Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi

Ayahs 31–40 of 176

31

إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا

If you avoid the major sins which you are forbidden, We will remove from you your lesser sins and admit you to a noble entrance [into Paradise].

وقرأ ابن جبير وابن مسعود {كبير} : بالإِفراد، والمراد به الكفر. وقرأ المفضل «يُكَفِّرْ» و «يُدْخِلْكم» بياء الغيبة لله تعالى. وابن عباس «مِنْ سيئاتكم» بزيادة «من» .

وقرأ نافع وحده هنا وفي الحج: «مَدْخَلاً» بفتح الميم، والباقون بضمها، ولم يختلفوا في ضم التي في الإِسراء. فأما المضمومُ الميمِ فإنه يحتمل وجهين، أحدهما: أنه مصدر، وقد تقرَّر أن اسم المصدر من الرباعي فما فوقَه كاسمِ المفعول، والمَدْخول فيه على هذا محذوفٌ أي: ويُدْخِلْكم الجنة إدخالاً. والثاني: أنه اسم مكان الدخول، وفي نصبِه حينئذ احتمالان، أحدُهما: أنه منصوبٌ على الظرف، وهو مذهبُ سيبويه. والثاني: أنه مفعولٌ به وهو مذهب الأخفش. وهكذا كلُّ مكان مختص بعد «دخل» فإن فيه هذين المذهبين وهذه القراءةُ واضحةٌ؛ لأنَّ اسم المصدر والمكان جاريان على فعليهما.

وأمَّا قراءة نافع فتحتاج إلى تأويل، وذلك لأن المفتوح الميم إنما هو من الثلاثي، والفعلُ السابق لهذا كما رأيت رباعي، فقيل: إنه منصوب بفعلٍ مقدر مطاوع لهذا الفعل، والتقدير: يُدْخلكم فتدخلون مَدْخلاً، و «مَدْخلاً» منصوب على ما تقدم: إمَّا المصدريةِ وإمَّا المكانيةِ بوجهيها.

وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد نحو: {أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً} [نوح: 17] على أحد القولين.

32

وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا۟ ۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ۚ وَسْـَٔلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًۭا

And do not wish for that by which Allah has made some of you exceed others. For men is a share of what they have earned, and for women is a share of what they have earned. And ask Allah of his bounty. Indeed Allah is ever, of all things, Knowing.

و {ما} في قوله تعالى: {مَا فَضَّلَ الله} : موصولةٌ أو نكرة موصوفة، والعائدُ الهاءُ في «به» . و «بعضَكم» مفعول ب «فَضَّل» و «على بعض» متعلق به.

قوله: {واسألوا} : الجمهورُ على إثباتِ الهمزة في الأمر من السؤال الموجَّه نحو المخاطب إذا تقدَّمه واو أو فاء نحو: {فَاسْأَلِ الذين} [يونس: 94] {واسألوا الله مِن فَضْلِهِ} [النساء: 32] . وابن كثير والكسائي بنَقْل حركةِ الهمزة إلى السين تخفيفاً لكثرةِ استعماله. فإنْ لم تتقدَّمه واو ولا فاء فالكل على النقل نحو: {سَلْ بني إِسْرَائِيلَ} [البقرة: 211] ، وإن كان لغائب فالكل على الهمز نحو: {وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ} [الممتحنة: 10] . ووهم ابن عطية فنقل اتفاقَ القراء على الهمز في نحو: {وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ} [الممتحنة: 10] وليس اتفاقهم في هذا بل في {وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ} كما تقدم. وتخفيفُ الهمز لغة الحجاز، ويحتمل أن يكون ذلك من لغةِ مَنْ يقول: «سال يسال» بألفٍ محضة، وقد تقدم تحقيق ذلك في البقرة عند «سَلْ بني إسرائيل» فعليك بالالتفات إليه، وهذا إنما يتأتَّى في «سل» و «فسل» وأما «وسَلوا» فلا يتأتَّى فيه ذلك؛ لأنه كان ينبغي أن يُقال: سالوا كخَافوا، وقد يقال: إنه التزَم الحذفَ لكثرةِ الدَّوْر.

وهو يتعدَّى لاثنين، والجلالةَ مفعول أول، وفي الثاني قولان، أحدهما: أنه محذوف فقدَّره ابن عطية: «أمانيَّكم» ، وقدره غيره: شيئاً من فضله، فحذف الموصوف وأبقى صفته نحو: «أطعمته من اللحم» أي: شيئاً منه، و «مِنْ» تبعيضية. والثاني: أن «مِنْ» زائدة، والتقدير: {واسألوا الله مِن فَضْلِهِ} ، وهذا إنما يتمشى على رأي الأخفش لفقدانِ الشرطين، وهما تنكيرُ المجرور وكونُ الكلام غيرَ موجَبٍ.

