وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُۥ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًۭا
And how could you take it while you have gone in unto each other and they have taken from you a solemn covenant?
Explained together with ayah 19
سُورَةُ النِّسَاءِ
Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah
Ayahs 21–30 of 176
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُۥ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًۭا
And how could you take it while you have gone in unto each other and they have taken from you a solemn covenant?
Explained together with ayah 19
وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةًۭ وَمَقْتًۭا وَسَآءَ سَبِيلًا
And do not marry those [women] whom your fathers married, except what has already occurred. Indeed, it was an immorality and hateful [to Allah] and was evil as a way.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾
هذا من الاستثناء السابق زمان المستثنى فيه زمان المستثنى منه فهو غير داخل فيه فمن لم يشترط الدخول فلا يقدر شيئا، ومن قال لا بد من دخوله قدر دخوله في مضمون الجملة الطلبية بالنهي لأن مضمون قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ الإثم والمؤاخذة أي أن الناكح ما نكح أبوه آثم مؤاخذ إلا ما قد سلف قبل النهي وإقامة الحجة فإنه لا تتعلق به المؤاخذة وأحسن من هذا عندي أن يقال لما نهي سبحانه عن نكاح منكوحات الآباء أفاد ذلك أن وطأهن بعد التحريم لا يكون نكاحا ألبتة بل لا يكون إلا سفاحا فلا يترتب عليه أحكام النكاح من ثبوت الفراش ولحوق النسب بل الولد فيه يكون ولد زنية وليس هذا حكم ما سلف قبل التحريم فإن الفراش كان ثابتا فيه والنسب لاحق فأفادا الاستثناء فائدة جليلة عظيمة وهي أن ولد من نكح ما نكح أبوه قبل التحريم ثابت النسب وليس ولد زنا والله أعلم.
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَٰلَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا
Prohibited to you [for marriage] are your mothers, your daughters, your sisters, your father's sisters, your mother's sisters, your brother's daughters, your sister's daughters, your [milk] mothers who nursed you, your sisters through nursing, your wives' mothers, and your step-daughters under your guardianship [born] of your wives unto whom you have gone in. But if you have not gone in unto them, there is no sin upon you. And [also prohibited are] the wives of your sons who are from your [own] loins, and that you take [in marriage] two sisters simultaneously, except for what has already occurred. Indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.
[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في الفَرْقِ بَيْنَ بِنْتِ الأخِ وبِنْتِ العَمِّ ونَحْوِها في النِّكاح]
وَأمّا قَوْلُهُ: " وحَرَّمَ عَلَيْهِ نِكاحَ بِنْتِ أخِيهِ وأُخْتِهِ، وأباحَ لَهُ نِكاحَ بِنْتِ أخِي أبِيهِ وبِنْتِ أُخْتِ أُمِّهِ، وهُما سَواءٌ " فالمُقَدِّمَةُ الأُولى صادِقَةٌ، والثّانِيَةُ كاذِبَةٌ؛ فَلَيْسَتا سَواءٌ في نَفْسِ الأمْرِ، ولا في العُرْفِ، ولا في العُقُولِ، ولا في الشَّرِيعَةِ، وقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَيْنَ القَرِيبِ والبَعِيدِ شَرْعًا وقَدْرًا وعَقْلًا وفِطْرَةً، ولَوْ تَساوَتْ القَرابَةُ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ البِنْتِ وبِنْتِ الخالَةِ وبِنْتِ العَمَّةِ، وهَذا مِن أفْسَدِ الأُمُورِ، والقَرابَةُ البَعِيدَةُ بِمَنزِلَةِ الأجانِبِ؛ فَلَيْسَ مِن الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ أنْ تُعْطى حُكْمَ القَرابَةِ القَرِيبَةِ، وهَذا مِمّا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ العُقَلاءَ، وما خالَفَ شَرْعَهُ في ذَلِكَ فَهو إمّا مَجُوسِيَّةٌ تَتَضَمَّنُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ البِنْتِ والأُمِّ وبَناتِ الأعْمامِ والخالاتِ في نِكاحِ الجَمِيعِ، وإمّا حَرَجٌ عَظِيمٌ عَلى العِبادِ في تَحْرِيمِ نِكاحِ بَناتِ أعْمامِهِمْ وعَمّاتِهِمْ وأخْوالِهِمْ وخالاتِهِمْ؛ فَإنَّ النّاسَ - ولا سِيَّما العَرَبُ - أكْثَرُ بَنُو عَمٍّ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أمّا بُنُوَّةِ عَمٍّ دانِيَةٍ أوْ قاصِيَةٍ، فَلَوْ مُنِعُوا مِن ذَلِكَ لَكانَ عَلَيْهِمْ فِيهِ حَرَجٌ عَظِيمٌ وضِيقٌ؛ فَكانَ ما جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ أحْسَنَ الأُمُورِ وألْصَقَها بِالعُقُولِ السَّلِيمَةِ والفِطَرِ المُسْتَقِيمَةِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
۞ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ ۚ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةًۭ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُم بِهِۦ مِنۢ بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا
And [also prohibited to you are all] married women except those your right hands possess. [This is] the decree of Allah upon you. And lawful to you are [all others] beyond these, [provided] that you seek them [in marriage] with [gifts from] your property, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse. So for whatever you enjoy [of marriage] from them, give them their due compensation as an obligation. And there is no blame upon you for what you mutually agree to beyond the obligation. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.
