Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 21–30 of 176

21

وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُۥ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًۭا

And how could you take it while you have gone in unto each other and they have taken from you a solemn covenant?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ [٢١]

﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ إنْكارٌ لِأخْذِهِ إثْرَ إنْكارٍ، وتَنْفِيرٌ عَنْهُ غِبَّ تَنْفِيرٍ، عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ، أيْ: بِأيِّ وجْهٍ تَسْتَحِلُّونَ المَهْرَ.

﴿وقَدْ أفْضى﴾ أيْ: وصَلَ ﴿بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ فَأخَذَ عِوَضَهُ ﴿وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا وثِيقًا مُؤَكَّدًا مَزِيدَ تَأْكِيدٍ، يَعْسُرُ مَعَهُ نَقْضُهُ، كالثَّوْبِ الغَلِيظِ يَعْسُرُ شَقُّهُ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المِيثاقُ الغَلِيظُ حَقُّ الصُّحْبَةِ والمُضاجَعَةِ، ووَصْفُهُ بِالغِلَظِ لِقُوَّتِهِ وعِظَمِهِ، فَقَدْ قالُوا: صُحْبَةُ عِشْرِينَ يَوْمًا قَرابَةٌ، فَكَيْفَ بِما جَرى بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الِاتِّحادِ والِامْتِزاجِ؟ انْتَهى.

قالَ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ: قُلْتُ بَلْ قالُوا:

؎صُحْبَةُ يَوْمٍ نَسَبٌ قَرِيبٌ وذِمَّةٌ يَعْرِفُها اللَّبِيبُ

أوِ المِيثاقُ الغَلِيظُ ما أوْثَقَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ في شَأْنِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أوْ قَوْلُ الوَلِيِّ عِنْدَ العَقْدِ: أنْكَحْتُكَ عَلى ما في كِتابِ اللَّهِ: مِن إمْساكٍ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٍ بِإحْسانٍ.

تَنْبِيهٌ في فَوائِدَ:

الأُولى: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ [النساء: ٢٠] دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الإصْداقِ بِالمالِ الجَزِيلِ.

وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَهى عَنْ كَثْرَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ.

كَما رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي العَجْفاءِ السُّلَمِيِّ قالَ: «سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ يَقُولُ: ألا لا تُغْلُوا صُدُقَ النِّساءِ، ألا لا تُغْلُوا صُدُقَ النِّساءِ، فَإنَّها لَوْ كانَتْ مَكْرُمَةً في الدُّنْيا أوْ تَقْوى عِنْدَ اللَّهِ كانَ أوْلاكم بِها النَّبِيُّ ﷺ ما أصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأةً مِن نِسائِهِ، ولا أُصْدِقَ امْرَأةٌ مِن بَناتِهِ أكْثَرَ مِنِ اثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً، وإنَّ الرَّجُلَ لَيُبْتَلى بِصَدَقَةِ امْرَأتِهِ».

وقالَ مَرَّةً: وإنَّ الرَّجُلَ لَيُغْلِي بِصَدَقَةِ امْرَأتِهِ حَتّى تَكُونَ لَها عَداوَةٌ في نَفْسِهِ، وحَتّى يَقُولَ: كَلِفْتُ إلَيْكِ عَرَقَ القِرْبَةِ، ورَواهُ أهْلُ السُّنَنِ، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

ورَوى أبُو يَعْلى عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: «رَكِبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مِنبَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ! ما إكْثارُكم في صُدُقِ النِّساءِ! وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ والصَّدُقاتُ فِيما بَيْنَهم أرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَما دُونَ ذَلِكَ، ولَوْ كانَ الإكْثارُ في ذَلِكَ تَقْوى عِنْدَ اللَّهِ أوْ كَرامَةٌ لَمْ تَسْبِقُوهم إلَيْها، فَلْأعْرِفَنَّ ما زادَ رَجُلٌ في صَداقِ امْرَأةٍ عَلى أرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ.

