Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 31–40 of 176

31

إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا

If you avoid the major sins which you are forbidden, We will remove from you your lesser sins and admit you to a noble entrance [into Paradise].

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عنهُ نُكَفِّرْ عنكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلا كَرِيمًا﴾

"تَجْتَنِبُوا" مَعْناهُ: تَدَعُونَ جانِبًا، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ "إنْ تَجْتَنِبُوا كَبِيرَ"، وقَرَأ المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ "يُكَفِّرْ"، و"وَيُدْخِلْكُمْ" عَلى عَلامَةِ الغائِبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُونِ، والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "عنكم مِن سَيِّئاتِكُمْ" بِزِيادَةِ "مِن"، وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى نافِعٍ: "مُدْخَلًا" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ: "مَدْخَلًا" بِالفَتْحِ، وقَدْ رَواهُ أيْضًا أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ هاهُنا، وفي الحَجِّ، ولَمْ يُخْتَلَفْ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في "مُدْخَلَ"، "مُخْرَجَ صِدْقٍ" أنَّهُما بِضَمِّ المِيمِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: "مَدْخَلًا" بِالفَتْحِ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، التَقْدِيرُ: ويُدْخِلُكم فَتَدْخُلُونَ مَدْخَلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَكانًا فَيَعْمَلُ فِيهِ الفِعْلُ الظاهِرُ، وكَذَلِكَ يَحْتَمِلُ "مُدْخَلًا" بِضَمِّ المِيمِ لِلْوَجْهَيْنِ، وإذا لَمْ يَعْمَلِ الفِعْلُ الظاهِرُ فَمَعْمُولُهُ الثانِيَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ويُدْخِلْكُمُ الجَنَّةَ.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في "الكَبائِرِ"، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "هِيَ سَبْعٌ: الإشْراكُ بِاللهِ، وقَتْلُ النَفْسِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وأكْلُ الرِبا، والفِرارُ يَوْمَ الزَحْفِ، والتَعَرُّبُ بَعْدَ الهِجْرَةِ". وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: "الكَبائِرُ سَبْعٌ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها آيَةٌ في كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وذَكَرَ كَقَوْلِ عَلِيٍّ، وجَعَلَ الآيَةَ في التَعَرُّبِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ [محمد: ٢٥] الآيَةَ. ووَقَعَ في البُخارِيِّ، في كِتابِ الحُدُودِ، في بابِ رَمْيِ المُحْصَناتِ: « "اتَّقُوا السَبْعَ المُوبِقاتِ، الإشْراكَ بِاللهِ، والسِحْرَ، وقَتْلَ النَفْسِ، وأكْلَ الرِبا، وأكْلَ مالِ اليَتِيمِ، والتَوَلِّي يَوْمَ الزَحْفِ، وقَذْفَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ".» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: "هِيَ تِسْعٌ: الإشْراكُ بِاللهِ، والقَتْلُ، والفِرارُ، والقَذْفُ، وأكْلُ الرِبا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وإلْحادٌ في المَسْجِدِ الحَرامِ، والَّذِي يَسْتَسْحِرُ، وبُكاءُ الوالِدَيْنِ مِنَ العُقُوقِ". قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: هي في جَمِيعِ ما نُهِيَ عنهُ مِن أوَّلِ سُورَةِ النِساءِ إلى ثَلاثِينَ آيَةً مِنها، وهِيَ: "إنْ تَجْتَنِبُوا". وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "هِيَ أرْبَعٌ أيْضًا: الإشْراكُ بِاللهِ، والقُنُوطُ مِن رَحْمَةِ اللهِ، واليَأْسُ مِن رَوْحِ اللهِ، والأمْنُ مِن مَكْرِ اللهِ". ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "هِيَ ثَلاثٌ: القُنُوطُ، واليَأْسُ، والأمْنُ المُتَقَدِّمَةُ". وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: "الكَبائِرُ: كُلُّ ما ورَدَ عَلَيْهِ وعِيدٌ بِنارٍ أو عَذابٍ أو لَعْنَةٍ أو ما أشْبَهَ ذَلِكَ". وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ الأُصُولِيِّينَ: هي في هَذا المَوْضِعِ أنْواعُ الشِرْكِ الَّتِي لا تَصْلُحُ مَعَها الأعْمالُ. وقالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبّاسٍ: أخْبِرْنِي عَنِ الكَبائِرِ السَبْعِ، فَقالَ: "هِيَ إلى السَبْعِينَ أقْرَبُ". وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "كُلُّ ما نَهى اللهُ عنهُ فَهو كَبِيرٌ"، فَهُنا يَدْخُلُ الزِنى، وشُرْبُ الخَمْرِ، والزُورُ، والغَيْبَةُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا قَدْ نُصَّ عَلَيْهِ في أحادِيثَ لَمْ يُقْصَدِ الحَصْرُ …

32

وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا۟ ۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ۚ وَسْـَٔلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًۭا

And do not wish for that by which Allah has made some of you exceed others. For men is a share of what they have earned, and for women is a share of what they have earned. And ask Allah of his bounty. Indeed Allah is ever, of all things, Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ واسْألُوا اللهُ مِن فَضْلِهِ إنَّ اللهُ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾

سَبَبُ الآيَةِ أنَّ النِساءَ قُلْنَ: لَيْتَنا اسْتَوَيْنا مَعَ الرِجالِ في المِيراثِ، وشَرَكْناهم في الغَزْوِ، ورُوِيَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ ذَلِكَ أو نَحْوَهُ، وقالَ الرِجالُ: لَيْتَ لَنا في الآخِرَةِ حَظًّا زائِدًا عَلى النِساءِ، كَما لَنا عَلَيْهِنَّ في الدُنْيا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

