Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 31–40 of 176

31

إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا

If you avoid the major sins which you are forbidden, We will remove from you your lesser sins and admit you to a noble entrance [into Paradise].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ [٣١]

﴿إنْ تَجْتَنِبُوا﴾ أيْ: تَتْرُكُوا ﴿كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ: كَبائِرَ الذُّنُوبِ الَّتِي نَهاكُمُ الشَّرْعُ عَنْها، مِمّا ذُكِرَ هَهُنا ومِمّا لَمْ يُذْكَرْ ﴿نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ أيْ: صَغائِرَ ذُنُوبِكُمْ، ونَمْحُها عَنْكُمْ، ونُدْخِلْكُمُ الجَنَّةَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ونُدْخِلْكُمْ﴾ في الآخِرَةِ ﴿مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ أيْ: حَسَنًا وهي الجَنَّةِ، و(مُدْخَلًا) قُرِئَ بِضَمِّ المِيمِ، اسْمُ مَكانٍ أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أيْ: إدْخالًا مَعَ كَرامَةٍ، وبِفَتْحِ المِيمِ، وهو أيْضًا يَحْتَمِلُ المَكانَ والمَصْدَرَ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الصَّغائِرَ تُكَفَّرُ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ، ورَدٌّ عَلى مَن قالَ: إنَّ المَعاصِيَ كُلَّها كَبائِرُ، وإنَّهُ لا صَغِيرَةَ.

قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "الجَوابِ الكافِي": قَدْ دَلَّ القُرْآنُ والسُّنَّةُ وإجْماعُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ بَعْدَهُمْ، والأئِمَّةُ عَلى أنَّ مِنَ الذُّنُوبِ كَبائِرَ وصَغائِرَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٣١]، وقالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] [النَّجْمِ: مِنَ الآيَةِ ٣٢].

وفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ: مُكَفِّراتٌ لِما بَيْنَهُنَّ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ» .

وهَذِهِ الأعْمالُ المُكَفِّرَةُ لَها ثَلاثُ دَرَجاتٍ:

إحْداها: أنْ تُقَصِّرَ عَنْ تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ لِضَعْفِها وضَعْفِ الإخْلاصِ فِيها، والقِيامِ بِحُقُوقِها، بِمَنزِلَةِ الدَّواءِ الضَّعِيفِ الَّذِي يَنْقُصُ عَنْ مُقاوَمَةِ الدّاءِ كَمِّيَّةً وكَيْفِيَّةً.

الثّانِيَةُ: أنْ تُقاوِمَ الصَّغائِرَ، ولا تَرْتَقِيَ إلى تَكْفِيرِ شَيْءٍ مِنَ الكَبائِرِ.

الثّالِثَةُ: أنْ تَقْوى عَلى تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ، وتَبْقى فِيها قُوَّةٌ تُكَفَّرُ بِها بَعْضُ الكَبائِرِ، فَتَأمَّلْ هَذا، فَإنَّهُ يُزِيلُ عَنْكَ إشْكالاتٍ كَثِيرَةً.

وفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ألا أُنَبِّئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ؟ قُالوا بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ وجَلَسَ وكانَ مُتَّكِئًا فَقالَ: ألا وقَوْلُ الزُّورِ (ثَلاثًا)» .

وفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ.

قالُوا: وما هُنَّ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ» .

وفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رِضى اللَّهِ عَنْهُ - قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – أيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أكْبَرُ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهْوَ خَلَقَكَ قُلْتُ ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: ثُمَّ أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ: ثُمَّ أىُّ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ» .

قالَ: ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ ﷺ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] [الفُرْقانِ: ٦٨] الآيَةَ، ثُمَّ ساقَ الخِلافَ في تَعْدادِها، اهـ.

وعِنْدِي أنَّ الصَّوابَ هو الوُقُوفُ في تَعْدادِها عَلى ما صَحَّتْ بِهِ …

32

وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا۟ ۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ۚ وَسْـَٔلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًۭا

And do not wish for that by which Allah has made some of you exceed others. For men is a share of what they have earned, and for women is a share of what they have earned. And ask Allah of his bounty. Indeed Allah is ever, of all things, Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [٣٢]

﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا﴾ أيْ: أصابُوا وأحْرَزُوا ﴿ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ أيْ: أصَبْنَ وأحْرَزْنَ، أيْ: لِكُلِّ فَرِيقٍ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبَ في نَعِيمِ الدُّنْيا قَبْضًا أوْ بَسْطًا، فَيَنْبَغِي أنْ يَرْضى بِما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ.

وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ مُجاهِدٍ «أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ يَغْزُو الرِّجالُ ولا يَغْزُو النِّساءُ، وإنَّما لَنا نِصْفُ المِيراثِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا﴾ الآيَةَ،» ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: غَرِيبٌ.