قالَ: ثُمَّ نَزَلَ، فاعْتَرَضَتْهُ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَتْ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! نَهَيْتَ النّاسَ أنْ يَزِيدُوا في مَهْرِ النِّساءِ عَلى أرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، قالَ: نَعَمْ، فَقالَتْ: أما سَمِعْتَ ما أنْزَلَ اللَّهُ في القُرْآنِ؟ قالَ: وأيُّ ذَلِكَ؟ قالَتْ: أما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ [النساء: ٢٠] الآيَةَ، قالَ: فَقالَ: اللَّهُمَّ! غَفْرًا، كُلُّ النّاسِ أفْقَهُ مِن عُمَرَ، ثُمَّ رَجَعَ فَرَكِبَ المِنبَرَ فَقالَ: أيُّها النّاسُ! إنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكم أنْ تَزِيدُوا النِّساءَ في صَدُقاتِهِنَّ عَلى أرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَمَن شاءَ أنْ يُعْطِيَ مِن مالِهِ ما أحَبَّ».

قالَ أبُو يَعْلى: وأظُنُّهُ …

22

وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةًۭ وَمَقْتًۭا وَسَآءَ سَبِيلًا

And do not marry those [women] whom your fathers married, except what has already occurred. Indeed, it was an immorality and hateful [to Allah] and was evil as a way.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلا﴾ [٢٢]

﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ بِنِكاحٍ أوْ مِلْكِ يَمِينٍ، وإنْ لَمْ يَكُنَّ أُمَّهاتِكم ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ أيْ: سِوى ما قَدْ مَضى في الجاهِلِيَّةِ فَإنَّهُ مَعْفُوٌّ لَكم ولا تُؤاخَذُونَ بِهِ ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ أيْ: خَصْلَةً قَبِيحَةً جِدًّا؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُ نِكاحَ الأُمَّهاتِ ﴿ومَقْتًا﴾ أيْ: بُغْضًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ ذَوِي المُرُوَآتِ، ولِذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي هَذا النِّكاحَ: نِكاحَ المَقْتِ، وتُسَمِّي ذَلِكَ المُتَزَوِّجَ، مَقِيتًا، قالَهُ ابْنُ سِيدَهْ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ، ولَمّا عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ كانَ يُقالُ لَهُ المَقْتُ أُعْلِمُوا أنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُنْكَرًا مَمْقُوتًا ﴿وساءَ سَبِيلا﴾ أيْ: بِئْسَ مَسْلَكًا، إذْ فِيهِ هَتْكُ حُرْمَةِ الأبِ.

وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ: «أنَّهُ لَمّا تُوُفِّيَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ، وكانَ مِن صالِحِي الأنْصارِ، فَخَطَبَ ابْنُهُ قَيْسٌ امْرَأتَهُ، فَقالَتْ: إنَّما أعُدُّكَ ولَدًا، وأنْتَ مِن صالِحِي قَوْمِكَ، ولَكِنِّي آتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَتْ: إنَّ أبا قَيْسٍ تُوُفِّيَ، فَقالَ: خَيْرًا ثُمَّ قالَتْ: إنَّ ابْنَهُ قَيْسًا خَطَبَنِي وهو مِن صالِحِي قَوْمِهِ، وإنَّما كُنْتُ أعُدُّهُ ولَدًا، فَما تَرى؟ فَقالَ لَها: ارْجِعِي إلى بَيْتِكِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ الآيَةَ.» ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ ما يَحْرُمُ إلّا امْرَأةَ الأبِ والجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٢٣].

لَطِيفَةٌ:

قالَ الرّازِيُّ: مَراتِبُ القُبْحِ ثَلاثَةٌ: القُبْحُ في العُقُولِ وفي الشَّرائِعِ وفي العاداتِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ إشارَةٌ إلى القُبْحِ العَقْلِيِّ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَقْتًا﴾ إشارَةٌ إلى القُبْحِ الشَّرْعِيِّ وقَوْلُهُ: ﴿وساءَ سَبِيلا﴾ إشارَةٌ إلى القُبْحِ في العُرْفِ والعادَةِ، ومَتى اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الوُجُوهُ فَقَدْ بَلَغَ الغايَةَ في القُبْحِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَمَن تَعاطاهُ بَعْدَ هَذا فَقَدَ ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ فَيُقْتَلُ ويَصِيرُ مالُهُ فَيْئًا لِبَيْتِ المالِ.