لِأنَّ في تَمَنِّيهِمْ هَذا تَحَكُّمًا عَلى الشَرِيعَةِ، وتَطَرُّقًا إلى الدَفْعِ في صَدْرِ حُكْمِ اللهِ، فَهَذا نَهْيٌ عن كُلِّ تَمَنٍّ لِخِلافِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، ويَدْخُلُ في النَهْيِ أنْ يَتَمَنّى الرَجُلُ حالَ الآخَرِ مِن دِينٍ أو دُنْيا، عَلى أنْ يَذْهَبَ ما عِنْدَ الآخَرِ، إذْ هَذا هو الحَسَدُ بِعَيْنِهِ، وقَدْ كَرِهَ بَعْضُ العُلَماءِ أنْ يَتَمَنّى أحَدٌ حالَ رَجُلٍ يَنْصِبُهُ في فِكْرِهِ وإنْ لَمْ يَتَمَنَّ زَوالَ حالِهِ، وهَذا في نِعَمِ الدُنْيا، وأمّا في الأعْمالِ الصالِحَةِ فَذَلِكَ هو الحَسَنُ، وأمّا إذا تَمَنّى المَرْءُ عَلى اللهِ مِن غَيْرِ أنْ يَقْرِنَ أُمْنِيَتَهُ بِشَيْءٍ مِمّا قَدَّمْناهُ فَذَلِكَ جائِزٌ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في حَدِيثِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في قَوْلِهِ: « "وَدِدْتُ أنْ أُقْتَلَ في سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أحْيا فَأُقْتَلُ"،» وفي غَيْرِ مَوْضِعٍ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ﴾.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِلرِّجالِ نَصِيبٌ"﴾ [النساء: ٧] الآيَةُ- قالَ قَتادَةُ: مِنَ المِيراثِ، لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تُوَرِّثُ النِساءَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، ولَفْظَةُ الِاكْتِسابِ تَرُدُّ عَلَيْهِ رَدًّا بَيِّنًا، ولَكِنَّهُ يَتَرَكَّبُ عَلى قَوْلِ النِساءِ: لَيْتَنا ساوَيْنا الرِجالَ في المِيراثِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ بِسَبَبِهِنَّ: لا تَتَمَنَّوْا هَذا فَلِكُلٍّ نَصِيبُهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِنَ الأجْرِ والحَسَناتِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لِلنّاسِ: لا تَتَمَنَّوْا في أمْرٍ خِلافَ ما حَكَمَ اللهُ بِهِ، لِاخْتِيارٍ تَرَوْنَهُ أنْتُمْ، فَإنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ أحَدٍ نَصِيبًا مِنَ الأجْرِ والفَضْلِ بِحَسَبِ اكْتِسابِهِ فِيما شُرِعَ لَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا القَوْلُ هو الواضِحُ البَيِّنُ الأعَمُّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لا تَتَمَنَّوْا خِلافَ ما حَدَّ اللهُ في تَفْضِيلِهِ، فَإنَّهُ تَعالى قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ أحَدٍ مَكاسِبَ تَخْتَصُّ بِهِ، فَهي نَصِيبُهُ، قَدْ جَعَلَ الجِهادَ والإنْفاقَ وسَعْيَ المَعِيشَةِ وحَمْلَ الكُلَفِ كالأحْكامِ والإمارَةِ والحِسْبَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِلرِّجالِ، وجَعَلَ الحَمْلَ ومَشَقَّتَهُ وحُسْنَ التَبَعُّلِ وحِفْظَ غَيْبِ الزَوْجِ وخِدْمَةَ البُيُوتِ لِلنِّساءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا كَقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، إلّا أنَّهُ فارَقَهُ بِتَقْسِيمِ الأعْمالِ. وفي تَعْلِيقِهِ النَصِيبَ بِالِاكْتِسابِ حَضٌّ عَلى العَمَلِ، وتَنْبِيهٌ عَلى كَسْبِ الخَيْرِ.

قَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "واسْألُوا" بِالهَمْزِ وسُكُونِ السِينِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ: "وَسَلُوا" ألْقَيا حَرَكَةَ الهَمْزَةِ عَلى السِينِ، وهَذا حَيْثُ وقَعَتِ اللَفْظَةُ إلّا في قَوْلِهِ" "وَسْئَلُوا ما أنْفَقْتُمْ" فَإنَّهم أجْمَعُوا عَلى الهَمْزِ فِيهِ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ولَيْثُ بْنُ أبِي سَلِيمٍ: هَذا في العِباداتِ، …

33

وَلِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ ۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدًا

And for all, We have made heirs to what is left by parents and relatives. And to those whom your oaths have bound [to you] - give them their share. Indeed Allah is ever, over all things, a Witness.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهم إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ ﴿الرِجالُ قَوّامُونَ عَلى النِساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ فالصالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إنَّ اللهُ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾

"كُلُّ" إنَّما تُسْتَعْمَلُ مُضافَةً ظَهَرَ المُضافُ إلَيْهِ أو تَقَدَّرَ، فَهي بِمَثابَةِ: "قَبْلَ وبَعْدَ" ولِذَلِكَ أجازَ بَعْضُ النُحاةِ مَرَرْتُ بِكُلٍّ- عَلى حَدِّ "قَبْلَ وبَعْدَ"، فالمُقَدَّرُ هُنا عَلى قَوْلِ فِرْقَةٍ: ولِكُلِّ أحَدٍ - وعَلى قَوْلِ فِرْقَةٍ: ولِكُلِّ شَيْءٍ، يَعْنِي: التَرِكَةَ.