قوله تعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾
وهذا من أشكل مواضع الاستثناء لأن مملوكته إذا كانت محصنة إحصان التزويج فهي حرام عليه والإحصان هاهنا إحصان التزويج بلا ريب إذ لا يصح أن يراد به إحصان العفة ولا إحصان الحرية ولا إحصان الإسلام فهو إحصان التزويج قطعا فكيف يستثنى من المحرمات به لمملوكه فقال كثير من الناس الاستثناء هاهنا منقطع والمعنى لكن ما ملكت أيمانكم فهن لكم حلال، ورد هذا بأنه استثناء من موجب والانقطاع إنما يقع حيث يقع التفريغ ورد هذا الرد بأن الانقطاع يقع في الموجب وغيره قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾.
وقالت طائفة: الاستثناء على بابه متصل و ﴿ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مستثنى من المزوجات ثم اختلفوا:
فقالت طائفة من الصحابة منهم ابن عباس وغيره وبعض التابعين: أنه إذا زوج أمته ثم باعها كان بيعها طلاقا وتحل للسيد لأنها ملك يمينه واحتج لهم بالآية.
ورد هذا المذهب بأمور:
أحدها: أنه لو كان صحيحا لكان وطؤها حلالا لسيدها إذا زوجها لأنها ملك يمينه فكما اجتمع ملك سيدها لها وحلها للزوج فكذلك يجتمع ملك مشتريها لها وحلها للزوج وتناول اللفظ لهما واحد ما دامت مزوجة وينتقل إلى المشتري ما كان يملكه فملكها المشترى مسلوبة منفعة البضع.
الثاني: أن المشتري خليفة البائع فانتقل إليه بعقد الشراء ما كان يملكه بائعها وهو كان يملك رقبتها مسلوبة منفعة البضع فإذا فارقها زوجها رجع إليه البضع كما كان يرجع إلى بائعها كذلك فهذا محض الفقه والقياس.
الثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين "أن عائشة رضي الله عنها اشترت بريرة وكانت مزوجة فعتقتها وخيرها النبي ﷺ ﷺ" رواه البخاري ولو بطل النكاح بالشراء لم يخبرها وهذا مما أخذا الأئمة الأربعة وغيرهم فيه برواية ابن عباس وتركوا رأيه فإنه راوي الحديث وهو ممن يقول بيع الأمة طلاقها.
وقالت طائفة أخرى: الآية مختصة بالسبايا قال أبو سعيد الخدري: "نزلت في سبايا أوطاس" قالوا: فأباح الله تعالى للمسلمين وطء ما ملكوه من السبي وإن كن محصنات.
