ وإلّا فالهالِكُ والِدٌ. والتَّعْرِيفُ في (﴿الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾) عِوَضٌ عَنْ مُضافٍ إلَيْهِ أيْ: والِداهُمُ وأقْرَبُوهم، والمُضافُ إلَيْهِ المَحْذُوفُ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَوالِي، وهَذا التَّقْدِيرُ يُناسِبُ أنْ يَكُونَ ناشِئًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا﴾ [النساء: ٣٢]، أيْ ولِكُلٍّ مِنَ الصِّنْفَيْنِ جَعَلْنا مَوالِيَ يَرِثُونَهُ، وهو الجَعْلُ الَّذِي في آياتِ المَوارِيثِ.

والتَّقْدِيرُ الثّانِي: ولِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا تَرَكَهُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ جَعَلْنا مَوالِيَ، أيْ قَوْمًا يَلُونَهُ بِالإرْثِ، أيْ يَرِثُونَهُ، أيْ يَكُونُ تُراثًا لَهم، فَيَكُونُ المُضافُ إلَيْهِ المَحْذُوفُ اسْمًا نَكِرَةً عامًّا يُبَيِّنُ نَوْعَهُ المَقامُ، ويَكُونُ (مِمّا تَرَكَ) بَيانًا لِما في تَنْوِينِ (كُلٍّ) مِنَ الإيهامِ، ويَكُونُ (﴿الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾) …

34

ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌۭ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ۚ وَٱلَّٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّۭا كَبِيرًۭا

Men are in charge of women by [right of] what Allah has given one over the other and what they spend [for maintenance] from their wealth. So righteous women are devoutly obedient, guarding in [the husband's] absence what Allah would have them guard. But those [wives] from whom you fear arrogance - [first] advise them; [then if they persist], forsake them in bed; and [finally], strike them. But if they obey you [once more], seek no means against them. Indeed, Allah is ever Exalted and Grand.

﴿الرِّجال قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أطْعَنْكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِذِكْرِ تَشْرِيعٍ في حُقُوقِ الرِّجالِ وحُقُوقِ النِّساءِ والمُجْتَمَعِ العائِلِيِّ. وقَدْ ذُكِرَ عَقِبَ ما قَبْلُهُ لِمُناسَبَةِ الأحْكامِ الرّاجِعَةِ إلى نِظامِ العائِلَةِ، لا سِيَّما أحْكامُ النِّساءِ، فَقَوْلُهُ: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ أصْلٌ تَشْرِيعِيٌّ كُلِّيٌّ تَتَفَرَّعُ عَنْهُ الأحْكامُ الَّتِي في الآياتِ بَعْدَهُ، فَهو كالمُقَدَّمَةِ.

وقَوْلُهُ (﴿فالصّالِحاتُ﴾) تَفْرِيعٌ عَنْهُ مَعَ مُناسَبَتِهِ لِما ذُكِرَ مِن سَبَبِ نُزُولِ ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] فِيما تَقَدَّمَ.

والحُكْمُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمٌ عامٌّ جِيءَ بِهِ لِتَعْلِيلِ شَرْعٍ خاصٍّ.

صفحة ٣٨

فَلِذَلِكَ فالتَّعْرِيفُ في (الرِّجالِ والنِّساءِ) لِلِاسْتِغْراقِ. وهو اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلى النَّظَرِ إلى الحَقِيقَةِ، كالتَّعْرِيفِ في قَوْلِ النّاسِ: الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنَ المَرْأةِ، يَأُولُ إلى الِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ، لِأنَّ الأحْكامَ المُسْتَقْراةَ لِلْحَقائِقِ أحْكامُ أغْلَبِيَّةٍ، فَإذا بُنِيَ عَلَيْها اسْتِغْراقٌ فَهو اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ. والكَلامُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الأمْرِ كَشَأْنِ الكَثِيرِ مِنَ الأخْبارِ الشَّرْعِيَّةِ.