والمَوْلى -فِي كَلامِ العَرَبِ- لَفْظَةٌ يَشْتَرِكُ فِيها: القَرِيبُ القَرابَةِ، والصَدِيقُ، والحَلِيفُ، والمُعْتِقُ، والمُعْتَقُ، والوارِثُ، والعَبْدُ فِيما حَكى ابْنُ سِيدَهْ، ويَحْسُنُ هُنا مِن هَذا الِاشْتِراكِ: الوَرَثَةُ، لِأنَّها تَصْلُحُ عَلى تَأْوِيلِ: ولِكُلِّ أحَدٍ، وعَلى تَأْوِيلِ: ولِكُلِّ شَيْءٍ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُمْ: أنَّ "المَوالِيَ": العُصْبَةُ والوَرَثَةُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمّا أسْلَمَتِ العَجَمُ سُمُّوا مَوالِيَ اسْتِعارَةً وتَشْبِيهًا، وذَلِكَ في قَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِينِ ومَوالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَدْ سُمِّيَ قَوْمٌ مِنَ العَجَمِ بِبَنِي العَمِّ. و"مِمّا" مُتَعَلِّقَةٌ بِشَيْءٍ، تَقْدِيرُهُ: ولِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ جَعَلْنا ورَثَةً، وهي مُتَعَلِّقَةٌ، عَلى تَأْوِيلِ: ولِكُلِّ أحَدٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: ولِكُلِّ أحَدٍ جَعَلْنا مَوالِيَ يَرِثُونَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، ويُحْتَمَلُ -عَلى هَذا- أنْ تَتَعَلَّقَ "مِن" بِـ "مَوالِيَ". وقَوْلُهُ: "والَّذِينَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ "فَآتُوهُمْ".

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "عاقَدَتْ" عَلى المُفاعَلَةِ، أيْ: أيْمانُ هَؤُلاءِ عاقَدَتْ أُولَئِكَ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عَقَدَتْ" بِتَخْفِيفِ القافِ عَلى حَذْفِ مَفْعُولٍ تَقْدِيرُهُ: عَقَدَتْ أيْمانُكم حِلْفَهم أو ذِمَّتَهُمْ، وقَرَأ حَمْزَةُ، في رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ كَبْشَةَ عنهُ-: "عَقَّدَتْ" مُشَدَّدَةَ القافِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَنِ المُرادُ بِـ "والَّذِينَ"ـ فَقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمْ: هُمُ الأحْلافُ، فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ تَتَوارَثُ بِالحِلْفِ، فَشَدَّدَ اللهُ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نَسَخَهُ بِآيَةِ الأنْفالِ ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أولى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هُمُ الَّذِينَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آخى بَيْنَهُمْ، فَإنَّهم كانُوا يَتَوارَثُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ حَتّى نُسِخَ ذَلِكَ بِما تَقَدَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ووَرَدَ لِابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُهاجِرِينَ كانُوا يَرِثُونَ الأنْصارَ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِمْ، لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهم فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ ناسِخَةً، وبَقِيَ إيتاءُ النَصِيبِ مِنَ النَصْرِ والمَعُونَةِ أو مِنَ المالِ عَلى جِهَةِ النَدْبِ في الوَصِيَّةِ.

وقالَ …

34

ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌۭ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ۚ وَٱلَّٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّۭا كَبِيرًۭا

Men are in charge of women by [right of] what Allah has given one over the other and what they spend [for maintenance] from their wealth. So righteous women are devoutly obedient, guarding in [the husband's] absence what Allah would have them guard. But those [wives] from whom you fear arrogance - [first] advise them; [then if they persist], forsake them in bed; and [finally], strike them. But if they obey you [once more], seek no means against them. Indeed, Allah is ever Exalted and Grand.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهم إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ ﴿الرِجالُ قَوّامُونَ عَلى النِساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ فالصالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إنَّ اللهُ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾

"كُلُّ" إنَّما تُسْتَعْمَلُ مُضافَةً ظَهَرَ المُضافُ إلَيْهِ أو تَقَدَّرَ، فَهي بِمَثابَةِ: "قَبْلَ وبَعْدَ" ولِذَلِكَ أجازَ بَعْضُ النُحاةِ مَرَرْتُ بِكُلٍّ- عَلى حَدِّ "قَبْلَ وبَعْدَ"، فالمُقَدَّرُ هُنا عَلى قَوْلِ فِرْقَةٍ: ولِكُلِّ أحَدٍ - وعَلى قَوْلِ فِرْقَةٍ: ولِكُلِّ شَيْءٍ، يَعْنِي: التَرِكَةَ.

والمَوْلى -فِي كَلامِ العَرَبِ- لَفْظَةٌ يَشْتَرِكُ فِيها: القَرِيبُ القَرابَةِ، والصَدِيقُ، والحَلِيفُ، والمُعْتِقُ، والمُعْتَقُ، والوارِثُ، والعَبْدُ فِيما حَكى ابْنُ سِيدَهْ، ويَحْسُنُ هُنا مِن هَذا الِاشْتِراكِ: الوَرَثَةُ، لِأنَّها تَصْلُحُ عَلى تَأْوِيلِ: ولِكُلِّ أحَدٍ، وعَلى تَأْوِيلِ: ولِكُلِّ شَيْءٍ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُمْ: أنَّ "المَوالِيَ": العُصْبَةُ والوَرَثَةُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمّا أسْلَمَتِ العَجَمُ سُمُّوا مَوالِيَ اسْتِعارَةً وتَشْبِيهًا، وذَلِكَ في قَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِينِ ومَوالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَدْ سُمِّيَ قَوْمٌ مِنَ العَجَمِ بِبَنِي العَمِّ. و"مِمّا" مُتَعَلِّقَةٌ بِشَيْءٍ، تَقْدِيرُهُ: ولِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ جَعَلْنا ورَثَةً، وهي مُتَعَلِّقَةٌ، عَلى تَأْوِيلِ: ولِكُلِّ أحَدٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: ولِكُلِّ أحَدٍ جَعَلْنا مَوالِيَ يَرِثُونَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، ويُحْتَمَلُ -عَلى هَذا- أنْ تَتَعَلَّقَ "مِن" بِـ "مَوالِيَ". وقَوْلُهُ: "والَّذِينَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ "فَآتُوهُمْ".