ثم اختلف هؤلاء متى يباح وطء المسبية؟
فقال الشافعي وأبو الخطاب وغيرهما: يباح وطؤها إذا تم استبراؤها سواء كان زوجها موجودا أو مفقودا واحتجوا بثلاث حجج:
إحداها: أن الله سبحانه أباح وطء المسبيات بملك اليمين مستثنيا لهن من المحصنات الثانية ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري "أن رسول الله حين بعث جيشا إلى أوطاس فلقي عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا فكأن ناسا من أصحاب النبي ﷺ من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين فأنزل الله عز وجل في ذلك: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ " أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن وفي الترمذي عن أبي سعيد: "أصبنا سبايا يوم أو طاس لهن أزواج في قومهن فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ وهذا صريح في إباحتهن في وإن كن ذوات أزواج وفي الترمذي ومسند أحمد من حديث العرباض بن سارية " أن النبي ﷺ حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن" فهذا التحريم إلى غاية وهي وضع الحمل فلا بد أن يحصل الحل بعد الغاية ولو كان وجود أزواجهن مانعا من الوطء لكان له غايتان: إحداهما: عدم الزوج، والثاني: وضع الحمل وهو خلاف ظاهر الحديث. قالوا: ولأن ملك الكافر الحربي البضع لم يبق له حرمة ولا عصمة إذ قد ملك المسلمون عليه ما كان يملكه فملكوا رقبة زوجته فكيف يقال ببقاء العصمة في ملك البضع لا سيما والمسلمون يستحقون ملك رقبته وأولاده وسائر أملاكه فما بال ملك البضع وحده باقيا على العصمة فهذا لا نص ولا قياس ولا معنى قالوا فقد أذن النبي ﷺ وطء السبايا بعد انقضاء عدتهن مطلقا ولو كان بقاء الزوج مانعا لم يأذن في وطئهن إلا بعد العلم بموته وهذا المذهب كما تراه …
وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍۢ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍۢ ۚ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍۢ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ
And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allah is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears sin, but to be patient is better for you. And Allah is Forgiving and Merciful.
[فَصْلٌ: سَوّى اللَّهُ بَيْنَ العَبْدِ والحُرِّ في أحْكامٍ وفَرَّقَ بَيْنَهُما في أُخْرى]
وَأمّا قَوْلُهُ: " وجَعَلَ حَدَّ الرَّقِيقِ عَلى النِّصْفِ مِن حَدِّ الحُرِّ، وحاجَتُهُما إلى الزَّجْرِ واحِدَةٌ " فَلا رَيْبَ أنَّ الشّارِعَ فَرَّقَ بَيْنَ الحُرِّ والعَبْدِ في أحْكامٍ وسَوّى بَيْنَهُما في أحْكامٍ؛ فَسَوّى بَيْنَهُما في الإيمانِ والإسْلامِ ووُجُوبِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ كالطَّهارَةِ والصَّلاةِ والصَّوْمِ لِاسْتِوائِهِما في سَبَبِهِما، وفَرَّقَ بَيْنَهُما في العِباداتِ المالِيَّةِ كالحَجِّ والزَّكاةِ والتَّكْفِيرِ بِالمالِ؛ لِافْتِراقِهِما في سَبَبِهِما.
وَأمّا الحُدُودُ فَلَمّا كانَ وُقُوعُ المَعْصِيَةِ مِن الحُرِّ أقْبَحَ مِن وُقُوعِها مِن العَبْدِ مِن جِهَةِ كَمالِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ بِالحُرِّيَّةِ، وأنْ جَعَلَهُ مالِكًا لا مَمْلُوكًا، ولَمْ يَجْعَلْهُ تَحْتَ قَهْرِ غَيْرِهِ وتَصَرُّفِهِ فِيهِ، ومِن جِهَةِ تَمَكُّنِهِ بِأسْبابِ القُدْرَةِ مِن الِاسْتِغْناءِ عَنْ المَعْصِيَةِ بِما عَوَّضَ اللَّهُ عَنْها مِن المُباحاتِ، فَقابَلَ النِّعْمَةَ التّامَّةَ بِضِدِّها، واسْتَعْمَلَ القُدْرَةَ في المَعْصِيَةِ، فاسْتَحَقَّ مِن العُقُوبَةِ أكْثَرَ مِمّا يَسْتَحِقُّهُ مَن هو أخْفَضُ مِنهُ رُتْبَةً وأنْقَصُ مَنزِلَةً؛ فَإنَّ الرَّجُلَ كُلَّما كَمُلَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَتْ عُقُوبَتُهُ إذا ارْتَكَبَ الجَرائِمَ أتَمَّ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى في حَقِّ مَن أتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِنَّ مِن النِّساءِ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١] وهَذا عَلى وفْقِ قَضايا العُقُولِ ومُسْتَحْسِناتها؛ فَإنَّ العَبْدَ كُلَّما كَمُلَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَنْبَغِي لَهُ أنْ تَكُونَ طاعَتُهُ لَهُ أكْمَلَ، وشُكْرُهُ لَهُ أتَمَّ، ومَعْصِيَتُهُ لَهُ أقْبَحَ، وشِدَّةُ العُقُوبَةِ تابِعَةٌ لِقُبْحِ المَعْصِيَةِ؛ ولِهَذا كانَ أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ عالِمًا لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فَإنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالعِلْمِ أعْظَمُ مِن نِعْمَتِهِ عَلى الجاهِلِ، وصُدُورُ المَعْصِيَةِ مِنهُ أقْبَحُ مِن صُدُورِها مِن الجاهِلِ، ولا يَسْتَوِي عِنْدَ المُلُوكِ والرُّؤَساءِ مَن عَصاهم مِن خَواصِّهِمْ وحَشَمِهِمْ ومَن هو قَرِيبٌ مِنهم ومَن عَصاهم مِن الأطْرافِ والبُعَداءِ؛ فَجَعَلَ حَدَّ العَبْدِ أخَفَّ مِن حَدِّ الحُرِّ، جَمْعًا بَيْنَ حِكْمَةِ الزَّجْرِ وحِكْمَةِ نَقْصِهِ، ولِهَذا كانَ عَلى النِّصْفِ مِنهُ في النِّكاحِ والطَّلاقِ والعِدَّةِ، إظْهارًا لِشَرَفِ الحُرِّيَّةِ وخَطَرِها، وإعْطاءً لِكُلِّ مَرْتَبَةٍ حَقَّها مِن الأمْرِ كَما أعْطاها حَقَّها مِن القَدْرِ، ولا تَنْتَقِضُ هَذِهِ الحِكْمَةُ بِإعْطاءِ العَبْدِ في الآخِرَةِ أجْرَيْنِ، بَلْ هَذا مَحْضُ الحِكْمَةِ؛ فَإنَّ العَبْدَ كانَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا حَقّانِ حَقٌّ لِلَّهِ وحَقٌّ لِسَيِّدِهِ فَأُعْطِيَ بِإزاءِ قِيامِهِ بِكُلِّ حَقٍّ أجْرًا، فاتَّفَقَتْ حِكْمَةُ الشَّرْعِ والقَدَرِ والجَزاءِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
[فَصْلٌ: حِكْمَةُ اللَّهِ في الفَرْقِ بَيْنَ الحُرَّةِ والأمَةِ في تَحْصِينِ الرَّجُلِ]
وَأمّا قَوْلُهُ: " وجَعَلَ الحُرَّةَ القَبِيحَةَ الشَّوْهاءَ تُحْصِنُ الرَّجُلَ، والأمَةَ البارِعَةَ الجَمالِ لا تُحْصِنُهُ " فَتَعْبِيرٌ سَيئ عَنْ مَعْنًى صَحِيحٍ؛ فَإنَّ حِكْمَةَ الشّارِعِ اقْتَضَتْ …
يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ
Allah wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allah is Knowing and Wise.
وَقَدْ قالَ تَعالى عُقَيْبَ ذِكْرِهِ ما أُحِلَّ لَنا مِنَ النِّساءِ وما حُرِّمَ مِنهُنَّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا - يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٦-٢٨].
ذَكَرَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ: كانَ إذا نَظَرَ إلى النِّساءِ لَمْ يَصْبِرْ.
وَفِي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ رَأى امْرَأةً، فَأتى زَيْنَبَ فَقَضى حاجَتَهُ مِنها، وقالَ: إنَّ المَرْأةَ تُقْبِلُ في صُورَةِ شَيْطانٍ، وتُدْبِرُ في صُورَةِ شَيْطانٍ، فَإذا رَأى أحَدُكُمُ امْرَأةً فَأعْجَبَتْهُ فَلْيَأْتِ أهْلَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ ما في نَفْسِهِ»، فَفي هَذا الحَدِيثِ عِدَّةُ فَوائِدَ:
مِنها: الإرْشادُ إلى التَّسَلِّي عَنِ المَطْلُوبِ بِجِنْسِهِ، كَما يَقُومُ الطَّعامُ مَكانَ الطَّعامِ، والثَّوْبُ مَقامَ الثَّوْبِ.
