Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 21–30 of 176

21

وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُۥ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًۭا

And how could you take it while you have gone in unto each other and they have taken from you a solemn covenant?

﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ إنْكارٌ بَعْدَ إنْكارٍ، وقَدْ بُولِغَ فِيهِ عَلى ما تَقَدَّمَ في ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾، وقِيلَ: تَعْجِيبٌ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أيْ إنَّ أخْذَكم لَهُ لَعَجِيبٌ ﴿وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ كِنايَةً عَنِ الجِماعِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ وإنْ لَمْ يُجامِعْ واخْتارَهُ الفَرّاءُ وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو أحَدُ قَوْلَيْنِ لِلْإمامِيَّةِ، وفي «تَفْسِيرِ الكَلْبِيِّ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما الإفْضاءُ الحُصُولُ مَعَها في لِحافٍ واحِدٍ جامَعَها أوْ لَمْ يُجامِعْها، ورُجِّحَ القَوْلُ الأوَّلُ بِأنَّ الكَلامَ كِنايَةٌ بِلا شُبْهَةٍ، والعَرَبُ إنَّما تَسْتَعْمِلُها فِيما يُسْتَحى مِن ذِكْرِهِ كالجِماعِ، والخَلْوَةُ لا يُسْتَحى مِن ذِكْرِها فَلا تَحْتاجُ إلى الكِنايَةِ، وأيْضًا في تَعْدِيَةِ الإفْضاءِ بِإلى ما يَدُلُّ عَلى مَعْنى الوُصُولِ والِاتِّصالِ، وذَلِكَ أنْسَبُ بِالجِماعِ، ومَن ذَهَبَ إلى الثّانِي قالَ: إنَّما سُمِّيَتِ الخُلْوَةَ إفْضاءًا لِوُصُولِ الرَّجُلِ بِها إلى مَكانِ الوَطْءِ ولا يَسْلَمُ أنَّ الخُلْوَةَ لا يُسْتَحى مِن ذِكْرِها، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿تَأْخُذُونَهُ﴾ مُفِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَقْرِيرِ الِاسْتِبْعادِ أيْ عَلى أيِّ حالٍ أوْ في أيِّ تَأْخُذُونَهُ، والحالُ أنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنكم ما وقَعَ ( و) قَدْ ( أخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا ) أيْ عَهْدًا ﴿غَلِيظًا﴾ أيْ شَدِيدًا قالَ قَتادَةُ: هو ما أخَذَ اللَّهُ تَعالى لِلنِّساءِ عَلى الرِّجالِ ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ ثُمَّ قالَ: وقَدْ كانَ ذَلِكَ يُؤْخَذُ عِنْدَ عَقْدِ النِّكاحِ فَيُقالُ: اللَّهُ عَلَيْكَ لَتُمْسِكَنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ لِتُسَرِّحَنَّ بِإحْسانٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ ويَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ وكَثِيرٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ المِيثاقُ الغَلِيظُ كَلِمَةُ النِّكاحِ الَّتِي اسْتَحَلَّ بِها فُرُوجَهُنَّ.

واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن مَنَعَ الخُلْعَ مُطْلَقًا وقالَ: إنَّها ناسِخَةٌ لِآيَةِ البَقَرَةِ، وقالَ آخَرُ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي زَيْدٍ وقالَ جَماعَةٌ: لا ناسِخَةٌ ولا مَنسُوخَةٌ، والحُكْمُ الَّذِي فِيها هو الأخْذُ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، واسْتَدَلَّ بِها كَما قالَ ابْنُ الفَرَسِ قَوْمٌ عَلى جَوازِ المُغالاةِ في المُهُورِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ نَهى أنْ يُزادَ في الصَّداقِ عَلى أرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ فاعْتَرَضَتْهُ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ فَقالَتْ: أما سَمِعْتَ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ ؟ فَقالَ: اللَّهُمَّ غَفْرًا كُلُّ النّاسِ أفْقَهُ مِن عُمَرَ ثُمَّ رَجَعَ فَرَكِبَ المِنبَرَ، فَقالَ: إنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكم أنْ تَزِيدُوا النِّساءَ في صَدُقاتِهِنَّ عَلى أرْبَعِمِائَةٍ دِرْهَمٍ فَمَن شاءَ أنْ يُعْطِيَ مِن مالِهِ ما أحَبَّ، وطَعَنَ الشِّيعَةُ بِهَذا الخَبَرِ عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِجَهْلِهِ بِهَذِهِ المَسْألَةِ وإلْزامِ امْرَأةٍ لَهُ وقالُوا: إنَّ الجَهْلَ مُنافٍ لِلْإمامَةِ، وأُجِيبُ بِأنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ نَصًّا في جَوازِ إيتاءِ القِنْطارِ فَإنَّها عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: إنْ جاءَكَ زَيْدٌ وقَدْ قَتَلَ أخاكَ فاعْفُ عَنْهُ، وهو لا يَدُلُّ عَلى جَوازِ قَتْلِ الأخِ سَلَّمْنا أنَّها تَدُلُّ عَلى جَوازِ إيتائِهِ إلّا أنّا لا نُسَلِّمُ جَوازَ إيتائِهِ مَهْرًا بَلْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ إعْطاءَ الحُلِيِّ وغَيْرِهِ …

22

وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةًۭ وَمَقْتًۭا وَسَآءَ سَبِيلًا

And do not marry those [women] whom your fathers married, except what has already occurred. Indeed, it was an immorality and hateful [to Allah] and was evil as a way.

﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَن يَحْرُمُ نِكاحُها مِنَ النِّساءِ ومَن لا يَحْرُمُ بَعْدَ بَيانِ كَيْفِيَّةِ مُعاشَرَةِ الأزْواجِ، وهو عِنْدَ بَعْضٍ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ وإنَّما خُصَّ هَذا النِّكاحُ بِالنَّهْيِ ولَمْ يُنَظَّمْ في سِلْكِ نِكاحِ المُحَرَّماتِ الآتِيَةِ مُبالَغَةً في الزَّجْرِ عَنْهُ حَيْثُ كانَ ذَلِكَ دَيْدَنًا لَهم في الجاهِلِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ إذا تُوُفِّيَ عَنِ امْرَأتِهِ كانَ ابْنُهُ أحَقَّ بِها أنْ يَنْكِحَها إنْ شاءَ إنْ لَمْ تَكُنْ أُمَّهُ، أوْ يَنْكِحُها مَن شاءَ فَلَمّا ماتَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ قامَ ابْنُهُ حِصْنٌ فَوَرِثَ نِكاحَ امْرَأتِهِ ولَمْ يُنْفِقْ عَلَيْها ولَمْ يُورِثْها مِنَ المالِ شَيْئًا فَأتَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: «ارْجِعِي لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يُنْزِلُ فِيكِ شَيْئًا فَنَزَلَتْ ﴿ولا تَنْكِحُوا﴾ الآيَةَ، ونَزَلَتْ أيْضًا ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ إلَخْ»» وذَكَرَ الواحِدِيُّ وغَيْرُهُ أنَّها نَزَلَتْ في حِصْنِ المَذْكُورِ، وفي الأسْوَدِ بْنِ خَلَفٍ تَزَوَّجَ امْرَأةَ أبِيهِ، وفي صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ تَزَوَّجَ امْرَأةَ أبِيهِ فاخِتَةَ بِنْتَ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ، وفي مَنظُورِ بْنِ رَيّانَ تَزَوَّجَ امْرَأةَ أبِيهِ مُلَيْكَةَ بِنْتَ خارِجَةٍ، واسْمُ الآباءِ يَنْتَظِمُ الأجْدادَ كَيْفَ كانُوا بِاعْتِبارِ مَعْنًى يَعُمُّهُما لُغَةً لا بِاعْتِبارِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وفي «النِّهايَةِ» إنَّ دَلالَةَ الأبِ عَلى الجِدِّ بِأحَدِ طَرِيقَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأبِ الأصْلَ وإمّا بِالإجْماعِ، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ

صفحة 246

الدَّلالَةِ بِالإجْماعِ مِمّا لا مَعْنى لَهُ، نَعَمْ لِثُبُوتِ حُرْمَةِ مَن نَكَحَها الجَدُّ بِالإجْماعِ مَعْنًى لا خَفاءَ فِيهِ فَتَثْبُتُ حُرْمَةُ ما نَكَحُوها نَصًّا وإجْماعًا، ويَسْتَقِلُّ في إثْباتِ هَذِهِ الحُرْمَةِ نَفْسُ النِّكاحِ أعْنِي العَقْدَ إنْ كانَ صَحِيحًا ولا يُشْتَرَطُ الدُّخُولُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ أنَّهُ قالَ: كُلُّ امْرَأةٍ تَزَوَّجَها أبُوكَ دَخَلَ بِها أوْ لَمْ يَدْخُلْ بِها فَهي عَلَيْكَ حَرامٌ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ أبِي رَباحٍ، وإنْ كانَ النِّكاحُ فاسِدًا فَلا بُدَّ في إثْباتِ الحُرْمَةِ مِنَ الوَطْءِ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ مِنَ التَّقْبِيلِ والمَسِّ بِشَهْوَةٍ مَثَلًا بَلْ هو المُحَرَّمُ في الحَقِيقَةِ حَتّى لَوْ وقَعَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بِمِلْكِ اليَمِينِ، وبِالوَجْهِ المُحَرَّمِ ثَبَتَتْ بِهِ الحُرْمَةُ عِنْدَنا، وإلَيْهِ ذَهَبَتِ الإمامِيَّةُ، وخالَفَتِ الشّافِعِيَّةُ في المُحَرَّمِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في مَفْهُومِ النِّكاحِ لُغَةً فَقِيلَ: هو مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ بَيْنَ الوَطْءِ والعَقْدِ وهو ظاهِرُ كَلامِ كَثِيرٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ، وقِيلَ: حَقِيقَةٌ في العَقْدِ مَجازٌ في الوَطْءِ وعَلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ، وقِيلَ: بِالعَكْسِ وعَلَيْهِ أصْحابُنا، ولا يُنافِيهِ تَصْرِيحُهم بِأنَّهُ حَقِيقَةٌ في الضَّمِّ لِأنَّ الوَطْءَ مِن أفْرادِهِ، والمَوْضُوعُ لِلْأعَمِّ حَقِيقَةً في كُلٍّ مِن أفْرادِهِ عَلى ما أطْلَقَهُ الأقْدَمُونَ، وقَدْ تَحَقَّقَ اسْتِعْمالُ النِّكاحِ في كُلٍّ مِن هَذِهِ المَعانِي، فَفي الوَطْءِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”«وُلِدْتُ مِن نِكاحٍ لا مِن سِفاحٍ“» أيْ مِن وطْءٍ حَلالٍ …

23

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَٰلَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

