Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 31–40 of 176

31

إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا

If you avoid the major sins which you are forbidden, We will remove from you your lesser sins and admit you to a noble entrance [into Paradise].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ الوَعِيدِ أتْبَعَهُ بِتَفْصِيلِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: جَمِيعُ الذُّنُوبِ والمَعاصِي كَبائِرُ. رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ عُصِيَ اللَّهُ فِيهِ فَهو كَبِيرَةٌ، فَمَن عَمِلَ شَيْئًا مِنها فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُخَلِّدُ في النّارِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إلّا راجِعًا عَنِ الإسْلامِ، أوْ جاحِدًا فَرِيضَةً، أوْ مُكَذِّبًا بِقَدَرٍ. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ:

الحُجَّةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّ الذُّنُوبَ لَوْ كانَتْ بِأسْرِها كَبائِرَ لَمْ يَصِحَّ الفَصْلُ بَيْنَ ما يُكَفَّرُ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ وبَيْنَ الكَبائِرِ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٣] وقَوْلُهُ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩] .

الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نَصَّ عَلى ذُنُوبٍ بِأعْيانِها أنَّها كَبائِرُ، كَقَوْلِهِ: ”«الكَبائِرُ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، واليَمِينُ الغَمُوسُ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وقَتْلُ النَّفْسِ» “، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِنها ما لَيْسَ مِنَ الكَبائِرِ.

الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾ [الحجرات: ٧] وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ المَنهِيّاتِ أقْسامٌ ثَلاثَةٌ:

أوَّلُها: الكُفْرُ.

وثانِيها: الفُسُوقُ.

وثالِثُها: العِصْيانُ.

فَلا بُدَّ مِن فَرْقٍ بَيْنَ الفُسُوقِ وبَيْنَ العِصْيانِ؛ لِيَصِحَّ العَطْفُ، وما ذاكَ إلّا لِما ذَكَرْنا مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ الصَّغائِرِ وبَيْنَ الكَبائِرِ، فالكَبائِرُ هي الفُسُوقُ، والصَّغائِرُ هي العِصْيانُ. واحْتَجَّ ابْنُ عَبّاسٍ بِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: كَثْرَةُ نِعَمِ مَن عَصى.

والثّانِي: إجْلالُ مَن عَصى، فَإنِ اعْتَبَرْنا الأوَّلَ، فَنِعَمُ اللَّهِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، كَما قالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وإنِ اعْتَبَرْنا الثّانِي فَهو أجَلُّ المَوْجُوداتِ وأعْظَمُها، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ وجَبَ أنْ يَكُونَ عِصْيانُهُ في غايَةِ الكِبَرِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ فَهو كَبِيرَةٌ.

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: كَما أنَّهُ تَعالى أجَلُّ المَوْجُوداتِ وأشْرَفُها، فَكَذَلِكَ هو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ وأكْرَمُ الأكْرَمِينَ، وأغْنى الأغْنِياءِ عَنْ طاعاتِ المُطِيعِينَ وعَنْ ذُنُوبِ المُذْنِبِينَ، وكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ خِفَّةَ الذَّنْبِ.

الثّانِي: هَبْ أنَّ الذُّنُوبَ كُلَّها كَبِيرَةٌ مِن حَيْثُ إنَّها ذُنُوبٌ، ولَكِنَّ بَعْضَها أكْبَرُ مِن بَعْضٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّفاوُتَ

صفحة ٦١

إذا ثَبَتَ أنَّ الذُّنُوبَ عَلى قِسْمَيْنِ بَعْضُها صَغائِرُ وبَعْضُها كَبائِرُ، فالقائِلُونَ بِذَلِكَ فَرِيقانِ: مِنهم مَن قالَ: الكَبِيرَةُ تَتَمَيَّزُ عَنِ الصَّغِيرَةِ في نَفْسِها وذاتِها، ومِنهم مَن قالَ: هَذا الِامْتِيازُ إنَّما يَحْصُلُ لا في ذَواتِها، بَلْ بِحَسَبِ حالِ فاعِلِيها، ونَحْنُ نَشْرَحُ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ.

أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فالذّاهِبُونَ إلَيْهِ والقائِلُونَ بِهِ اخْتَلَفُوا اخْتِلافًا شَدِيدًا، ونَحْنُ نُشِيرُ إلى بَعْضِها:

فالأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ ما جاءَ في القُرْآنِ مَقْرُونًا بِذِكْرِ الوَعِيدِ فَهو كَبِيرَةٌ، نَحْوَ …

32

وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا۟ ۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ۚ وَسْـَٔلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًۭا

And do not wish for that by which Allah has made some of you exceed others. For men is a share of what they have earned, and for women is a share of what they have earned. And ask Allah of his bounty. Indeed Allah is ever, of all things, Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾

اعْلَمْ أنَّ في النَّظْمِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنَّهُ تَعالى لَمّا نَهاهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَنْ أكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ، وعَنْ قَتْلِ النَّفْسِ، أمَرَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِما سَهَّلَ عَلَيْهِمْ تَرْكَ هَذِهِ المَنهِيّاتِ، وهو أنْ يَرْضى كُلُّ أحَدٍ بِما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، فَإنَّهُ إذا لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ وقَعَ في الحَسَدِ، وإذا وقَعَ في الحَسَدِ وقَعَ لا مَحالَةَ في أخْذِ الأمْوالِ بِالباطِلِ وفي قَتْلِ النُّفُوسِ، فَأمّا إذا رَضِيَ بِما قَدَّرَهُ اللَّهُ أمْكَنَهُ الِاحْتِرازُ عَنِ الظُّلْمِ في النُّفُوسِ وفي الأمْوالِ.

