Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 31–40 of 176

31

إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا

If you avoid the major sins which you are forbidden, We will remove from you your lesser sins and admit you to a noble entrance [into Paradise].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ اجْتِنابُ الشَّيْءِ: تَرْكُهُ جانِبًا. وفي الكَبائِرِ أحَدَ عَشَرَ قَوْلًا.

أحَدُها: أنَّها سَبْعٌ، فَرَوى البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وما هُنَّ؟ قالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفِ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ الغافِلاتِ" .»

وَقَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ مِن طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "الكَبائِرُ سَبْعٌ، الإشْراكُ بِاللَّهِ أوَّلُهُنَّ، وقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقِّها، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ بِدارًا أنْ يَكْبَرُوا، والفِرارُ مِنِ الزَّحْفِ، ورَمْيِ المُحْصَناتِ، وانْقِلابٌ إلى أعْرابِيَّةٍ بَعْدَ هِجْرَةٍ" .»

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: هي سَبْعٌ، فَعَدَّ هَذِهِ.

وَرُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: هي سَبْعٌ، وعَدَّ هَذِهِ، إلّا أنَّهُ ذَكَرَ مَكانَ الإشْراكِ والتَّعَرُّبِ شَهادَةَ الزُّورِ وعُقُوقَ الوالِدَيْنِ.

والثّانِي: أنَّها تِسْعٌ، رَوى عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ أبِيهِ، وكانَ مِنِ الصَّحابَةِ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ ما الكَبائِرُ؟ فَقالَ: "تِسْعٌ، أعْظَمُهُنَّ الإشْراكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ نَفْسِ المُؤْمِنِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والسِّحْرُ، وأكْلُ الرِّبا، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ المُسْلِمَيْنِ، واسْتِحْلالُ البَيْتِ الحَرامِ قِبْلَتِكم أحْياءً وأمْواتًا" .»

والثّالِثُ: أنَّها أرْبَعٌ: رَوى البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " الكَبائِرُ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، واليَمِينُ الغَمُوسُ" .»

وَرَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الكَبائِرَ، أوْ سُئِلَ عَنْها، فَقالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ" وقالَ: "ألا أُنَبِّئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ؟ قَوْلُ الزُّورِ، أوْ شَهادَةُ الزُّورِ" .» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: الكَبائِرُ أرْبَعٌ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، والأمْنُ لِمَكْرِ اللَّهِ، والقُنُوطُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، والإياسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوُهُ.

والرّابِعُ: أنَّها ثَلاثٌ، فَرَوى عِمْرانُ بْنُ حُصِينٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "ألا أُنَبِّئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ؟ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، -وَكانَ مُتَّكِئًا فاحْتَفَزَ- قالَ: والزُّورُ" .» ورَوى البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ألا أُنَبِّئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ؟ قُلْنا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، -وَكانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ- فَقالَ: وشَهادَةُ الزُّورِ" فَما زالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ.» وأخْرَجا في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أيُّ الذَّنْبِ أكْبَرُ؟ قالَ: "أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ تَعالى نِدًّا وهو خَلَقَكَ" . قُلْتُ: ثُمَّ أيْ؟ قالَ: "ثُمَّ أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ" . قُلْتُ: ثُمَّ أيْ؟ قالَ: "أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ" .»

والخامِسُ: أنَّها مَذْكُورَةٌ مِن …

32

وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا۟ ۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ۚ وَسْـَٔلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًۭا

And do not wish for that by which Allah has made some of you exceed others. For men is a share of what they have earned, and for women is a share of what they have earned. And ask Allah of his bounty. Indeed Allah is ever, of all things, Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: «أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: يَغْزُو الرِّجالُ، ولا نَغْزُو، وإنَّما لَنا نِصْفُ المِيراثِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّ النِّساءَ قُلْنَ: ودِدْنَ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَنا الغَزْوَ، فَنُصِيبُ مِنَ الأجْرِ ما يُصِيبُ الرِّجالُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا نَزَلْ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ قالَ الرِّجالُ: إنّا لَنَرْجُو أنْ نَفْضُلَ عَلى النِّساءِ بِحَسَناتِنا، كَما فُضِّلْنا عَلَيْهِنَّ في المِيراثِ، وقالَ النِّساءُ: إنّا لَنَرْجُو أنْ يَكُونَ الوِزْرُ عَلَيْنا نِصْفَ ما عَلى الرِّجالِ، كَما لَنا المِيراثُ عَلى النِّصْفِ مِن نَصِيبِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

وَفِي مَعْنى هَذا التَّمَنِّي قَوْلانِ. . أحَدُهُما: أنْ يَتَمَنّى الرَّجُلُ مالَ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ. والثّانِي: أنْ يَتَمَنّى النِّساءُ أنْ يَكُنَّ رِجالًا. وقَدْ رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: يا لَيْتَنا كُنّا رِجالًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

وَلِلتَّمَنِّي وُجُوهٌ.

