Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 21–30 of 176

21

وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُۥ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًۭا

And how could you take it while you have gone in unto each other and they have taken from you a solemn covenant?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ أيْ: كَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ أخْذَهُ. وفي "الإفْضاءِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الجِماعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: الخُلْوَةُ بِها، وإنْ لَمْ يَغْشَها، قالَهُ الفَرّاءُ.

وَفِي المُرادِ بِالمِيثاقِ هاهُنا: ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ لِلنِّساءِ عَلى الرِّجالِ؛ الإمْساكُ بِمَعْرُوفٍ، أوِ التَّسْرِيحُ بِإحْسانٍ. هَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وابْنِ سِيرِينَ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنَّهُ عَقْدُ النِّكاحِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أمانَةُ اللَّهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

22

وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةًۭ وَمَقْتًۭا وَسَآءَ سَبِيلًا

And do not marry those [women] whom your fathers married, except what has already occurred. Indeed, it was an immorality and hateful [to Allah] and was evil as a way.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحْرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ إلّا امْرَأةَ الأبِ، والجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. وقالَ بَعْضُ الأنْصارِ: تُوُفِّيَ أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ، فَخَطِبَ ابْنُهُ قَيْسٌ امْرَأتَهُ، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَسْتَأْذِنُهُ، وقالَتْ: إنَّما كُنْتُ أُعُدُّهُ ولَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

قالَ أبُو عُمَرَ غُلامُ ثَعْلَبٍ: الَّذِي حَصَّلْناهُ عَنْ ثَعْلَبٍ، عَنِ الكُوفِيِّينَ، والمُبَرِّدِ عَنِ البَصْرِيِّينَ، أنَّ "النِّكاحَ" في أصْلِ اللُّغَةِ: اسْمٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وقَدْ سَمَّوُا الوَطْءَ نَفْسَهُ نِكاحًا مِن غَيْرِ عَقْدٍ.

قالَ الأعْشى:

وَمَنكُوحَةٌ غَيْرُ مَمْهُورَةٍ

يَعْنِي: المَسْبِيَّةُ المَوْطُوءَةُ بِغَيْرِ مَهْرٍ ولا عَقْدٍ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: قَدْ يُطْلَقُ النِّكاحُ عَلى العَقْدِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحْزابِ: ٤٩] وهو حَقِيقَةٌ في الوَطْءِ، مَجازٌ في العَقْدِ، لِأنَّهُ اسْمٌ لِلْجَمْعِ، والجَمْعُ: إنَّما يَكُونُ بِالوَطْءِ، فَسُمِّيَ العَقْدُ نِكاحًا، لِأنَّهُ سَبَبٌ إلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى: بَعْدَ ما قَدْ سَلَفَ، فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والمُفَضَّلُ. وَقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى: لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم، فَإنَّكم تُعَذَّبُونَ بِهِ، إلّا ما قَدْ سَلَفَ، فَقَدْ وضَعَهُ اللَّهُ عَنْكم.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى: سِوى ما قَدْ سَلَفَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ فَدَعَوْهُ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ، فَإنَّهُ كانَ فاحِشَةً.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: ولا تَنْكِحُوا كَنِكاحِ آَبائِكُمُ النِّساءَ، أيْ: كَما نَكَحُوا عَلى الوُجُوهِ الفاسِدَةِ الَّتِي لا تَجُوزُ في الإسْلامِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ في جاهِلِيَّتِكم، مِن نِكاحٍ لا يَجُورُ ابْتِداءُ مِثْلِهِ في الإسْلامِ، فَإنَّهُ مَعْفُوٌّ لَكم عَنْهُ، وهَذا كَقَوْلِ القائِلِ: لا تَفْعَلُ ما فَعَلَتْ، أيْ: لا تَفْعَلُ مِثْلَ ما فَعَلَتْ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والخامِسُ: أنَّها بِمَعْنى: "الواوِ" فَتَقْدِيرُها: ولا ما قَدْ سَلَفَ، فَيَكُونُ المَعْنى: اقْطَعُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن نِكاحِ الآباءِ، ولا تَبْتَدِئُوا، قالَهُ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي.