33

وَلِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ ۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدًا

And for all, We have made heirs to what is left by parents and relatives. And to those whom your oaths have bound [to you] - give them their share. Indeed Allah is ever, over all things, a Witness.

قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا} : فيه ستة أوجه، وذلك يستدعي مقدمة قبله، وهو أن «كل» لا بُدَّ لها من شيءٍ تُضاف إليه. واختلفوا في تقديره: قيل: تقديرُه: «ولكلِّ إنسانٍ» ، وقيل: لكل مال، وقيل: لكل قوم، فإنْ كان التقدير: «لكلِّ إنسان» ففيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: «ولكلِّ إنسانٍ موروثٍ جعلنا مواليَ» أي: وُرَّاثاً مِمَّا ترك، ففي «ترك» ضمير عائد على «كل» وهنا تم الكلام، ويتعلق «مِمَّا ترك» ب «مواليَ» لِما فيه من معنى الوراثة، أو بفعل مقدَّرٍ أي: يَرِثون مما. «مواليَ» مفعول أول ل «جعل» بمعنى صَيَّر، و «لكل» جارٌ ومجرور هو المفعول الثاني قُدِّم على عامِلِه، ويرتفع «الوالدان» على خبر مبتدأ محذوف، أو بفعل مقدر أي: يَرِثون مما، كأنه قيل: ومَنْ الوارث؟ فقيل: هم الوالدان والأقربون، والأصل: «وجعلنا لكلِّ ميتٍ وُرَّاثاً يَرِثون ممَّا تركه هم الوالدان والأقربون.

والثاني: أنَّ التقديرَ:» ولكلِّ إنسانٍ موروثٍ جَعَلنا وُرَّاثاً مما ترك ذلك الإِنسان «ثم بَيَّن الإِنسانَ المضافَ إليه» كل «بقوله: الوالدان، كأنه قيل: ومَنْ هو هذا الإِنسانُ الموروث؟ فقيل: الوالدان والأقربون. والإِعرابُ كما تقدَّم في الوجهِ قبله. وإنما الفرق بينهما أن الوالدين في الأول وارثون، وفي الثاني مَوْروثون، وعلى هذين الوجهين فالكلام جملتان، ولا ضمير محذوف في» جعلنا «، و» موالي «مفعول أول، و» لكل «مفعول ثان.

الثالث: أن يكون التقدير: ولكل إنسان وارثٍ مِمَّنْ تركه الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي: موروثين، فيُراد بالمَوْلى الموروثُ، ويرتفع» الوالدان «ب» ترك «، وتكون» ما «بمعنى» مَن «، والجار والمجرور صفةٌ للمضافِ إليه» كل «، والكلامُ على هذا جملةٌ واحدة، وفي هذا بُعْدٌ كبير.

الرابع: وإنْ كان التقدير:» ولكل قوم «فالمعنى: ولكل قوم جعلناهم مواليَ نصيبٌ مِمَّا تركه والدُهم وأقربوهم، ف» لكل «خبر مقدم، و» نصيب «مبتدأٌ مؤخر، و» جَعَلْناهم «صفةٌ لقوم، والضمير العائد عليهم مفعولُ» جَعَل «و» مواليَ «: إمَّا ثانٍ وإمَّا حالٌ، على أنها بمعنى» خلقنا، و «مِمَّا ترك» صفة للمبتدأ، ثم حُذِف المبتدأ وبقيت صفتُه، وحُذِف المضاف إليه «كل» وبقيت صفتُه أيضاً، وحُذِف العائد على الموصوفِ. ونظيرُه: «لكلِّ خلقه الله إنساناً مِنْ رزق الله» أي: لكل أحد خلقه الله إنساناً نصيبٌ من رزق الله.

الخامس: وإنْ كان التقدير: «ولكلِّ مال» فقالوا: يكون المعنى: ولكلِّ مال مِمَّا تركه الولدان والأقربون جعلنا مواليَ أي: وُرَّاثاً يَلُونه ويَحُوزونه، وجعلوا «لكل» متعلقةً ب «جعل» ، و «مما ترك» صفة ل «كل» ، الوالدان فاعلٌ ب «ترك» فيكون الكلام على هذا وعلى الوجهين قبله كلاماً واحداً، وهذا وإن كان حسناً إلا أن فيه الفصلَ بين الصفة والموصوف بجملةٍ عاملةٍ في الموصوف. قال الشيخ: «وهو نظير قولك:» بكلِّ رجلٍ مررت تميميٍ «وفي جواز ذلك نظر» . قلت: ولا يحتاج إلى نظر؛ لأنه قد وُجد الفصلُ بين الموصوف وصفته بالجملة العاملة في المضاف إلى الموصوف، كقوله تعالى: { قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السماوات} [الأنعام: 14] ف «فاطر» صفةٌ ل «الله» ، وقد فُصِل بينهما ب «أتَّخِذُ» العامل في «غير» فهذا أولى.