والقَوّامُ: الَّذِي يَقُومُ عَلى شَأْنِ شَيْءٍ ويَلِيهِ ويُصْلِحُهُ، يُقالُ: قَوّامٌ وقَيّامٌ وقَيُّومٌ، لِأنَّ شَأْنَ الَّذِي يَهْتَمُّ بِالأمْرِ ويَعْتَنِي بِهِ أنْ يَقِفَ لِيُدِيرَ أمْرَهُ، فَأُطْلِقَ عَلى الِاهْتِمامِ (القِيامُ) بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، أوْ شُبِّهَ المُهْتَمُّ بِالقائِمِ لِلْأمْرِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ. فالمُرادُ مِنَ الرِّجالِ مَن كانَ مِن أفْرادِ حَقِيقَةِ الرَّجُلِ، أيِ الصِّنْفُ المَعْرُوفُ مِنَ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ، وهو صِنْفُ الذُّكُورِ، وكَذَلِكَ المُرادُ مِنَ النِّساءِ صِنْفُ الإناثِ مِنَ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ، ولَيْسَ المُرادُ الرِّجالَ جَمْعَ الرَّجُلِ بِمَعْنى رَجُلِ المَرْأةِ، أيْ زَوْجِها، لِعَدَمِ اسْتِعْمالِهِ في هَذا المَعْنى، بِخِلافِ قَوْلِهِمْ: امْرَأةُ فُلانٍ، ولا المُرادُ مِنَ النِّساءِ الجَمْعَ الَّذِي يُطْلَقُ عَلى الأزْواجِ الإناثِ وإنْ كانَ ذَلِكَ قَدِ اسْتُعْمِلَ في بَعْضِ المَواضِعِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، بَلِ المُرادُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِأصْلِ الوَضْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢]، وقَوْلِ النّابِغَةِ:

ولا نِسْوَتِي حَتّى يَمُتْنَ حَرائِرا

يُرِيدُ أزْواجَهُ وبَناتَهُ ووَلاياهُ.

فَمَوْقِعُ ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ مَوْقِعُ المُقَدَّمَةِ لِلْحُكْمِ بِتَقْدِيمِ دَلِيلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِالدَّلِيلِ، إذْ قَدْ يَقَعُ سُوءُ تَأْوِيلٍ، أوْ قَدْ وقَعَ بِالفِعْلِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ قَوْلُ النِّساءِ: لَيْتَنا اسْتَوَيْنا مَعَ الرِّجالِ في المِيراثِ وشَرِكْناهم في الغَزْوِ.

وقِيامُ الرِّجالِ عَلى النِّساءِ هو قِيامُ الحِفْظِ والدِّفاعِ، وقِيامُ الِاكْتِسابِ والإنْتاجِ المالِيِّ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ أيْ: …

35

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحًۭا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًۭا

And if you fear dissension between the two, send an arbitrator from his people and an arbitrator from her people. If they both desire reconciliation, Allah will cause it between them. Indeed, Allah is ever Knowing and Acquainted [with all things].

﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقُ اللَّهُ بَيْنَهُما إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] وهَذا حُكْمُ أحْوالٍ أُخْرى تَعْرِضُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وهي أحْوالُ الشِّقاقِ مِن مُخاصَمَةٍ ومُغاضَبَةٍ وعِصْيانٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أسْبابِ الشِّقاقِ، أيْ دُونَ نُشُوزٍ مِنَ المَرْأةِ.

صفحة ٤٥

والمُخاطَبُ هُنا وُلاةُ الأُمُورِ لا مَحالَةَ، وذَلِكَ يُرَجِّحُ أنْ يَكُونُوا هُمُ المُخاطَبِينَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها.