ورَواهُ الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ وزادَ: ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ [آل عمران: ١٩٥] [آلِ عِمْرانَ: مِنَ الآيَةِ ١٩٥] الآيَةَ، فَإنْ صَحَّ هَذا فالمَعْنى: لِكُلِّ أحَدٍ قَدْرٌ مِنَ الثَّوابِ يَسْتَحِقُّهُ بِكَرَمِ اللَّهِ ولُطْفِهِ، فَلا تَتَمَنَّوْا خِلافَ ذَلِكَ، ولا مانِعَ مِن شُمُولِ الآيَةِ لِما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ ولا مُنافاةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: مِن خَزائِنِ نِعَمِهِ الَّتِي لا نَفادَ لَها، وقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُحِبُّ [أنْ] يُسْألَ، وأفْضَلُ العِبادَةِ انْتِظارُ الفَرَجِ» .

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ولِذَلِكَ جَعَلَ النّاسَ عَلى طَبَقاتٍ رَفَعَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ دَرَجاتٍ حَسَبَ مَراتِبِ اسْتِعْداداتِهِمُ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ بِمُوجِبِ المَشِيئَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ الأبِيَّةِ، قالَهُ أبُو السُّعُودِ.

33

وَلِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ ۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدًا

And for all, We have made heirs to what is left by parents and relatives. And to those whom your oaths have bound [to you] - give them their share. Indeed Allah is ever, over all things, a Witness.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهم إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [٣٣]

﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ أيْ: ولِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِنَ المالِ جَعَلْنا ورَثَةً وعَصَبَةً يَلُونَهُ ويُحْرِزُونَهُ، وهم يَرِثُونَهُ دُونَ سائِرِ النّاسِ.

كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ألْحِقُوا الفَرائِضَ بِأهْلِها، فَما بَقِيَ فَهْوَ لِأوْلى رَجُلٍ ذَكَرٍ» أيِ: اقْسِمُوا المِيراثَ عَلى أصْحابِ الفَرائِضِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في آيَتَيِ الفَرائِضِ، فَما بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأعْطُوهُ لِلْعَصَبَةِ، فَـ (مِمّا) تَبْيِينٌ لـ(كُلٍّ).

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والعَرَبُ تُسَمِّي ابْنَ العَمِّ مَوْلًى، كَما قالَ الفَضْلُ بْنُ العَبّاسِ:

؎مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينا لا يَظْهَرَنَّ بَيْنَنا ما كانَ مَدْفُونا

وفِي "القامُوسِ" و" شَرْحِهِ تاجِ العَرُوسِ": والمَوْلى: القَرِيبُ كابْنِ العَمِّ ونَحْوِهِ.

قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ابْنُ العَمِّ مَوْلًى، وابْنُ الأُخْتِ مَوْلًى، وقَوْلُ الشّاعِرِ:

؎هَمُ المَوْلى وإنْ جَنَفُوا عَلَيْنا ∗∗∗ وإنّا مِن لِقائِهِمُ لَزُورُ

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَعْنِي المَوالِيَ، أيْ: بَنِي العَمِّ، وقالَ اللَّهْبِيُّ يُخاطِبُ بَنِي أُمَيَّةَ:

؎مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِيَنًا ∗∗∗ امْشُوا رُوَيْدًا كَما كُنْتُمْ تَكُونُونا

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ ضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ فَوَقَعَ خَبَرُهُ مَعَ الفاءِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ ويُقْرَأُ (عاقَدَتْ) بِالألِفِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ: عاقَدَتْهُمْ، ويُقْرَأُ بِغَيْرِ ألِفٍ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْضًا هو والعائِدُ، تَقْدِيرُهُ عَقَدَتْ حَلِفَهم أيْمانُكُمْ، والعَقْدُ الشَّدُّ والرَّبْطُ والتَّوْكِيدُ والتَّغْلِيظُ، ومِنهُ: عَقَدَ العَهْدَ يَعْقِدُهُ: شَدَّهُ.

والأيْمانُ: جَمْعُ يَمِينٍ، إمّا بِمَعْنى اليَدِ اليُمْنى لِوَضْعِهِمُ الأيْدِي في العُهُودِ، أوْ بِمَعْنى القَسَمِ وهو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ العَقْدَ خِلافُ النَّقْضِ، وقَدْ جاءَ مَقْرُونًا بِالحَلِفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١] [النَّحْلِ: مِنَ الآيَةِ ٩١] وفِي قَوْلِهِ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] [المائِدَةِ: مِنَ الآيَةِ ٨٩].

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَحامِلُ كَثِيرَةٌ ووُجُوهٌ لِلسَّلَفِ والخَلَفِ، أظْهَرُها لِسَلَفِ المُفَسِّرِينَ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وهو أنَّ المَعْنِيَّ بِالمَوْصُولِ الحُلَفاءُ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في البُخارِيِّ كَما سَيَأْتِي.

قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، والحَسَنِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وأبِي صالِحٍ، وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، والشَّعْبِيِّ، وعِكْرِمَةَ، والسُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، ومُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ - أنَّهم قالُوا: هُمُ الحُلَفاءُ، انْتَهى.

ويُزادُ أيْضًا: عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ.

وكانَ الحُلَفاءُ يَرِثُونَ السُّدُسَ مِن مُحالِفِيهِمْ.

ورَوى الطَّبَرِيُّ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ: كانَ الرَّجُلُ يُعاقِدُ الرَّجُلَ في الجاهِلِيَّةِ فَيَقُولُ: دَمِي دَمُكَ، وتَرِثُنِي وأرِثُكَ، وتَطْلُبُ بِي وأطْلُبُ بِكَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ بَقِيَ مِنهم ناسٌ، فَأُمِرُوا بِأنْ يُؤْتُوهم …

34

ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌۭ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ۚ وَٱلَّٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّۭا كَبِيرًۭا

Men are in charge of women by [right of] what Allah has given one over the other and what they spend [for maintenance] from their wealth. So righteous women are devoutly obedient, guarding in [the husband's] absence what Allah would have them guard. But those [wives] from whom you fear arrogance - [first] advise them; [then if they persist], forsake them in bed; and [finally], strike them. But if they obey you [once more], seek no means against them. Indeed, Allah is ever Exalted and Grand.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [٣٤]

﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ جَمْعُ قَوّامٍ، وهو القائِمُ بِالمَصالِحِ والتَّدْبِيرِ والتَّأْدِيبِ، أيْ: مُسَلَّطُونَ عَلى أدَبِ النِّساءِ يَقُومُونَ عَلَيْهِنَّ، آمِرِينَ ناهِينَ، قِيامَ الوُلاةِ عَلى الرَّعِيَّةِ، وذَلِكَ لِأمْرَيْنِ: وهْبِيٍّ وكَسْبِيٍّ.

أشارَ لِلْأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ والضَّمِيرُ لِلرِّجالِ والنِّساءِ جَمِيعًا، يَعْنِي إنَّما كانُوا مُسَيْطِرِينَ عَلَيْهِنَّ بِسَبَبِ تَفْضِيلِ اللَّهِ بَعْضَهم - وهُمُ الرِّجالُ - عَلى بَعْضٍ، وهُمُ النِّساءُ.

وقَدْ ذَكَرُوا في فَضْلِ الرِّجالِ: العَقْلَ والحَزْمَ والعَزْمَ والقُوَّةَ والفُرُوسِيَّةَ والرَّمْيَ، وإنَّ مِنهُمُ الأنْبِياءَ، وفِيهِمُ الإمامَةُ الكُبْرى والصُّغْرى، والجِهادُ، والأذانُ، والخُطْبَةُ، والشَّهادَةُ في مَجامِعِ القَضايا، والوِلايَةُ في النِّكاحِ والطَّلاقِ والرَّجْعَةِ، وعَدَدُ الأزْواجِ وزِيادَةُ السَّهْمِ، والتَّعْصِيبُ، وهم أصْحابُ اللِّحى والعَمائِمِ، والكامِلُ بِنَفْسِهِ لَهُ حَقُّ الوِلايَةِ عَلى النّاقِصِ.

وأشارَ لِلثّانِي بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ في مُهُورِهِنَّ ونَفَقاتِهِنَّ فَصِرْنَ كالأرِقّاءِ، ولِكَوْنِ القَوّامِينَ في مَعْنى السّاداتِ وجَبَتْ عَلَيْهِنَّ طاعَتُهُمْ، كَما يَجِبُ عَلى العَبِيدِ طاعَةُ السّاداتِ.

ورَوى ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ بِامْرَأةٍ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ زَوَّجَها فُلانُ بْنُ فُلانٍ الأنْصارِيُّ، وإنَّهُ ضَرَبَها فَأثَّرَ في وجْهِها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ في الأدَبِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أرَدْتُ أمْرًا وأرادَ اللَّهُ غَيْرَهُ» ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مُرْسَلًا مِن طُرُقٍ.

قالَ السُّيُوطِيُّ: وشَواهِدُهُ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَعْنِي أُمَراءَ عَلَيْهِنَّ، أيْ: تُطِيعُهُ فِيما أمَرَها اللَّهُ بِهِ مِن طاعَةٍ، وطاعَتُهُ أنْ تَكُونَ مُحْسِنَةً لِأهْلِهِ حافِظَةً لِمالِهِ.

ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ لَأمَرْتُ المَرْأةَ أنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِها» .