السادس: أَنْ يكونَ «لكلِّ مال» مفعولاً ثانياً ل «جعل» على أنها تصييرية، و «مواليَ» مفعول أول، والإِعراب على ما تقدم. وهذا نهايةُ ما قيل في هذه الآية فلله الحمد.

قوله: {والذين عَاقَدَتْ} في مَحَلِّه أربعةُ أوجه، أحدها: أنه مبتدأ والخبر قوله: «فآتوهم» . الثاني: أنه منصوب على الاشتغال بإضمار فعل، وهذا أرجحُ من حيث إنَّ بعده طَلَباً. والثالث: أنه مرفوعٌ عطفاً على «الوالدان والأقربون» فإنْ أريد بالوالدين أنهم موروثون عادَ الضميرُ مِنْ «فآتوهم» على «موالي» ، وإنْ أُريد أنهم وارثون جازَ عَوْدُه على «مواليَ» وعلى الوالدين وما عُطف عليهم. الرابع: أنه …

34

ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌۭ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ۚ وَٱلَّٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّۭا كَبِيرًۭا

Men are in charge of women by [right of] what Allah has given one over the other and what they spend [for maintenance] from their wealth. So righteous women are devoutly obedient, guarding in [the husband's] absence what Allah would have them guard. But those [wives] from whom you fear arrogance - [first] advise them; [then if they persist], forsake them in bed; and [finally], strike them. But if they obey you [once more], seek no means against them. Indeed, Allah is ever Exalted and Grand.

وقوله تعالى: {عَلَى النسآء} : متعلِّقٌ ب «قَوَّامون» وكذا «بما» ، والباء سببية، ويجوز أن تكونَ للحال، فتتعلَّق بمحذوف؛ لأنها حال من الضمير في «قَوَّامون» تقديرُه: مستحقين بتفضيل الله إياهم. و «ما» مصدريةٌ وقيل: بمعنى الذي. وهو ضعيفٌ لحَذْفِ العائد من غير مُسَوِّغ. والبعضُ الأولُ المرادُ به الرجال والبعضُ الثاني النساء، وعَدل عن الضميرين فلم يَقُلْ: بما فَضَّلهم الله عليهنَّ للإِبهام الذي في «بعض» . و «بما أنفقوا» متعلقٌ بما تعلَّق به الأولُ. و «ما» يجوز هنا أن تكونَ بمعنى الذي من غيرِ ضَعْفٍ؛ لأنَّ للحذف مسوغاً أي: وبما أنفقوه مِنْ أموالِهم.

و {مِنْ أَمْوَالِهِمْ} متعلقٌ ب «أَنْفَقوا» ؛ أو بمحذوف على أنه حال من الضمير المحذوف. قوله: {فالصالحات قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ} «الصالحات» : مبتدأ وما بعده خبران له. و «للغيب» متعلق ب «حافظات» . وأل في «الغيب» عوضٌ من الضمير عند الكوفيين كقوله: {واشتعل الرأس شَيْباً} [مريم: 4] أي: رأسي وقوله:

1577 - لَمْياءُ في شَفَتيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ ... وفي اللِّثاتِ وفي أَنْيابِها شَنَبُ

أي: لِثاتِها:

والجمهورُ على رفع الجلالة من «حَفِظ اللهُ» . وفي «ما» على هذه القراءةِ ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها مصدريةٌ والمعنى: بحِفْظِ الله إياهن أي: بتوفيقِه لهن أو بالوصية منه تعالى عليهن. والثاني: أن تكونَ بمعنى الذي والعائد محذوف أي: بالذي حفظه الله لهنَّ مِنْ مهورِ أزوجِهِنَّ والنفقة عليهن قاله الزجاج. والثالثُ: أن تكونَ «ما» نكرة موصوفةً، والعائد محذوف أيضاً كما تقرر في الموصولة بمعنى الذي.