والسّادِسُ: أنَّها لِلِاسْتِثْناءِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آَباؤُكم مِنَ النِّساءِ بِالنِّكاحِ [الجائِزِ الَّذِي كانَ عَقْدُهُ بَيْنَهُمْ] إلّا ما قَدْ سَلَفَ مِنهم بِالزِّنى، والسِّفاحِ، فَإنَّهُنَّ حَلالٌ لَكم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهُ" يَعْنِي: النِّكاحُ، و"الفاحِشَةُ": ما يُفْحِشُ ويُقَبِّحُ. و"المَقْتُ": أشَدُّ البُغْضِ. وفي المُرادِ بِهَذا "المَقْتِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ لِهَذا النِّكاحِ، وكانُوا يُسَمُّونَ نِكاحَ امْرَأةَ الأبِ في الجاهِلِيَّةِ: مَقْتًا، ويُسَمُّونَ الوَلَدَ مِنهُ: "المَقْتِيَّ" . فَأُعْلِمُوا أنَّ هَذا الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ [مِن نِكاحِ امْرَأةِ الأبِ] لَمْ يَزَلْ مُنْكَرًا [فِي قُلُوبِهِمْ] مَمْقُوتًا عِنْدَهم. هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّهُ يُوجِبُ مَقْتَ اللَّهِ لِفاعِلِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ: ﴿وَساءَ سَبِيلا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: قَبُحَ هَذا الفِعْلُ طَرِيقًا.

23

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَٰلَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

Prohibited to you [for marriage] are your mothers, your daughters, your sisters, your father's sisters, your mother's sisters, your brother's daughters, your sister's daughters, your [milk] mothers who nursed you, your sisters through nursing, your wives' mothers, and your step-daughters under your guardianship [born] of your wives unto whom you have gone in. But if you have not gone in unto them, there is no sin upon you. And [also prohibited are] the wives of your sons who are from your [own] loins, and that you take [in marriage] two sisters simultaneously, except for what has already occurred. Indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ في أُمَّهاتٍ: أماتَ، ولَكِنَّ الهاءَ زِيدَتْ مُؤَكِّدَةً، كَما زادُوها فِي: أهْرَقْتُ الماءَ، وإنَّما أصْلُهُ: أرَقْتُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكُمْ﴾ إنَّما سُمِّينَ أُمَّهاتٍ، لِمَوْضِعِ الحُرْمَةِ.

واخْتَلَفُوا: هَلْ يُعْتَبَرُ في الرَّضاعِ العَدَدُ، أمْ لا؟ فَنَقَلَ حَنْبَلٌ، عَنْ أحْمَدَ: أنَّهُ يَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِالرَّضْعَةِ الواحِدَةِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وعَلِيَّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، والحَسَنِ، وطاوُوسَ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخْعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، ومالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ. ونَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ العَبّاسِ، عَنْ أحْمَدَ: أنَّهُ يَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِثَلاثِ رَضَعاتٍ. ونَقَلَ أبُو الحارِثِ، عَنْ أحْمَدَ: لا يَتَعَلَّقُ بِأقَلِّ مِن خَمْسِ رَضَعاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ أُمَّهاتُ النِّساءِ: يَحْرُمْنَ بِنَفْسِ العَقْدِ عَلى البِنْتِ، سَواءٌ دَخَلَ بِالبِنْتِ، أوْ لَمْ يَدْخُلْ، وهَذا قَوْلُ عُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ، وعِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، ومَسْرُوقٍ، وعَطاءٍ، وطاوُوسَ، والحَسَنِ والجُمْهُورِ. وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ: لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَبائِبُكُمُ﴾ الرَّبِيبَةُ: بِنْتُ امْرَأةِ الزَّوْجِ مِن غَيْرِهِ، ومَعْنى الرَّبِيبَةُ: مَرْبُوبَةٌ، لِأنَّ الرَّجُلَ يُرَبِّيها، وخَرَجَ الكَلامُ عَلى الأعَمِّ مِن كَوْنِ التَّرْبِيَةِ في حِجْرِ الرَّجُلِ، لا عَلى الشَّرْطِ. قَوْلُهُ: ﴿وَحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحَلائِلُ: الأزْواجُ. وحَلِيلَةٌ: بِمَعْنى: مُحَلَّةٌ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الحَلالِ. وقالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأنَّها تَحِلُّ مَعَهُ أيْنَما كانَ. وقَرَأْتٌ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، قالَ: الحَلِيلُ: الزَّوْجُ، والحَلِيلَةُ: المَرْأةُ، وسُمِّيا بِذَلِكَ، إمّا لِأنَّهُما يَحِلّانِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، أوْ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُحالُ صاحِبُهُ، أيْ: يُنازِلُهُ، أوْ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَحِلُّ إزارَ صاحِبِهِ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ قالَ عَطاءٌ: إنَّما ذَكَرَ الأصْلابَ، لِأجْلِ الأدْعِياءِ. والكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في الآَيَةِ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ زادُوا في هَذا قَوْلَيْنِ آَخَرِينَ. أحَدُهُما: إلّا ما قَدْ سَلَفَ مِن أمْرِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ أُمِّ يُوسُفَ وأُخْتِها، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ، والسُّدِّيِّ، وفِيهِ ضَعْفٌ لِوَجْهَيْنِ.