وَمِنها: الأمْرُ بِمُداواةِ الإعْجابِ بِالمَرْأةِ المُوَرِّثِ لِشَهْوَتِها بِأنْفَعِ الأدْوِيَةِ، وهو قَضاءُ وطَرِهِ مِن أهْلِهِ، وذَلِكَ يَنْقُضُ شَهْوَتَهُ لَها، وهَذا كَما أرْشَدَ المُتَحابِّينَ إلى النِّكاحِ، كَما في سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ مَرْفُوعًا: «لَمْ يُرَ لِلْمُتَحابِّينَ مِثْلُ النِّكاحِ».
فَنِكاحُ المَعْشُوقَةِ هو دَواءُ العِشْقِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ دَواءً شَرْعًا، وقَدْ تَداوى بِهِ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَرْتَكِبْ نَبِيُّ اللَّهِ مُحَرَّمًا، وإنَّما تَزَوَّجَ المَرْأةَ وضَمَّها إلى نِسائِهِ لِمَحَبَّتِهِ لَها، وكانَتْ تَوْبَتُهُ بِحَسَبِ مَنزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، ولا يَلِيقُ بِنا المَزِيدُ عَلى هَذا.
وَأمّا قِصَّةُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ: فَزَيْدٌ كانَ قَدْ عَزَمَ عَلى طَلاقِها ولَمْ تُوافِقْهُ، وكانَ يَسْتَشِيرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في فِراقِها، وهو يَأْمُرُهُ بِإمْساكِها، فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ مُفارِقُها لا بُدَّ، فَأخْفى في نَفْسِهِ أنَّهُ يَتَزَوَّجُها إذا فارَقَها زَيْدٌ، وخَشِيَ مَقالَةَ النّاسِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، فَإنَّهُ كانَ قَدْ تَبَنّى زَيْدًا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، والرَّبُّ تَعالى يُرِيدُ أنْ يُشَرِّعَ شَرْعًا عامًّا فِيهِ مَصالِحُ عِبادِهِ، فَلَمّا طَلَّقَها زَيْدٌ، وانْقَضَتْ عِدَّتُها مِنهُ، أرْسَلَهُ إلَيْها يَخْطُبُها لِنَفْسِهِ، فَجاءَ زَيْدٌ واسْتَدْبَرَ البابَ بِظَهْرِهِ، وعَظُمَتْ في صَدْرِهِ لَمّا ذَكَرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَناداها مِن وراءِ البابِ: يا زَيْنَبُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُكِ، فَقالَتْ: ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُؤامِرَ رَبِّي، وقامَتْ إلى مِحْرابِها فَصَلَّتْ، فَتَوَلّى اللَّهُ عِزَّ وجَلَّ نِكاحَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ، وعَقَدَ النِّكاحَ لَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، وجاءَ الوَحْيُ بِذَلِكَ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ [الأحزاب: ٣٧].
فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِوَقْتِهِ فَدَخَلَ عَلَيْها، فَكانَتْ تَفْخَرُ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ، وتَقُولُ: أنْتُنَّ زَوَّجَكُنَّ أهالِيكُنَّ، وزَوَّجَنِي اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ، فَهَذِهِ قِصَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ زَيْنَبَ.
وَلا رَيْبَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ قَدْ حُبِّبَ إلَيْهِ النِّساءُ، كَما في الصَّحِيحِ عَنْ أنَسٍ عَنْهُ ﷺ: «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ، وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» هَذا لَفْظُ …
وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًۭا
Allah wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.
وَقَدْ قالَ تَعالى عُقَيْبَ ذِكْرِهِ ما أُحِلَّ لَنا مِنَ النِّساءِ وما حُرِّمَ مِنهُنَّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا - يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٦-٢٨].
ذَكَرَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ: كانَ إذا نَظَرَ إلى النِّساءِ لَمْ يَصْبِرْ.