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "عاقَدَتْ" عَلى المُفاعَلَةِ، أيْ: أيْمانُ هَؤُلاءِ عاقَدَتْ أُولَئِكَ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عَقَدَتْ" بِتَخْفِيفِ القافِ عَلى حَذْفِ مَفْعُولٍ تَقْدِيرُهُ: عَقَدَتْ أيْمانُكم حِلْفَهم أو ذِمَّتَهُمْ، وقَرَأ حَمْزَةُ، في رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ كَبْشَةَ عنهُ-: "عَقَّدَتْ" مُشَدَّدَةَ القافِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَنِ المُرادُ بِـ "والَّذِينَ"ـ فَقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمْ: هُمُ الأحْلافُ، فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ تَتَوارَثُ بِالحِلْفِ، فَشَدَّدَ اللهُ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نَسَخَهُ بِآيَةِ الأنْفالِ ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أولى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هُمُ الَّذِينَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آخى بَيْنَهُمْ، فَإنَّهم كانُوا يَتَوارَثُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ حَتّى نُسِخَ ذَلِكَ بِما تَقَدَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ووَرَدَ لِابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُهاجِرِينَ كانُوا يَرِثُونَ الأنْصارَ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِمْ، لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهم فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ ناسِخَةً، وبَقِيَ إيتاءُ النَصِيبِ مِنَ النَصْرِ والمَعُونَةِ أو مِنَ المالِ عَلى جِهَةِ النَدْبِ في الوَصِيَّةِ.

وقالَ …

35

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحًۭا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًۭا

And if you fear dissension between the two, send an arbitrator from his people and an arbitrator from her people. If they both desire reconciliation, Allah will cause it between them. Indeed, Allah is ever Knowing and Acquainted [with all things].

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنِهِما إنْ اللهُ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾

قَسَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ النِساءَ تَقْسِيمًا عَقْلِيًّا، لِأنَّها إمّا طائِعَةٌ، وإمّا ناشِزَةٌ، والنَشَزُ: إمّا مَن يَرْجِعُ إلى الطَواعِيَةِ، وإمّا مَن يَحْتاجُ إلى الحَكَمَيْنِ.

اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ أيْضًا في الخَوْفِ هاهُنا- حَسَبَ ما تَقَدَّمَ، ولا يُبْعَثُ الحَكَمانِ إلّا مَعَ شِدَّةِ الخَوْفِ. والشِقاقُ: مَصْدَرُ شاقَّ يُشاقُّ، وأُجْرِيَ "البَيْنُ" مَجْرى الأسْماءِ، وأُزِيلَ عنهُ الظَرْفِيَّةُ إذْ هو بِمَعْنى: حالِهِما وعِشْرَتِهِما وصُحْبَتِهِما، وهَذا مِنَ الإيجازِ الَّذِي يَدُلُّ فِيهِ الظاهِرُ عَلى المُقَدَّرِ.

واخْتُلِفَ مَنِ المَأْمُورُ بِالبَعْثَةِ؟ فَقِيلَ: الحاكِمُ، فَإذا أعْضَلَ عَلى الحاكِمِ أمْرُ الزَوْجَيْنِ، وتَعاضَدَتْ عِنْدَهُ الحُجَجُ، واقْتَرَنَتِ الشُبَهُ، واغْتَمَّ وجْهُ الإنْفاذِ عَلى أحَدِهِما بَعَثَ حَكَمَيْنِ مِنَ الأهْلِ لِيُباشِرا الأمْرَ، وخَصَّ الأهْلَ لِأنَّهم مَظِنَّةُ العِلْمِ بِباطِنِ الأمْرِ، ومَظِنَّةُ الإشْفاقِ بِسَبَبِ القَرابَةِ. وقِيلَ: المُخاطَبُ الزَوْجانِ، وإلَيْهِما تَقْدِيمُ الحَكَمَيْنِ، وهَذا في مَذْهَبِ مالِكٍ، والأوَّلُ لِرَبِيعَةَ وغَيْرِهِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في المِقْدارِ الَّذِي يَنْظُرُ فِيهِ الحَكَمانِ، فَقالَ الطَبَرِيُّ: قالَتْ فِرْقَةٌ: لا يَنْظُرُ الحَكَمانِ إلّا فِيما وكَّلَهُما بِهِ الزَوْجانِ، وصَرَّحا بِتَقْدِيمِهِما عَلَيْهِ، تَرْجَمَ بِهَذا ثُمَّ أدْخَلَ عن عَلِيٍّ غَيْرَهُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وغَيْرُهُ: يَنْظُرُ الحَكَمانِ في الإصْلاحِ، وفي الأخْذِ والإعْطاءِ، إلّا في الفُرْقَةِ، فَإنَّها لَيْسَتْ إلَيْهِما. وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَنْظُرُ الحَكَمانِ في كُلِّ شَيْءٍ، ويَحْمِلانِ عَلى الظالِمِ، ويُمْضِيانِ ما رَأياهُ مِن بَقاءٍ أو فِراقٍ، وهَذا هو مَذْهَبُ مالِكٍ والجُمْهُورِ مِنَ العُلَماءِ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في "المُدَوَّنَةِ" وغَيْرِها، وتَأوَّلَ الزَجّاجُ عَلَيْهِ غَيْرَ ذَلِكَ، وأنَّهُ وكَّلَ الحَكَمَيْنِ عَلى الفُرْقَةِ، وأنَّها لِلْإمامِ، وذَلِكَ وهْمٌ مِن أبِي إسْحاقَ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: "إنْ يُرِيدا إصْلاحًا"؟، فَقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: المُرادُ الحَكَمانِ، أيْ: إذا نَصَحا وقَصَدا الخَيْرَ بُورِكَ في وساطَتِهِما. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ الزَوْجانِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وكَذَلِكَ الضَمِيرُ في "بَيْنَهُما" يَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ، والأظْهَرُ أنَّهُ لِلزَّوْجَيْنِ.

والِاتِّصافُ بِعَلِيمٍ خَبِيرٍ يُشْبِهُ ما ذَكَرَ مِن إرادَةِ الإصْلاحِ.