أحَدِهِما: أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ يَتَعَلَّقُ بِشَرِيعَتِنا، ولَيْسَ كُلُّ الشَّرائِعِ تَتَّفِقُ، ولا وجْهَ لِلْعَفْوِ عَنّا فِيما فَعَلَهُ غَيْرُنا. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ طُولِبَ قائِلُ هَذا بِتَصْحِيحِ نَقْلِهِ، لَعُسِرِ عَلَيْهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ فائِدَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّ العُقُودَ المُتَقَدِّمَةَ عَلى الأُخْتَيْنِ لا تَنْفَسِخُ، ويَكُونُ لِلْإنْسانِ أنْ يَخْتارَ إحْداهُما، ومِنهُ حَدِيثُ «فَيْرُوزَ الدَّيْلِمِيِّ قالَ: أسْلَمَتُ وعِنْدِي أُخْتانِ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: "طَلِّقْ إحْداهُما"» ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

24

۞ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ ۚ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةًۭ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُم بِهِۦ مِنۢ بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And [also prohibited to you are all] married women except those your right hands possess. [This is] the decree of Allah upon you. And lawful to you are [all others] beyond these, [provided] that you seek them [in marriage] with [gifts from] your property, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse. So for whatever you enjoy [of marriage] from them, give them their due compensation as an obligation. And there is no blame upon you for what you mutually agree to beyond the obligation. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

قَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ أمّا سَبَبُ نُزُولِها، فَرَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: أصَبْنا سَبايا يَوْمَ أوَطاسٍ لَهُنَّ أزْواجٌ، فَكَرِهْنا أنْ نَقْعَ عَلَيْهِنَّ، فَسَألْنا النَّبِيَّ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فاسْتَحْلَلْناهُنَّ.

وَأمّا خِلافَ القُرّاءِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِ الصّادِ في كُلِّ القُرْآنِ، وفَتْحِ الكِسائِيِّ الصّادَّ في هَذِهِ وحَّدَها، وقَرَأ سائِرَ القُرْآَنِ بِالكَسْرِ، و"المُحْصَناتِ" و"مُحْصَناتٍ" . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والإحْصانُ: أنْ يَحْمِيَ الشَّيْءَ، ويَمْنَعَ مِنهُ، فالمُحْصَناتُ [مِنَ النِّساءِ]: ذَواتُ الأزْواجِ، لِأنَّ الأزْواجَ أحْصَنُوهُنَّ، ومَنَعُوا مِنهُنَّ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ والمُحْصَناتُ: الحَرائِرُ وإنْ لَمْ يَكُنَّ مُتَزَوِّجاتٍ، لِأنَّ الحُرَّةَ تُحْصَنُ وتُحَصِّنُ، ولَيْسَتْ كالأمَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾ [ النِّساءِ: ٢٥] وقالَ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النِّساءِ: ٢٥] يَعْنِي: الحَرائِرُ، والمُحْصَناتُ: العَفائِفُ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ [النُّورِ: ٤] يَعْنِي: العَفائِفُ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ [التَّحْرِيمِ: ١٢] أيْ: عَفَتْ.