وقرأ أبو جعفر بنصبِ الجلالة، وفي «ما» ثلاثةُ أوجهً أيضاً، أحدُها: أنها بمعنى الذي، والثاني: نكرة موصوفة، وفي «حَفِظ» ضميرٌ يعود على «ما» أي: بما حَفِظ من البر والطاعة. ولا بد من حذف مضافٍ تقديرُه: بما حفظ دينَ الله أو أَمْرَ الله، لأنَّ الذاتَ المقدسةَ لا يحفظها أحد. والثالث: أن تكونَ «ما» مصدريةً، والمعنى بما حفظن الله في امتثال أمره، وساغَ عودُ الضميرِ مفرداً على جمعِ الإِناثِ لأنهن في معنى الجنس، كأنه قيل: مِمَّنْ صَلَحَ، فعادَ الضميرُ مفرداً بهذا الاعتبار، ورد الناسُ هذا الوجهَ بعدم مطابقة الضمير لما يعود عليه وهذا جوابه. وجعله ابن جني مثلَ قول الشاعر:

1578 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فإنَّ الحوادِثَ أودى بها

أي: أَوْدَيْنَ، وينبغي أن يقال: الأصلُ بما حَفِظَتِ اللهَ، والحوادث أَوْدَت؛ لأنها يجوز أن يعود الضمير على جمع الإِناث كعوده على الواحدة منهن، تقول: «النساءُ قامت» ، إلا أنَّه شَذَّ حذف تاء التأنيث من الفعل المسند إلى ضمير المؤنث.

وقرأ عبد الله وهي في مصحفه كذلك «فالصوالحُ قوانتٌ حوافظٌ» بالتكسير. قال ابن جني: «وهي أشبهُ بالمعنى لإِعطائها الكثرةَ، وهي المقصودةُ هنا» ، يعني أنَّ فواعل من جموع الكثرة، وجمعُ التصحيحِ جمعُ قلة ما لم يَقْتَرِنْ بالألفِ واللام. وظاهرُ عبارة أبي البقاء أنه للقلة وإن اقترن ب «أل» فإنه قال: «وجَمْعُ التصحيح لا يَدُلُّ على الكثرة بوضعه، وقد استُعْمل فيها كقوله تعالى: {وَهُمْ فِي الغرفات آمِنُونَ} [سبأ: 37] . وفيما قاله أبو الفتح وأبو البقاء نظرٌ، فإنَّ» الصالحات «في القراءة المشهورة معرفةٌ بأل، وقد تقدَّم أنه تكونُ للعموم، إلا أنَّ العمومَ المفيدَ للكثرةِ ليس مِنْ صيغةِ الجمع، بل من» أل «، وإذا ثبت أن الصالحات جمعُ كثرة لزم أن يكون» قانتات «و» حافظات «للكثرة لأنه خبرٌ عن الجميع، فيفيدُ الكثرة، ألا ترى أنك إذا قلت:» الرجال قائمون «لَزِم أن يكونَ كلُّ واحدٍ من الرجال قائماً، ولا يجوز أن يكون بعضهم قاعداً، فإذاً القراءة الشهيرة وافية بالمعنى المقصود.

قوله: {فِي المضاجع} فيه وجهان، أحدهما: أن» في «على بابها من الظرفية متعلقة ب» اهجروهن «أي: اتركوا مضاجعتهن أي: النومَ معهن دونَ كلامِهن …

35

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحًۭا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًۭا

And if you fear dissension between the two, send an arbitrator from his people and an arbitrator from her people. If they both desire reconciliation, Allah will cause it between them. Indeed, Allah is ever Knowing and Acquainted [with all things].

قوله تعالى: {شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} : فيه وجهان، أحدهما: أن الشقاق مضاف إلى «بين» ومعناها الظرفية، والأصل: «شقاقاً بينهما» ولكنه اتُّسِعَ فيه فَأُضيف الحدث إلى ظرفه، وظرفيتهُ باقيةٌ نحو: سَرَّني مسير الليلة، ومنه {مَكْرُ الليل} [سبأ: 33] . والثاني: أنه خرج عن الظرفية، وبقي كسائر الأسماء كأنه أريد به المعاشرةُ والمصاحبة بين الزوجين، وإلى هذا مَيْلُ أبي البقاء قال: «والبَيْنُ هنا الوصلُ الكائنُ بين الزوجين» .

و {مِنْ أَهْلِهِ} فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلِّقٌ ب «ابعثوا» فهي لابتداءِ الغاية. والثاني: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنها صفةٌ للنكرةِ أي: كائناً من أهلِه فهي للتبعيضِ.

قوله: {إِن يُرِيدَآ} الضميران في «يُريدا» و «بينهما» يجوز أن يعودا على الزوجين أي: إنْ يُرِدِ الزوجان إصلاحاً يُوَفِّق الله بين الزوجين، وأَنْ يعودا على الحكمين، وأَنْ يعودَ الأول على الحكمين، والثاني على الزوجين، وأن يكونَ بالعكس، وأُضْمِر الزوجان وإن لم يَجْرِ لهما ذِكْرٌ لدلالة ذِكْرِ الرجال والنساء عليهما. وجَعَل أبو البقاء الضمير في «بينهما» عائداً على الزوجين فقط، سواءً قيل بأن ضمير «يريدا» عائد على الحكمين أو الزوجين.