﴿فالصّالِحاتُ﴾ أيْ: مِنَ النِّساءِ ﴿قانِتاتٌ﴾ أيْ: مُطِيعاتٌ لِلَّهِ في أزْواجِهِنَّ ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَيْبُ خِلافُ الشَّهادَةِ، أيْ: حافِظاتٌ لِمُواجِبِ الغَيْبِ، إذا كانَ الأزْواجُ غَيْرَ شاهِدِينَ لَهُنَّ حَفِظْنَ ما يَجِبُ عَلَيْهِنَّ حِفْظُهُ في حالِ الغَيْبَةِ، مِنَ الفُرُوجِ والأمْوالِ والبُيُوتِ ﴿بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ أيْ: بِحِفْظِ اللَّهِ إيّاهُنَّ وعِصْمَتِهِنَّ بِالتَّوْفِيقِ لِحِفْظِ الغَيْبِ، فالمَحْفُوظُ مَن حَفِظَهُ اللَّهُ، أيْ: لا يَتَيَسَّرُ لَهُنَّ حِفْظٌ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، أوِ المَعْنى: بِما حَفِظَ اللَّهُ لَهُنَّ مِن إيجابِ حُقُوقِهِنَّ عَلى الرِّجالِ، أيْ: عَلَيْهِنَّ أنْ يَحْفَظْنَ …

35

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحًۭا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًۭا

And if you fear dissension between the two, send an arbitrator from his people and an arbitrator from her people. If they both desire reconciliation, Allah will cause it between them. Indeed, Allah is ever Knowing and Acquainted [with all things].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [٣٥]

﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ أصْلُهُ شِقاقًا بَيْنَهُما فَأُضِيفَ الشِّقاقُ إلى الظَّرْفِ، إمّا عَلى إجْرائِهِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ اتِّساعًا، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبإ: ٣٣] [سَبَأٍ: ٣٣] أصْلُهُ بَلْ مَكْرٌ في اللَّيْلِ والنَّهارِ، أوْ مَجْرى الفاعِلِ بِجَعْلِ البَيْنِ مُشاقًّا واللَّيْلِ والنَّهارِ ماكِرَيْنِ، كَما في قَوْلِكَ: نَهارُكَ صائِمٌ، والضَّمِيرُ لِلزَّوْجَيْنِ، ولَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُما لِجَرْيِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِما، وهو الرِّجالُ والنِّساءُ، أيْ: إنْ عَلِمْتُمْ مُخالَفَةً مُفَرِّقَةً بَيْنَهُما، واشْتَبَهَ عَلَيْكم أنَّهُ مِن جِهَتِهِ أوْ مِن جِهَتِها، ولا يَفْعَلُ الزَّوْجُ الصُّلْحَ ولا الصَّفْحَ ولا الفُرْقَةَ، ولا تُؤَدِّي المَرْأةُ الحَقَّ ولا الفِدْيَةَ ﴿فابْعَثُوا﴾ أيْ: إلى الزَّوْجَيْنِ لِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ وتَبَيُّنِ الأمْرِ ﴿حَكَمًا﴾ رَجُلًا صالِحًا لِلْحُكُومَةِ والإصْلاحِ ومَنعِ الظّالِمِ مِنَ الظُّلْمِ ﴿مِن أهْلِهِ﴾ أيْ: أقارِبِ الزَّوْجِ: ﴿وحَكَمًا مِن أهْلِها﴾ عَلى صِفَةِ الأوَّلِ، فَإنَّ الأقارِبَ أعْرَفُ بِبَواطِنِ الأحْوالِ، وأطْلَبُ لِلْإصْلاحِ، فَيَلْزَمُهُما أنْ يَخْلُوا ويَسْتَكْشِفا حَقِيقَةَ الحالِ فَيَعْرِفا أنَّ رَغْبَتَهُما في الإقامَةِ أوِ الفُرْقَةِ ﴿إنْ يُرِيدا﴾ أيِ: الحَكَمانِ ﴿إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما﴾ أيْ: يُوقِعْ بَيْنَهُما المُوافَقَةَ فَيَتَّفِقانِ عَلى الكَلِمَةِ الواحِدَةِ ويَتَسانَدانِ في طَلَبِ الوِفاقِ حَتّى يَحْصُلَ الغَرَضُ ويَتِمَّ المُرادُ، أوِ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْحَكَمَيْنِ، والثّانِي لِلزَّوْجَيْنِ، أيْ: إنْ قَصْدا إصْلاحَ ذاتِ البَيْنِ وكانَتْ نِيَّتُهُما صَحِيحَةً وقُلُوبُهُما ناصِحَةً لِوَجْهِ اللَّهِ، بُورِكَ في وساطَتِهِما، وأوْقَعَ اللَّهُ بِحُسْنِ سَعْيِهِما بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الوِفاقَ والأُلْفَةَ، وألْقى في نُفُوسِهِما المَوَدَّةَ والرَّحْمَةَ.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ بِظَواهِرِ الحَكَمَيْنِ وبَواطِنِهِما، إنْ قَصَدا إفْسادًا يُجازِيهِما عَلَيْهِ، وإلّا يُجازِيهِما عَلى الإصْلاحِ.

رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أمَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَبْعَثُوا رَجُلًا صالِحًا مِن أهْلِ الرَّجُلِ، ومِثْلَهُ مِن أهْلِ المَرْأةِ، فَيَنْظُرانِ أيُّهُما المُسِيءُ، فَإنْ كانَ الرَّجُلُ هو المُسِيءَ حَجَبُوا عَنْهُ امْرَأتَهُ وقَصَرُوهُ عَلى النَّفَقَةِ، وإنْ كانَتِ المَرْأةُ هي المُسِيئَةَ قَصَرُوها عَلى زَوْجِها، ومَنَعُوها النَّفَقَةَ، فَإنِ اجْتَمَعَ رَأْيُهُما عَلى أنْ يُفَرِّقا أوْ يَجْمَعا فَأمْرُهُما جائِزٌ، فَإنْ رَأيا أنْ يَجْمَعا فَرَضِيَ أحَدُ الزَّوْجَيْنِ وكَرِهَ الآخَرُ ثُمَّ ماتَ أحَدُهُما فَإنَّ الَّذِي رَضِيَ يَرِثُ الَّذِي لَمْ يَرْضَ، ولا يَرِثِ الكارِهُ الرّاضِيَ.

ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ في (مُصَنَّفِهِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بُعِثْتُ أنا ومُعاوِيَةُ حَكَمَيْنِ، قالَ مَعْمَرٌ: بَلَغَنِي أنَّ عُثْمانَ بَعَثَهُما، وقالَ لَهُما: إنْ رَأيْتُما أنْ تَجْمَعا جَمَعْتُما، وإنْ رَأيْتُما أنْ تُفَرِّقا فَفَرِّقا.

(وأُسْنِدَ) عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ عَقِيلَ بْنَ أبِي طالِبٍ تَزَوَّجَ فاطِمَةَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقالَتْ: تَصِيرُ إلَيَّ وأُنْفِقُ عَلَيْكَ، فَكانَ إذا دَخَلَ عَلَيْها، قالَتْ: أيْنَ عُتْبَةُ بْنُ …

36

۞ وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًۭا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًۭا فَخُورًا

Worship Allah and associate nothing with Him, and to parents do good, and to relatives, orphans, the needy, the near neighbor, the neighbor farther away, the companion at your side, the traveler, and those whom your right hands possess. Indeed, Allah does not like those who are self-deluding and boastful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالا فَخُورًا﴾ [٣٦]

﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ يَأْمُرُ تَعالى بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ وبِالإخْلاصِ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] [البَيِّنَةِ: ٥] لِأنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ الرّازِقُ المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ عَلى خَلْقِهِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ والحالاتِ، فَهو المُسْتَحِقُّ مِنهم أنْ يُوَحِّدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الشِّرْكِ الجَلِيِّ والخَفِيِّ لِلنَّفْسِ وشَهَواتِها، وما يُتَوَصَّلُ بِها إلَيْها مِنَ المالِ والجاهِ، وهَذِهِ العِبادَةُ حَقُّ اللَّهِ عَلَيْنا.

كَما في الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ: يا مُعاذُ، هَلْ تَدْرِي ما حَقُّ اللَّهِ عَلى العِبادِ، وما حَقُّ العِبادِ عَلى اللَّهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: حَقُّ اللَّهِ عَلى العِبادِ أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وحَقُّ العِبادِ عَلى اللَّهِ أنْ لا يُعَذِّبَ مَن لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» .