وَفِي المُرادِ بِالمُحْصَناتِ هاهُنا: ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: ذَواتُ الأزْواجِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والحَسَنِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والنَّخْعِيِّ، وابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ.

والثّانِي: العَفائِفُ: فَإنَّهُنَّ حَرامٌ عَلى الرِّجالِ إلّا بِعَقْدِ نِكاحٍ، أوْ مِلْكِ يَمِينٍ. وهَذا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وأبِي العالِيَةَ، وعَطاءٍ، وعُبَيْدَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: الحَرائِرُ، فالمَعْنى: أنَّهُنَّ حَرامٌ بَعْدِ الأرْبَعِ اللَّواتِي ذَكَرْنَ في أوَّلِ السُّورَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُبَيْدَةَ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِنَ السَّبايا في الحُرُوبِ، وعَلى هَذا تَأوَّلَ الآَيَةَ عَلِيٌّ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وكانَ هَؤُلاءِ لا يَرَوْنَ بَيْعَ الأمَةِ طَلاقًا.

والثّانِي: إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِنَ الإماءِ ذَواتِ الأزْواجِ، بِسَبْيٍ أوْ غَيْرِ سَبْيٍ، وعَلى هَذا تَأوَّلَ الآيَةَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرٌ، وأنَسٌ، وكانَ هَؤُلاءِ يَرَوْنَ بَيْعَ الأمَةِ طَلاقًا. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والحَسَنِ: أنَّهم قالُوا: بَيْعُ الأمَةِ طَلاقُها، والأوَّلُ أصَحُّ، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَ بَرِيرَةَ إذْ أعْتَقَتْها عائِشَةٌ، بَيْنَ المَقامِ مَعَ زَوْجِها الَّذِي زَوَّجَها مِنهُ سادَتُها في حالِ رِقِّها، وبَيْنَ فِراقِهِ، ولَمْ يَجْعَلِ النَّبِيُّ ﷺ عِتْقَ عائِشَةَ إيّاها طَلاقًا، ولَوْ كانَ طَلاقًا لَمْ يَكُنْ لِتَخْيِيرِهِ إيّاها مَعْنًى. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ ما ذَكَرْناهُ مِن سَبَبِ نُزُولِ الآَيَةِ.

وَعَلى القَوْلِ الثّانِي: العَفائِفُ حَرامٌ إلّا بِمِلْكٍ، والمِلْكُ يَكُونُ عَقْدًا، ويَكُونُ مِلْكَ يَمِينٍ.

وَعَلى القَوْلِ الثّالِثِ: الحَرائِرُ حَرامٌ بَعْدَ الأرْبَعِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِنَ …

25

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍۢ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍۢ ۚ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍۢ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allah is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears sin, but to be patient is better for you. And Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا﴾ "الطَّوْلُ": الغِنى والسِّعَةُ في قَوْلِ الجَماعَةِ. و"المُحْصَناتُ": الحَرائِرُ، قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: مَن لَمْ يَقْدِرْ عَلى مَهْرِ الحُرَّةِ، يُقالُ: قَدْ طالَ فَلانٌ طَوْلًا عَلى فُلانِ، أيْ: كانَ لَهُ فَضْلٌ عَلَيْهِ في القُدْرَةِ.

والمُرادُ بِالفَتَياتِ هاهُنا: المَمْلُوكاتِ، يُقالُ لِلْأمَةِ: فَتاةٌ، ولِلْعَبْدِ: فَتًى، وقَدْ سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ مَن لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ. قَرَأتُ عَلى شَيْخِنا الإمامِ أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: المُتَفَتِّيَةُ: الفَتاةُ والمُراهِقَةُ، ويُقالُ لِلْجارِيَةِ الحَدَثَةُ: فَتاةٌ، ولِلْغُلامِ: فَتًى. قالَ القُتَيْبِيُّ: ولَيْسَ الفَتى بِمَعْنى: الشّابِّ والحَدَثِ، إنَّما هو بِمَعْنى: الكامِلُ الجَزْلُ مِنَ الرِّجالِ.