الوَجْهُ الثّانِي: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ: هو أنَّ أخْذَ المالِ بِالباطِلِ وقَتْلَ النَّفْسِ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ، فَأمَرَ أوَّلًا بِتَرْكِهِما لِيَصِيرَ الظّاهِرُ طاهِرًا عَنِ الأفْعالِ القَبِيحَةِ، وهو الشَّرِيعَةُ. ثُمَّ أمَرَ بَعْدَهُ بِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لِنُفُوسِ النّاسِ وأمْوالِهِمْ بِالقَلْبِ عَلى سَبِيلِ الحَسَدِ؛ لِيَصِيرَ الباطِنُ طاهِرًا عَنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، وذَلِكَ هو الطَّرِيقَةُ. ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: التَّمَنِّي عِنْدَنا عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ ما يُعْلَمُ أوْ يُظَنُّ أنَّهُ لا يَكُونُ؛ ولِهَذا قُلْنا: إنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ مِنَ الكافِرِ أنْ يُؤْمِنَ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ لَكانَ مُتَمَنِّيًا. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: النَّهْيُ عَنْ قَوْلِ القائِلِ: لَيْتَهُ وُجِدَ كَذا، أوْ لَيْتَهُ لَمْ يُوجَدْ كَذا، وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ مُجَرَّدَ اللَّفْظِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى لا يَكُونُ تَمَنِّيًا، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يُبْحَثَ عَنْ مَعْنى هَذا اللَّفْظِ، ولا مَعْنى لَهُ إلّا ما ذَكَرْناهُ مِن إرادَةِ ما يُعْلَمُ أوْ يُظَنُّ أنَّهُ لا يَكُونُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَراتِبَ السَّعاداتِ إمّا نَفْسانِيَّةٌ، أوْ بَدَنِيَّةٌ، أوْ خارِجِيَّةٌ.

أمّا السَّعاداتُ النَّفْسانِيَّةُ فَنَوْعانِ:

أحَدُهُما: ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وهو: الذَّكاءُ التّامُّ والحَدْسُ الكامِلُ، والمَعارِفُ الزّائِدَةُ عَلى مَعارِفِ الغَيْرِ بِالكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ.

وثانِيهِما: ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وهي: العِفَّةُ الَّتِي هي وسَطٌ بَيْنِ الخُمُودِ والفُجُورِ، والشَّجاعَةُ الَّتِي هي وسَطٌ بَيْنِ التَّهَوُّرِ والجُبْنِ، واسْتِعْمالُ الحِكْمَةِ العَمَلِيَّةِ الَّذِي هو تَوَسُّطٌ بَيْنَ البَلَهِ والجَرْبَزَةِ، ومَجْمُوعُ هَذِهِ الأحْوالِ هو العَدالَةُ.

وأمّا السَّعاداتُ البَدَنِيَّةُ: فالصِّحَّةُ والجَمالُ، والعُمْرُ الطَّوِيلُ في ذَلِكَ مَعَ اللَّذَّةِ والبَهْجَةِ.

وأمّا السَّعاداتُ الخارِجِيَّةُ: فَهي كَثْرَةُ الأوْلادِ الصُّلَحاءِ، وكَثْرَةُ العَشائِرِ، وكَثْرَةُ الأصْدِقاءِ والأعْوانِ، والرِّياسَةُ التّامَّةُ، ونَفاذُ القَوْلِ، وكَوْنُهُ مَحْبُوبًا لِلْخَلْقِ حَسَنَ الذِّكْرِ فِيهِمْ، مُطاعَ الأمْرِ فِيهِمْ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى مَجامِعِ السَّعاداتِ، وبَعْضُها فِطْرِيَّةٌ لا سَبِيلَ لِلْكَسْبِ فِيهِ، وبَعْضُها كَسْبِيَّةٌ، وهَذا الَّذِي يَكُونُ كَسْبِيًّا مَتى تَأمَّلَ العاقِلُ فِيهِ يَجِدْهُ أيْضًا مَحْضَ عَطاءِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لا تَرْجِيحَ لِلدَّواعِي وإزالَةِ العَوائِقِ وتَحْصِيلِ المُوجِباتِ، وإلّا

صفحة ٦٦

فَيَكُونُ سَبَبُ السَّعْيِ والجِدِّ …

33

وَلِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ ۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدًا

And for all, We have made heirs to what is left by parents and relatives. And to those whom your oaths have bound [to you] - give them their share. Indeed Allah is ever, over all things, a Witness.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهم إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ تَفْسِيرُ الآيَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ وُرّاثًا، ويُمْكِنُ أيْضًا بِحَيْثُ يَكُونانِ مَوْرُوثًا عَنْهُما.