36

۞ وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًۭا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًۭا فَخُورًا

Worship Allah and associate nothing with Him, and to parents do good, and to relatives, orphans, the needy, the near neighbor, the neighbor farther away, the companion at your side, the traveler, and those whom your right hands possess. Indeed, Allah does not like those who are self-deluding and boastful.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿واعْبُدُوا اللهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالا فَخُورًا﴾

"الواوُ" لِعَطْفِ جُمْلَةِ الكَلامِ عَلى جُمْلَةٍ غَيْرِها، والعِبادَةُ: التَذَلُّلُ بِالطاعَةِ، ومِنهُ طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ، وبَعِيرٌ مُعَبَّدٌ، إذا كانا مُعَلَّمَيْنِ، و"إحْسانًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، وما ذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّهُ نُصِبَ بِالإغْراءِ خَطَأٌ، والقِيامُ بِحُقُوقِ الوالِدَيْنِ اللازِمَةِ لَهُما مِنَ التَوْقِيرِ والصَوْنِ والإنْفاقِ -إذا احْتاجا- واجِبٌ، وسائِرُ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ البِرِّ، والإلْطافِ، وحُسْنِ القَوْلِ، والتَصَنُّعِ لَهُما مَندُوبٌ إلَيْهِ مُؤَكَّدٌ فِيهِ، وهو البِرُّ الَّذِي تُفَضَّلُ فِيهِ الأُمُّ عَلى الأبِ، "حَسَبَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِلَّذِي قالَ لَهُ: «مَن أبَرُّ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟ قالَ: أباكَ، ثُمَّ الأقْرَبَ فالأقْرَبَ"، وفي رِوايَةٍ: "ثُمَّ أدْناكَ أدْناكَ".» وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ "إحْسانٌ" بِالرَفْعِ.

وذُو القُرْبى: هو القَرِيبُ النَسَبِ مِن قِبَلِ الأبِ والأُمِّ، وهَذا مِنَ الأمْرِ بِصِلَةِ الرَحِمِ وحِفْظِها، و"واليَتامى": جَمْعُ يَتِيمٍ، وهو فاقِدُ الأبِ قَبْلَ البُلُوغِ، وإنْ ورَدَ في كَلامِ العَرَبِ يُتْمٌ مِن قِبَلِ الأُمِّ فَهو مَجازٌ واسْتِعارَةٌ، "والمَساكِينِ": المُقَتَّرُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَحِلُّ لَهُمُ الزَكاةُ، وجاهَرُوا بِالسُؤالِ.

واخْتُلِفَ في مَعْنى "والجارِ ذِي القُرْبى" وفي مَعْنى "الجُنُبِ"- فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وغَيْرُهُمُ: الجارُ ذُو القُرْبى هو الجارُ القَرِيبُ النَسَبِ، والجارُ الجُنُبُ هو الجارُ الأجْنَبِيُّ الَّذِي لا قَرابَةَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ. وقالَ نَوْفٌ الشامِيُّ: الجارُ ذُو القُرْبى هو الجارُ المُسْلِمُ، والجارُ الجُنُبُ هو الجارُ اليَهُودِيُّ أوِ النَصْرانِيُّ، فَهي عِنْدَهُ قَرابَةُ الإسْلامِ، وأجْنَبِيَّةُ الكُفْرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجارُ ذُو القُرْبى هو الجارُ القَرِيبُ المَسْكَنِ مِنكَ، والجارُ الجُنُبُ هو البَعِيدُ المَسْكَنِ مِنكَ، وكَأنَّ هَذا القَوْلَ مُنْتَزَعٌ مِنَ الحَدِيثِ. "قالَتْ عائِشَةُ: «يا رَسُولَ اللهِ، إنَّ لِي جارَيْنِ، فَإلى أيِّهِما أُهْدِي؟ قالَ: إلى أقْرَبِهِما مِنكِ بابًا.»

واخْتَلَفَ الناسُ في حَدِّ الجِيرَةِ، فَقالَ الأوزاعِيُّ: أرْبَعُونَ دارًا مِن كُلِّ ناحِيَةٍ جِيرَةٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَن سَمِعَ إقامَةَ الصَلاةِ فَهو جارُ ذَلِكَ المَسْجِدِ، وبِقَدْرِ ذَلِكَ في الدُورِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَن ساكَنَ رَجُلًا في مَحَلَّةٍ أو مَدِينَةٍ فَهو جارُهُ. والمُجاوَرَةُ مَراتِبٌ بَعْضُها ألْصَقُ مِن بَعْضٍ، أدْناها الزَوْجُ، كَما قالَ الأعْشى:

؎ أيا جارَتِي بِينِي.............................

وبُعْدُ ذَلِكَ الجِيرَةِ الخُلُطُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ سائِلْ مُجاوِرَ جَرْمٍ هَلْ جَنَيْتَ لَها ∗∗∗ حَرْبًا تُفَرِّقُ بَيْنَ الجِيرَةِ الخُلُطِ

وحَكى الطَبَرِيُّ عن مَيْمُونَ بْنِ مَهْرانَ أنَّ الجارَ ذا القُرْبى أُرِيدَ بِهِ جارُ القَرِيبِ، وهَذا خَطَأٌ في اللِسانِ، لِأنَّهُ جَمَعَ -عَلى تَأْوِيلِهِ- بَيْنَ الألِفِ واللامِ والإضافَةِ، وكَأنَّ وجْهَ الكَلامِ: وجارِ ذِي القُرْبى.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والجارَ ذا القُرْبى" بِنَصْبِ …

37

ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا

Who are stingy and enjoin upon [other] people stinginess and conceal what Allah has given them of His bounty - and We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment -

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ الناسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ الناسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَكُنِ الشَيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ ﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ وكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾

قالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ نَصْبِ بَدَلٍ مِن "مَن" في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ مُخْتالا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] ومَعْناهُ -عَلى هَذا-: يَبْخَلُونَ بِأمْوالِهِمْ "وَيَأْمُرُونَ الناسَ" يَعْنِي: إخْوانَهُمْ، ومَن هو مَظِنَّةُ طاعَتِهِمْ بِالبُخْلِ بِالأمْوالِ، فَلا تُنْفَقُ في شَيْءٍ مِن وُجُوهِ الإحْسانِ إلى مَن ذَكَرَهُ ﴿وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾، يَعْنِي: مِنَ الرِزْقِ والمالِ، فَيَجِيءُ -عَلى هَذا- أنَّ الباخِلِينَ مَنفِيَّةٌ عنهم مَحَبَّةُ اللهِ، والآيَةُ إذًا في المُؤْمِنِينَ، فالمَعْنى: أحْسِنُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ إلى مَن سَمّى، فَإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن فِيهِ الخِلالُ المانِعَةُ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأمّا الكافِرُونَ فَإنَّهُ أعَدَّ لَهم ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾، فَفَصَلَ تَوَعُّدَ المُؤْمِنِينَ مِن تَوَعُّدِ الكافِرِينَ بِأنْ جَعَلَ الأوَّلَ عَدَمَ المَحَبَّةِ، والثانِيَ عَذابًا مُهِينًا.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ -بَعْدَ قَوْلِهِ: "مِن فَضْلِهِ"-: مُعَذَّبُونَ، أو مُجازَوْنَ، أو نَحْوُهُ. وقالَ الزَجّاجُ: الخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠]، وفي هَذا تَكَلُّفٌ ما، والآيَةُ عَلى هَذا كُلِّهِ في كُفّارٍ.

وقَدْ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ، فَإنَّهم بَخِلُوا بِالإعْلامِ بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وبِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ في ذَلِكَ، وأمَرُوا الناسَ بِالبُخْلِ عَلى جِهَتَيْنِ: بِأنْ قالُوا لِأتْباعِهِمْ وعَوامِّهِمُ: اجْحَدُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ وابْخَلُوا بِهِ، وبِأنْ قالُوا لِلْأنْصارِ: لِمَ تُنْفِقُونَ أمْوالَكم عَلى هَؤُلاءِ المُهاجِرِينَ فَتَفْتَقِرُونَ؟ ونَحْوُ هَذا مَرْوِيٌّ عن مُجاهِدٍ، وحَضْرَمِيٍّ، وابْنِ زَيْدٍ، وابْنِ عَبّاسٍ.

وحَقِيقَةُ البُخْلِ: مَنعُ ما في اليَدِ، والشُحُّ: هو البُخْلُ الَّذِي تَقْتَرِنُ بِهِ الرَغْبَةُ فِيما في أيْدِي الناسِ، وكِتْمانُ الفَضْلِ هو -عَلى هَذا-: كِتْمانُ العِلْمِ، والتَوَعُّدُ بِالعَذابِ المُهِينِ لَهم.

وقَرَأ عِيسى ابْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ: "بِالبُخُلِ" بِضَمِّ الباءِ والخاءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الخاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا وفي [الحَدِيدِ] "بِالبَخَلِ" بِفَتْحِ الباءِ والخاءِ، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الخاءِ، وهي كُلُّها لُغاتٌ.

وأعْتَدْنا مَعْناهُ: يَسَّرْنا وأعْدَدْنا وأحْضَرْنا، والعَتِيدُ: الحاضِرُ. والمُهِينُ: الَّذِي يَقْتَرِنُ بِهِ خِزْيٌ وذُلٌّ، وهو أنْكى وأشَدُّ عَلى المُعَذَّبِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ الآيَةُ، قالَ الطَبَرِيُّ: "والَّذِينَ" في مَوْضِعِ خَفْضِ عَطْفٍ عَلى "الكافِرِينَ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى "الَّذِينَ يَبْخَلُونَ" عَلى تَأْوِيلِ: مَن رَآهُ مَقْطُوعًا ورَأى الخَبَرَ مَحْذُوفًا، وقالَ: إنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى …

38

وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَٰنُ لَهُۥ قَرِينًۭا فَسَآءَ قَرِينًۭا

And [also] those who spend of their wealth to be seen by the people and believe not in Allah nor in the Last Day. And he to whom Satan is a companion - then evil is he as a companion.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ الناسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ الناسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَكُنِ الشَيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ ﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ وكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾

قالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ نَصْبِ بَدَلٍ مِن "مَن" في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ مُخْتالا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] ومَعْناهُ -عَلى هَذا-: يَبْخَلُونَ بِأمْوالِهِمْ "وَيَأْمُرُونَ الناسَ" يَعْنِي: إخْوانَهُمْ، ومَن هو مَظِنَّةُ طاعَتِهِمْ بِالبُخْلِ بِالأمْوالِ، فَلا تُنْفَقُ في شَيْءٍ مِن وُجُوهِ الإحْسانِ إلى مَن ذَكَرَهُ ﴿وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾، يَعْنِي: مِنَ الرِزْقِ والمالِ، فَيَجِيءُ -عَلى هَذا- أنَّ الباخِلِينَ مَنفِيَّةٌ عنهم مَحَبَّةُ اللهِ، والآيَةُ إذًا في المُؤْمِنِينَ، فالمَعْنى: أحْسِنُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ إلى مَن سَمّى، فَإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن فِيهِ الخِلالُ المانِعَةُ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأمّا الكافِرُونَ فَإنَّهُ أعَدَّ لَهم ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾، فَفَصَلَ تَوَعُّدَ المُؤْمِنِينَ مِن تَوَعُّدِ الكافِرِينَ بِأنْ جَعَلَ الأوَّلَ عَدَمَ المَحَبَّةِ، والثانِيَ عَذابًا مُهِينًا.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ -بَعْدَ قَوْلِهِ: "مِن فَضْلِهِ"-: مُعَذَّبُونَ، أو مُجازَوْنَ، أو نَحْوُهُ. وقالَ الزَجّاجُ: الخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠]، وفي هَذا تَكَلُّفٌ ما، والآيَةُ عَلى هَذا كُلِّهِ في كُفّارٍ.