Prohibited to you [for marriage] are your mothers, your daughters, your sisters, your father's sisters, your mother's sisters, your brother's daughters, your sister's daughters, your [milk] mothers who nursed you, your sisters through nursing, your wives' mothers, and your step-daughters under your guardianship [born] of your wives unto whom you have gone in. But if you have not gone in unto them, there is no sin upon you. And [also prohibited are] the wives of your sons who are from your [own] loins, and that you take [in marriage] two sisters simultaneously, except for what has already occurred. Indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ﴾ لَيْسَ المُرادُ تَحْرِيمَ ذاتِهِنَّ لِأنَّ الحُرْمَةَ وأخَواتِها إنَّما تَتَعَلَّقُ بِأفْعالِ المُكَلَّفِينَ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ بِدَلالَةِ العَقْلِ، والمُرادُ تَحْرِيمُ نِكاحِهِنَّ لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما يُقْصَدُ مِنهُنَّ ولِأنَّهُ المُتَبادَرُ إلى الفَهْمِ ولِأنَّ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ في النِّكاحِ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ هَذا كَأنْ تَخَلَّلَ أجْنَبِيٌّ بَيْنَهُما مِن غَيْرِ نُكْتَةٍ فَلا إجْمالَ في الآيَةِ خِلافًا لِلْكَرْخِيِّ، والجُمْلَةُ إنْشائِيَّةٌ ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنها الإخْبارَ عَنِ التَّحْرِيمِ في الزَّمانِ الماضِي؛ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا مانِعَ مِن كَوْنِها إخْبارِيَّةً والفِعْلُ الماضِي فِيها مِثْلُهُ في التَّعارِيفِ نَحْوَ الِاسْمِ ما دَلَّ عَلى مَعْنًى في نَفْسِهِ ولَمْ يَقْتَرِنْ بِأحَدِ الأزْمِنَةِ، والفِعْلُ ما دَلَّ واقْتَرَنَ، فَإنَّهم صَرَّحُوا أنَّ الجُمْلَةَ الماضَوِيَّةَ هُناكَ خَبَرِيَّةٌ وإلّا لَما صَحَّ كَوْنُها صِلَةَ المَوْصُولِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ مِنَ الفِعْلِ فِيها الدَّلالَةَ عَلى الزَّمانِ الماضِي فَقَطْ، وإلّا لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ حالُ المُعَرَّفِ في الزَّمانِ الحالَ والمُسْتَقْبَلَ لَيْسَ ذَلِكَ الحالَ، وبَنى الفِعْلَ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لِأنَّهُ لا يُشْتَبَهُ أنَّ المُحَرَّمَ هو اللَّهُ تَعالى.

و﴿أُمَّهاتُكُمْ﴾ تَعُمُّ الجَدّاتِ كَيْفَ كُنَّ إذِ الأُمُّ هي الأصْلُ في الأصْلِ كَأُمِّ الكِتابِ وأُمِّ القُرى فَتَثْبُتُ حُرْمَةُ الجَدّاتِ بِمَوْضُوعِ اللَّفْظِ وحَقِيقَتِهِ لِأنَّ الأُمَّ عَلى هَذا مِن قَبِيلِ المُشَكِّكِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ إطْلاقَ الأُمِّ عَلى الجَدَّةِ مَجازٌ، وأنَّ إثْباتَ حُرْمَةِ الجَدّاتِ بِالإجْماعِ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الأُمَّ مُرادٌ بِهِ الأصْلُ عَلى كُلِّ حالٍ لِأنَّهُ إنِ اسْتُعْمِلَ فِيهِ حَقِيقَةً فَظاهِرٌ، وإلّا فَيَجِبُ أنْ يُحْكُمَ بِإرادَتِهِ مَجازًا فَتَدْخُلُ الجَدّاتُ في عُمُومِ المَجازِ والمُعَرِّفُ لِإرادَةِ ذَلِكَ في النَّصِّ الإجْماعُ عَلى حُرْمَتِهِنَّ.

صفحة 250

/ والمُرادُ بِالبَناتِ مَن ولَدَتْها أوْ ولَدَتْ مَن ولَدَها؛ وتَسْمِيَةُ الثّانِيَةِ بِنْتًا حَقِيقَةً بِاعْتِبارِ أنَّ البِنْتَ يُرادُ بِهِ الفَرْعُ كَما قِيلَ بِهِ فَيَتَناوَلُها النَّصُّ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا عِنْدَ البَعْضِ، أوْ عِنْدَ الكُلِّ، ومَن مَنَعَ إطْلاقَ البِنْتِ عَلى الفَرْعِ مُطْلَقًا قالَ: إنَّ ثُبُوتَ حُرْمَةِ بَناتِ الأوْلادِ بِالإجْماعِ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلى تَحْرِيمِ الجَدّاتِ وبَناتِ الأوْلادِ بِدَلالَةِ النَّصِّ المُحَرِّمِ لِلْعَمّاتِ والخالاتِ وبَناتِ الأخِ والأُخْتِ، فَفي الأوَّلِ: لِأنَّ الأشِقّاءَ مِنهُنَّ أوْلادُ الجَدّاتِ فَتَحْرِيمُ الجَدّاتِ وهُنَّ أقْرَبُ أوْلى، وفي الثّانِي: لِأنَّ بَناتَ الأوْلادِ أقْرَبُ مِن بَناتِ الإخْوَةِ، ثُمَّ ظاهِرُ النَّصِّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُحَرَّمُ لِلرَّجُلِ بِنْتُهُ مِنَ الزِّنا لِأنَّها بِنْتُهُ، والخِطابُ إنَّما هو بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ ما لَمْ يَثْبُتْ نَقْلٌ كَلَفْظِ الصَّلاةِ ونَحْوِهِ فَيَصِيرُ مَنقُولًا شَرْعِيًّا، وفي ذَلِكَ خِلافُ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَدْ قالَ: إنَّ المَخْلُوقَةَ مِن ماءِ الزِّنا تَحِلُّ لِلزّانِي لِأنَّها أجْنَبِيَّةٌ عَنْهُ إذْ لا يَثْبُتُ لَها تَوارُثٌ ولا غَيْرُهُ مِن أحْكامِ النِّسَبِ، ولِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الوَلَدُ لِلْفِراشِ»» وهو يَقْتَضِي حَصْرَ النَّسَبِ في الفِراشِ.

وقالَ بَعْضُ …

24

۞ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ ۚ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةًۭ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُم بِهِۦ مِنۢ بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And [also prohibited to you are all] married women except those your right hands possess. [This is] the decree of Allah upon you. And lawful to you are [all others] beyond these, [provided] that you seek them [in marriage] with [gifts from] your property, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse. So for whatever you enjoy [of marriage] from them, give them their due compensation as an obligation. And there is no blame upon you for what you mutually agree to beyond the obligation. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

صفحة 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ المُحَرَّماتِ.