وَفِي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ رَأى امْرَأةً، فَأتى زَيْنَبَ فَقَضى حاجَتَهُ مِنها، وقالَ: إنَّ المَرْأةَ تُقْبِلُ في صُورَةِ شَيْطانٍ، وتُدْبِرُ في صُورَةِ شَيْطانٍ، فَإذا رَأى أحَدُكُمُ امْرَأةً فَأعْجَبَتْهُ فَلْيَأْتِ أهْلَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ ما في نَفْسِهِ»، فَفي هَذا الحَدِيثِ عِدَّةُ فَوائِدَ:
مِنها: الإرْشادُ إلى التَّسَلِّي عَنِ المَطْلُوبِ بِجِنْسِهِ، كَما يَقُومُ الطَّعامُ مَكانَ الطَّعامِ، والثَّوْبُ مَقامَ الثَّوْبِ.
وَمِنها: الأمْرُ بِمُداواةِ الإعْجابِ بِالمَرْأةِ المُوَرِّثِ لِشَهْوَتِها بِأنْفَعِ الأدْوِيَةِ، وهو قَضاءُ وطَرِهِ مِن أهْلِهِ، وذَلِكَ يَنْقُضُ شَهْوَتَهُ لَها، وهَذا كَما أرْشَدَ المُتَحابِّينَ إلى النِّكاحِ، كَما في سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ مَرْفُوعًا: «لَمْ يُرَ لِلْمُتَحابِّينَ مِثْلُ النِّكاحِ».
فَنِكاحُ المَعْشُوقَةِ هو دَواءُ العِشْقِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ دَواءً شَرْعًا، وقَدْ تَداوى بِهِ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَرْتَكِبْ نَبِيُّ اللَّهِ مُحَرَّمًا، وإنَّما تَزَوَّجَ المَرْأةَ وضَمَّها إلى نِسائِهِ لِمَحَبَّتِهِ لَها، وكانَتْ تَوْبَتُهُ بِحَسَبِ مَنزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، ولا يَلِيقُ بِنا المَزِيدُ عَلى هَذا.
وَأمّا قِصَّةُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ: فَزَيْدٌ كانَ قَدْ عَزَمَ عَلى طَلاقِها ولَمْ تُوافِقْهُ، وكانَ يَسْتَشِيرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في فِراقِها، وهو يَأْمُرُهُ بِإمْساكِها، فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ مُفارِقُها لا بُدَّ، فَأخْفى في نَفْسِهِ أنَّهُ يَتَزَوَّجُها إذا فارَقَها زَيْدٌ، وخَشِيَ مَقالَةَ النّاسِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، فَإنَّهُ كانَ قَدْ تَبَنّى زَيْدًا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، والرَّبُّ تَعالى يُرِيدُ أنْ يُشَرِّعَ شَرْعًا عامًّا فِيهِ مَصالِحُ عِبادِهِ، فَلَمّا طَلَّقَها زَيْدٌ، وانْقَضَتْ عِدَّتُها مِنهُ، أرْسَلَهُ إلَيْها يَخْطُبُها لِنَفْسِهِ، فَجاءَ زَيْدٌ واسْتَدْبَرَ البابَ بِظَهْرِهِ، وعَظُمَتْ في صَدْرِهِ لَمّا ذَكَرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَناداها مِن وراءِ البابِ: يا زَيْنَبُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُكِ، فَقالَتْ: ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُؤامِرَ رَبِّي، وقامَتْ إلى مِحْرابِها فَصَلَّتْ، فَتَوَلّى اللَّهُ عِزَّ وجَلَّ نِكاحَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ، وعَقَدَ النِّكاحَ لَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، وجاءَ الوَحْيُ بِذَلِكَ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ [الأحزاب: ٣٧].
فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِوَقْتِهِ فَدَخَلَ عَلَيْها، فَكانَتْ تَفْخَرُ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ، وتَقُولُ: أنْتُنَّ زَوَّجَكُنَّ أهالِيكُنَّ، وزَوَّجَنِي اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ، فَهَذِهِ قِصَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ زَيْنَبَ.
وَلا رَيْبَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ قَدْ حُبِّبَ إلَيْهِ النِّساءُ، كَما في الصَّحِيحِ عَنْ أنَسٍ عَنْهُ ﷺ: «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ، وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» هَذا لَفْظُ …
يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ ضَعِيفًۭا
And Allah wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.