أحَدُها: أنْ يَتَمَنّى الإنْسانُ أنْ يُحَصِّلَ لَهُ مالَ غَيْرِهِ، ويَزُولَ عَنِ الغَيْرِ، فَهَذا الحَسَدُ.

والثّانِي: أنْ يَتَمَنّى مِثْلَ ما لِغَيْرِهِ، ولا يُحِبُّ زَوالَهُ عَنِ الغَيْرِ، فَهَذا هو الغِبْطَةُ ورُبَّما لَمْ يَكُنْ نَيْلُ ذَلِكَ مَصْلَحَةً في حَقِّ المُتَمَنِّي. قالَ الحَسَنُ: لا تَمَنَّ مالَ فُلانٍ، ولا مالَ فَلانٍ، وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ هَلاكَهُ في ذَلِكَ المالِ؟ .

والثّالِثُ: أنَّ تَتَمَنّى المَرْأةُ أنْ تَكُونَ رَجُلًا، ونَحْوَ هَذا مِمّا لا يَقَعُ، فَلْيَعْلَمِ العَبْدُ أنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِالمَصالِحِ، فَلْيَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ، ولْتَكُنْ أمانِيهِ الزِّيادَةُ مِن عَمَلِ الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهَذا الِاكْتِسابِ، المِيراثُ، وهو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ الثَّوابُ والعِقابُ. فالمَعْنى: أنَّ المَرْأةَ تُثابُ كَثَوابِ الرَّجُلِ، وتَأْثَمُ كَإثْمِهِ، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ السّائِبِ، ومُقاتِلٍ. واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ بِأنَّ المِيراثَ لا يَحْصُلُ بِالِاكْتِسابِ، وبِأنَّ الآَيَةَ نَزَلَتْ لِأجْلِ التَّمَنِّي والفَضْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وأبانٌ، وخَلَفٌ في اخْتِيارِهِ (وَسَلُوا اللَّهَ (فَسَلِ الَّذِينَ (فَسَلْ بَنِي إسْرائِيلَ (وَسَلْ مَن أرْسَلْنا وما كانَ مِثْلَهُ مِنَ الأمْرِ المُواجِهِ بِهِ، وقَبْلَهُ "واوٌ" أوْ "فاءٌ" فَهو غَيْرُ مَهْمُوزٍ عِنْدَهم. وكَذَلِكَ نُقِلَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ. وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ في ذَلِكَ كُلِّهِ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾ [المُمْتَحَنَةِ: ١٠] أنَّهُ مَهْمُوزٌ.

وَفِي المُرادِ بِالفَضْلِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ الفَضْلَ: الطّاعَةُ، قالَهُ سَعِيدٌ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهُ الرِّزْقُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، فَيَكُونُ المَعْنى: سَلُوا اللَّهَ ما تَتَمَنَّوْهُ مِنِ النِّعَمِ، ولا تَتَمَنَّوْا مالَ غَيْرِكم.

33

وَلِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ ۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدًا

And for all, We have made heirs to what is left by parents and relatives. And to those whom your oaths have bound [to you] - give them their share. Indeed Allah is ever, over all things, a Witness.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ المَوالِيَ: الأوْلِياءُ، وهُمُ الوَرَثَةُ مِنَ العُصْبَةِ وغَيْرِهِمْ. ومَعْنى الآَيَةِ: لِكُلِّ إنْسانٍ مَوالِيَ يَرِثُونَ ما تَرَكَ. وارْتِفاعُ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ عَلى مَعْنَيَيْنِ مِنَ الإعْرابِ.

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الرَّفْعُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، والتَّقْدِيرُ: وهُمُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، ويَكُونُ تَمامَ الكَلامِ قَوْلُهُ ﴿مِمّا تَرَكَ﴾ .