ثُمَّ أوْصى سُبْحانَهُ بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ إثْرَ تَصْدِيرِ ما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ - الَّتِي هي آكَدُ الحُقُوقِ وأعْظَمُها - تَنْبِيهًا عَلى جَلالَةِ شَأْنِ الوالِدَيْنِ بِنَظْمِها في سِلْكِها بِقَوْلِهِ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ وقَدْ كَثُرَتْ مَواقِعُ هَذا النَّظْمِ في التَّنْزِيلِ العَزِيزِ كَقَوْلِهِ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] [لُقْمانَ: ١٤] ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] [الإسْراءِ: ٢٣] أيْ: أحْسِنُوا بِهِما إحْسانًا يَفِي بِحَقِّ تَرْبِيَتِهِما، فَإنَّ شُكْرَهُما يَدْعُو إلى شُكْرِ اللَّهِ المُقَرِّبِ إلَيْهِ، مَعَ ما فِيهِ مِن صِلَةِ أقْرَبِ الأقارِبِ المُوجِبِ لِوَصْلَةِ اللَّهِ، وقَطْعِها لِقَطْعِهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى الإحْسانِ إلَيْهِما الإحْسانَ إلى القِراباتِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وبِذِي القُرْبى﴾ أيِ: الأقارِبِ، وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، عَنْ سَلْمانَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الصَّدَقَةُ عَلى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وهي عَلى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتانِ: صِلَةٌ وصَدَقَةٌ» رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وابْنُ ماجَهْ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واليَتامى﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم فَقَدُوا مَن يَقُومُ بِمَصالِحِهِمْ ومَن يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، فَأمَرَ اللَّهُ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ والحُنُوِّ عَلَيْهِمْ؛ تَنَزُّلًا لِرَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿والمَساكِينِ﴾ وهُمُ المَحاوِيجُ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يَقُومُ بِكِفايَتِهِمْ، فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِمُساعَدَتِهِمْ بِما تَتِمُّ بِهِ كِفايَتُهُمْ، وتَزُولُ بِهِ ضَرُورَتُهم ﴿والجارِ ذِي القُرْبى﴾ أيِ: الَّذِي قَرُبَ جِوارُهُ، أوِ الَّذِي لَهُ مَعَ الجِوارِ قُرْبٌ واتِّصالٌ بِنَسَبٍ أوْ دِينٍ ﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ أيِ: الَّذِي جِوارُهُ بَعِيدٌ، أوِ الأجْنَبِيُّ، وقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ: (الجارِ ذِي القُرْبى) يَعْنِي الجارَ المُسْلِمَ (والجارِ الجُنُبِ): يَعْنِي اليَهُودِيَّ والنَّصْرانِيَّ.

وقَدْ ورَدَ في الوَصِيَّةِ بِالجارِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنها قَوْلُهُ ﷺ: «ما زالَ جِبْرِيلُ …

37

ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا

Who are stingy and enjoin upon [other] people stinginess and conceal what Allah has given them of His bounty - and We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [٣٧]

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ أيْ: بِأمْوالِهِمْ أنْ يُنْفِقُوها فِيما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ فِيما تَقَدَّمَ ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ أيْ: ولا يَكُونُونَ سَبَبَ الإحْسانِ، بَلْ يَبْخَلُونَ بِذاتِ أيْدِيهِمْ وبِما في أيْدِي غَيْرِهِمْ فَيَأْمُرُونَهم بِأنْ يَبْخَلُوا بِهِ مَقْتًا لِلسَّخاءِ مِمَّنْ وُجِدَ، وفي أمْثالِ العَرَبِ: أبْخَلُ مِنَ الضَّنِينِ بِنائِلِ غَيْرِهِ، قالَ:

؎وإنَّ امْرَءًا ضَنَّتْ يَداهُ عَلى امْرِئٍ بِنَيْلِ يَدٍ مِن غَيْرِهِ لَبَخِيلُ

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ حِكايَةِ ما تَقَدَّمَ: ولَقَدْ رَأيْنا مِمَّنْ بُلِيَ بِداءِ البُخْلِ مَن إذا طَرَقَ سَمْعَهُ أنَّ أحَدًا جادَ عَلى أحَدٍ، شَخَصَ بِهِ، وحَلَّ حَبَوْتَهُ واضْطَرَبَ، ودارَتْ عَيْناهُ في رَأْسِهِ، كَأنَّما نُهِبَ رَحْلُهُ، وكُسِرَتْ خِزانَتُهُ؛ ضَجَرًا مِن ذَلِكَ وحَسْرَةً عَلى وُجُودِهِ. انْتَهى.

﴿ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: مِنَ المالِ والغِنى، فَيُوهِمُونَ الفَقْرَ مَعَ الغِنى، والإعْسارَ مَعَ اليَسارِ، والعَجْزَ مَعَ الإمْكانِ ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ إشْعارًا بِأنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ فَهو كافِرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَن كانَ كافِرًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَلَهُ عَذابٌ يُهِينُهُ، كَما أهانَ النِّعْمَةَ بِالبُخْلِ والإخْفاءِ.

فائِدَةٌ:

قالَ أبُو البَقاءِ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ وجْهانِ:

أحَدُهُما: هو مَنصُوبٌ بَدَلٌ مِن: " من " في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ مُخْتالا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] وجُمِعَ عَلى مَعْنى: " من " ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿مُخْتالا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] وهو خَبَرُ ﴿كانَ﴾ [النساء: ٣٦] وجُمِعَ عَلى المَعْنى أيْضًا، أوْ عَلى إضْمارِ: أذُمُّ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مُبْغِضُونَ، ودَلَّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: " لا يُحِبُّ " ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ (مُعَذِّبُونَ) لِقَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هُمُ الَّذِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ [النساء: ٣٨] مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والخَبَرُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ﴾ [النساء: ٤٠] أيْ: يَظْلِمُهم.

ثُمَّ قالَ: والبُخْلُ والبَخَلُ لُغَتانِ: وقَدْ قُرِئَ بِهِما، وفِيهِ لُغَتانِ أُخْرَيانِ البُخُلُ - بِضَمِّ الخاءِ والباءِ - والبَخْلُ - بِفَتْحٍ وسُكُونِ الخاءِ - انْتَهى.