أمّا الأوَّلُ: فَهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ﴾ أيْ: ولِكُلِّ واحِدٍ جَعَلْنا ورَثَةً في تَرِكَتِهِ، ثُمَّ كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن هَؤُلاءِ الوَرَثَةُ ؟ فَقِيلَ: هُمُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ لا بُدَّ مِنَ الوَقْفِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تَرَكَ﴾ .

وأمّا الثّانِي: فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: ولِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ جَعَلْنا مَوالِيَ، أيْ: ورَثَةً، و(جَعَلْنا) في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ؛ لِأنَّ مَعْنى (جَعَلْنا) خَلَقْنا.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ولِكُلِّ قَوْمٍ جَعَلْناهم مَوالِيَ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، فَقَوْلُهُ: (مَوالِيَ) عَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ صِفَةً والمَوْصُوفُ يَكُونُ مَحْذُوفًا، والرّاجِعُ إلى قَوْلِهِ: (ولِكُلٍّ) مَحْذُوفًا، والخَبَرُ وهو قَوْلُهُ: (نَصِيبٌ) مَحْذُوفٌ أيْضًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ (جَعَلْنا) مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ، والوَجْهانِ الأوَّلانِ أوْلى؛ لِكَثْرَةِ الإضْمارِ في هَذا الوَجْهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعانٍ:

أحَدُها: المُعْتَقُ؛ لِأنَّهُ ولِيُّ نِعْمَتِهِ في عِتْقِهِ؛ ولِذَلِكَ يُسَمّى مَوْلى النِّعْمَةِ.

وثانِيها: العَبْدُ المُعْتَقُ، لِاتِّصالِ وِلايَةِ مَوْلاهُ في إنْعامِهِ عَلَيْهِ، وهَذا كَما يُسَمّى الطّالِبُ غَرِيمًا؛ لِأنَّ لَهُ اللُّزُومَ والمُطالَبَةَ بِحَقِّهِ، ويُسَمّى المَطْلُوبُ غَرِيمًا لِكَوْنِ الدِّينِ لازِمًا لَهُ.

وثالِثُها: الحَلِيفُ؛ لِأنَّ المُحالِفَ يَلِي أمْرَهُ بِعَقْدِ اليَمِينِ.

ورابِعُها: ابْنُ العَمِّ؛ لِأنَّهُ يَلِيهِ بِالنُّصْرَةِ لِلْقَرابَةِ الَّتِي بَيْنَهُما.

وخامِسُها: المَوْلى الوَلِيُّ؛ لِأنَّهُ يَلِيهِ بِالنُّصْرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا﴾

صفحة ٦٩

﴿مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] .

وسادِسُها: الَعَصَبَةُ، وهو المُرادُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَلِيقُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا هَذا المَعْنى، ويُؤَكِّدُهُ ما رَوى أبُو صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«أنا أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ، مَن ماتَ وتَرَكَ مالًا فَمالُهُ لِلْمَوالِي العَصَبَةِ، ومَن تَرَكَ كَلًّا فَأنا ولِيُّهُ» “ وقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«اقْسِمُوا هَذا المالَ، فَما أبْقَتِ السِّهامُ فَلِأوْلى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ» “ .

* * *

ُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: عَقَدَتْ بِغَيْرِ ألِفٍ وبِالتَّخْفِيفِ، والباقُونَ بِالألِفِ والتَّخْفِيفِ، وعَقَدَتْ: أضافَتِ العَقْدَ إلى واحِدٍ، والِاخْتِيارُ: عاقَدَتْ؛ لِدَلالَةِ المُفاعَلَةِ عَلى عَقْدِ الحَلِفِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأيْمانُ، جَمْعُ يَمِينٍ، واليَمِينُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ اليَدُ، وأنْ يَكُونَ مَعْناهُ القَسَمُ، فَإنْ كانَ المُرادُ اليَدَ، فَفِيهِ مَجازٌ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّ …

34

ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌۭ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ۚ وَٱلَّٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّۭا كَبِيرًۭا