والشِّقاقُ مَصْدَرٌ كالمُشاقَّةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الشِّقِّ بِكَسْرِ الشِّينِ أيِ النّاحِيَةِ. لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَصِيرُ في ناحِيَةٍ، عَلى طَرِيقَةِ التَّخْيِيلِ، كَما قالُوا في اشْتِقاقِ العَدُوِّ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن عَدْوَةِ الوادِي. وعِنْدِي أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّقِّ بِفَتْحِ الشِّينِ وهو الصَّدْعُ والتَّفَرُّعُ، ومِنهُ قَوْلُهم: شَقَّ عَصا الطّاعَةِ، والخِلافُ شِقاقٌ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧] وأضافَ الشِّقاقَ إلى (بَيْنِ) . إمّا لِإخْراجِ لَفْظِ (بَيْنِ) عَنِ الظَّرْفِيَّةِ إلى مَعْنى البُعْدِ الَّذِي يَتَباعَدُهُ الشَّيْئانِ، أيْ شِقاقُ تَباعُدٍ، أيْ تَجافٍ؛ وإمّا عَلى وجْهِ التَّوَسُّعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ [سبإ: ٣٣] وقَوْلِ الشّاعِرِ:

يا سارِقَ اللَّيْلَةَ أهْلَ الدّارِ

ومَن يَقُولُ بِوُقُوعِ الإضافَةِ عَلى تَقْدِيرٍ ”في“ يَجْعَلُ هَذا شاهِدًا لَهُ كَقَوْلِهِ ”هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنَكَ“، والعَرَبُ يَتَوَسَّعُونَ في هَذا الظَّرْفِ كَثِيرًا، وفي القُرْآنِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] في قِراءَةِ الرَّفْعِ.

وضَمِيرُ (بَيْنِهِما) عائِدٌ إلى الزَّوْجَيْنِ المَفْهُومَيْنِ مِن سِياقِ الكَلامِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ [النساء: ٣٤] .

والحَكَمُ بِفَتْحَتَيْنِ الحاكِمُ الَّذِي يُرْضى لِلْحُكُومَةِ بِغَيْرِ ولايَةٍ سابِقَةٍ، وهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن قَوْلِهِمْ: حَكَّمُوهُ فَحَكَمَ، وهو اسْمٌ قَدِيمٌ في العَرَبِيَّةِ، وكانُوا لا يُنَصِّبُونَ القُضاةَ، ولا يَتَحاكَمُونَ إلّا إلى السَّيْفِ، ولَكِنَّهم قَدْ يَرْضَوْنَ بِأحَدِ عُقَلائِهِمْ يَجْعَلُونَهُ حَكَمًا في بَعْضِ حَوادِثِهِمْ، وقَدْ تَحاكَمَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وعَلْقَمَةُ بْنُ عُلاثَةَ لَدى هَرِمِ بْنِ سِنانٍ العَبْسِيِّ، وهي المُحاكَمَةُ الَّتِي ذَكَرَها الأعْشى في قَصِيدَتِهِ الرّائِيَةِ القائِلِ فِيها:

عَلْقَمَ ما أنْتَ إلى عامِرٍ ∗∗∗ النّاقِضِ الأوْتارِ والواتِرِ

وتَحاكَمَ أبْناءُ نِزارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنانَ إلى الأفْعى الجُرْهُمِيِّ، كَما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ.

صفحة ٤٦

والضَّمِيرانِ في قَوْلِهِ ”مِن أهْلِهِ“ و”مِن أهْلِها“ عائِدانِ عَلى مَفْهُومَيْنِ مِنَ الكَلامِ: وهُما الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ، واشْتُرِطَ في الحَكَمَيْنِ أنْ يَكُونَ أحَدُهُما مِن أهْلِ الرَّجُلِ والآخَرُ مِن أهْلِ المَرْأةِ لِيَكُونا أعْلَمَ بِدَخْلِيَّةِ أمْرِهِما وأبْصَرَ في شَأْنِ ما يُرْجى مِن حالِهِما، ومَعْلُومٌ أنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِما الصِّفاتُ الَّتِي تُخَوِّلُهُما الحُكْمَ في الخِلافِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ. قالَ مالِكٌ: إذا تَعَذَّرَ وُجُودُ حَكَمَيْنِ مِن أهْلِهِما فَيُبْعَثُ مِنَ الأجانِبِ، قالَ ابْنُ الفُرْسِ: فَإذا بَعَثَ الحاكِمُ أجْنَبِيَّيْنِ مَعَ وُجُودِ الأهْلِ فَيُشْبِهُ أنْ يُقالَ يُنْتَقَضُ …

36

۞ وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًۭا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًۭا فَخُورًا

Worship Allah and associate nothing with Him, and to parents do good, and to relatives, orphans, the needy, the near neighbor, the neighbor farther away, the companion at your side, the traveler, and those whom your right hands possess. Indeed, Allah does not like those who are self-deluding and boastful.