وَقَدْ قالَ تَعالى عُقَيْبَ ذِكْرِهِ ما أُحِلَّ لَنا مِنَ النِّساءِ وما حُرِّمَ مِنهُنَّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا - يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٦-٢٨].
ذَكَرَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ: كانَ إذا نَظَرَ إلى النِّساءِ لَمْ يَصْبِرْ.
وَفِي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ رَأى امْرَأةً، فَأتى زَيْنَبَ فَقَضى حاجَتَهُ مِنها، وقالَ: إنَّ المَرْأةَ تُقْبِلُ في صُورَةِ شَيْطانٍ، وتُدْبِرُ في صُورَةِ شَيْطانٍ، فَإذا رَأى أحَدُكُمُ امْرَأةً فَأعْجَبَتْهُ فَلْيَأْتِ أهْلَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ ما في نَفْسِهِ»، فَفي هَذا الحَدِيثِ عِدَّةُ فَوائِدَ:
مِنها: الإرْشادُ إلى التَّسَلِّي عَنِ المَطْلُوبِ بِجِنْسِهِ، كَما يَقُومُ الطَّعامُ مَكانَ الطَّعامِ، والثَّوْبُ مَقامَ الثَّوْبِ.
وَمِنها: الأمْرُ بِمُداواةِ الإعْجابِ بِالمَرْأةِ المُوَرِّثِ لِشَهْوَتِها بِأنْفَعِ الأدْوِيَةِ، وهو قَضاءُ وطَرِهِ مِن أهْلِهِ، وذَلِكَ يَنْقُضُ شَهْوَتَهُ لَها، وهَذا كَما أرْشَدَ المُتَحابِّينَ إلى النِّكاحِ، كَما في سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ مَرْفُوعًا: «لَمْ يُرَ لِلْمُتَحابِّينَ مِثْلُ النِّكاحِ».
فَنِكاحُ المَعْشُوقَةِ هو دَواءُ العِشْقِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ دَواءً شَرْعًا، وقَدْ تَداوى بِهِ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَرْتَكِبْ نَبِيُّ اللَّهِ مُحَرَّمًا، وإنَّما تَزَوَّجَ المَرْأةَ وضَمَّها إلى نِسائِهِ لِمَحَبَّتِهِ لَها، وكانَتْ تَوْبَتُهُ بِحَسَبِ مَنزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، ولا يَلِيقُ بِنا المَزِيدُ عَلى هَذا.
وَأمّا قِصَّةُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ: فَزَيْدٌ كانَ قَدْ عَزَمَ عَلى طَلاقِها ولَمْ تُوافِقْهُ، وكانَ يَسْتَشِيرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في فِراقِها، وهو يَأْمُرُهُ بِإمْساكِها، فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ مُفارِقُها لا بُدَّ، فَأخْفى في نَفْسِهِ أنَّهُ يَتَزَوَّجُها إذا فارَقَها زَيْدٌ، وخَشِيَ مَقالَةَ النّاسِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، فَإنَّهُ كانَ قَدْ تَبَنّى زَيْدًا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، والرَّبُّ تَعالى يُرِيدُ أنْ يُشَرِّعَ شَرْعًا عامًّا فِيهِ مَصالِحُ عِبادِهِ، فَلَمّا طَلَّقَها زَيْدٌ، وانْقَضَتْ عِدَّتُها مِنهُ، أرْسَلَهُ إلَيْها يَخْطُبُها لِنَفْسِهِ، فَجاءَ زَيْدٌ واسْتَدْبَرَ البابَ بِظَهْرِهِ، وعَظُمَتْ في صَدْرِهِ لَمّا ذَكَرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَناداها مِن وراءِ البابِ: يا زَيْنَبُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُكِ، فَقالَتْ: ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُؤامِرَ رَبِّي، وقامَتْ إلى مِحْرابِها فَصَلَّتْ، فَتَوَلّى اللَّهُ عِزَّ وجَلَّ نِكاحَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ، وعَقَدَ النِّكاحَ لَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، وجاءَ الوَحْيُ بِذَلِكَ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ [الأحزاب: ٣٧].
فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِوَقْتِهِ فَدَخَلَ عَلَيْها، فَكانَتْ تَفْخَرُ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ، وتَقُولُ: أنْتُنَّ زَوَّجَكُنَّ أهالِيكُنَّ، وزَوَّجَنِي اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ، فَهَذِهِ قِصَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ زَيْنَبَ.