كَما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ، مِن طُرُقٍ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ - وفي رِوايَةٍ عَنْ عَمِّهِ - «أنَّهُ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةَ أبِيهِ مِن بَعْدِهِ أنْ يَقْتُلَهُ ويَأْخُذَ مالَهُ».

23

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَٰلَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

Prohibited to you [for marriage] are your mothers, your daughters, your sisters, your father's sisters, your mother's sisters, your brother's daughters, your sister's daughters, your [milk] mothers who nursed you, your sisters through nursing, your wives' mothers, and your step-daughters under your guardianship [born] of your wives unto whom you have gone in. But if you have not gone in unto them, there is no sin upon you. And [also prohibited are] the wives of your sons who are from your [own] loins, and that you take [in marriage] two sisters simultaneously, except for what has already occurred. Indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ وأُمَّهاتُ نِسائِكم ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكم وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [٢٣]

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ مِنَ النَّسَبِ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ، وشَمَلَتِ الجَدّاتِ مِن قِبَلِ الأبِ أوِ الأُمِّ ﴿وبَناتُكُمْ﴾ مِنَ النَّسَبِ، وشَمَلَتْ بَناتِ الأوْلادِ وإنْ سَفُلْنَ ﴿وأخَواتُكُمْ﴾ مِن أُمٍّ أوْ أبٍ أوْ مِنهُما ﴿وعَمّاتُكُمْ﴾ أيْ: أخَواتُ آبائِكم وأجْدادِكم ﴿وخالاتُكُمْ﴾ أيْ: أخَواتُ أُمَّهاتِكم وجَدّاتِكم ﴿وبَناتُ الأخِ﴾ مِنَ النِّسَبِ، مِن أيِّ وجْهٍ يَكُنَّ ﴿وبَناتُ الأُخْتِ﴾ مِنَ النَّسَبِ مِن أيِّ وجْهٍ يَكُنَّ، ويَدْخُلُ في البَناتِ أوْلادُهُنَّ ﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكُمْ﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّ الرَّضاعَ جُزْءٌ مِنها وقَدْ صارَ جُزْءًا مِنَ الرَّضِيعِ، فَصارَ كَأنَّهُ جُزْؤُها فَأشْبَهَتْ أصْلَهُ، انْتَهى.

ويُعْتَبَرُ في الإرْضاعِ أمْرانِ:

أحَدُهُما: القَدْرُ الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِهِ هَذا المَعْنى، وقَدْ ورَدَ تَقْيِيدُ مُطْلَقِهِ وبَيانُ مُجْمَلِهِ في السُّنَّةِ بِخَمْسِ رَضَعاتٍ، لِحَدِيثِ عائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ: «كانَ فِيما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُوماتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهُنَّ فِيما يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ».

والثّانِي: أنْ يَكُونَ الرَّضاعُ في أوَّلِ قِيامِ الهَيْكَلِ وتَشَبُّحِ صُورَةِ الوَلَدِ، وذَلِكَ قَبْلَ الفِطامِ، وإلّا فَهو غِذاءٌ بِمَنزِلَةِ سائِرِ الأغْذِيَةِ الكائِنَةِ بَعْدَ التَّشَبُّحِ وقِيامِ الهَيْكَلِ، كالشّابِّ يَأْكُلُ الخُبْزَ.

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ إلّا ما فَتَقَ الأمْعاءَ وكانَ قَبْلَ الفِطامِ» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والحاكِمُ أيْضًا.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «لا رَضاعَ إلّا ما كانَ في الحَوْلَيْنِ» وصَحَّحَ البَيْهَقِيُّ وقَفَهُ.

قالَ السُّيُوطِيُّ فِي: "الإكْلِيلِ": واسْتَدَلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ مِن حَرَّمَ بِرَضاعِ الكَبِيرِ، انْتَهى.