والثّانِي: أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى أنَّهُ الفاعِلُ التَّرْكُ لِلْمالِ، فَيَكُونُ الوالِدانِ، هُمُ المَوْلى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "عاقَدَتْ" بِالألِفِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، "عَقَدَتْ" بِلا ألِفٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالألِفِ، فالتَّقْدِيرُ: والَّذِينَ عاقَدَتْهم أيْمانُكم، ومِن حَذْفِ الألِفِ، فالمَعْنى: عَقَدَتْ حِلْفَهم أيْمانُكم، فَحُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهم أهْلُ الحِلْفِ، كانَ الرَّجُلُ يُحالِفُ الرَّجُلَ، فَأيُّهُما ماتَ وِرْثَهُ الآَخَرُ، فَنَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى عَنْهُ عَطِيَّةُ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَلْحَقُ الرَّجُلَ فِي الجاهِلِيَّةِ، فَيَكُونُ تابِعَهُ، فَإذا ماتَ الرَّجُلُ، صارَ لِأهْلِهِ المِيراثُ، وبَقِيَ تابِعُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ( والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانكم ) فَأُعْطِي مِن مِيراثِهِ، ثُمَّ نَزَلَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ ومِمَّنْ قالَ هُمُ الحُلَفاءَ: سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ آَخى بَيْنَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، كانَ المُهاجِرُونَ يُوَرِّثُونَ الأنْصارَ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِمْ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي عَقَدَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهم. رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ::أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا يَتَبَنَّوْنَ أبْناءَ غَيْرِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ، هَذا قَوْلُ سَعِيدٍ ابْنِ المُسَيِّبِ. فَأمّا أرْبابُ القَوْلِ الأوَّلِ، فَقالُوا: نَسَخَ حَكَمَ الحُلَفاءِ الَّذِينَ كانُوا يَتَعاقَدُونَ عَلى النُّصْرَةِ والمِيراثِ بِآخِرِ (الأنْفالِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، ومالِكٌ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ.

وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: هَذا الحُكْمُ باقٍ غَيْرَ أنَّهُ جَعَلَ ذَوِي الأرْحامِ أوْلى مِن مَوالِي المُعاقَدَةِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ: فَآَتَوْهم نَصِيبَهم مِنِ النَّصْرِ والنَّصِيحَةِ مِن غَيْرِ مِيراثٍ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ. وذَهَبَ قَوْمٌ آخَرُونَ إلى أنَّ المُعاقَدَةَ: إنَّما كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ عَلى النُّصْرَةِ لا غَيْرَ، والإسْلامُ لَمْ يُغَيِّرْ ذَلِكَ، وإنَّما قَرَّرَهُ، فَقالَ: النَّبِيُّ ﷺ: « "أيُّما حِلْفٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّ الإسْلامَ لَمْ يَزِدْهُ إلّا شِدَّةً" .» أرادَ: النَّصْرَ والعَوْنَ. وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ الآَيَةَ مَحْكَمَةٌ.

34

ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌۭ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ۚ وَٱلَّٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّۭا كَبِيرًۭا

Men are in charge of women by [right of] what Allah has given one over the other and what they spend [for maintenance] from their wealth. So righteous women are devoutly obedient, guarding in [the husband's] absence what Allah would have them guard. But those [wives] from whom you fear arrogance - [first] advise them; [then if they persist], forsake them in bed; and [finally], strike them. But if they obey you [once more], seek no means against them. Indeed, Allah is ever Exalted and Grand.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ رَجُلًا لَطَمَ زَوْجَتَهُ لَطْمَةً فاسْتَعْدَتْ عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ الأنْصارِيُّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "قَوّامُونَ" أيْ: مُسَلَّطُونَ عَلى تَأْدِيبِ النِّساءِ في الحَقِّ. ورَوى هُشامٌ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ قالَ: إذا كانُوا رِجالًا، وأنْشَدَ

؎ أكْلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَءًا ونارًا تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نارًا

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ يَعْنِي: الرِّجالُ عَلى النِّساءِ، وفَضَّلَ الرَّجُلُ عَلى المَرْأةِ بِزِيادَةِ العَقْلِ، وتَوْفِيرِ الحَظِّ في المِيراثِ، والغَنِيمَةِ، والجُمْعَةِ، والجَماعاتِ، والخِلافَةِ، والإمارَةِ، والجِهادِ، وجُعِلَ الطَّلاقُ إلَيْهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: المَهْرُ والنَّفَقَةُ عَلَيْهِنَّ.