36

۞ وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًۭا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًۭا فَخُورًا

Worship Allah and associate nothing with Him, and to parents do good, and to relatives, orphans, the needy, the near neighbor, the neighbor farther away, the companion at your side, the traveler, and those whom your right hands possess. Indeed, Allah does not like those who are self-deluding and boastful.

قوله تعالى: {وبالوالدين إِحْسَاناً} : تقدَّم نظيرتها في البقرة، إلا أنَّ هنا قال: {وَبِذِي القربى} بإعادة الباء، وذلك لأنها في حَقِّ هذه الأمةِ فالاعتناءُ بها أكثرُ، وإعادةُ الباءِ يَدُلُّ على زيادة تأكيد فناسب ذلك هنا بخلافِ آية البقرة فإنها في حق بني إسرائيل. وقرأ ابن أبي عبلة «إحسانٌ» بالرفع، على أنه مبتدأٌ وخبرُه الجار قبله، والمرادُ بهذه الجملةِ الأمرُ بالإِحسان وإن كانت خبريةً كقوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: 83] .

قوله: {والجار ذِي القربى} الجمهورُ على خفضِ «الجار» والمراد به القريبُ النسب، وبالجارِ الجَنْبِ البعيدُ النسب. وعن ميمون بن مهران: «والجارِ ذي القربى أريد به الجار القريب» قال ابن عطية: «وهذا خطأٌ لأنه على تأويله جمع بين» أل «والإِضافة، إذ كان وجه الكلام» وجارِ ذي القربى «. ويمكنُ تصحيحُ كلام ابن مهران على أن» ذي القربى «بدلٌ من» الجار «على حذف مضاف أي: والجار جارِ ذي القربى كقوله:

1579 - نَضَر اللهُ أعظماً دفنوها ... بسجستانَ طلحةِ الطَّلَحاتِ

أي: أعظمَ طلحة، ومِنْ كلامهم:» لو يعلمون: العلمُ الكبيرةِ سنةٌ «أي: علم الكبيرة سنة، فحَذَف البدلَ لدلالةِ الكلام عليه.

وقرأ بعضُهم:» والجارَ ذا القربى «نصباً. وخَرَّجه الزمخشري على الاختصاص كقوله: {حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] .

والجُنُب صفةٌ على فُعُل نحو: ناقة سُرُح، ويستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع مذكراً ومؤنثاً نحو: رجال جُنُب، قال تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً} [المائدة: 6] ، وبعضُهم يُثَنِّيه ويجمعه، ومثله: شُلُل. وعن عاصم:» والجار الجَنْب «بفتح الجيم وسكون النون، وهو وصفٌ أيضاً بمعنى المجانب كقولهم: رجلٌ عَدْل وألفُ الجار عن واو لقولهم: تجاوروا وجاوَرْتُه، ويُجمع على جِيرة وجيران. والجَنابة: البُعْد. قال:

1580 - فلا تَحْرِمَنِّي نائلاً عن جَنابةٍ ... فإني أمرؤٌ وَسْطَ القِبابِ غريبُ

لأنَّ الإِنسان يُتْركُ جانباً، ومنه: {واجنبني وَبَنِيَّ} [إبراهيم: 35] .

قوله: {بالجنب} يجوز في الباء وجهان: أحدهما: أن تكون بمعنى» في «. والثاني: أن تكونَ على بابها وهو الأولى، وعلى كلا التقديرين تتعلَّق بمحذوف لأنها حال من الصاحب. و {وَمَا مَلَكَتْ} يجوز أن يريد غيرَ العبيد والإِماء ب» ما «، حَمْلاً على الأنواع كقوله: {مَا طَابَ لَكُمْ} [النساء: 3] وأن يكونَ أُريدَ جميعُ ما ملكه الإِنسان من الحيواناتِ فاختلط العاقل بغيره فأتى ب» ما «.