وقَدْ ورَدَ الرُّخْصَةُ فِيهِ لِحاجَةٍ تَعْرِضُ، رَوى مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لِعائِشَةَ: إنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكِ الغُلامُ الأيْفَعُ الَّذِي ما أُحِبُّ أنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ، فَقالَتْ عائِشَةُ: أما لَكِ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ؟! وقالَتْ: إنَّ امْرَأةَ أبِي حُذَيْفَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ سالِمًا يَدْخُلُ عَلَيَّ وهو رَجُلٌ، وفي نَفْسِ أبِي حُذَيْفَةَ مِنهُ شَيْءٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أرْضِعِيهِ حَتّى يَدْخُلَ عَلَيْكِ» وأخْرَجَ نَحْوَهُ البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ أيْضًا.

وقَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ مِنَ الصَّحابَةِ: أُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ، وسَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ، وزَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ، ورَواهُ مِنَ التّابِعِينَ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ رَواهُ عَنْهُمُ الجَمْعُ الجَمُّ.

وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ عَلِيٌّ، وعائِشَةُ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، …

24

۞ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ ۚ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةًۭ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُم بِهِۦ مِنۢ بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And [also prohibited to you are all] married women except those your right hands possess. [This is] the decree of Allah upon you. And lawful to you are [all others] beyond these, [provided] that you seek them [in marriage] with [gifts from] your property, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse. So for whatever you enjoy [of marriage] from them, give them their due compensation as an obligation. And there is no blame upon you for what you mutually agree to beyond the obligation. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكم وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [٢٤]

﴿والمُحْصَناتُ﴾ أيْ: وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُزَوَّجاتُ ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ حَرائِرَ وإماءً، مُسْلِماتٍ أوْ لا؛ لِئَلّا تَخْتَلِطَ المِياهُ فَيَضِيِعُ النِّسَبُ ﴿إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيْ: مِنَ اللّائِي سُبِينَ ولَهُنَّ أزْواجٌ في دارِ الكُفْرِ، فَهُنَّ حَلالٌ لِغُزاةِ المُسْلِمِينَ، وإنْ كُنَّ مُحْصَناتٍ؛ لِأنَّ السَّبْيَ لَهُنَّ يَرْفَعُ نِكاحَهُنَّ ويُفِيدُ الحِلَّ بَعْدَ الِاسْتِبْراءِ.

رَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «أصَبْنا سَبايا مِن سَبْيِ أوْطاسٍ، ولَهُنَّ أزْواجٌ، فَكَرِهْنا أنْ نَقْعَ عَلَيْهِنَّ ولَهُنَّ أزْواجٌ، فَسَألْنا النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ فاسْتَحْلَلْنا فُرُوجَهُنَّ».

* *

تَنْبِيهٌ:

اسْتَدَلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ مَن قالَ: إنَّ انْتِقالَ المِلْكِ بِبَيْعٍ أوْ إرْثٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ يَقْطَعُ النِّكاحَ.

عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إذا بِيعَتِ الأمَةُ ولَها زَوْجٌ فَسَيِّدُها أحَقُّ بِبُضْعِها، وعَنْهُ: بَيْعُ الأمَةِ طَلاقُها.

ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وجابِرٍ، وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - قالُوا: بَيْعُها طَلاقُها.

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: طَلاقُ الأمَةِ سِتٌّ: بَيْعُها طَلاقُها، وعِتْقُها طَلاقُها، وهِبَتُها طَلاقُها، وبَراءَتُها طَلاقُها، وطَلاقُ زَوْجِها طَلاقُها.

كَذا قَرَأْتُهُ في تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ، ولا يَخْفى أنَّ المَعْدُودَ خَمْسَةٌ، ولَعَلَّ السّادِسَ بَيْعُ زَوْجِها، حَيْثُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ورَوى عَوْفٌ عَنِ الحَسَنِ: بَيْعُ الأمَةِ طَلاقُها وبَيْعُهُ طَلاقُها، فَهَذا قَوْلُ هَؤُلاءِ مِنَ السَّلَفِ، وحُجَّتُهم عُمُومُ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾

والجُمْهُورُ عَلى أنَّ بَيْعَ الأمَةِ لَيْسَ طَلاقًا لَها، واحْتَجُّوا بِحَدِيثِ بِرَيْرَةَ المُخَرَّجِ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، فَإنَّ عائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ اشْتَرَتْها وأعْتَقَتْها ولَمْ يَنْفَسِخْ نِكاحُها مِن زَوْجِها مُغِيثٍ، بَلْ خَيَّرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الفَسْخِ والبَقاءِ، فاخْتارَتِ الفَسْخَ، وقِصَّتُها مَشْهُورَةٌ، فَلَوْ كانَ بَيْعُ الأمَةِ طَلاقَها لَما خُيِّرَتْ، وتَخْيِيرُها دالٌّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ المَسْبِيّاتُ فَقَطْ، وبِالجُمْلَةِ فالجُمْهُورُ قَصَرُوا الآيَةَ عَلى السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ.

قالَ الرّازِيُّ: وهو يَرْجِعُ إلى تَخْصِيصِ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ، أيْ: وهو مَقْبُولٌ ومَعْمُولٌ بِهِ في غَيْرِما مَوْضِعٍ، كَنِصابِ السَّرِقَةِ، وفي التَّنْبِيهِ الآتِي زِيادَةٌ لِهَذا فَتَأثَّرْهُ.

فائِدَةٌ:

اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى فَتْحِ الصّادِ فِي: " المُحْصَناتُ: هُنا، ويُقْرَأُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وكِلاهُما مَشْهُورٌ، فالفَتْحُ عَلى أنَّهُنَّ أُحْصِنَّ بِالأزْواجِ أوْ بِالإسْلامِ، والكَسْرُ عَلى أنَّهُنَّ أحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ أوْ أزْواجَهُنَّ، واشْتِقاقُ الكَلِمَةِ مِنَ الإحْصانِ وهو المَنعُ.

﴿كِتابَ اللَّهِ﴾ …

25

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍۢ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍۢ ۚ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍۢ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allah is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears sin, but to be patient is better for you. And Allah is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكم بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكم وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [٢٥]

﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ أيْ: لَمْ يَقْدِرْ ﴿مِنكُمْ﴾ أيُّها الأحْرارُ، بِخِلافِ العَبِيدِ، أنْ يُحَصِّلَ ﴿طَوْلا﴾ أيْ: غِنًى يُمْكِنُهُ بِهِ ﴿أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ﴾ أيِ: الحَرائِرَ المُتَعَفِّفاتِ، بِخِلافِ الزَّوانِي؛ إذْ لا عِبْرَةَ بِهِنَّ ﴿المُؤْمِناتِ﴾ إذْ لا عِبْرَةَ بِالكَوافِرِ ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيْ: فَلَهُ أنْ يَنْكِحَ بَعْضَ ما يَمْلِكُهُ أيْمانُ إخْوانِكم ﴿مِن فَتَياتِكُمُ﴾ أيْ: إمائِكم حالَ الرِّقِّ ﴿المُؤْمِناتِ﴾ لا الكِتابِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لا يَحْتَمِلُ مَعَ عارِ الرِّقِّ عارَ الكُفْرِ، وقَدِ اسْتُفِيدَ مِن سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى شَرَطَ في نِكاحِ الإماءِ شَرائِطَ ثَلاثَةً: اثْنانِ مِنها في النّاكِحِ، والثّالِثُ في المَنكُوحَةِ.

أمّا اللَّذانِ في النّاكِحِ فَأحَدُهُما أنْ يَكُونَ غَيْرَ واجِدٍ لِما يَتَزَوَّجُ بِهِ الحُرَّةَ المُؤْمِنَةَ مِنَ الصَّداقِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾ فَعَدَمُ اسْتِطاعَةِ الطَّوْلِ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ ما يَنْكِحُ بِهِ الحُرَّةَ، فَإنْ قِيلَ: الرَّجُلُ إذا كانَ يَسْتَطِيعُ التَّزَوُّجَ بِالأمَةِ يَقْدِرُ عَلى التَّزَوُّجِ بِالحُرَّةِ الفَقِيرَةِ، فَمِن أيْنَ هَذا التَّفاوُتُ؟ قُلْنا: كانَتِ العادَةُ في الإماءِ تَخْفِيفَ مُهُورِهِنَّ ونَفَقَتِهِنَّ لِاشْتِغالِهِنَّ بِخِدْمَةِ السّاداتِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَظْهَرُ التَّفاوُتُ.