صفحة ٤٨

﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ .

عَطْفُ تَشْرِيعٍ يَخْتَصُّ بِالمُعامَلَةِ مَعَ ذَوِي القُرْبى والضُّعَفاءِ، وقَدَّمَ لَهُ الأمْرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وعَدَمِ الإشْراكِ عَلى وجْهِ الإدْماجِ، لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الأمْرِ وأنَّهُ أحَقُّ ما يَتَوَخّاهُ المُسْلِمُ، تَجْدِيدًا لِمَعْنى التَّوْحِيدِ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ كَما قَدَّمَ لِذَلِكَ في طالِعِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] . والمُناسَبَةُ هي ما أُرِيدَ جَمْعُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن أحْكامِ أواصِرِ القَرابَةِ في النَّسَبِ والدِّينِ والمُخالَطَةِ.

والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ الأمْرَ بِالعِبادَةِ عَلى النَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ لِأنَّهم قَدْ تَقَرَّرَ نَفْيُ الشِّرْكِ بَيْنَهم وأُرِيدَ مِنهم دَوامُ العِبادَةِ لِلَّهِ، والِاسْتِزادَةُ مِنها، ونُهُوا عَنِ الشِّرْكِ تَحْذِيرًا مِمّا كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ، ومَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ في قُوَّةِ صِيغَةِ حَصْرٍ؛ إذْ مُفادُهُ: اعْبُدُوا اللَّهَ ولا تَعْبُدُوا غَيْرَهُ فاشْتَمَلَ عَلى مَعْنى إثْباتٍ ونَفْيٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ. والعُدُولُ عَنْ طَرِيقِ القَصْرِ في مِثْلِ هَذا طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ جاءَ عَلَيْها قَوْلُ السَّمَوْألِ، أوْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الحارِثِيِّ:

تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنا ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ

وإنَّما يُصارُ إلَيْها عِنْدَما يَكُونُ الغَرَضُ الأوَّلُ هو طَرَفَ الإثْباتِ، ثُمَّ يَقْصِدُ بَعْدَ ذَلِكَ نَفِيَ الحُكْمِ عَمّا عَدا المُثْبَتِ لَهُ، لِأنَّهُ إذا جِيءَ بِالقَصْرِ كانَ المَقْصِدُ الأوَّلُ هو نَفْيَ الحُكْمِ عَمّا عَدا المَذْكُورِ وذَلِكَ غَيْرُ مُقْتَضى المَقامِ هُنا، ولِأجْلِ ذَلِكَ لَمّا خُوطِبَ بَنُو إسْرائِيلَ بِنَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ خُوطِبُوا بِطَرِيقَةِ القَصْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] الآيَةَ، لِأنَّ المَقْصُودَ الأوَّلَ إيقاظُهم إلى إبْطالِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، لِأنَّهم قالُوا لِمُوسى ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ولِأنَّهم عَبَدُوا العِجْلَ في مُدَّةِ مُناجاةِ مُوسى رَبَّهُ، فَأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ بِالنَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ.

صفحة ٤٩

وكَذَلِكَ البَيْتُ فَإنَّ الغَرَضَ الأهَمَّ هو التَّمَدُّحُ بِأنَّهم يُقْتَلُونَ في الحَرْبِ، فَتَزْهَقُ نُفُوسُهم بِالسُّيُوفِ، ثُمَّ بَدا لَهُ فَأعْقَبَهُ بِأنَّ ذَلِكَ شَنْشَنَةٌ فِيهِمْ لا تَتَخَلَّفُ ولا مُبالَغَةَ فِيها.