37

ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا

Who are stingy and enjoin upon [other] people stinginess and conceal what Allah has given them of His bounty - and We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment -

قوله تعالى: {الذين يَبْخَلُونَ} : فيه سبعةُ أوجه، أحدها: أن يكون منصوباً بدلاً من «مَنْ» وجُمع حَمْلاً على المعنى. الثاني: أنه نصب على البدل من «مختالاً» وجُمع أيضاً لما تقدم. الثالث: أنه نصب على الذم. الرابع: أنه مبتدأ وفي خبره قولان، أحدهما: أنه محذوف، فقدَّره بعضهم: «مُبْغَضُون لدلالة {إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ} ، وبعضهم:» معذبون «لقوله: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً} ، وقَدَّره الزمخشري:» أَحِقَّاء بكل مَلامة «، وقَدَّره أبو البقاء:» أولئك قرناؤهم الشيطان «. والثاني: أن قوله: {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ} ويكون قوله: {والذين يُنْفِقُونَ} عطفاً على المبتدأ والعائد محذوف، والتقدير: الذين يبخلون، والذين يُنْفقون أموالَهم رئاءَ الناس، إن الله لا يظلمهم مثقال ذرة، أو مثقال ذرة لهم، وإليه ذهب الزجاج، وهذا متكلفٌ جداً لكثرةِ الفواصل، ولقلق المعنى أيضاً. الخامس: أنه خبر مبتدأ مضمر أي: هم الذين. السادس: أنه بدلٌ من الضمير المستكنِّ في» فخوراً «، ذكره أبو البقاء، وهو قلقٌ. السابع: أنه صفةٌ ل» مَنْ «، كأنه قيل: لا يُحِبُّ المختال الفخورَ البخيلَ.

و» بالبخل «فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلق ب» يأمرون «فالباءُ للتعدية على حَدِّ: أمرتك بكذا. والثاني: أنها باء الحالية، والمأمور محذوف، والتقدير: ويأمرون الناس بشكرهم مع التباسهم بالبخل، فيكون في المعنى كقول الشاعر:

1581 - أجْمَعْتَ أَمْرَيْنِ ضاعَ الحَزْمُ بينهما ... تِيْهَ الملوكِ وأفعالَ المماليكِ

والمُخْتال: التيَّاه الجَهُول، والمُخْتال اسمُ فاعل من اختال يختال أي: تكبَّر وأُعجب بنفسه، وألفه عن ياءٍ لقولِهم: الخُيَلاء والمَخْيِلة، وسُمِع أيضاً: خَالَ الرجلُ يَخال خَوْلاً بالمعنى الأول، فيكون لهذا المعنى مادتان: خَيَل وخَوَل. والفخر: عَدُّ مناقبِ الإِنسان ومحاسنِه، وفخور صيغة مبالغة.

وفي البخل أربع لغات: فتح الخاء والباء وبها قرأ حمزة والكسائي، ويضمهما، وبها قرأ الحسن وعيسى بن عمر، وبفتح الباء وسكون الخاء وبها قرأ قتادة وابن الزبير، وبضم الباء وسكون الخاء وبها قرأ جمهور الناس. والبُّخْل والبَخَل كالحُزْن والحَزَن والعُرْب والعَرَب. و {مِن فَضْلِهِ} يجوز أن يتعلَّق ب» آتاهم «أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ من» ما «أو مِنَ العائدِ عليها.

38

وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَٰنُ لَهُۥ قَرِينًۭا فَسَآءَ قَرِينًۭا

And [also] those who spend of their wealth to be seen by the people and believe not in Allah nor in the Last Day. And he to whom Satan is a companion - then evil is he as a companion.

قوله: {والذين يُنْفِقُونَ} : فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون مرفوعاً عطفاً على «الذين يبخلون» والخبر {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ} ، وقد تقدم ذلك وضَعْفُه. الثاني: أنه مجرور عطفاً على «الكافرين» أي: أعتدنا للكافرين وللذين ينفقون أموالهم رئاءَ الناس، قاله ابن جرير. الثالث: أنه مبتدأُ وخبرهُ محذوف أي: مُعَذَّبون، أو: قرينهم الشيطان، فعلى الأوَّلين يكونُ من عطفِ المفردات، وعلى الثالث مِنْ عطفِ الجمل.

قوله: {رِئَآءَ الناس} فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مفعول من أجله، وشروطُ النصب متوفرة. والثاني: أنه حالٌ من فاعل «ينفقون» يعني مصدراً واقعاً موقعَ الحال أي: مُرائين. والثالث: أنه حالٌ من نفسِ الموصولِ ذكره المهدوي. و «رئاءَ» مصدرٌ مضاف إلى المفعول.