وأمّا الشَّرْطُ الثّانِي: فَهو المَذْكُورُ في آخِرِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ أيِ: الزِّنى بِأنْ بَلَغَ الشِّدَّةَ في العُزُوبَةِ.

وأمّا الشَّرْطُ الثّالِثُ المُعْتَبَرُ في المَنكُوحَةِ، فَأنْ تَكُونَ الأمَةُ مُؤْمِنَةً لا كافِرَةً، فَإنَّ الأمَةَ إذا كانَتْ كافِرَةً كانَتْ ناقِصَةً مِن وجْهَيْنِ: الرِّقِّ والكُفْرِ، ولا شَكَّ أنَّ الوَلَدَ تابِعٌ لِلْأُمِّ في الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ، وحِينَئِذٍ يُعَلَّقُ الوَلَدُ رَقِيقًا عَلى مِلْكِ الكافِرِ، فَيَحْصُلُ فِيهِ نُقْصانُ الرِّقِّ ونُقْصانُ كَوْنِهِ مِلْكًا لِلْكافِرِ، وما ذَكَرْناهُ هو المُطابِقُ لِمَعْنى الآيَةِ، ولا يَخْلُو ما عَداهُ عَنْ تَكَلُّفٍ لا يُساعِدُهُ نَظْمُ الآيَةِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ كانَ نِكاحُ الأمَةِ مُنْحَطًّا عَنْ نِكاحِ الحُرَّةِ؟ قُلْتُ: لِما فِيهِ مِنِ اتِّباعِ الوَلَدِ الأُمَّ في الرِّقِّ، ولِثُبُوتِ حَقِّ المَوْلى فِيها وفي اسْتِخْدامِها، ولِأنَّها مُمْتَهَنَةٌ مُبْتَذَلَةٌ خَرّاجَةٌ ولّاجَةٌ، وذَلِكَ كُلُّهُ نُقْصانٌ راجِعٌ إلى النّاكِحِ، ومَهانَةٌ، والعِزَّةُ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ، وسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ الِاطِّلاعُ عَلى بَواطِنِهِنَّ، بَلْ يَكْتَفِي بِظاهِرِ إيمانِهِنَّ، أيْ: فاكْتَفُوا بِظاهِرِ الإيمانِ، فَإنَّهُ تَعالى العالِمُ بِالسَّرائِرِ وبِتَفاضُلِ ما …

26

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

Allah wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allah is Knowing and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [٢٦]

﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ أيْ: في تَحْرِيمِ ما حَرَّمَ مِنَ النِّساءِ، وتَحْلِيلِ ما أحَلَّ بِالشَّرائِطِ ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أيْ: شَرائِعَهُ ﴿ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: يُرْشِدَكم إلى طَرائِقِ مَن تَقَدَّمَ مِن أهْلِ الكِتابِ في تَحْرِيمِ ما حَرَّمَهُ؛ لِتَتَأسَّوْا بِهِمْ في اتِّباعِ شَرائِعِهِ الَّتِي يُحِبُّها ويَرْضاها.

وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما بَيَّنَ تَحْرِيمَهُ لَنا مِنَ النِّساءِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ فَقَدْ كانَ الحُكْمُ كَذَلِكَ في المِلَّةِ السّابِقَةِ.

وقَدْ قَرَأْتُ في سِفْرِ الأحْبارِ اللّاوِيِّينَ مِنَ التَّوْراةِ في (الفَصْلِ الثّامِنَ عَشَرَ) ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، عَدا ما رَفَعَهُ تَعالى عَنّا مِن ذَلِكَ مِمّا فِيهِ حَرَجٌ.

﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يَتَجاوَزَ عَنْكم ما كانَ مِنكم في الجاهِلِيَّةِ، أوْ يَرْجِعَ بِكم عَنْ مَعْصِيَتِهِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْها إلى طاعَتِهِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فِيما شَرَعَ لَكم مِنَ الأحْكامِ ﴿حَكِيمٌ﴾ مَراعٍ في جَمِيعِ قَضائِهِ الحِكْمَةَ.

27

وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًۭا

Allah wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [٢٧]

﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: مِنَ المَآثِمِ والمَحارِمِ، أيْ: يُخْرِجُكم مِن كُلِّ ما يَكْرَهُ إلى ما يُحِبُّ ويَرْضى، وفِيهِ بَيانُ كَمالِ مَنفَعَةِ ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى، وكَمالِ مَضَرَّةِ ما يُرِيدُهُ الفَجَرَةُ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ﴾ أيْ: ما حَرَّمَهُ الشَّرْعُ، وهُمُ الزُّناةُ ﴿أنْ تَمِيلُوا﴾ عَنِ الحَقِّ بِالمَعْصِيَةِ ﴿مَيْلا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي بِإتْيانِكم ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكم.

28

يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ ضَعِيفًۭا

And Allah wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [٢٨]

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أيْ: في شَرائِعِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ وما يُقَدِّرُهُ لَكُمْ، ولِهَذا أباحَ نِكاحَ الإماءِ بِشُرُوطِهِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى:﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ١٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] [الحَجِّ: ٧٨].

﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ أيْ: عاجِزًا عَنْ دَفْعِ دَواعِي شَهَواتِهِ، فَناسَبَهُ التَّخْفِيفُ لِضَعْفِ عَزْمِهِ وهِمَّتِهِ وضَعْفِهِ في نَفْسِهِ، فالجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِنَ التَّخْفِيفِ في أحْكامِ الشَّرْعِ.

وفِي "الإكْلِيلِ" قالَ طاوُسٌ: ضَعِيفًا أيْ: في أمْرِ النِّساءِ لا يَصْبِرُ عَنْهُنَّ، وقالَ وكِيعٌ: يَذْهَبُ عَقْلُهُ عِنْدَهُنَّ، أخْرَجَهُما ابْنُ أبِي حاتِمٍ، فَفِيهِ أصْلٌ لِما يَذْكُرُهُ الأطِبّاءُ مِن مَنافِعِ الجِماعِ ومِن مَضارِّ تَرْكِهِ.

29

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا

O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allah is to you ever Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكم ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ [٢٩]

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكُمْ﴾ أيْ: لا يَأْكُلْ بَعْضُكم أمْوالَ بَعْضٍ ﴿بِالباطِلِ﴾ أيْ: ما لَمْ تُبِحْهُ الشَّرِيعَةُ كالرِّبا والقِمارِ والرِّشْوَةِ والغَصْبِ والسَّرِقَةِ والخِيانَةِ، وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ مِن صُنُوفِ الحِيَلِ.

﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً﴾ أيْ: مُعاوَضَةً مَحْضَةً كالبَيْعِ ﴿عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ في المُحاباةِ مِن جانِبِ الآخِذِ والمَأْخُوذِ مِنهُ، وقُرِئَ: (تِجارَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ (كانَ) تامَّةٌ، وبِالنَّصْبِ عَلى أنَّها ناقِصَةٌ، والتَّقْدِيرُ: إلّا أنْ تَكُونَ المُعامَلَةُ أوِ التِّجارَةُ أوِ الأمْوالُ تِجارَةً.

قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ تَحْرِيمُ أكْلِ المالِ الباطِلِ بِغَيْرِ وجْهٍ شَرْعِيٍّ، وإباحَةُ التِّجارَةِ والرِّبْحِ فِيها، وأنَّ شَرْطَها التَّراضِي، ومِن هَهُنا أخَذَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ اعْتِبارَ الإيجابِ والقَبُولِ لَفْظًا؛ لِأنَّ التَّراضِيَ أمْرٌ قَلْبِيٌّ فَلا بُدَّ مِن دَلِيلٍ عَلَيْهِ، وقَدْ يَسْتَدِلُّ بِها مَن لَمْ يَشْتَرِطْهُما إذا حَصَلَ الرِّضا، انْتَهى.