فَأمّا ذِكْرُ الأيْمانِ، فَشَرْطٌ في إباحَتِهِنَّ، ولا يَجُوزُ نِكاحُ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: اعْمَلُوا عَلى ظاهِرِكم في الإيمانِ، فَإنَّكم مُتَعَبِّدُونَ بِما ظَهَرَ مِن بَعْضِكم لِبَعْضٍ. قالَ: وفي قَوْلِهِ: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ وجْهانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ النَّسَبَ، أيْ: كُلُّكم ولَدُ آَدَمَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: دِينُكم واحِدٌ، لِأنَّهُ ذَكَرَ هاهُنا: المُؤْمِناتِ. وإنَّما قِيلَ لَهُمْ: ذَلِكَ، لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَطْعَنُ في الأنْسابِ، وتَفْخَرُ بِالأحْسابِ، وتُسَمِّي ابْنَ الأمَةِ: الهَجِينُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ أمْرَ العَبِيدِ وغَيْرِهِمْ مُسْتَوٍ في بابِ الإيمانِ، وإنَّما كَرَّهَ التَّزْوِيجَ بِالأمَةِ، وحَرَّمَ إذا وجَدَ إلى الحُرَّةِ سَبِيلًا، لِأنَّ ولَدَ الأمَةِ مِنَ الحُرِّ يَصِيرُونَ رَقِيقًا، ولِأنَّ الأمَةَ مُمْتَهَنَةً في عِشْرَةِ الرِّجالِ، وذَلِكَ يَشُقُّ عَلى الزَّوْجِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْنى الآَيَةِ: كُلُّكم بَنُو آَدَمَ، فَلا يَتَداخَلُكم شُمُوخٌ وأنَفَةٌ مِن تَزَوُّجِ الإماءِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ.

وَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ [المُؤْمِناتِ]، فَلْيَنْكِحْ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ، أيْ: لِيَنْكِحْ هَذا فَتاةَ هَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْكِحُوهُنَّ﴾ يَعْنِي: الإماءُ ﴿ (بِإذْنِ أهْلِهِنَّ ﴾، أيْ: سادَتِهِنَّ. و"الأُجُورُ": المُهُورُ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مُقَدَّمٌ في المَعْنى، فَتَقْدِيرُهُ: انْكِحُوهُنَّ بِإذِنِّ أهْلِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ، أيْ: بِالنِّكاحِ الصَّحِيحِ ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ .

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: وآَتَوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ، كَمُهُورِ أمْثالِهِنَّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "مُحْصَناتٍ": عَفائِفَ غَيْرَ زَوانٍ ﴿وَلا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ﴾ يَعْنِي: أخِلّاءٌ كانَ الجاهِلِيَّةُ يُحْرِّمُونَ ما ظَهَرَ مِنِ الزِّنى، ويَسْتَحِلُّونَ ما خَفِيَ. وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: "المُسافِحاتُ": المُعْلِناتُ بِالزِّنى. و"المُتَّخِذاتِ أخْدانًا": ذاتُ الخَلِيلِ الواحِدُ. وقالَ غَيْرُهُ: كانَتِ المَرْأةُ تَتَّخِذُ صَدِيقًا تَزْنِي مَعَهُ، ولا تَزْنِي مَعَ غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "أُحْصِنَّ" مَضْمُومَةُ الألِفِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: بِفَتْحِ الألِفِ، والصّادِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَن قَرَأ بِالفَتْحِ، أرادَ: أسْلَمْنَ، فَصِرْنَ مَمْنُوعاتِ الفُرُوجِ عَنِ …

26

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

Allah wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allah is Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ اللّامُ بِمَعْنى: "أنْ" وهَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ومِثْلُهُ ﴿وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشُّورى: ١٥]، ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ﴾ [الأنْعامِ: ٧١]، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ [الصَّفِّ: ٨] .