قوله: {وَلاَ يُؤْمِنُونَ} فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مستأنف. والثاني: أنه عطف على الصلة، وعلى هذين الوجهين فلا محلَّ له من الإِعراب. والثالث: أنه حالٌ من فاعل «ينفقون» . إلا أن هذين الوجهين الأخيرين أعني العطفَ على الصلة والحالية يمتنعان على الوجه المحكي عن المهدوي، وهو كونُ «رئاءَ» حالاً من نفس الموصول؛ لئلا يلزَم الفصلُ بين أبعاضِ الصلة أو بين الصلةِ ومعمولِها بأجنبي وهو «رثاءَ» ؛ لأنه حالٌ من الموصولِ لا تعلُّقَ له بالصلة، بخلاف ما إذا جَعَلْناه مفعولاً له أو حالاً من فاعل «ينفقون» فإنه على الوجهين معمولٌ ل «ينفقون» فليس أجنبياً، فلم يُبالَ بالفصل به.

وفي جَعْلِ {وَلاَ يُؤْمِنُونَ} حالاً نظرٌ من حيث/ إنَّ بعضَهم نصَّ على أن المضارع المنفيَّ ب «لا» كالمثبت في أنه لا تدخل عليه واو الحال، وهو محلُّ تَوَقُّف. وكررت «لا» في قوله: «ولا باليوم» وكذا الباء إشعاراً بأن الإِيمان منتفٍ عن كلِّ على حِدَتِه لو قلت: «لا أضرب زيداً وعمراً» احتمل نفيَ الضرب عن المجموع، ولا يلزم منه نفيُ الضربِ عن كلِّ واحدٍ على انفراده، واحتمل نفيَه عن كل واحد بانفرادِه، فإذا قلت: «ولا عمراً» تعيَّن هذا الثاني.

قوله: {فَسَآءَ قِرِيناً} في «ساء» هذه احتمالان أحدهما: أنها نُقِلَتْ إلى الذمِّ فجرت مجرى «بئس» ، ففيها ضميرٌ فاعل لها مفسَّرٌ بالنكرة بعده، وهي «قريناً» ، والمخصوصُ بالذم محذوف أي: فساء قريناً هو، وهو عائدٌ: إما على الشيطان وهو الظاهر، وإما على «من» وقد تقدَّم حكمُ نعم وبئس. والثاني: أنها على بابها فهي متعدية ومفعولُها محذوفٌ، و «قريناً» على هذا منصوبٌ على الحال أو على القطع، والتقديرُ: فساءَه أي: فساءَ الشيطانُ مُصَاحِبَه.

واحتجوا للوجه الأول، بأنه كان ينبغي أن يَحْذِف الفاءَ من «فساء» أو تقترن به «قد» ؛ لأنه حينئذ فعل متصرفٌ ماض، وما كان كذلك ووقع جواباً للشرط تجرَّدَ من الفاءِ أو اقترن ب «قد» ، هذا معنى كلام الشيخ. وفيه نظرٌ لقولِه تعالى: {وَمَن جَآءَ بالسيئة فَكُبَّتْ} [النمل: 90] {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ} [يوسف: 27] فما يُؤَوَّلُ به هذا ونحوُه يتأوَّل به هذا. ومِمَّنْ ذهب إلى أنَّ «قريناً» منصوبٌ عل الحالِ ابنُ عطية، ولكن يحتمل أن يكونَ قائلاً بأنَّ «ساء» متعديةٌ، وأن يكونَ قائلاً برأي الكوفيين، فإنهم ينصبون ما بعد نعم وبئس على الحال.

والقرينُ: المصاحِبُ الملازمُ، وهو فَعِيل بمعنى مُفاعل كالخليط والجليس. والقَرْنُ: الحبل، لأنه يُقْرن به بين البعيرين قال:

1582 - وابنُ اللَّبونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

39

وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا

And what [harm would come] upon them if they believed in Allah and the Last Day and spent out of what Allah provided for them? And Allah is ever, about them, Knowing.

قوله تعالى: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ} : قد تقدَّم الكلامُ على نظيرتها، وهذا يَحْتَمِل أن يكونَ الكلامُ قد تَمَّ هنا أي: وأيُّ شيء عليهم في الإِيمان بالله، أو: وماذا عليهم من الوبالِ والعذابِ يومَ القيامة، ثم استأنَفَ بقولِه: {لَوْ آمَنُواْ} ويكونُ جوابُها محذوفاً أي: لحصلت لهم السعادةُ. ويُحْتمل أن يكونَ تمامُ الكلام ب «لو» وما بعدها، وذلك على جَعْلِ «لو» مصدريةً عند مَنْ يُثْبِتُ لها ذلك أي: وماذا عليهم في الإِيمان، ولا جوابَ لها حينئذٍ. وأجازَ ابنُ عطية أن يكون {َمَاذَا عَلَيْهِمْ} جواباً ل «لو» فإنْ أرادَ مِنْ جهةِ المعنى فَمُسَلَّم، وإن أراد من جهةِ الصناعةِ ففاسدٌ؛ لأنَّ الجوابَ الصناعيَّ لا يتقدم عند البصريين، وأيضاً فالاستفهامُ لا يُجابُ به «لو» . وأجاز أبو البقاء في «لو» أن تكونَ بمعنى «إنْ» الشرطية كما جاء في قوله: {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة: 221] أي: وأيُّ شيءٍ عليهم إنْ آمنوا، ولا حاجةَ إلى ذلك.