أيْ لِأنَّ الأقْوالَ كَما تَدُلُّ عَلى التَّراضِي فَكَذَلِكَ الأفْعالُ تَدُلُّ في بَعْضِ المَحالِّ قَطْعًا، فَصَحَّ بَيْعُ المُعاطاةِ مُطْلَقًا.

وفِي "الرَّوْضَةِ النَّدِيَّةِ": حَقِيقَةُ التَّراضِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، والمُرادُ ها هُنا أمارَتُهُ، كالإيجابِ والقَبُولِ، وكالتَّعاطِي عِنْدَ القائِلِ بِهِ، وعَلى هَذا أهْلُ العِلْمِ؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرِدْ ما يَدُلُّ عَلى ما اعْتَبَرَهُ بَعْضُهم مِن ألْفاظٍ مَخْصُوصَةٍ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ البَيْعُ بِغَيْرِها، ولا يُفِيدُهم ما ورَدَ في الرِّواياتِ مِن نَحْوِ: (بِعْتُ مِنكَ وبِعْتُكَ) فَإنّا لا نُنْكِرُ أنَّ البَيْعَ يَصِحُّ بِذَلِكَ، وإنَّما النِّزاعُ في كَوْنِهِ لا يَصِحُّ إلّا بِها، ولَمْ يَرِدْ في ذَلِكَ شَيْءٌ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى:﴿تِجارَةً عَنْ تَراضٍ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ التَّراضِي هو المَناطُ، ولا بُدَّ مِنَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ أوْ إشارَةٍ أوْ كِتابَةٍ، بِأيِّ لَفْظٍ وقَعَ، وعَلى أيِّ صِفَةٍ كانَ، وبِأيِّ إشارَةٍ مُفِيدَةٍ حَصَلَ، انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى لا تَقْتُلُوا مَن كانَ مِن جِنْسِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّ كُلَّهم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالأنْفُسِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنْ قَتْلِهِمْ، بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما لا يَكادُ يَفْعَلُهُ عاقِلٌ.

والثّانِي: النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الإنْسانِ نَفْسَهُ، وقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَمْرُو بْنُ العاصِ عَلى مَسْألَةِ التَّيَمُّمِ لِلْبَرْدِ، وأقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى احْتِجاجِهِ، كَما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، ولَفْظُ أحْمَدَ:

عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ قالَ: «لَمّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عامَ ذاتِ السَّلاسِلِ، قالَ: احْتَلَمْتُ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ شَدِيدَةِ البَرْدِ، فَأشْفَقْتُ إنِ اغْتَسَلْتُ أنْ أهْلَكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأصْحابِي صَلاةَ الصُّبْحِ، قالَ: فَلَمّا قَدِمْنا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: يا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأصْحابِكَ وأنْتَ جُنُبٌ ؟! قالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي احْتَلَمْتُ في لَيْلَةٍ …

30

وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًۭا وَظُلْمًۭا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا

And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allah, is [always] easy.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [٣٠]

﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيِ: القَتْلَ ﴿عُدْوانًا وظُلْمًا﴾ أيْ: مُتَعَدِّيًا فِيهِ، ظالِمًا في تَعاطِيهِ، أيْ: عالِمًا بِتَحْرِيمِهِ مُتَجاسِرًا عَلى انْتِهاكِهِ ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ﴾ أيْ: نُدْخِلُهُ ﴿نارًا﴾ أيْ: هائِلَةً شَدِيدَةَ العَذابٍ ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: إصْلاؤُهُ النّارَ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ هَيِّنًا عَلَيْهِ، لا عُسْرَ فِيهِ ولا صارِفَ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.

قالَ النَّسَفِيُّ: وهَذا الوَعِيدُ في حَقِّ المُسْتَحِلِّ لِلتَّخْلِيدِ، وفي حَقِّ غَيْرِهِ، لِبَيانِ اسْتِحْقاقِهِ دُخُولَ النّارِ مَعَ وعْدِ اللَّهِ بِمَغْفِرَتِهِ، انْتَهى.

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.