38

وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَٰنُ لَهُۥ قَرِينًۭا فَسَآءَ قَرِينًۭا

And [also] those who spend of their wealth to be seen by the people and believe not in Allah nor in the Last Day. And he to whom Satan is a companion - then evil is he as a companion.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ [٣٨]

﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ﴾ أيْ: قَصْدَ رُؤْيَةِ الخَلْقِ إيّاهُ، غَفْلَةً عَنِ الخالِقِ – تَقَدَّسَ - وعِمايَةً عَنْهُ؛ لِيُقالَ: ما أسْخاهم وما أجْوَدَهم ﴿ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ وحْدَهُ ويُتَحَرّى بِالِاتِّفاقِ رِضاهُ ﴿ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ الَّذِي هو يَوْمُ الجَزاءِ ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا﴾ مُعِينًا في الدُّنْيا ﴿فَساءَ قَرِينًا﴾ فَبِئْسَ القَرِينُ والصّاحِبُ الشَّيْطانُ؛ لِأنَّهُ يُضِلُّهُ عَنِ الهُدى ويَحْجُبُهُ عَنِ الحَقِّ، وإنَّما اتَّصَلَ الكَلامُ هُنا بِذِكْرِ الشَّيْطانِ؛ تَقْرِيعًا لَهم عَلى طاعَتِهِ.

والمَعْنى: مَن يَكُنْ عَمَلُهُ بِما سَوَّلَ لَهُ الشَّيْطانُ فَبِئْسَ العَمَلُ عَمَلُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لَهم بِأنَّ الشَّيْطانَ يُقْرَنُ بِهِمْ في النّارِ.

لَطِيفَةٌ:

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى " الَّذِينَ يَبْخَلُونَ " أوْ عَلى " لِلْكافِرِينَ " وإنَّما شارَكُوهم في الذَّمِّ والوَعِيدِ؛ لِأنَّ البُخْلَ كالإنْفاقِ رِياءً، سَواءٌ في القُبْحِ واسْتِتْباعِ اللّائِمَةِ والذَّمِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ بِناءً عَلى إجْراءِ التَّغايُرِ الوَصْفِيِّ مَجْرى التَّغايُرِ الذّاتِيِّ، كَما في قَوْلِهِ:

؎إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحِمِ

أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَكُنِ﴾ إلَخْ أيْ: فَقَرِينُهُمُ الشَّيْطانُ، وإنَّما حُذِفَ لِلْإيذانِ بِظُهُورِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ، أوِ التَّقْدِيرُ: فَلا يُقْبَلُ إحْسانُهُمْ؛ لِأنَّ رِياءَهم يَدُلُّ عَلى تَفْضِيلِهِمُ الخَلْقَ عَلى اللَّهِ، ورُؤْيَتَهم عَلى ثَوابِهِ.

وقَدْ رَوى مُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: أنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ مَعِيَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ».

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ يَبْخَلُونَ بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [النساء: ٣٧] الآيَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ إسْحاقَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ رِجالًا مِنَ اليَهُودِ كانُوا يَأْتُونَ رِجالًا مِنَ الأنْصارِ يَنْتَصِحُونَ لَهُمْ، فَيَقُولُونَ: لا تُنْفِقُوا أمْوالَكُمْ، فَإنّا نَخْشى عَلَيْكُمُ الفَقْرَ في ذَهابِها، ولا تُسارِعُوا في النَّفَقَةِ، فَإنَّكم لا تَدْرُونَ ما يَكُونُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [النساء: ٣٧] الآيَةَ.

39

وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا

And what [harm would come] upon them if they believed in Allah and the Last Day and spent out of what Allah provided for them? And Allah is ever, about them, Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [٣٩]

﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: فَلَمْ يُرَجِّحُوا الخَلْقَ عَلَيْهِ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ بِالبَعْثِ والجَزاءِ فَلَمْ يُرَجِّحُوا تَعْظِيمَهم وحُطامَهم عَلى ثَوابِهِ ﴿وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ المالِ، أيْ: طَلَبًا لِرِضاهُ وأجْرَ آخِرَتِهِ.

قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ؛ تَعْوِيلًا عَلى التَّفْصِيلِ السّابِقِ، واكْتِفاءً بِذِكْرِ الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإنْفاقُ لِابْتِغاءِ وجْهِهِ تَعالى وطَلَبِ ثَوابِهِ البَتَّةَ، أيْ: وما الَّذِي عَلَيْهِمْ، أوْ: وأيُّ تَبِعَةٍ ووَبالٍ عَلَيْهِمْ في الإيمانِ بِاللَّهِ والإنْفاقِ في سَبِيلِهِ؟! وهو تَوْبِيخٌ لَهم عَلى الجَهْلِ بِمَكانِ المَنفَعَةِ، والِاعْتِقادِ في الشَّيْءِ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ، وتَحْرِيضٌ عَلى التَّكْفِيرِ لِطَلَبِ الجَوابِ؛ لَعَلَّهُ يُؤَدِّي بِهِمْ إلى العِلْمِ بِما فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ والعَوائِدِ الجَمِيلَةِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَدْعُوَّ إلى أمْرٍ لا ضَرَرَ فِيهِ يَنْبَغِي أنْ يُجِيبَ إلَيْهِ احْتِياطًا، فَكَيْفَ إذا كانَ فِيهِ مَنافِعُ لا تُحْصى، وتَقْدِيمُ الإيمانِ بِهِما؛ لِأهَمِّيَّتِهِ في نَفْسِهِ، ولِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالإنْفاقِ بِدُونِهِ.

وأمّا تَقْدِيمُ (إنْفاقِهِمْ رِئاءَ النّاسِ) عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ بِهِما - مَعَ كَوْنِ المُؤَخَّرِ أقْبَحَ مِنَ المُقَدَّمِ - فَلِرِعايَةِ المُناسَبَةِ بَيْنَ إنْفاقِهِمْ ذَلِكَ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ مِن بُخْلِهِمْ وأمْرِهِمْ لِلنّاسِ بِهِ، انْتَهى.

﴿وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ وعِيدٌ لَهم بِالعِقابِ.

40

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةًۭ يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Indeed, Allah does not do injustice, [even] as much as an atom's weight; while if there is a good deed, He multiplies it and gives from Himself a great reward.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [٤٠]

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ أيْ: لا يَبْخَسُ أحَدًا مِن ثَوابِ عَمَلِهِ ولا يَزِيدُ في عِقابِهِ شَيْئًا مِقْدارَ ذَرَّةٍ، وهِيَ: (النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ) في قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ.

قالَ ثَعْلَبٌ: مِائَةٌ مِنَ الذَّرِّ زِنَةُ حَبَّةِ شَعِيرٍ، وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِأقَلِّ الأشْياءِ، والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَظْلِمُ أحَدًا شَيْئًا، قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، فَخَرَجَ الكَلامُ عَلى أصْغَرِ شَيْءٍ يَعْرِفُهُ النّاسُ ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ أيْ: وإنْ تَكُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ حَسَنَةً يُضاعِفْ ثَوابَها، وإنَّما أُنِّثَ ضَمِيرُ المِثْقالِ لِتَأْنِيثِ الخَيْرِ، أوْ لِإضافَتِهِ إلى الذَّرَّةِ ﴿ويُؤْتِ﴾ أيْ: زِيادَةً عَلى الإضْعافِ ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ مِمّا يُناسِبُ عَظَمَتَهُ عَلى نَهْجِ التَّفَضُّلِ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ أيْ: عَطاءً جَزِيلًا، وقَدْ ورَدَ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنها ما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ الطَّوِيلِ: وفِيهِ: «فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ارْجِعُوا، فَمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ فَأخْرِجُوهُ مِنَ النّارِ، وفي لَفْظٍ: أدْنى أدْنى أدْنى مِثْقالِ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ فَأخْرِجُوهُ مِنَ النّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُ أبُو سَعِيدٍ: اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾»

وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: فَأمّا المُشْرِكُ فَيُخَفَّفُ عَنْهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ - أيْ: بِحَسَنَتِهِ - ولا يَخْرُجُ مِنَ النّارِ أبَدًا.

قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ «إنَّ العَبّاسَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَفَعْتَ أبا طالِبٍ بِشَيْءٍ فَإنَّهُ كانَ يَحُوطُكَ ويَغْضَبُ لَكَ؟ قالَ: نَعَمْ، هو في ضِحْضاحٍ مِن نارٍ، ولَوْلا أنا لَكانَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ» .

وقَدْ يَكُونُ هَذا خاصًّا بِأبِي طالِبٍ مِن دُونِ الكُفّارِ؛ بِدَلِيلِ ما رَواهُ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ في مُسْنَدِهِ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لا يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً، يُثابُ عَلَيْها الرِّزْقَ في الدُّنْيا، ويُجْزى بِها في الآخِرَةِ، وأمّا الكافِرُ فَيُطْعَمُ بِها في الدُّنْيا، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ» انْتَهى.

ورَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا عَنْ أنَسٍ أيْضًا مَرْفُوعًا، ولَفْظُهُ: «إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطى بِها في الدُّنْيا ويُجْزى بِها في الآخِرَةِ، وأمّا الكافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَناتٍ ما عَمِلَ بِها لِلَّهِ في الدُّنْيا، حَتّى إذا أفْضى إلى الآخِرَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزى بِها» .

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.