وَلا رَيْبَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ قَدْ حُبِّبَ إلَيْهِ النِّساءُ، كَما في الصَّحِيحِ عَنْ أنَسٍ عَنْهُ ﷺ: «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ، وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» هَذا لَفْظُ …
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا
O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allah is to you ever Merciful.
[فصل في قِصَّةُ تَيَمُّمِ عَمْرُو بْنِ العاصِ مِنَ الجَنابَةِ]
وَفِي هَذِهِ الغَزْوَةِ «احْتَلَمَ أمِيرُ الجَيْشِ عَمْرُو بْنُ العاصِ، وكانَتْ لَيْلَةً بارِدَةً، فَخافَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الماءِ، فَتَيَمَّمَ وصَلّى بِأصْحابِهِ الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: "يا عمرو صَلَّيْتَ بِأصْحابِكَ وأنْتَ جُنُبٌ؟ ". فَأخْبَرَهُ بِالَّذِي مَنَعَهُ مِنَ الِاغْتِسالِ، وقالَ إنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].
فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَقُلْ شَيْئًا»، وقدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ القِصَّةِ مَن قالَ: إنَّ التَّيَمُّمَ لا يَرْفَعُ الحَدَثَ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمّاهُ جُنُبًا بَعْدَ تَيَمُّمِهِ، وأجابَ مَن نازَعَهم في ذَلِكَ بِثَلاثَةِ أجْوِبَةٍ:
أحَدُها: أنَّ الصَّحابَةَ لَمّا شَكَوْهُ قالُوا: صَلّى بِنا الصُّبْحَ وهو جُنُبٌ، فَسَألَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وقالَ: "صَلَّيْتَ بِأصْحابِكَ وأنْتَ جُنُبٌ؟ " اسْتِفْهامًا واسْتِعْلامًا، فَلَمّا أخْبَرَهُ بِعُذْرِهِ وأنَّهُ تَيَمَّمَ لِلْحاجَةِ أقَرَّهُ عَلى ذَلِكَ.
الثّانِي: أنَّ الرِّوايَةَ اخْتَلَفَتْ عَنْهُ، فَرُوِيَ عَنْهُ فِيها أنَّهُ غَسَلَ مَغابِنَهُ، وتَوَضَّأ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ صَلّى بِهِمْ، ولَمْ يُذْكَرِ التَّيَمُّمُ، وكَأنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ أقْوى مِن رِوايَةِ التَّيَمُّمِ، قالَ عبد الحق وقَدْ ذَكَرَها وذَكَرَ رِوايَةَ التَّيَمُّمِ قَبْلَها، ثُمَّ قالَ: وهَذا أوْصَلُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ عَنْ عبد الرحمن بن جبير المصري، عَنْ أبي القيس مولى عمرو عَنْ عمرو.
والأُولى الَّتِي فِيها التَّيَمُّمُ، مِن رِوايَةِ عبد الرحمن بن جبير، عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ، لَمْ يَذْكُرْ بَيْنَهُما أبا قيس.
الثّالِثُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرادَ أنْ يَسْتَعْلِمَ فِقْهَ عمرو في تَرْكِهِ الِاغْتِسالَ، فَقالَ لَهُ: "صَلَّيْتَ بِأصْحابِكَ وأنْتَ جُنُبٌ؟ " فَلَمّا أخْبَرَهُ أنَّهُ تَيَمَّمَ لِلْحاجَةِ عَلِمَ فِقْهَهُ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ ما فَعَلَهُ عمرو مِنَ التَّيَمُّمِ - واللَّهُ أعْلَمُ - خَشْيَةَ الهَلاكِ بِالبَرْدِ، كَما أخْبَرَ بِهِ، والصَّلاةُ بِالتَّيَمُّمِ في هَذِهِ الحالِ جائِزَةٌ غَيْرُ مُنْكَرٍ عَلى فاعِلِها، فَعُلِمَ أنَّهُ أرادَ اسْتِعْلامَ فِقْهِهِ وعِلْمِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًۭا وَظُلْمًۭا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا
And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allah, is [always] easy.
Explained together with ayah 29
Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.