Men are in charge of women by [right of] what Allah has given one over the other and what they spend [for maintenance] from their wealth. So righteous women are devoutly obedient, guarding in [the husband's] absence what Allah would have them guard. But those [wives] from whom you fear arrogance - [first] advise them; [then if they persist], forsake them in bed; and [finally], strike them. But if they obey you [once more], seek no means against them. Indeed, Allah is ever Exalted and Grand.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أمّا الوَعْظُ فَإنَّهُ يَقُولُ لَها: اتَّقِي اللَّهَ، فَإنَّ لِي عَلَيْكِ حَقًّا وارْجِعِي عَمّا أنْتِ عَلَيْهِ، واعْلَمِي أنَّ طاعَتِي فَرْضٌ عَلَيْكِ. ونَحْوُ هَذا، ولا يَضْرِبُها في هَذِهِ الحالَةِ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ لَها في ذَلِكَ كِفايَةٌ، فَإنْ أصَرَّتْ عَلى ذَلِكَ النُّشُوزِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَهْجُرُها في المَضْجَعِ وفي ضِمْنِهِ امْتِناعُهُ مِن كَلامِها، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: ولا يَزِيدُ في هَجْرِهِ الكَلامَ ثَلاثًا، وأيْضًا فَإذا هَجَرَها في المَضْجَعِ فَإنْ كانَتْ تُحِبُّ الزَّوْجَ شَقَّ عَلَيْها، فَتَتْرُكُ النُّشُوزَ، وإنْ كانَتْ تُبْغِضُهُ وافَقَها ذَلِكَ الهِجْرانُ، فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى كَمالِ نُشُوزِها، وفِيهِمْ مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى الهِجْرانِ في المُباشَرَةِ؛ لِأنَّ إضافَةَ ذَلِكَ إلى المَضاجِعِ يُفِيدُ ذَلِكَ، ثُمَّ عِنْدَ هَذِهِ الهِجْرَةِ إنْ بَقِيَتْ عَلى النُّشُوزِ ضَرَبَها. قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: والضَّرْبُ مُباحٌ، وتَرْكُهُ أفْضَلُ. «رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: كُنّا مَعاشِرَ قُرَيْشٍ تَمْلِكُ رِجالُنا نِساءَهم، فَقَدِمْنا المَدِينَةَ فَوَجَدْنا نِساءَهم تَمْلِكُ رِجالَهم، فاخْتَلَطَتْ نِساؤُنا فَذَئِرْنَ عَلى أزْواجِهِنَّ، أيْ نَشَزْنَ واجْتَرَأْنَ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَلْتُ لَهُ: ذَئِرَتِ النِّساءُ عَلى أزْواجِهِنَّ، فَأذِنَ في ضَرْبِهِنَّ، فَطافَ بِحُجَرِ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ جَمْعٌ مِنَ النِّسْوانِ كُلُّهُنَّ يَشْكُونَ أزْواجَهُنَّ، فَقالَ ﷺ: ”لَقَدْ أطافَ اللَّيْلَةَ بِآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأةً كُلُّهُنَّ يَشْكُونَ أزْواجَهُنَّ، ولا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خِيارَكم» “ ومَعْناهُ أنَّ الَّذِينَ ضَرَبُوا أزْواجَهم لَيْسُوا خَيْرًا مِمَّنْ لَمْ يَضْرِبُوا. قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فَدَلَّ هَذا الحَدِيثُ عَلى أنَّ الأوْلى تَرْكُ الضَّرْبِ، فَأمّا إذا ضَرَبَها وجَبَ في ذَلِكَ الضَّرْبِ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لا يَكُونُ مُفْضِيًا إلى الهَلاكِ البَتَّةَ، بِأنْ يَكُونَ مُفَرَّقًا عَلى بَدَنِها، ولا يُوالِي بِهِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، ويَتَّقِي الوَجْهَ؛ لِأنَّهُ مَجْمَعُ المَحاسِنِ، وأنْ يَكُونَ دُونَ الأرْبَعِينَ. ومِن أصْحابِنا مَن قالَ: لا يَبْلُغُ بِهِ عِشْرِينَ؛ لِأنَّهُ حَدٌّ كامِلٌ في حَقِّ العَبْدِ، ومِنهم مَن قالَ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الضَّرْبُ بِمِندِيلٍ مَلْفُوفٍ أوْ بِيَدِهِ، ولا يَضْرِبُها بِالسِّياطِ ولا بِالعَصا، وبِالجُمْلَةِ فالتَّخْفِيفُ مُراعى في هَذا البابِ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ.

وأقُولُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى ابْتَدَأ بِالوَعْظِ، ثُمَّ تَرَقّى مِنهُ إلى الهِجْرانِ في المَضاجِعِ، ثُمَّ تَرَقّى مِنهُ إلى الضَّرْبِ، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ يَجْرِي مَجْرى التَّصْرِيحِ في أنَّهُ مَهْما حَصَلَ الغَرَضُ بِالطَّرِيقِ الأخَفِّ وجَبَ الِاكْتِفاءُ بِهِ، ولَمْ يَجُزِ الإقْدامُ عَلى الطَّرِيقِ الأشَقِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ أصْحابُنا قالَ بَعْضُهم: حُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ مَشْرُوعٌ عَلى التَّرْتِيبِ، فَإنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ وإنْ دَلَّ عَلى الجَمْعِ، إلّا أنَّ فَحْوى الآيَةِ يَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ، قالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: يَعِظُها بِلِسانِهِ، فَإنِ انْتَهَتْ فَلا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْها، فَإنْ أبَتْ هَجَرَ …

35

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحًۭا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًۭا

And if you fear dissension between the two, send an arbitrator from his people and an arbitrator from her people. If they both desire reconciliation, Allah will cause it between them. Indeed, Allah is ever Knowing and Acquainted [with all things].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عِنْدَ نُشُوزِ المَرْأةِ أنَّ الزَّوْجَ يَعِظُها ثُمَّ يَهْجُرُها ثُمَّ يَضْرِبُها، بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ الضَّرْبِ إلّا المُحاكَمَةُ إلى مَن يُنْصِفُ المَظْلُومَ مِنَ الظّالِمِ فَقالَ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (خِفْتُمْ) أيْ عَلِمْتُمْ. قالَ: وهَذا بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى الظَّنِّ، والفَرْقُ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ أنَّ في الِابْتِداءِ يَظْهَرُ لَهُ أماراتُ النُّشُوزِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْصُلُ الخَوْفُ، وأمّا بَعْدَ الوَعْظِ والهَجْرِ والضَّرْبِ لَمّا أصَرَّتْ عَلى النُّشُوزِ، فَقَدْ حَصَلَ العِلْمُ بِكَوْنِها ناشِزَةً، فَوَجَبَ حَمْلُ الخَوْفِ هَهُنا عَلى العِلْمِ. طَعَنَ الزَّجّاجُ فِيهِ فَقالَ: (خِفْتُمْ) هَهُنا بِمَعْنى أيْقَنْتُمْ خَطَأٌ، فَإنّا لَوْ عَلِمْنا الشِّقاقَ عَلى الحَقِيقَةِ لَمْ نَحْتَجْ إلى الحَكَمَيْنِ.

وأجابَ سائِرُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّ وُجُودَ الشِّقاقِ وإنْ كانَ مَعْلُومًا، إلّا أنّا لا نَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ الشِّقاقَ صَدَرَ عَنْ هَذا أوْ عَنْ ذاكَ، فالحاجَةُ إلى الحُكْمَيْنِ لِمَعْرِفَةِ هَذا المَعْنى. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: وُجُودُ الشِّقاقِ في الحالِ مَعْلُومٌ، ومِثْلُ هَذا لا يَحْصُلُ مِنهُ خَوْفٌ، إنَّما الخَوْفُ في أنَّهُ هَلْ يَبْقى ذَلِكَ الشِّقاقُ أمْ لا ؟ فالفائِدَةُ في بَعْثِ

صفحة ٧٥

الحَكَمَيْنِ لَيْسَتْ إزالَةَ الشِّقاقِ الثّابِتِ في الحالِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ، بَلِ الفائِدَةُ إزالَةُ ذَلِكَ الشِّقاقِ في المُسْتَقْبَلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِلشِّقاقِ تَأْوِيلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَفْعَلُ ما يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ.

الثّانِي: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما صارَ في شِقٍّ بِالعَداوَةِ والمُبايَنَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ مَعْناهُ: شِقاقًا بَيْنَهُما، إلّا أنَّهُ أُضِيفَ المَصْدَرُ إلى الظَّرْفِ، وإضافَةُ المَصادِرِ إلى الظُّرُوفِ جائِزَةٌ؛ لِحُصُولِها فِيها، يُقالُ: يُعْجِبُنِي صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبأ: ٣٣] .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ﴾ مَن هو ؟ فِيهِ خِلافٌ: قالَ بَعْضُهم إنَّهُ هو الإمامُ أوْ مَن يَلِي مَن قِبَلَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ تَنْفِيذَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ إلَيْهِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ كُلُّ واحِدٍ مِن صالِحِي الأُمَّةِ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: (خِفْتُمْ) خِطابٌ لِلْجَمْعِ، ولَيْسَ حَمْلُهُ عَلى البَعْضِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى البَقِيَّةِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الكُلِّ، فَعَلى هَذا يَجِبُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ﴾ خِطابًا لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ قالَ (فابْعَثُوا) فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا أمْرًا لِآحادِ الأُمَّةِ بِهَذا المَعْنى، فَثَبَتَ أنَّهُ سَواءٌ وُجِدَ الإمامُ أوْ لَمْ يُوجَدْ، فَلِلصّالِحِينَ أنْ يَبْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها لِلْإصْلاحِ. وأيْضًا فَهَذا يَجْرِي مَجْرى دَفْعِ الضَّرَرِ، ولِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَقُومَ بِهِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إذا وقَعَ الشِّقاقُ بَيْنَهُما، فَذاكَ الشِّقاقُ إمّا أنْ يَكُونَ مِنهُما أوْ مِنهُ أوْ مِنها، أوْ يُشْكِلُ، فَإنْ كانَ مِنها فَهو النُّشُوزُ وقَدْ ذَكَرْنا حُكْمَهُ، …

36

۞ وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًۭا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًۭا فَخُورًا

Worship Allah and associate nothing with Him, and to parents do good, and to relatives, orphans, the needy, the near neighbor, the neighbor farther away, the companion at your side, the traveler, and those whom your right hands possess. Indeed, Allah does not like those who are self-deluding and boastful.

النَّوْعُ التّاسِعُ: مِنَ التَّكالِيفِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ:

﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْشَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ إلى المُعامَلَةِ الحَسَنَةِ مَعَ الآخَرِ وإلى إزالَةِ الخُصُومَةِ والخُشُونَةِ، أرْشَدَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى سائِرِ الأخْلاقِ الحَسَنَةِ وذَكَرَ مِنها عَشَرَةَ أنْواعٍ.

النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى وحِّدُوهُ، واعْلَمْ أنَّ العِبادَةَ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ

صفحة ٧٧

فِعْلٍ وتَرْكٍ يُؤْتى بِهِ لِمُجَرَّدِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ، وهَذا يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أعْمالِ القُلُوبِ وجَمِيعُ أعْمالِ الجَوارِحِ، فَلا مَعْنى لِتَخْصِيصِ ذَلِكَ بِالتَّوْحِيدِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ في العِبادَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] .

النَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالعِبادَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أمَرَ بِالإخْلاصِ في العِبادَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾؛ لِأنَّ مَن عَبَدَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ كانَ مُشْرِكًا ولا يَكُونُ مُخْلِصًا؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] .

النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَهُنا مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] أيْ فاضْرِبُوها، ويُقالُ: أحْسَنْتُ بِفُلانٍ، وإلى فُلانٍ. قالَ كُثَيِّرٌ:

أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً لَدَيْنا ولا مَقْلِيَةً إنْ تَقَلَّتِ

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَرَنَ إلْزامَ بِرِّ الوالِدَيْنِ بِعِبادَتِهِ وتَوْحِيدِهِ في مَواضِعَ:

أحَدُها: في هَذِهِ الآيَةِ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] .

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] وكَفى بِهَذا دَلالَةً عَلى تَعْظِيمِ حَقِّهِما ووُجُوبِ بِرِّهِما والإحْسانِ إلَيْهِما. ومِمّا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ البِرِّ إلَيْهِما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقالَ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] وقالَ في الوالِدَيْنِ الكافِرَيْنِ: ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«أكْبَرُ الكَبائِرِ الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، واليَمِينُ الغَمُوسُ» “ . وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ اليَمَنِ اسْتَأْذَنَهُ في الجِهادِ، فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”هَلْ لَكَ أحَدٌ بِاليَمَنِ ؟ …

37

ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا

Who are stingy and enjoin upon [other] people stinginess and conceal what Allah has given them of His bounty - and We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”بِالبَخَلِ“ بِفَتْحِ الباءِ والخاءِ، وفي الحَدِيدِ مِثْلُهُ، وهي لُغَةُ الأنْصارِ، والباقُونَ ”بِالبُخْلِ“ بِضَمِّ الباءِ والخاءِ وهي اللُّغَةُ العالِيَةُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ: بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا ولا يُحِبُّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى الذَّمِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَفْعَلُونَ ويَصْنَعُونَ أحِقّاءُ بِكُلِّ مَلامَةٍ.

صفحة ٨٠

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: البُخْلُ فِيهِ أرْبَعُ لُغاتٍ: البُخْلُ، مِثْلَ القُفْلِ، والبَخَلُ مِثْلَ الكَرَمِ، والبَخْلِ مِثْلَ الفَقْرِ، والبُخُلِ بِضَمَّتَيْنِ. ذَكَرَهُ المُبَرِّدُ، وهو في كَلامِ العَرَبِ عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الإحْسانِ، وفي الشَّرِيعَةِ مَنعُ الواجِبِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُمُ اليَهُودُ، بَخِلُوا أنْ يَعْتَرِفُوا بِما عَرَفُوا مِن نَعْتِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وصِفَتُهُ في التَّوْراةِ، وأمَرُوا قَوْمَهم أيْضًا بِالكِتْمانِ ﴿ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي مِنَ العِلْمِ بِما في كِتابِهِمْ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ (وأعْتَدْنا) في الآخِرَةِ لِلْيَهُودِ ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾ واحْتَجَّ مَن نَصَرَ هَذا القَوْلَ: بِأنَّ ذِكْرَ الكافِرِ في آخِرِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِأوَّلِها الكافِرُ. وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مِنهُ البُخْلُ بِالمالِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ عَقِيبَ الآيَةِ الَّتِي أوْجَبَ فِيها رِعايَةَ حُقُوقِ النّاسِ بِالمالِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ الإحْسانَ إلى هَؤُلاءِ إنَّما يَكُونُ بِالمالِ، ثُمَّ ذَمَّ المُعْرِضِينَ عَنْ هَذا الإحْسانِ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا البُخْلُ بُخْلًا مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، وما ذاكَ إلّا البُخْلُ بِالمالِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في البُخْلِ بِالعِلْمِ والدِّينِ، وفي البُخْلِ بِالمالِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، والكُلُّ مَذْمُومٌ، فَوَجَبَ كَوْنُ اللَّفْظِ مُتَناوِلًا لِلْكُلِّ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الأحْوالِ المَذْمُومَةِ ثَلاثًا:

أوَّلُها: كَوْنُ الإنْسانِ بَخِيلًا، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ .

وثانِيها: كَوْنُهم آمِرِينَ لِغَيْرِهِمْ بِالبُخْلِ، وهَذا هو النِّهايَةُ في حُبِّ البُخْلِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ .

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فَيُوهِمُونَ الفَقْرَ مَعَ الغِنى، والإعْسارَ مَعَ اليَسارِ، والعَجْزَ مَعَ الإمْكانِ، ثُمَّ إنَّ هَذا الكِتْمانَ قَدْ يَقَعُ عَلى وجْهٍ يُوجِبُ الكُفْرَ، مِثْلَ أنْ يُظْهِرَ الشِّكايَةَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَرْضى بِالقَضاءِ والقَدَرِ، وهَذا يَنْتَهِي إلى حَدِّ الكُفْرِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ …

38

وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَٰنُ لَهُۥ قَرِينًۭا فَسَآءَ قَرِينًۭا

And [also] those who spend of their wealth to be seen by the people and believe not in Allah nor in the Last Day. And he to whom Satan is a companion - then evil is he as a companion.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: إنْ شِئْتَ عَطَفْتَ ”الَّذِينَ“ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ”الَّذِينَ“ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ .

صفحة ٨١

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وهو الوَجْهُ لِذِكْرِ الرِّئاءِ، وهو ضَرْبٌ مِنَ النِّفاقِ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ المُنْفِقِينَ عَلى عَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالإحْسانِ إلى أرْبابِ الحاجاتِ، بَيَّنَ أنَّ مَن لا يَفْعَلُ ذَلِكَ قِسْمانِ:

فالأوَّلُ: هو البَخِيلُ الَّذِي لا يُقْدِمُ عَلى إنْفاقِ المالِ البَتَّةَ، وهُمُ المَذْمُومُونَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ .

والثّانِي: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم، لَكِنْ لا لِغَرَضِ الطّاعَةِ، بَلْ لِغَرَضِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، فَهَذِهِ الفِرْقَةُ أيْضًا مَذْمُومَةٌ، ومَتى بَطُلَ القَوْلُ بِهَذَيْنِ القِسْمَيْنِ لَمْ يَبْقَ إلّا القِسْمُ الأوَّلُ. وهو إنْفاقُ الأمْوالِ لِغَرَضِ الإحْسانِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ . والمَعْنى: أنَّ الشَّيْطانَ قَرِينٌ لِأصْحابِ هَذِهِ الأفْعالِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ بِئْسَ القَرِينُ، إذْ كانَ يُضِلُّهُ عَنْ دارِ النَّعِيمِ ويُورِدُهُ نارَ السَّعِيرِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٣] .

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَيَّرَهم وبَيَّنَ سُوءَ اخْتِيارِهِمْ في تَرْكِ الإيمانِ.

39

وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا

And what [harm would come] upon them if they believed in Allah and the Last Day and spent out of what Allah provided for them? And Allah is ever, about them, Knowing.

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وماذا عَلَيْهِمْ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ماذا“ اسْمًا واحِدًا، فَيَكُونُ المَعْنى: وأيُّ الشَّيْءِ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ذا“ في مَعْنى الَّذِي، ويَكُونُ ”ما“ وحْدَها اسْمًا، ويَكُونُ المَعْنى: وما الَّذِي عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ الإيمانَ يَصِحُّ عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ الإتْيانَ بِالإيمانِ في غايَةِ السُّهُولَةِ، ولَوْ كانَ الِاسْتِدْلالُ مُعْتَبَرًا لَكانَ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، فَإنّا نَرى المُسْتَدِلِّينَ تَفْرُغُ أعْمارُهم ولا يَتِمُّ اسْتِدْلالُهم، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ كافٍ.

أجابَ المُتَكَلِّمُونَ بِأنَّ الصُّعُوبَةَ في التَّفاصِيلِ، فَأمّا الدَّلائِلُ عَلى سَبِيلِ الجُمْلَةِ فَهي سَهْلَةٌ، واعْلَمْ أنَّ في هَذا البَحْثِ غَوْرًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ جُمْهُورُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وضَرَبُوا لَهُ أمْثِلَةً، قالَ الجُبّائِيُّ: ولَوْ كانُوا غَيْرَ قادِرِينَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَقُولَ اللَّهُ ذَلِكَ، كَما لا يُقالُ لِمَن هو في النّارِ مُعَذَّبٌ: ماذا عَلَيْهِمْ لَوْ خَرَجُوا مِنها وصارُوا إلى الجَنَّةِ، وكَما لا يُقالُ لِلْجائِعِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى الطَّعامِ: ماذا عَلَيْهِ لَوْ أكَلَ. وقالَ الكَعْبِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ يُحْدِثَ فِيهِ الكُفْرَ، ثُمَّ يَقُولُ: ماذا عَلَيْهِ لَوْ آمَنَ. كَما لا يُقالُ لِمَن أمْرَضَهُ: ماذا عَلَيْهِ لَوْ كانَ صَحِيحًا، ولا يُقالُ لِلْمَرْأةِ: ماذا عَلَيْها لَوْ كانَتْ رَجُلًا، ولِلْقَبِيحِ: ماذا عَلَيْهِ لَوْ كانَ جَمِيلًا، وكَما لا يَحْسُنُ هَذا القَوْلُ مِنَ العاقِلِ، كَذا لا يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَبَطَلَ بِهَذا ما يُقالُ: إنَّهُ وإنْ قَبُحَ مِن غَيْرِهِ، لَكِنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ؛ لِأنَّ المُلْكَ مُلْكُهُ. وقالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَ العاقِلُ وكِيلَهُ بِالتَّصَرُّفِ في الضَّيْعَةِ ويَحْبِسَهُ مِن حَيْثُ لا يَتَمَكَّنُ مِن

صفحة ٨٢

مُفارَقَةِ الحَبْسِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: ماذا عَلَيْكَ لَوْ تَصَرَّفْتَ في الضَّيْعَةِ، وإذا كانَ مَن يَذْكُرُ مِثْلَ هَذا الكَلامِ سَفِيهًا دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَهَذا جُمْلَةُ ما ذَكَرُوهُ مِنَ الأمْثِلَةِ.