وَفِي "الصّالِحاتِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: المُحْسِناتُ إلى أزْواجِهِنَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: العامِلاتُ بِالخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ مُبارَكٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ. و"القانِتاتُ" المُطِيعاتُ لِلَّهِ في أزْواجِهِنَّ، والحافِظاتُ لِلْغَيْبِ، أيْ: لِغَيْبِ أزْواجِهِنَّ. وقالَ عَطاءٌ، وَقَتادَةُ: يَحْفَظْنَ ما غابَ عَنْهُ الأزْواجُ مِنَ الأمْوالِ، وما يَجِبُ عَلَيْهِنَّ مِن صِيانَةِ أنْفُسِهِنَّ لَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ اسْمِ "اللَّهِ" وفي مَعْنى الكَلامِ عَلى قِراءَتِهِمْ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: بِحِفْظِ اللَّهِ إيّاهُنَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، ومُقاتِلٍ. ورَوى ابْنُ المُبارَكِ، عَنْ سُفْيانَ، قالَ: بِحِفْظِ اللَّهِ إيّاها أنْ جَعَلَها كَذَلِكَ.

والثّانِي: بِما حَفِظَ اللَّهُ لَهُنَّ مُهُورَهُنَّ، وإيجابُ نَفَقَتِهِنَّ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ: حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَحْفَظُ بِهِ أمْرَ اللَّهِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِنَصْبِ اسْمِ اللَّهِ. والمَعْنى: بِحِفْظِهِنَّ اللَّهَ في طاعَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ في الخَوْفِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: العِلْمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِمَعْنى: الظَّنِّ لِما يَبْدُو مِن دَلائِلَ النُّشُوزِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وأنْشَدَ

؎ وما خِفْتُ يا سَلامُ أنَّكَ عائِبِي

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّشُوزُ" بُغْضُ المَرْأةِ لِلزَّوْجِ، يُقالُ: نَشَزَتِ المَرْأةُ عَلى زَوْجِها، ونَشَصَتْ: إذا فَرَكَتْهُ، ولَمْ تَطْمَئِنَّ عِنْدَهُ، وأصِلُ النُّشُوزِ: الِانْزِعاجُ. قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُهُ مِنِ النَّشْزِ، وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ قالَ الخَلِيلُ: الوَعْظُ: التَّذْكِيرُ بِالخَيْرِ فِيما يَرِقُّ لَهُ القَلْبُ.

قالَ الحَسَنُ: يَعِظُها بِلِسانِهِ، فَإنْ أبَتْ وإلّا هَجَرَها. واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالهَجْرِ في المَضْجَعِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ تَرَكَ الجِماعَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي طَلْحَةَ، والعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ تَرْكُ الكَلامِ، لا تَرْكُ الجِماعِ، رَواهُ أبُو الضُّحى، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وخَصِيفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، والثَّوْرِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ الهَجْرِ مِنَ …

35

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحًۭا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًۭا

And if you fear dissension between the two, send an arbitrator from his people and an arbitrator from her people. If they both desire reconciliation, Allah will cause it between them. Indeed, Allah is ever Knowing and Acquainted [with all things].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ في الخَوْفِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الحَذَرُ مِن وُجُودِ ما لا يُتَيَقَّنُ وجُودُهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ العِلْمُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. قالَ الزَّجّاجُ: والشِّقاقُ: العَداوَةُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ المُتَشاقِّينَ، كُلُّ صِنْفٍ مِنهم في شِقٍّ. و"الحَكَمُ":هُوَ القَيِّمُ بِما يُسْنَدُ إلَيْهِ، وفي المَأْمُورِ بِإنْفاذِ الحُكْمَيْنِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ السُّلْطانُ إذا تَرافَعا إلَيْهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ. والثّانِي: الزَّوْجانِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يُرِيدا إصْلاحًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: الحُكْمَيْنِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى الحُكْمَيْنِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والسُّدِّيُّ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى الزَّوْجَيْنِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

فَصْلٌ

والحُكْمانِ وكِيلانِ لِلزَّوْجَيْنِ، ويُعْتَبَرُ رِضى الزَّوْجَيْنِ فِيما يَحْكُمانِ بِهِ، هَذا قَوْلُ أحْمَدَ، وأبِي حَنِيفَةَ، وأصْحابِهِ. وقالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ: لا يَفْتَقِرُ حُكْمُ الحَكَمَيْنِ إلى رِضى الزَّوْجَيْنِ.