والمُرادُ بِهِنَّ عَلى المَشْهُورِ ذَواتُ الأزْواجِ، أحْصَنَهُنَّ التَّزَوُّجُ، أوِ الأزْواجُ، أوِ الأوْلِياءُ، أيْ مَنَعَهُنَّ عَنِ الوُقُوعِ في الإثِمْ، وأجْمَعَ القُرّاءُ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلى فَتْحِ الصّادِ هُنا، ورِوايَةُ الفَتْحِ عَنِ الكِسائِيِّ لا تَصِحُّ، والمَشْهُورُ رِوايَةُ ذَلِكَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، ويَحْيى بْنِ وثّابٍ، وعَلَيْهِ يَكُونُ اسْمَ فاعِلٍ؛ لِأنَّهُنَّ أحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ عَنْ غَيْرِ أزْواجِهِنَّ، أوْ أحْصَنَّ أزْواجَهُنَّ.

وقِيلَ: الصِّيغَةُ لِلْفاعِلِ عَلى القِراءَةِ الأُولى أيْضًا، فَقَدْ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كَلُّ أفْعَلَ اسْمُ فاعِلِهِ بِالكَسْرِ إلّا ثَلاثَةَ أحْرُفٍ: أحْصَنَ وألْفَجَ؛ إذا ذَهَبَ مالُهُ، وأسْهَبَ؛ إذا كَثُرَ كَلامُهُ.

وحُكِيَ عَنِ الأزْهَرِيِّ مِثْلُهُ، وقالَ ثَعْلَبٌ: كُلُّ امْرَأةٍ عَفِيفَةٍ مُحْصَنَةٌ ومُحْصِنَةٌ، وكُلُّ امْرَأةٍ مُتَزَوِّجَةٍ مُحْصَنَةٌ بِالفَتْحِ لا غَيْرَ، ويُقالُ: حُصِنَتِ المَرْأةُ - بِالضَّمِّ - حُصْنًا أيْ عَفَّتْ، فَهي حاصِنٌ وحَصْنانُ بِالفَتْحِ وحَصْناءُ أيْضًا بَيِّنَةُ الحَصانَةِ، وفَرَسٌ حِصانٌ بِالكَسْرِ بَيِّنُ التَّحْصِينِ والتَّحَصُّنِ.

ويُقالُ: إنَّهُ سُمِّيَ حِصانًا؛ لِأنَّهُ ضَنَّ بِمائِهِ فَلَمْ يَنْزُ إلّا عَلى كَرِيمَةٍ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتّى سَمَّوْا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الخَيْلِ حِصانًا.

والإحْصانُ في المَرْأةِ ورَدَ في اللُّغَةِ، واسْتُعْمِلَ في القُرْآنِ بِأرْبَعَةِ مَعانٍ: الإسْلامُ، والحُرِّيَّةُ، والتَّزَوُّجُ، والعِفَّةُ، وزادَ الرّافِعِيُّ العَقْلَ؛ لِمَنعِهِ مِنَ الفَواحِشِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ (المُحْصَناتِ) أيْ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحْصَناتُ كائِناتٍ مِنَ النِّساءِ، وفائِدَتُهُ تَأْكِيدُ عُمُومِها، وقِيلَ: دَفْعُ تَوَهُّمِ شُمُولِها لِلرِّجالِ، بِناءً عَلى كَوْنِها صِفَةً لِلْأنْفُسِ، وهي شامِلَةٌ لِلذُّكُورِ والإناثِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما لا يَخْفى، وفي المُرادِ بِالآيَةِ غُمُوضٌ، حَتّى قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ مَن يُفَسِّرُها لِي لَضَرَبْتُ إلَيْهِ أكْبادَ الإبِلِ، أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي السَّوْداءِ قالَ: سَألْتُ عِكْرِمَةَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿والمُحْصَناتُ﴾ إلَخْ فَقالَ: لا أدْرِي، ولِلْعُلَماءِ المُتَقَدِّمِينَ فِيها أقْوالٌ، أحُدُها: أنَّ المُرادَ بِها المُزَوَّجاتُ، كَما قَدَّمْنا.

والمُرادُ بِالمِلْكِ المِلْكُ بِالسَّبْيِ خاصَّةً؛ فَإنَّهُ المُقْتَضِي لِفَسْخِ النِّكاحِ وحَلِّها لِلسّابِي دُونَ غَيْرِهِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وعُثْمانَ وجُمْهُورِ الصَّحابَةِ، والتّابِعِينَ، والأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، لَكِنْ وقْعَ الخِلافُ، هَلْ مُجَرَّدُ السَّبْيِ مُحِلٌّ لِذَلِكَ، أوْ سَبْيُها وحْدَها؟ فَعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - مُجَرَّدُ السَّبْيِ مُوجِبٌ لِلْفُرْقَةِ ومُحِلٌّ لِلنِّكاحِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - سَبْيُها وحْدَها، حَتّى لَوْ سُبِيَتْ مَعَهُ لَمْ تَحِلَّ لِلسّابِي، واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: «أصَبْنا سَبْيًا يَوْمَ أوْطاسٍ، ولَهُنَّ أزْواجٌ، فَكَرِهْنا أنْ نَقَعَ عَلَيْهِنَّ، فَسَألْنا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فاسْتَحْلَلْناهُنَّ،» وهَذِهِ الرِّوايَةُ …

25

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍۢ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍۢ ۚ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍۢ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allah is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears sin, but to be patient is better for you. And Allah is Forgiving and Merciful.

﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ﴾ (مَن) إمّا شَرْطِيَّةٌ وما بَعْدَها شَرْطُها، وإمّا مَوْصُولَةٌ وما بَعْدَها صِلَتُها و(مِنكُمْ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (يَسْتَطِعْ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿طَوْلا﴾ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ(يَسْتَطِعْ) وجَعْلُهُ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: (لِعَدَمِ طَوْلٍ) تَطْوِيلٌ بِلا طُولٍ.