واعْلَمْ أنَّ التَّمَسُّكَ بِطَرِيقَةِ المَدْحِ والذَّمِّ والثَّوابِ والعِقابِ قَدْ كَثُرَ لِلْمُعْتَزِلَةِ، ومُعارَضَتُهم بِمَسْألَتَيِ العِلْمِ والدّاعِي قَدْ كَثُرَتْ، فَلا حاجَةَ إلى الإعادَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ والمَعْنى أنَّ القَصْدَ إلى الرِّئاءِ إنَّما يَكُونُ باطِنًا غَيْرَ ظاهِرٍ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ عَلِيمٌ بِبَواطِنِ الأُمُورِ كَما هو عَلِيمٌ بِظَواهِرِها، فَإنَّ الإنْسانَ مَتى اعْتَقَدَ ذَلِكَ صارَ ذَلِكَ كالرّادِعِ لَهُ عَنِ القَبائِحِ مِن أفْعالِ القُلُوبِ: مِثْلَ داعِيَةِ النِّفاقِ والرِّياءِ والسُّمْعَةِ.

40

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةًۭ يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Indeed, Allah does not do injustice, [even] as much as an atom's weight; while if there is a good deed, He multiplies it and gives from Himself a great reward.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾

اعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ هو بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: فَإنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مَن هَذِهِ حالُهُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، فَرَغِبَ بِذَلِكَ في الإيمانِ والطّاعَةِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوَعْدِ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ الحَمْراءُ الصَّغِيرَةُ في قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أدْخَلَ يَدَهُ في التُّرابِ ثُمَّ رَفَعَها ثُمَّ نَفَخَ فِيها، ثُمَّ قالَ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ ذَرَّةٌ، و”مِثْقالٌ“ مِفْعالٌ مِنَ الثِّقَلِ، يُقالُ: هَذا عَلى مِثْقالِ هَذا، أيْ وزْنِ هَذا، ومَعْنى ”مِثْقالَ ذَرَّةٍ“ أيْ ما يَكُونُ وزْنُهُ وزْنَ الذَّرَّةِ.

واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى لا يَظْلِمُ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، ولَكِنَّ الكَلامَ خَرَجَ عَلى أصْغَرِ ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ خالِقًا لِأعْمالِ العِبادِ؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الأعْمالِ ظُلْمَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَلَوْ كانَ مُوجِدُ ذَلِكَ الظُّلْمِ هو اللَّهُ تَعالى لَكانَ الظّالِمُ هو اللَّهُ، وأيْضًا لَوْ خَلَقَ الظُّلْمَ في الظّالِمِ ولا قُدْرَةَ لِذَلِكَ الظّالِمِ عَلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ الظُّلْمِ عِنْدَ عَدَمِهِ ولا عَلى دَفْعِهِ بَعْدَ وُجُودِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِمَن هَذا شَأْنُهُ وصِفَتُهُ: لِمَ ظَلَمْتَ ؟ ثُمَّ يُعاقِبُهُ عَلَيْهِ، كانَ هَذا مَحْضَ الظُّلْمِ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ الظُّلْمِ.

والجَوابُ: المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي عَلى ما سَبَقَ مِرارًا لا حَدَّ لَها، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ اسْتِدْلالاتِ هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةِ وإنْ كَثُرَتْ وعَظُمَتْ، إلّا أنَّها تَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو التَّمَسُّكُ بِالمَدْحِ والذَّمِّ والثَّوابِ والعِقابِ، والسُّؤالُ عَلى هَذا الحَرْفِ مُعَيَّنٌ، وهو المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي، فَكُلَّما أعادُوا ذَلِكَ الِاسْتِدْلالَ أعَدْنا عَلَيْهِمْ هَذا السُّؤالَ.

صفحة ٨٣

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى الظُّلْمِ؛ لِأنَّهُ تَمَدَّحَ بِتَرْكِهِ، ومَن تَمَدَّحَ بِتَرْكِ فِعْلٍ قَبِيحٍ، لَمْ يَصِحَّ مِنهُ ذَلِكَ التَّمَدُّحُ إلّا إذا كانَ هو قادِرًا عَلَيْهِ، ألا تَرى أنَّ الزَّمِنَ لا يَصِحُّ مِنهُ أنْ يَتَمَدَّحَ بِأنَّهُ لا يَذْهَبُ في اللَّيالِي إلى السَّرِقَةِ.

والجَوابُ أنَّهُ تَعالى تَمَدَّحَ بِأنَّهُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ، ولَمْ يَلْزَمْ أنْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وتَمَدَّحَ بِأنَّهُ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ، ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ عَلى أنَّهُ يَصِحُّ أنْ تُدْرِكَهُ الأبْصارُ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ العَبْدَ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ عَلى طاعَتِهِ، وأنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يُثِبْهُ لَكانَ ظالِمًا؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَوْ لَمْ يُثِبْهم عَلى أعْمالِهِمْ لَكانَ قَدْ …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.