وقَدْ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ، فَإنَّهم بَخِلُوا بِالإعْلامِ بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وبِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ في ذَلِكَ، وأمَرُوا الناسَ بِالبُخْلِ عَلى جِهَتَيْنِ: بِأنْ قالُوا لِأتْباعِهِمْ وعَوامِّهِمُ: اجْحَدُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ وابْخَلُوا بِهِ، وبِأنْ قالُوا لِلْأنْصارِ: لِمَ تُنْفِقُونَ أمْوالَكم عَلى هَؤُلاءِ المُهاجِرِينَ فَتَفْتَقِرُونَ؟ ونَحْوُ هَذا مَرْوِيٌّ عن مُجاهِدٍ، وحَضْرَمِيٍّ، وابْنِ زَيْدٍ، وابْنِ عَبّاسٍ.

وحَقِيقَةُ البُخْلِ: مَنعُ ما في اليَدِ، والشُحُّ: هو البُخْلُ الَّذِي تَقْتَرِنُ بِهِ الرَغْبَةُ فِيما في أيْدِي الناسِ، وكِتْمانُ الفَضْلِ هو -عَلى هَذا-: كِتْمانُ العِلْمِ، والتَوَعُّدُ بِالعَذابِ المُهِينِ لَهم.

وقَرَأ عِيسى ابْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ: "بِالبُخُلِ" بِضَمِّ الباءِ والخاءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الخاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا وفي [الحَدِيدِ] "بِالبَخَلِ" بِفَتْحِ الباءِ والخاءِ، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الخاءِ، وهي كُلُّها لُغاتٌ.

وأعْتَدْنا مَعْناهُ: يَسَّرْنا وأعْدَدْنا وأحْضَرْنا، والعَتِيدُ: الحاضِرُ. والمُهِينُ: الَّذِي يَقْتَرِنُ بِهِ خِزْيٌ وذُلٌّ، وهو أنْكى وأشَدُّ عَلى المُعَذَّبِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ الآيَةُ، قالَ الطَبَرِيُّ: "والَّذِينَ" في مَوْضِعِ خَفْضِ عَطْفٍ عَلى "الكافِرِينَ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى "الَّذِينَ يَبْخَلُونَ" عَلى تَأْوِيلِ: مَن رَآهُ مَقْطُوعًا ورَأى الخَبَرَ مَحْذُوفًا، وقالَ: إنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى …

39

وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا

And what [harm would come] upon them if they believed in Allah and the Last Day and spent out of what Allah provided for them? And Allah is ever, about them, Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ الناسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ الناسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَكُنِ الشَيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ ﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ وكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾

قالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ نَصْبِ بَدَلٍ مِن "مَن" في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ مُخْتالا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] ومَعْناهُ -عَلى هَذا-: يَبْخَلُونَ بِأمْوالِهِمْ "وَيَأْمُرُونَ الناسَ" يَعْنِي: إخْوانَهُمْ، ومَن هو مَظِنَّةُ طاعَتِهِمْ بِالبُخْلِ بِالأمْوالِ، فَلا تُنْفَقُ في شَيْءٍ مِن وُجُوهِ الإحْسانِ إلى مَن ذَكَرَهُ ﴿وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾، يَعْنِي: مِنَ الرِزْقِ والمالِ، فَيَجِيءُ -عَلى هَذا- أنَّ الباخِلِينَ مَنفِيَّةٌ عنهم مَحَبَّةُ اللهِ، والآيَةُ إذًا في المُؤْمِنِينَ، فالمَعْنى: أحْسِنُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ إلى مَن سَمّى، فَإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن فِيهِ الخِلالُ المانِعَةُ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأمّا الكافِرُونَ فَإنَّهُ أعَدَّ لَهم ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾، فَفَصَلَ تَوَعُّدَ المُؤْمِنِينَ مِن تَوَعُّدِ الكافِرِينَ بِأنْ جَعَلَ الأوَّلَ عَدَمَ المَحَبَّةِ، والثانِيَ عَذابًا مُهِينًا.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ -بَعْدَ قَوْلِهِ: "مِن فَضْلِهِ"-: مُعَذَّبُونَ، أو مُجازَوْنَ، أو نَحْوُهُ. وقالَ الزَجّاجُ: الخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠]، وفي هَذا تَكَلُّفٌ ما، والآيَةُ عَلى هَذا كُلِّهِ في كُفّارٍ.

وقَدْ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ، فَإنَّهم بَخِلُوا بِالإعْلامِ بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وبِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ في ذَلِكَ، وأمَرُوا الناسَ بِالبُخْلِ عَلى جِهَتَيْنِ: بِأنْ قالُوا لِأتْباعِهِمْ وعَوامِّهِمُ: اجْحَدُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ وابْخَلُوا بِهِ، وبِأنْ قالُوا لِلْأنْصارِ: لِمَ تُنْفِقُونَ أمْوالَكم عَلى هَؤُلاءِ المُهاجِرِينَ فَتَفْتَقِرُونَ؟ ونَحْوُ هَذا مَرْوِيٌّ عن مُجاهِدٍ، وحَضْرَمِيٍّ، وابْنِ زَيْدٍ، وابْنِ عَبّاسٍ.

وحَقِيقَةُ البُخْلِ: مَنعُ ما في اليَدِ، والشُحُّ: هو البُخْلُ الَّذِي تَقْتَرِنُ بِهِ الرَغْبَةُ فِيما في أيْدِي الناسِ، وكِتْمانُ الفَضْلِ هو -عَلى هَذا-: كِتْمانُ العِلْمِ، والتَوَعُّدُ بِالعَذابِ المُهِينِ لَهم.

وقَرَأ عِيسى ابْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ: "بِالبُخُلِ" بِضَمِّ الباءِ والخاءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الخاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا وفي [الحَدِيدِ] "بِالبَخَلِ" بِفَتْحِ الباءِ والخاءِ، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الخاءِ، وهي كُلُّها لُغاتٌ.