والمُرادُ بِهِ الغِنى والسَّعَةُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وأصْلُهُ الفَضْلُ والزِّيادَةُ، ومِنهُ الطّائِلُ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالِاعْتِلاءِ والنَّيْلِ، فَهو مِن قَوْلِهِمْ: طُلْتُهُ أيْ نِلْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:

إنَّ الفَرَزْدَقَ صَخْرَةٌ مَلْمُومَةٌ طالَتْ فَلَيْسَ تَنالُها الأوْعالا

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾ أيِ الحَرائِرَ؛ بِدَلِيلِ مُقابَلَتِهِنَّ بِالمَمْلُوكاتِ، وعَبَّرَ عَنْهُنَّ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ حُرِّيَّتَهُنَّ أحْصَنَتْهُنَّ عَنْ نَقْصِ الإماءِ، إمّا أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ(طَوْلًا) عَلى مَعْنى: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَنالَ نِكاحَ المُحْصَناتِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ إلى أوِ اللّامِ، والجارُّ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ(طَوْلًا) أيْ: ومَن

صفحة 8

لَمْ يَسْتَطَعْ غِنًى مُوَصِّلًا إلى نِكاحِهِنَّ أوْ لِنِكاحِهِنَّ، أوْ عَلى، عَلى أنَّ الطَّوْلَ بِمَعْنى القُدْرَةِ، كَما قالَ الزَّجّاجُ، ومَحَلُّ (أنْ) بَعْدَ الحَذْفِ جَرٌّ أوْ نَصْبٌ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ، وهَذا التَّقْدِيرُ قَوْلُ الخَلِيلِ، وإلَيْهِ ذَهَبٌ الكِسائِيُّ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (طَوْلًا) بَدَلَ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، وهُما لِشَيْءٍ واحِدٍ، بِناءً عَلى أنَّ الطَّوْلَ هو القُدْرَةُ أوِ الفَضْلُ، والنِّكاحُ قُوَّةٌ وفَضْلٌ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِـ(يَسْتَطِعْ) و(طَوْلًا) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لَهُ، إذِ الِاسْتِطاعَةُ هي الطَّوْلُ، أوْ تَمْيِيزٌ، أيْ: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمُ اسْتِطاعَةً، أوْ مِن جِهَةِ الطَّوْلِ والغِنى، أيْ: لا مِن جِهَةِ الطَّبِيعَةِ والمِزاجِ؛ إذْ لا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ بِالمَقامِ.

وقَوْلَهُ تَعالى وتَقَدَّسَ: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، أوْ خَبَرُ المَوْصُولِ، وجاءَتِ الفاءُ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، و(ما) مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ جَرِّ بِـ(مِن) التَّبْعِيضِيَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِقٌّ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ حُذِفَ مَفْعُولُهُ، وفي الحَقِيقَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِذَلِكَ المَفْعُولِ، أيْ: فَلْيَنْكِحِ امْرَأةً كائِنَةً بَعْضَ النَّوْعِ الَّذِي مَلَكَتْهُ أيْمانُكُمْ، وأجازَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ (مِن) زائِدَةً أيْ، فَلْيَنْكِحْ ما مَلَكَتْهُ أيْمانُكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ﴾ أيْ إمائِكُمُ ﴿المُؤْمِناتِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ إلى (ما)، وقِيلَ: (مِن) زائِدَةٌ و(فَتَياتِكُمُ) هو المَفْعُولُ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ قَبْلَ و(مِمّا مَلَكَتْ) مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الفِعْلِ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن هَذا المَفْعُولِ و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ و(المُؤْمِناتِ) عَلى جَمِيعِ الأوْجَهِ صِفَةُ (فَتَياتِكُمُ) وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وفِيهِ بُعْدٌ.

وظاهِرُ الآيَةِ يُفِيدُ عَدَمَ جَوازِ نِكاحِ الأمَةِ لِلْمُسْتَطِيعِ؛ لِمَفْهُومِ الشَّرْطِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ، وعَدَمَ جَوازِ نِكاحِ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ مُطْلَقًا؛ لِمَفْهُومِ الصِّفَةِ، كَما هو رَأْيُ أهْلِ الحِجازِ، وجَوَّزَهُما الإمامُ الأعْظَمُ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ- لِإطْلاقِ …

26

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

Allah wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allah is Knowing and Wise.

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأحْكامِ، ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ وقَعَ في كَلامِ العَرَبِ قَدِيمًا، وخَرَّجَهُ النُّحاةُ - كَما قالَ الشِّهابُ - عَلى مَذاهِبَ، فَقِيلَ: مَفْعُولٌ يُرِيدُ: (مَحْذُوفٌ) أيْ: تَحْلِيلَ ما أحَلَّ وتَحْرِيمَ ما حَرَّمَ ونَحْوُهُ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أوِ العاقِبَةِ، أيْ: ذَلِكَ لِأجْلِ التَّبْيِينِ، ونُسِبَ هَذا إلى سِيبَوَيْهِ وجُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، فَتَعَلُّقُ الإرادَةِ غَيْرُ التَّبْيِينِ، وإنَّما فَعَلُوهُ لِئَلّا يَتَعَدّى الفِعْلُ إلى مَفْعُولِهِ المُتَأخِّرِ عَنْهُ بِاللّامِ، وهو مُمْتَنِعٌ أوْ ضَعِيفٌ.

قِيلَ: إنَّهُ إذا قُصِدَ التَّأْكِيدُ جازَ مِن غَيْرِ ضَعْفٍ، وقَدْ قُصِدَ هُنا تَأْكِيدُ الِاسْتِقْبالِ اللّازِمِ لِلْإرادَةِ، ولَكِنْ بِاعْتِبارِ التَّعَلُّقِ، وإلّا فَإرادَةُ اللَّهِ قَدِيمَةٌ، وسَمّى صاحِبُ اللُّبابِ هَذِهِ اللّامَ لامَ التَّكْمِلَةِ، وجَعَلَها مُقابِلَةً لِلامِ التَّعْدِيَةِ.

وذَهَبَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ إلى أنَّ الفِعْلَ مُؤَوَّلُ بِالمَصْدَرِ مِن غَيْرِ سابِكٍ، كَما قِيلَ بِهِ فِي: تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ، عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُهُ، أيْ: إرادَتِي كائِنَةٌ لِلتَّبْيِينِ، وفِيهِ تَكَلُّفٌ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ اللّامَ هي النّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ مِن غَيْرِ إضْمارٍ (أنْ) وهي وما بَعْدَها مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّمِ؛ لِأنَّ اللّامَ قَدْ تُقامُ مَقامَ (أنْ) في فِعْلِ الإرادَةِ والأمْرِ، والبَصْرِيُّونَ يَمْنَعُونَ ذَلِكَ، ويَقُولُونَ: إنَّ وظِيفَةَ اللّامِ الجَرُّ، والنَّصْبُ بِـ(أنْ) مُضْمَرَةً بَعْدَها، ومَفْعُولُ (يُبَيِّنَ) عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ مَحْذُوفٌ، أيْ (لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) ما هو خَفِيٌّ عَنْكم مِن مَصالِحِكم وأفاضِلِ أعْمالِكُمْ، أوْ ما تَعَبَّدَكم بِهِ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: (لِيُبَيِّنَ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَهْدِيَكُمْ﴾ تَنازَعا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: مَناهِجَ مَن تَقَدَّمَكم مِنَ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ؛ لِتَقْتَفُوا أثَرَهُمْ، وتَتَّبِعُوا سَيْرَهُمْ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ الحُكْمَ كانَ كَذَلِكَ في الأُمَمِ السّابِقَةِ، كَما قِيلَ بِهِ، بَلِ المُرادُ كَوْنُ ما ذُكِرَ مِن نَوْعِ طَرائِقِ المُتَقَدِّمِينَ الرّاشِدِينَ وجِنْسِها في بَيانِ المَصالِحِ ﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وحَيْثُ كانَتِ التَّوْبَةُ تُرِكَ الذَّنْبُ مَعَ النَّدَمِ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ، وهو مِمّا يَسْتَحِيلُ إسْنادُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، ارْتَكَبُوا تَأْوِيلَ ذَلِكَ في هَذا المَقامِ بِأحَدِ أُمُورٍ:

فَقِيلَ إنَّ التَّوْبَةَ هُنا بِمَعْنى المَغْفِرَةِ مَجازًا؛ لِتَسَبُّبِها عَنْها، أوْ بِمَعْنى الإرْشادِ إلى ما يَمْنَعُ عَنِ المَعاصِي عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ تَمْنَعُ عَنْها، كَما أنَّ إرْشادَهُ تَعالى كَذَلِكَ، أوْ مَجازٌ عَنْ حَثِّهِ تَعالى عَلَيْها؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لَها عَكْسَ الأوَّلِ، أوْ بِمَعْنى الإرْشادِ إلى ما يُكَفِّرُها عَلى التَّشْبِيهِ أيْضًا، وإلى جَمِيعِ ذَلِكَ أشارَ ناصِرُ الدِّينِ البَيْضاوِيُّ.

وقَرَّرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ هَذا مِن وضْعِ المُسَبَّبِ مَوْضِعَ السَّبَبِ، وذَلِكَ لِعَطْفِ (ويَتُوبُ) عَلى (ويَهْدِيَكُمْ)

صفحة 14

إلَخْ عَلى سَبِيلِ البَيانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم ويُرْشِدَكم إلى الطّاعاتِ، فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ (ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ) وما يَرِدُ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ مِن لُزُومِ تَخالُفِ …

27

وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًۭا

Allah wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.

﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ جَعَلَهُ بَعْضُهم تَكْرارًا لِما تَقَدَّمَ؛ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ، وهو ظاهِرٌ إذا كانَ المُرادُ مِنَ التَّوْبَةِ هُناكَ وهُنا شَيْئًا واحِدًا، وأمّا إذا فُسِّرَ (يَتُوبَ) أوَّلًا بِقَبُولِ التَّوْبَةِ والإرْشادِ مَثَلًا، وثانِيًا بِأنْ يَفْعَلُوا ما يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ القَبُولَ فَلا يَكُونُ تَكْرارًا، وأيْضًا إنَّما يَتَمَشّى ذَلِكَ عَلى كَوْنِ (لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) مَفْعُولًا، وإلّا فَلا تَكْرارَ أيْضًا؛ لِأنَّ تَعَلُّقَ الإرادَةِ بِالتَّوْبَةِ في الأوَّلِ عَلى جِهَةِ العَلِيَّةِ، وفي الثّانِي عَلى جِهَةِ المَفْعُولِيَّةِ، وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الِاخْتِلافُ لا مَحالَةَ.

﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ﴾ يَعْنِي الفَسَقَةَ؛ لِأنَّهم يَدُورُونَ مَعَ شَهَواتِ أنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ تَحاشٍ عَنْها، فَكَأنَّهم بِانْهِماكِهِمْ فِيها أمَرَتْهُمُ الشَّهَواتُ بِاتِّباعِها فامْتَثَلُوا أمْرَها واتَّبَعُوها، فَهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وأمّا المُتَعاطِي لِما سَوَّغَهُ الشَّرْعُ مِنها دُونَ غَيْرِهِ فَهو مُتَّبِعٌ لَهُ لا لَها.

ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وأخْرَجَ مُجاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُمُ الزُّناةُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وقِيلَ: إنَّهُمُ اليَهُودُ خاصَّةً؛ حَيْثُ زَعَمُوا أنَّ الأُخْتَ مِنَ الأبِ حَلالٌ في التَّوْراةِ، وقِيلَ: إنَّهُمُ المَجُوسُ؛ حَيْثُ كانُوا يُحِلُّونَ الأخَواتِ لِأبٍ؛ لِأنَّهم لَمْ يَجْمَعْهم رَحِمٌ، وبَناتِ الأخِ والأُخْتِ قِياسًا عَلى بَناتِ العَمَّةِ والخالَةِ بِجامِعِ أنَّ أُمَّهُما لا تَحِلُّ، فَكانُوا يُرِيدُونَ أنْ يُضِلُّوا المُؤْمِنِينَ بِما ذُكِرَ، ويَقُولُونَ: لِمَ جَوَّزْتُمْ تِلْكَ ولَمْ تُجَوِّزُوا هَذِهِ؟! فَنَزَلَتْ، وغُويِرَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ؛ لِيُفَرَّقَ بَيْنَ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى وإرادَةِ الزّائِغِينَ ﴿أنْ تَمِيلُوا﴾ عَنِ الحَقِّ بِمُوافَقَتِهِمْ، فَتَكُونُوا مِثْلَهُمْ، وعَنْ مُجاهِدٍ: أنْ تَزْنُوا كَما يَزْنُونَ.

وقُرِئَ بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ، فالضَّمِيرُ حِينَئِذٍ لِلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ ﴿مَيْلا عَظِيمًا﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى مَيْلِ مَنِ اقْتَرَفَ خَطِيئَةً عَلى نُدْرَةٍ، واعْتَرَفَ بِأنَّها خَطِيئَةٌ، ولَمْ يَسْتَحِلَّ.

28

يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ ضَعِيفًۭا

And Allah wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أيْ في التَّكْلِيفِ في أمْرِ النِّساءِ والنِّكاحِ بِإباحَةِ نِكاحِ الإماءِ، قالَهُ طاوُسٌ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: يُخَفِّفُ في التَّكْلِيفِ عَلى العُمُومِ، فَإنَّهُ تَعالى خَفَّفَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ ما لَمْ يُخَفِّفْ عَنْ غَيْرِها مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، وقِيلَ: يُخَفِّفُ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ والتَّوْفِيقِ لَها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.

﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ أيْ في أمْرِ النِّساءِ، لا يَصْبِرُ عَنْهُنَّ، قالَهُ طاوُسٌ، وفي الخَبَرِ: ««لا خَيْرَ في النِّساءِ، ولا صَبْرَ عَنْهُنَّ، يَغْلِبْنَ كَرِيمًا، ويَغْلِبُهُنَّ لَئِيمٌ، فَأُحِبُّ أنْ أكُونَ كَرِيمًا مَغْلُوبًا، ولا أُحِبُّ أنْ أكُونَ لَئِيمًا غالِبًا»» وقِيلَ: يَسْتَمِيلُهُ هَواهُ وشَهْوَتُهُ ويَسْتَشِيطُهُ خَوْفُهُ وحُزْنُهُ، وقِيلَ: عاجِزٌ عَنْ مُخالَفَةِ الهَوى وتَحَمُّلِ مَشاقِّ الطّاعَةِ، وقِيلَ: ضَعِيفُ الرَّأْيِ، لا يُدْرِكُ الأسْرارَ والحِكَمَ إلّا بِنُورٍ إلَهِيٍّ.

وعَنِ الحَسَنِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ المُرادَ ضَعِيفُ الخِلْقَةِ، يُؤْلِمُهُ أدْنى حادِثٍ نَزَلَ بِهِ، ولا يَخْفى ضَعْفُ مُساعَدَةِ المَقامِ لَهُما؛ فَإنَّ الجُمْلَةَ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ، مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِنَ التَّخْفِيفِ بِالرُّخْصَةِ في نِكاحِ الإماءِ، ولَيْسَ لِضَعْفِ الرَّأْيِ ولا لِضَعْفِ البِنْيَةِ مُدْخَلٌ في ذَلِكَ، وكَوْنُهُ إشارَةً إلى تَجْهِيلِ المَجُوسِ في قِياسِهِمْ عَلى أوَّلِ القَوْلَيْنِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.

صفحة 15

ونُصِبَ (ضَعِيفًا) عَلى الحالِ، وقِيلَ: عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ مِن ضَعِيفٍ، وأُرِيدَ بِهِ الطِّينَ أوِ النُّطْفَةُ، وكَلاهُما كَما تَرى، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (وخَلَقَ الإنْسانَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشَّعْبِ) عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ثَمانِي آياتٍ نَزَلَتْ في سُورَةِ النِّساءِ هي خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتِ:

الأُولى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

والثّانِيَةُ: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخِرِها.

والثّالِثَةُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ إلى آخِرِها.

والرّابِعَةُ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ .

والخامِسَةُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ .

والسّادِسَةُ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .

والسّابِعَةُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ إلى آخِرِها.

والثّامِنَةُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ الآيَةَ.

29

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا

O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allah is to you ever Merciful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ بَيانٌ لِبَعْضِ المُحَرَّماتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ إثْرَ بَيانِ تَحْرِيمِ النِّساءِ عَلى غَيْرِ الوُجُوهِ المَشْرُوعَةِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى كَمالِ العِنايَةِ بِالحُكْمِ المَذْكُورِ، والمُرادُ مِنَ الأكْلِ سائِرُ التَّصَرُّفاتِ، وعَبَّرَ بِهِ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ المَنافِعِ، والمَعْنى: لا يَأْكُلُ بَعْضُكم أمْوالَ بَعْضٍ، والمُرادُ ﴿بِالباطِلِ﴾ ما يُخالِفُ الشَّرْعَ كالرِّبا والقِمارِ والبَخْسِ والظُّلْمِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، .وهُوَ المَرْوِيُّ عَنِ الباقِرِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وعَنِ الحَسَنِ: هو ما كانَ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ مِن طَرِيقِ الأعْواضِ.