والبَيانُ مِنِ اللَّهِ تَعالى بِالنَّصِّ تارَةً، وبِدَلالَةِ النَّصِّ أُخْرى. قالَ الزَّجّاجُ: و"السُّنَنُ": الطُّرُقُ، فالمَعْنى: يَدُلُّكم عَلى طاعَتِهِ، كَما دَلَّ الأنْبِياءَ وتابِعِيهِمْ. وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى الكَلامِ: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم سُنَنَ مَن قَبْلِكم مِن أهْلِ الحَقِّ والباطِلِ، لِتَجْتَنِبُوا الباطِلَ وتُجِيبُوا الحَقَّ، ويَهْدِيَكم إلى الحَقِّ.

27

وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًۭا

Allah wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُرِيدُ أنْ يَدُلَّكم عَلى ما يَكُونُ سَبَبًا لِتَوْبَتِكم.

وَفِي الَّذِينَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الزُّناةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ اليَهُودُ خاصَّةً، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. والرّابِعُ: أهَّلُ الباطِلِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ بِالمَعْصِيَةِ.

28

يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ ضَعِيفًۭا

And Allah wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ التَّخْفِيفُ: تَسْهِيلُ التَّكْلِيفِ، أوْ إزالَةُ بَعْضِهِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والمَعْنى: يُرِيدُ أنْ يُيَسِّرَ لَكم بِإذْنِهِ في نِكاحِ الفَتَياتِ المُؤْمِناتِ لِمَن لَمْ يُسْتَطَعْ طَوْلًا لِحُرَّةٍ. وفي المُرادِ بِضَعْفِ الإنْسانِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الضَّعْفُ في أصْلِ الخِلْقَةِ. قالَ الحَسَنُ: هو أنَّهُ خُلِقَ مِن ماءٍ مَهِينٍ. والثّانِي: أنَّهُ قِلَّةُ الصَّبْرِ عَنِ النِّساءِ، قالَهُ طاوُسُ، ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ ضَعْفُ العَزْمِ عَنْ قَهْرِ الهَوى، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، وابْنِ كَيْسانَ.

29

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا

O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allah is to you ever Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ الباطِلُ: ما لا يَحِلُّ في الشَّرْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "تِجارَةً" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ بِالنَّصْبِ، وقَدْ بَيَّنّا العِلَّةَ في آَخِرِ "البَقَرَةِ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ عَلى ظاهِرِهِ، وأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلى العَبْدِ قَتْلَ نَفْسِهِ، وهَذا الظّاهِرُ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: لا يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ، وابْنِ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: لا تُكَلِّفُوا أنْفُسَكم عَمَلًا رُبَّما أدّى إلى قَتْلِها وإنْ كانَ فَرْضًا، وعَلى هَذا تَأوَّلَها «عَمْرُو بْنُ العاصِ في غُزاةِ ذاتِ السَّلاسِلِ حَيْثُ صَلّى بِأصْحابِهِ جَنْبًا في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، قالَ لَهُ: يا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأصْحابِكَ وأنْتَ جُنُبٌ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي احْتَلَمَتُ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ، وأشْفَقْتُ إنِ اغْتَسَلْتُ أنْ أهْلَكَ، فَذَكَرَتُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .»

والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: لا تَغْفَلُوا عَنْ حَظِّ أنْفُسِكم، فَمَن غَفَلَ عَنْ حَظِّها، فَكَأنَّما قَتَلَها، هَذا قَوْلُ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ. والخامِسُ: لا تَقْتُلُوها بِارْتِكابِ المَعاصِي.

30

وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًۭا وَظُلْمًۭا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا

And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allah, is [always] easy.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا﴾ في المُشارِ إلَيْهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَتْلُ النَّفْسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى كُلِّ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هاهُنا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والثّالِثُ: قَتْلُ النَّفْسِ، وأكْلُ الأمْوالِ بِالباطِلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. .

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.