و”شَيْئًا“ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ ”تُشْرِكُوا“ أيْ لا تَجْعَلُوا شَرِيكًا شَيْئًا مِمّا يُعْبَدُ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ [الجن: ٢] ويَجُوزُ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ ولَوْ ضَعِيفًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤٢] .

وقَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ اهْتِمامٌ بِشَأْنِ الوالِدَيْنِ إذْ جَعَلَ الأمْرَ بِالإحْسانِ إلَيْهِما عَقِبَ الأمْرِ بِالعِبادَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وقَوْلُهُ: ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ووَصَّيْنا …

37

ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا

Who are stingy and enjoin upon [other] people stinginess and conceal what Allah has given them of His bounty - and We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment -

صفحة ٥٢

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مَن فَضْلِهِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ ﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ .

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، جِيءَ بِهِ عَقِبَ الأمْرِ بِالإحْسانِ لِمَن جَرى ذِكْرُهم في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، ومُناسَبَةُ إرْدافِ التَّحْرِيضِ عَلى الإحْسانِ التَّحْذِيرُ مِن ضِدِّهِ وما يُشْبِهُ ضِدَّهُ مِن كُلِّ إحْسانٍ غَيْرِ صالِحٍ؛ فَقُوبِلَ الخُلُقُ الَّذِي دَعاهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ بِأخْلاقِ أهْلِ الكُفْرِ وحِزْبِ الشَّيْطانِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ ما في خِلالِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن ذِكْرِ الكافِرِينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ.

ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ مُبْتَدَأً، وحُذِفَ خَبَرُهُ ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ . وقُصِدَ العُدُولُ عَنِ العَطْفِ: لِتَكُونَ مُسْتَقِلَّةً، ولِما فِيهِ مِن فائِدَةِ العُمُومِ، وفائِدَةِ الإعْلامِ بِأنَّ هَؤُلاءِ مِنَ الكافِرِينَ. فالتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ أعَتَدْنا لَهم عَذابًا مُهِينًا وأعْتَدْنا ذَلِكَ لِلْكافِرِينَ أمْثالِهِمْ، وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ﴾ مَعْطُوفَةً أيْضًا عَلى جُمْلَةِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ مَحْذُوفَةَ الخَبَرِ أيْضًا، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا﴾ إلَخْ. والتَّقْدِيرُ: والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ قَرِينُهُمُ الشَّيْطانُ. ونُكْتَةُ العُدُولِ إلى العَطْفِ مِثْلُ نُكْتَةِ ما قَبْلَها.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بَدَلًا مِن ”مَن“ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، وجُمْلَةُ ”وأعْتَدْنا“ مُعْتَرِضَةٌ. وهَؤُلاءِ هُمُ المُشْرِكُونَ المُتَظاهِرُونَ بِالكُفْرِ، وكَذَلِكَ المُنافِقُونَ.

والبُخْلُ بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الخاءِ اسْمُ مَصْدَرِ بَخِلَ مِن بابِ فَرِحَ، ويُقالُ البَخَلُ بِفَتْحِ الباءِ والخاءِ وهو مَصْدَرُهُ القِياسِيُّ، قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الباءِ وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ الباءِ والخاءِ.

صفحة ٥٣

والبُخْلُ: ضِدُّ الجُودِ وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ومَعْنى ﴿يَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ يَحُضُّونَ النّاسَ عَلَيْهِ، وهَذا أشَدُّ البُخْلِ، قالَ أبُو تَمّامٍ:

وإنِ امْرَأً ضَنَّتْ يَداهُ عَلى امْرِئٍ بِنَيْلِ يَدٍ مِن غَيْرِهِ لَـبَـخِـيلُ

والكِتْمانُ: الإخْفاءُ. و﴿ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِهِ المالُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مَن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهم يَبْخَلُونَ ويَعْتَذِرُونَ بِأنَّهم لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ كِتْمانُ التَّوْراةِ بِما فِيها مِن صِفَةِ النَّبِيءِ ﷺ فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ المُرادُ بِالَّذِينَ يَبْخَلُونَ: المُنافِقِينَ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ المُرادُ بِهِمُ: اليَهُودَ؛ وهَذا …

38

وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَٰنُ لَهُۥ قَرِينًۭا فَسَآءَ قَرِينًۭا

And [also] those who spend of their wealth to be seen by the people and believe not in Allah nor in the Last Day. And he to whom Satan is a companion - then evil is he as a companion.