36

۞ وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًۭا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًۭا فَخُورًا

Worship Allah and associate nothing with Him, and to parents do good, and to relatives, orphans, the needy, the near neighbor, the neighbor farther away, the companion at your side, the traveler, and those whom your right hands possess. Indeed, Allah does not like those who are self-deluding and boastful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وحِّدُوهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: أغْراهم بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجارِ ذِي القُرْبى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الجارُ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةٌ، والضَّحّاكٌ، وقَتادَةٌ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٍ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ الجارُ المُسْلِمُ، قالَهُ نَوْفُ الشّامِيُّ. فَيَكُونُ المَعْنى: ذِي القُرْبى مِنكم بِالإسْلامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ رَوى المُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ: والجارِ الجُنُبُ بِفَتْحِ الجِيمِ، وإسْكانِ النُّونِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: والجارُ ذِي الجَنْبِ، فَحُذِفَ المُضافُ، وفي الجارِ الجُنُبِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الغَرِيبُ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ جارُكَ عَنْ يَمِينِكَ، وعَنْ شِمالِكَ، وبَيْنَ يَدَيْكَ، وخَلْفَكَ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اليَهُودِيُّ والنَّصْرانِيُّ، قالَهُ نَوْفُ الشّامِيَّ وَفِي الصّاحِبِ بِالجَنْبِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الزَّوْجَةُ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وإبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى.

والثّانِي: أنَّهُ الرَّفِيقُ في السَّفَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ مُجاهِدٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الرَّفِيقُ، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الَّذِي يَلْصِقُ بِكَ رَجاءَ خَيْرِكَ، وقالَ مُقاتِلٌ: هو رَفِيقُكَ حَضَرًا وسَفَرًا، وفي ابْنِ السَّبِيلِ أقْوالٌ. قَدْ ذَكَرْناها في (البَقَرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يَعْنِي: المَمْلُوكِينَ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يَدْخُلُ فِيهِ الحَيَوانُ البَهِيمُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمُحْتالُ: البَطِرُ في مِشْيَتِهِ، والفَخُورُ: المُفْتَخِرُ عَلى النّاسِ بِكِبْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الَّذِي يُعِدُّ ما أعْطى، ولا يَشْكُرُ اللَّهَ، وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المُخْتالُ: ذُو الخُيَلاءِ والكِبْرِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُخْتالُ: الصَّلَفُ التَّيّاهُ الجَهُولُ. وإنَّما ذَكَرَ الِاخْتِيالَ هاهُنا، لِأنَّ المُخْتالَ يَأْنَفُ مِن ذَوِي قَراباتِهِ، ومِن جِيرانِهِ إذا كانُوا فَقَراءَ.

37

ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا

Who are stingy and enjoin upon [other] people stinginess and conceal what Allah has given them of His bounty - and We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَأمّا سَبَبُ نُزُولِها فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ كَرْدَمُ بْنُ زَيْدٍ، [حَلِيفَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ] وأُسامَةَ بْنِ حَبِيبٍ، ونافِعِ بْنِ أبِي نافِعٍ، وبَحْرِيِّ بْنِ عَمْرٍو، وحُيَيٍّ ابْنِ أخْطَبَ، ورِفاعَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ، يَأْتُونَ رِجالًا مِنَ الأنْصارِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانُوا يُخالِطُونَهم، ويَنْتَصِحُونَ لَهم، فَيَقُولُونَ لَهُمْ: لا تُنْفِقُوا أمْوالَكم، فَإنّا نَخْشى عَلَيْكُمُ الفَقْرَ [فِي ذَهابِها] ولا تُسارِعُوا فِي النَّفَقَةِ، فَإنَّكم لا تَدْرُونَ ما يَكُونُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. وفي الَّذِي بَخِلُوا بِهِ وأمَرُوا النّاسَ بِالبُخْلِ بِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ المالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ إظْهارُ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ ونُبُوَّتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِالبُخْلِ خَفِيفًا. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالبُخْلِ مُحَرِّكًا، وكَذَلِكَ في سُورَةِ (الحَدِيدِ وفي الَّذِينَ آَتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، أُوتُوا عِلْمَ نَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَكَتَمُوهُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّهم أرْبابُ الأمْوالِ بَخِلُوا بِها، وكَتَمُوا الغِنى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. في آَخَرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعْتَدْنا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: جَعَلْنا ذَلِكَ عَتادًا لَهم، أيْ: مُثْبِتًا لَهم.