وأعْتَدْنا مَعْناهُ: يَسَّرْنا وأعْدَدْنا وأحْضَرْنا، والعَتِيدُ: الحاضِرُ. والمُهِينُ: الَّذِي يَقْتَرِنُ بِهِ خِزْيٌ وذُلٌّ، وهو أنْكى وأشَدُّ عَلى المُعَذَّبِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ الآيَةُ، قالَ الطَبَرِيُّ: "والَّذِينَ" في مَوْضِعِ خَفْضِ عَطْفٍ عَلى "الكافِرِينَ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى "الَّذِينَ يَبْخَلُونَ" عَلى تَأْوِيلِ: مَن رَآهُ مَقْطُوعًا ورَأى الخَبَرَ مَحْذُوفًا، وقالَ: إنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى …

40

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةًۭ يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Indeed, Allah does not do injustice, [even] as much as an atom's weight; while if there is a good deed, He multiplies it and gives from Himself a great reward.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾

"مِثْقالَ" مِفْعالٌ مِنَ الثِقْلِ، والذَرَّةُ: الصَغِيرَةُ الحَمْراءُ مِنَ النَمْلِ، وهي أصْغَرُ ما يَكُونُ إذا مَرَّ عَلَيْها حَوْلٌ، لِأنَّها تَصْغُرُ وتَجْرِي كَما تَفْعَلُ الأفْعى. تَقُولُ العَرَبُ: أفْعى جارِيَةٌ، وهي أشَدُّها، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

؎ مِنَ القاصِراتِ الطَرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ مِنَ الذَرِّ فَوْقَ الأتْبِ مِنها لَأثَّرا

فالمُحْوِلُ: الَّذِي أتى عَلَيْهِ الحَوْلُ،. وقالَ حَسّانٌ:

؎ لَوْ يَدِبُّ الحَوْلِيُّ مِن ولَدِ الذَ ∗∗∗ رِّ عَلَيْها لَأنْدَبَتْها الكُلُومُ

وعَبَّرَ عَنِ الذَرَّةِ يَزِيدُ بْنُ هارُونَ بِأنَّها دُودَةٌ حَمْراءُ، وهي عِبارَةٌ فاسِدَةٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الذَرَّةُ: رَأْسُ النَمْلَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ "إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ نَمْلَةٍ"، "مِثْقالَ": مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ "يَظْلِمُ"، والأوَّلُ مُضْمَرٌ، التَقْدِيرُ: إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ أحَدًا مِثْقالَ. و"يَظْلِمُ"، لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإنَّما عُدِّيَ هُنا إلى مَفْعُولَيْنِ بِأنْ يُقَدَّرَ في مَعْنى ما يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، كَأنَّهُ قالَ: إنَّ اللهَ لا يَنْقُصُ، أو لا يَبْخَسُ، أو لا يَغْصِبُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ نَصْبُ "مِثْقالَ" عَلى أنَّهُ بَيانٌ وصِفَةٌ لِمِقْدارِ الظُلْمِ المَنفِيِّ، فَيَجِيءُ -عَلى هَذا- نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، التَقْدِيرُ: إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ ظُلْمًا مِثْقالَ ذَرَّةٍ، كَما تَقُولُ: إنَّ الأمِيرَ لا يَظْلِمُ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، أيْ: لا يَظْلِمُ ظُلْمًا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، فَعَلى هَذا وقَفَ "يَظْلِمُ" عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ عن نَفْسِهِ -وَرَواهُ عن بَعْضِ العُلَماءِ- لَأنْ تَفْضُلَ حَسَناتِي سَيِّئاتِي بِمِثْقالِ ذَرَّةٍ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُنْيا جَمِيعًا. وحُذِفَتِ النُونُ مِن "تَكُنْ" لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وشَبَهِها خِفَّةً بِحُرُوفِ المَدِّ واللِينِ.

وَقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ "حَسَنَةً" بِالنَصْبِ عَلى نُقْصانِ "كانَ"، واسْمُها مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: وإنْ تَكُ زِنَةُ الذَرَّةِ حَسَنَةً، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ "حَسَنَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى تَمامِ "كانَ". التَقْدِيرُ: وإنْ تَقَعْ حَسَنَةٌ، أو تُوجَدْ حَسَنَةٌ، و"يُضاعِفْها" جَوابُ الشَرْطِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "يُضَعِّفْها" مُشَدَّدَةَ العَيْنِ بِغَيْرِ ألِفٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى فِيهِما واحِدٌ، وهُما لُغَتانِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يُضْعِفْها" بِسُكُونِ الضادِ وتَخْفِيفِ العَيْنِ. ومُضاعَفَةُ الشَيْءِ في كَلامِ العَرَبِ: زِيادَةُ مِثْلِهِ إلَيْهِ، فَإذا قُلْتَ: "ضَعَّفْتُ"، فَقَدْ أتَيْتَ بِبِنْيَةِ التَكْثِيرِ، وإذا كانَتْ صِيغَةُ الفِعْلِ دُونَ التَكْثِيرِ تَقْتَضِي الطَيَّ مَرَّتَيْنِ فَبِناءُ التَكْثِيرِ بِبِنْيَةِ التَكْثِيرِ، وإذا كانَتْ صِيغَةُ الفِعْلِ دُونَ التَكْثِيرِ تَقْتَضِي الطَيَّ مَرَّتَيْنِ فَبِناءُ التَكْثِيرِ يَقْتَضِي أكْثَرَ مِنَ المَرَّتَيْنِ إلى أقْصى ما تُرِيدُ مِنَ العَدَدِ، وإذا قُلْتَ: "ضاعَفْتُ" فَلَيْسَ بِبِنْيَةِ تَكْثِيرٍ، ولَكِنَّهُ فِعْلٌ صِيغَتُهُ دالَّةٌ عَلى الطَيِّ مَرَّتَيْنِ فَما زادَ. هَذِهِ أُصُولُ هَذا البابِ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى في كِتابِ المَجازِ أنَّ "ضاعَفْتُ" يَقْتَضِي مِرارًا كَثِيرَةً. و"ضَعَّفْتُ" يَقْتَضِي مَرَّتَيْنِ، وقالَ مِثْلَهُ الطَبَرِيُّ، ومِنهُ نَقَلَ، ويَدُلُّكَ عَلى تَقارُبِ الأمْرِ في المَعْنى ما قُرِئَ بِهِ …

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.