صفحة ٥٢

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مَن فَضْلِهِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ ﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ .

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، جِيءَ بِهِ عَقِبَ الأمْرِ بِالإحْسانِ لِمَن جَرى ذِكْرُهم في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، ومُناسَبَةُ إرْدافِ التَّحْرِيضِ عَلى الإحْسانِ التَّحْذِيرُ مِن ضِدِّهِ وما يُشْبِهُ ضِدَّهُ مِن كُلِّ إحْسانٍ غَيْرِ صالِحٍ؛ فَقُوبِلَ الخُلُقُ الَّذِي دَعاهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ بِأخْلاقِ أهْلِ الكُفْرِ وحِزْبِ الشَّيْطانِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ ما في خِلالِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن ذِكْرِ الكافِرِينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ.

ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ مُبْتَدَأً، وحُذِفَ خَبَرُهُ ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ . وقُصِدَ العُدُولُ عَنِ العَطْفِ: لِتَكُونَ مُسْتَقِلَّةً، ولِما فِيهِ مِن فائِدَةِ العُمُومِ، وفائِدَةِ الإعْلامِ بِأنَّ هَؤُلاءِ مِنَ الكافِرِينَ. فالتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ أعَتَدْنا لَهم عَذابًا مُهِينًا وأعْتَدْنا ذَلِكَ لِلْكافِرِينَ أمْثالِهِمْ، وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ﴾ مَعْطُوفَةً أيْضًا عَلى جُمْلَةِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ مَحْذُوفَةَ الخَبَرِ أيْضًا، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا﴾ إلَخْ. والتَّقْدِيرُ: والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ قَرِينُهُمُ الشَّيْطانُ. ونُكْتَةُ العُدُولِ إلى العَطْفِ مِثْلُ نُكْتَةِ ما قَبْلَها.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بَدَلًا مِن ”مَن“ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، وجُمْلَةُ ”وأعْتَدْنا“ مُعْتَرِضَةٌ. وهَؤُلاءِ هُمُ المُشْرِكُونَ المُتَظاهِرُونَ بِالكُفْرِ، وكَذَلِكَ المُنافِقُونَ.

والبُخْلُ بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الخاءِ اسْمُ مَصْدَرِ بَخِلَ مِن بابِ فَرِحَ، ويُقالُ البَخَلُ بِفَتْحِ الباءِ والخاءِ وهو مَصْدَرُهُ القِياسِيُّ، قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الباءِ وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ الباءِ والخاءِ.

صفحة ٥٣

والبُخْلُ: ضِدُّ الجُودِ وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ومَعْنى ﴿يَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ يَحُضُّونَ النّاسَ عَلَيْهِ، وهَذا أشَدُّ البُخْلِ، قالَ أبُو تَمّامٍ:

وإنِ امْرَأً ضَنَّتْ يَداهُ عَلى امْرِئٍ بِنَيْلِ يَدٍ مِن غَيْرِهِ لَـبَـخِـيلُ

والكِتْمانُ: الإخْفاءُ. و﴿ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِهِ المالُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مَن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهم يَبْخَلُونَ ويَعْتَذِرُونَ بِأنَّهم لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ كِتْمانُ التَّوْراةِ بِما فِيها مِن صِفَةِ النَّبِيءِ ﷺ فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ المُرادُ بِالَّذِينَ يَبْخَلُونَ: المُنافِقِينَ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ المُرادُ بِهِمُ: اليَهُودَ؛ وهَذا …

39

وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا

And what [harm would come] upon them if they believed in Allah and the Last Day and spent out of what Allah provided for them? And Allah is ever, about them, Knowing.