38

وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَٰنُ لَهُۥ قَرِينًۭا فَسَآءَ قَرِينًۭا

And [also] those who spend of their wealth to be seen by the people and believe not in Allah nor in the Last Day. And he to whom Satan is a companion - then evil is he as a companion.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، والزَّجّاجُ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّالِثُ: مُشْرِكُو مَكَّةَ أنْفَقُوا عَلى عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

والقَرِينُ: الصّاحِبُ المُؤالِّفُ، وهو فَعِيلٌ مِنِ الِاقْتِرانِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وفي مَعْنى مُقارَنَةِ الشَّيْطانِ قَوْلانِ. أحَدُها: مُصاحَبَتُهُ في الفِعْلِ. والثّانِي: مُصاحَبَتُهُ في النّارِ.

39

وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا

And what [harm would come] upon them if they believed in Allah and the Last Day and spent out of what Allah provided for them? And Allah is ever, about them, Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَماذا عَلَيْهِمْ﴾ المَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ عَلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ، ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، لَوْ آمَنُوا! . وفي الإنْفاقِ المَذْكُورِ هاهُنا: قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّدَقَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الزَّكاةُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ تَهْدِيدٌ لَهم عَلى سُوءِ مَقاصِدِهِمْ.

40

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةًۭ يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Indeed, Allah does not do injustice, [even] as much as an atom's weight; while if there is a good deed, He multiplies it and gives from Himself a great reward.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ قَدْ شَرَحْنا الظُّلْمَ فِيما سَلَفَ، وهو مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّ قَوْمًا قالُوا: الظُّلْمُ: تَصَرُّفٌ فِيما لا يَمْلِكُ، والكُلُّ مَلَكَهُ، وقالَ آخَرُونَ: هو وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وحِكْمَتُهُ لا تَقْتَضِي فِعْلًا لا فائِدَةَ تَحْتَهُ. ومِثْقالُ الشَّيْءِ: زِنَةُ الشَّيْءِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: هَذا عَلى مِثْقالِ هَذا، أيْ: عَلى وزْنِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو مِفْعالٌ مِنِ الثِّقَلِ.

وَقَرَأتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: يَظُنُّ النّاسُ أنَّ المِثْقالَ وزْنُ دِينارٍ لا غَيْرَ، ولَيْسَ كَما يَظُنُّونَ. مِثْقالُ كُلِّ شَيْءٍ: وزْنُهُ، وكُلُّ وزْنٍ يُسَمّى مِثْقالًا، وإنْ كانَ وزْنَ ألْفٍ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ [الأنْبِياءِ: ٤٧] قالَ أبُو حاتِمٍ: سَألْتُ الأصْمَعِيَّ عَنْ صَنْجَةِ مِثْقالِ المِيزانِ، فَقالَ: فارِسِيٌّ، ولا أدْرِي كَيْفَ أقُولُ، ولَكِنِّي أقُولُ: مِثْقالٌ، فَإذا قُلْتُ لِلرَّجُلِ: ناوِلْنِي مِثْقالًا، فَأعْطاكَ صَنْجَةَ ألْفٍ، أوْ صَنْجَةَ حَبَّةٍ، كانَ مُمْتَثِلًا.

وَفِي المُرادِ بِالذَّرَّةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ رَأْسُ نَمْلَةٍ حَمْراءَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: ذَرَّةٌ يَسِيرَةٌ مِنَ التُّرابِ، رَواهُ يَزِيدُ بْنُ الأصَمِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أصْغَرُ النَّمْلِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وابْنُ فارِسٍ. والرّابِعُ: الخَرْدَلَةُ. والخامِسُ: الواحِدَةُ مِنَ الهَباءِ الظّاهِرِ في ضَوْءِ الشَّمْسِ إذا طَلَعَتْ مِن ثُقْبٍ، ذَكَرَهُما الثَّعْلَبِيُّ. واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ الذَّرَّةِ ضَرْبُ مَثَلٍ بِما يُعْقَلُ، والمَقْصُودُ أنَّهُ لا يَظْلِمُ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: حَسَنَةٌ بِالرَّفْعِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن رَفَعَ، فالمَعْنى: وإنْ تُحْدِثْ حَسَنَةً، ومَن نَصَبَ، فالمَعْنى: وإنْ تَكُ فَعَلْتَهُ حَسَنَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُضاعِفْها﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ: يُضْعِّفُها بِالتَّشْدِيدِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ الباقُونَ: يُضاعِفُها بِألِفٍ مَعَ كَسْرِ العَيْنِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُضاعِفُها بِالألِفِ: يُعْطِي مِثْلَها مَرّاتٍ، ويُضْعِّفُها بِغَيْرِ ألِفٍ: يُعْطِي مِثْلَها مَرَّةً. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِهِ. والأجْرُ العَظِيمُ: الجَنَّةُ.

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.