وأخْرَجَ عَنْهُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ، ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُما قالا: كانَ الرَّجُلُ يَتَحَرَّجُ أنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ النّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَنُسِخَ ذَلِكَ بِالآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ النُّورِ: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ الآيَةَ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى؛ لِأنَّ ما أُكِلَ عَلى وجْهِ مَكارِمِ الأخْلاقِ لا يَكُونُ أكْلًا بِالباطِلِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّها مُحْكَمَةٌ، ما نُسِخَتْ، ولا تُنْسَخُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، و(بَيْنَكُمْ) نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أوِ الحالِيَّةِ مِن (أمْوالِكُمْ).

﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، ونَقَلَ أبُو البَقاءِ القَوْلَ بِالِاتِّصالِ وضَعَّفَهُ و(عَنْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ(تِجارَةً) و(مِنكُمْ) صِفَةُ (تَراضٍ) أيْ: إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةٌ صادِرَةٌ عَنْ تَراضٍ كائِنٍ مِنكُمْ، أوْ إلّا أنْ تَكُونَ الأمْوالُ أمْوالَ تِجارَةٍ، والنَّصْبُ قِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ (كانَ) تامَّةً.

وحاصِلُ المَعْنى: لا تَقْصِدُوا أكْلَ الأمْوالِ بِالباطِلِ، لَكِنِ اقْصُدُوا كَوْنَ أيْ: وُقُوعَ تِجارَةٍ (عَنْ تَراضٍ)، أوْ لا تَأْكُلُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ، لَكِنَّ وُجُودَ تِجارَةٍ عَنْ تَراضٍ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ أسْبابِ المِلْكِ لِكَوْنِها أغْلَبَ وُقُوعًا، وأوْفَقَ لِذَوِي المُرُوءاتِ، وقَدْ أخْرَجَ الأصْبَهانِيُّ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أطْيَبُ الكَسْبِ كَسْبُ التُّجّارِ، الَّذِينَ إذا حَدَّثُوا لَمْ يَكْذِبُوا، وإذا وعَدُوا لَمْ يُخْلِفُوا، وإذا ائْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا، وإذا اشْتَرَوْا لَمْ يَذُمُّوا، وإذا باعُوا لَمْ يَمْدَحُوا، وإذا كانَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَمْطُلُوا، وإذا كانَ لَهم لَمْ يُعَسِّرُوا»».

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأزْدِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««تِسْعَةُ أعْشارِ الرِّزْقِ في التِّجارَةِ، والعُشْرُ في المَواشِي»».

وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِها انْتِقالُ المالِ مِنَ الغَيْرِ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ، سَواءٌ كانَ تِجارَةً أوْ إرْثًا أوْ هِبَةً أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، مِنِ

صفحة 16

اسْتِعْمالِ الخاصِّ وإرادَةِ العامِّ، وقِيلَ: المَقْصُودُ بِالنَّهْيِ المَنعُ عَنْ صَرْفِ المالِ فِيما لا يَرْضاهُ اللَّهُ تَعالى، وبِالتِّجارَةِ صَرْفُهُ فِيما يَرْضاهُ، وهَذا أبْعَدُ مِمّا قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالتَّراضِي مُراضاةُ المُتَبايِعَيْنِ بِما تَعاقَدا عَلَيْهِ في حالِ المُبايَعَةِ وقْتَ الإيجابِ والقَبُولِ عِنْدَنا، وعِنْدَ الإمامِ …

30

وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًۭا وَظُلْمًۭا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا

And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allah, is [always] easy.

﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيْ: قَتْلَ النَّفْسِ فَقَطْ، أوْ هو وما قَبْلَهُ مِن أكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ، أوْ مَجْمُوعَ ما تَقَدَّمَ مِنَ المُحَرَّماتِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ أوْ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا أقْوالٌ:

رُوِيَ الأوَّلُ مِنها عَنْ عَطاءٍ، ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ، وما في ذَلِكَ مِنَ البُعْدِ إيذانٌ بِفَظاعَةِ قَتْلِ النَّفْسِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَسادِ، وإفْرادُ اسْمِ الإشارَةِ عَلى تَقْدِيرِ تَعَدُّدِ المُشارِ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِهِ بِما سَبَقَ.

﴿عُدْوانًا﴾ أيْ: إفْراطًا في التَّجاوُزِ عَنِ الحَدِّ، وقُرِئَ (عِدْوانًا) بِكَسْرِ العَيْنِ ﴿وظُلْمًا﴾ أيْ: إيتاءً بِما لا يَسْتَحِقُّهُ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى، فالعَطْفُ لِلتَّفْسِيرِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالعُدْوانِ التَّعَدِّي عَلى الغَيْرِ، وبِالظُّلْمِ الظُّلْمُ عَلى النَّفْسِ بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ، وأيًّا ما كانَ فَهُما مَنصُوبانِ عَلى الحالِيَّةِ، أوْ عَلى العِلِّيَّةِ، وقِيلَ: وخَرَجَ بِهِما السَّهْوُ والغَلَطُ والخَطَأُ وما كانَ طَرِيقُهُ الِاجْتِهادَ في الأحْكامِ، ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ أيْ نُدْخِلُهُ إيّاها، ونُحَرِّقُهُ بِها، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ.

صفحة 17

وقُرِئَ: (نُصَلِّيهِ) بِالتَّشْدِيدِ و(نَصْلِيهِ) بِفَتْحِ النُّونِ مِن (صَلّاهُ) لُغَةٌ كَـ(أصْلاهُ) و(يُصْلِيهِ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ لِذَلِكَ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ مِن بابِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ.

﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: إصْلاؤُهُ النّارَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ هَيِّنًا، لا يَمْنَعُهُ مِنهُ مانِعٌ، ولا يَدْفَعُهُ عَنْهُ دافِعٌ، ولا يَشْفَعُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ شافِعٌ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ؛ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ.

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.