صفحة ٥٢

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مَن فَضْلِهِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ ﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ .

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، جِيءَ بِهِ عَقِبَ الأمْرِ بِالإحْسانِ لِمَن جَرى ذِكْرُهم في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، ومُناسَبَةُ إرْدافِ التَّحْرِيضِ عَلى الإحْسانِ التَّحْذِيرُ مِن ضِدِّهِ وما يُشْبِهُ ضِدَّهُ مِن كُلِّ إحْسانٍ غَيْرِ صالِحٍ؛ فَقُوبِلَ الخُلُقُ الَّذِي دَعاهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ بِأخْلاقِ أهْلِ الكُفْرِ وحِزْبِ الشَّيْطانِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ ما في خِلالِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن ذِكْرِ الكافِرِينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ.

ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ مُبْتَدَأً، وحُذِفَ خَبَرُهُ ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ . وقُصِدَ العُدُولُ عَنِ العَطْفِ: لِتَكُونَ مُسْتَقِلَّةً، ولِما فِيهِ مِن فائِدَةِ العُمُومِ، وفائِدَةِ الإعْلامِ بِأنَّ هَؤُلاءِ مِنَ الكافِرِينَ. فالتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ أعَتَدْنا لَهم عَذابًا مُهِينًا وأعْتَدْنا ذَلِكَ لِلْكافِرِينَ أمْثالِهِمْ، وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ﴾ مَعْطُوفَةً أيْضًا عَلى جُمْلَةِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ مَحْذُوفَةَ الخَبَرِ أيْضًا، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا﴾ إلَخْ. والتَّقْدِيرُ: والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ قَرِينُهُمُ الشَّيْطانُ. ونُكْتَةُ العُدُولِ إلى العَطْفِ مِثْلُ نُكْتَةِ ما قَبْلَها.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بَدَلًا مِن ”مَن“ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، وجُمْلَةُ ”وأعْتَدْنا“ مُعْتَرِضَةٌ. وهَؤُلاءِ هُمُ المُشْرِكُونَ المُتَظاهِرُونَ بِالكُفْرِ، وكَذَلِكَ المُنافِقُونَ.

والبُخْلُ بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الخاءِ اسْمُ مَصْدَرِ بَخِلَ مِن بابِ فَرِحَ، ويُقالُ البَخَلُ بِفَتْحِ الباءِ والخاءِ وهو مَصْدَرُهُ القِياسِيُّ، قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الباءِ وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ الباءِ والخاءِ.

صفحة ٥٣

والبُخْلُ: ضِدُّ الجُودِ وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ومَعْنى ﴿يَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ يَحُضُّونَ النّاسَ عَلَيْهِ، وهَذا أشَدُّ البُخْلِ، قالَ أبُو تَمّامٍ:

وإنِ امْرَأً ضَنَّتْ يَداهُ عَلى امْرِئٍ بِنَيْلِ يَدٍ مِن غَيْرِهِ لَـبَـخِـيلُ

والكِتْمانُ: الإخْفاءُ. و﴿ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِهِ المالُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مَن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهم يَبْخَلُونَ ويَعْتَذِرُونَ بِأنَّهم لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ كِتْمانُ التَّوْراةِ بِما فِيها مِن صِفَةِ النَّبِيءِ ﷺ فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ المُرادُ بِالَّذِينَ يَبْخَلُونَ: المُنافِقِينَ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ المُرادُ بِهِمُ: اليَهُودَ؛ وهَذا …