40

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةًۭ يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Indeed, Allah does not do injustice, [even] as much as an atom's weight; while if there is a good deed, He multiplies it and gives from Himself a great reward.

قوله تعالى: {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} : فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوب على أنه نعتٌ لمصدر محذوف أي: لا يَظْلم أحداً ظلماً وزنَ ذرة، فحذف المفعول والمصدر وأقام نعتَه مُقامه. ولما ذكر أبو البقاء هذا الوجهَ قَدَّر قبله مضافاً محذوفاً قال: «تقديرُه: ظلماً قَدْرَ مثقالِ ذرة، فَحَذَفَ المصدرَ وصفته، وأقام المضافَ إليه مُقامهما» . ولا حاجة إلى ذلك لأنَّ المثقالَ نفسَه هو قَدْر من الأقدار، جُعِل معياراً لهذا القَدْر المخصوصِ. والثاني: أنه منصوب على أنه مفعول ثان ل «يَظْلم» والأول محذوف، كأنهم ضَمَّنوا «بظلم» معنى «بغضب» و «بنقص» فَعَدَّوه لاثنين، والأصل: إنَّ الله لا يظلم أحداً مثقال ذرة.

قوله: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً} حُذِفت النون تخفيفاً لكثرة الاستعمال، وهذه قاعدة كلية، وهو أنه يجوز حذفُ نون «يكون» مجزومةً، بشرطِ ألاَّ يليَها ضميرٌ متصل نحو: «لَم يَكُنْه» وألاَّ تُحَرَّك النون لالتقاء الساكنين نحو: {لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ} [البينة: 1] خلافاً ليونس، فإنه أجاز ذلك مستدلاً بقوله:

1583 - فإنْ لم تَكُ المِرْآةُ أَبْدَتْ وَسامةً ... فقد أَبْدَتِ المرآةُ جَبْهَةَ ضَيْغَمِ

وهذا عند سيبويه ضرورةٌ، وإنما حُذفت النون لغُنَّتِها وسكونها فأشبهت الواو، وهذا بخلاف سائر الأفعال نحو: «لم يَضِنَّ» و «لم يَهُنْ» لكثرة استعمال «كان» ، وكان ينبغي أن تعود الواو عند حَذْفِ هذه النون؛ لأنها إنما حُذِفَتْ لالتقاء الساكنين وقد زال ثانيهما وهو النونُ إلا أنها كالملفوظ بها.

وقرأ الجمهور «حسنةً» نصباً على خبر «كان» الناقصة، واسمها مستتر فيها يعود على «مثقال» وإنما أَنَّث ضميرَه حملاً على المعنى؛ لأنه بمعنى: وإنْ تكن زنةَ ذرة حسنة، أو لإِضافته إلى مؤنث فاكتسب منه التأنيث. وقرأ ابن كثير ونافع «حسنة» رفعاً على أنها التامة أي: وإنْ تقع أو توجد حسنة.

وقرأ ابن كثير وابن عامر: «يُضَعِّفْها» بالتضعيف، والباقون «يضاعفها» . قال أبو عبيدة: «ضاعفه» يقتضي مراراً كثيرة، و «ضَعَّفَ» يقتضي مرتين، وهذا عكسُ كلام العرب؛ لأن المضاعفة تقتضي زيادة المثل، فإذا شدَّدْتَ دَلَّت البُنْية على التكثير، فيقتضي ذلك تكرير المضاعفة بحسَبِ ما يكون من العدد. وقال الفارسي: «هما لغتان بمعنًى، يدل عليه قولُه {نُضَعِّفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30] {فَيُضَعِّفُهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة: 245] وقد تقدم لنا الكلام على هذا بأبسطَ منه هنا. وقرأ ابن هرمز:» نضاعِفْها «بالنون، وقرىء» يُضْعِفْها «بالتخفيف مِنْ أضعفه مثل أكرم.

قوله: {مِن لَّدُنْهُ} فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق ب» يُؤْتِ «و» من «للابتداء مجازاً. والثاني: يتعلَّق بمحذوف على أنه حال من» أجراً «فإنه صفةُ نكرةٍ في الأصلِ قُدِّم عليها فانتصب حالاً.

Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.