40

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةًۭ يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Indeed, Allah does not do injustice, [even] as much as an atom's weight; while if there is a good deed, He multiplies it and gives from Himself a great reward.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةٌ يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَعْدَ أنْ وصَفَ حالَهم، وأقامَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ، وأراهم تَفْرِيطَهم مَعَ سُهُولَةِ أخْذِهِمْ بِالحَيْطَةِ لِأنْفُسِهِمْ لَوْ شاءُوا، بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الظُّلْمِ القَلِيلِ، بَلْهَ الظُّلْمِ الشَّدِيدِ، فالكَلامُ تَعْرِيضٌ بِوَعِيدٍ مَحْذُوفٍ هو مِن جِنْسِ العِقابِ، وأنَّهُ في حَقِّهِمْ عَدْلٌ، لِأنَّهُمُ اسْتَحَقُّوهُ بِكُفْرِهِمْ، وقَدْ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ المُقَدَّرِ أيْضًا مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةٌ﴾ ولَمّا كانَ المَنفِيُّ الظُّلْمَ، عَلى أنَّ مِثْقالَ ذَرَّةٍ تَقْدِيرٌ لِأقَلِّ ظُلْمٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ المُسِيءَ بِأكْثَرِ مِن جَزاءِ سَيِّئَتِهِ.

وانْتَصَبَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ بِالنِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ، أيْ لا يَظْلِمُ ظُلْمًا مُقَدَّرًا بِمِثْقالِ ذَرَّةٍ، والمِثْقالُ ما يَظْهَرُ بِهِ الثِّقَلُ، فَلِذَلِكَ صِيغَ عَلى وزْنِ اسْمِ الآلَةِ، والمُرادُ بِهِ المِقْدارُ.

والذَّرَّةُ تُطْلَقُ عَلى بَيْضَةِ النَّمْلَةِ، وعَلى ما يَتَطايَرُ مِنَ التُّرابِ عِنْدَ النَّفْخِ، وهَذا أحْقَرُ ما يُقَدَّرُ بِهِ، فُعُلِمَ انْتِفاءُ ما هو أكْثَرُ مِنهُ بِالأوْلى. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ”حَسَنَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ ”تَكُ“ مُضارِعُ كانَ التّامَّةِ، أيْ إنْ تُوجَدْ حَسَنَةٌ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ (حَسَنَةً) عَلى الخَبَرِيَّةِ لِـ ”تَكُ“ عَلى اعْتِبارِ كانَ ناقِصَةً، واسْمُ كانَ المُسْتَتِرُ عائِدٌ إلى مِثْقالِ ذَرَّةٍ، وجِيءَ بِفِعْلِ الكَوْنِ بِصِيغَةِ فِعْلِ المُؤَنَّثِ مُراعاةً لِلَفْظِ ”ذَرَّةٍ“ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ (مِثْقالُ) لِأنَّ لَفْظَ ”مِثْقالَ“ مُبْهَمٌ لا يُمَيِّزُهُ إلّا لَفْظُ ذَرَّةٍ فَكانَ كالمُسْتَغْنى عَنْهُ.

صفحة ٥٦

والمُضاعَفَةُ إضافَةُ الضِّعْفِ بِكَسْرِ الضّادِ أيِ المَثَلِ، يُقالُ: ضاعَفَ وضَعَّفَ وأضْعَفَ، وهي بِمَعْنًى واحِدٍ عَلى التَّحْقِيقِ عِنْدَ أيِمَّةِ اللُّغَةِ، مِثْلِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ (ضاعَفَ) يَقْتَضِي أكْثَرَ مِن ضِعْفٍ واحِدٍ و(ضَعَّفَ) يَقْتَضِي ضِعْفَيْنِ. ورُدَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] . وأمّا دَلالَةُ إحْدى الصِّيَغِ الثَّلاثِ عَلى مِقْدارِ التَّضْعِيفِ فَيُؤْخَذُ مِنَ القَرائِنِ لِحِكْمَةِ الصِّيغَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُضاعِفْها، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: (يُضَعِّفْها) بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ العَيْنِ وبِتَشْدِيدِ العَيْنِ.

والأجْرُ العَظِيمُ ما يُزادُ عَلى الضِّعْفِ، ولِذَلِكَ أضافَهُ اللَّهُ تَعالى إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، فَقالَ ”مِن لَدُنْهُ“ إضافَةَ تَشْرِيفٍ. وسَمّاهُ أجْرًا لِكَوْنِهِ جَزاءً عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ هَذا نَزَلَ في ثَوابِ الهِجْرَةِ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.