Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 21–30 of 176

21

وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُۥ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًۭا

And how could you take it while you have gone in unto each other and they have taken from you a solemn covenant?

﴿وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ﴾ تَطْلِيقَ امْرَأةٍ وتَزَوُّجَ أُخْرى. ﴿وَآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ﴾ أيْ إحْدى الزَّوْجاتِ، جَمَعَ الضَّمِيرَ لِأنَّهُ أرادَ بِالزَّوْجِ الجِنْسَ. ﴿قِنْطارًا﴾ مالًا كَثِيرًا. ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ مِن قِنْطارٍ. ﴿أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ، أيْ تَأْخُذُونَهُ باهِتِينَ وآثِمِينَ، ويَحْتَمِلُ النَّصْبَ عَلى العِلَّةِ كَما في قَوْلِكَ: قَعَدْتُ عَنِ الحَرْبِ جُبْنًا، لِأنَّ الأخْذَ بِسَبَبِ بُهْتانِهِمْ واقْتِرافِهِمُ المَآثِمَ. قِيلَ كانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا أرادَ امْرَأةً جَدِيدَةً بَهَتَ الَّتِي تَحْتَهُ بِفاحِشَةٍ حَتّى يُلْجِئَها إلى الِافْتِداءِ مِنهُ بِما أعْطاها لِيَصْرِفَهُ إلى تَزَوُّجِ الجَدِيدَةِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ والبُهْتانُ الكَذِبُ الَّذِي يَبْهَتُ المَكْذُوبُ عَلَيْهِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الفِعْلِ الباطِلِ ولِذَلِكَ فُسِّرَ هاهُنا بِالظُّلْمِ.

﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ إنْكارٌ لِاسْتِرْدادِ المَهْرِ والحالُ أنَّهُ وصَلَ إلَيْها بِالمُلامَسَةِ ودَخَلَ بِها وتَقَرَّرَ المَهْرُ. ﴿وَأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ عَهْدًا وثِيقًا، وهو حَقُّ الصُّحْبَةِ والمُمازَحَةِ، أوْ ما أوْثَقَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في شَأْنِهِنَّ بِقَوْلِهِ: فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ أوْ ما أشارَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمانَةِ اللَّهِ، واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ».»

22

وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةًۭ وَمَقْتًۭا وَسَآءَ سَبِيلًا

And do not marry those [women] whom your fathers married, except what has already occurred. Indeed, it was an immorality and hateful [to Allah] and was evil as a way.

﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ ولا تَنْكِحُوا الَّتِي نَكَحَها آباؤُكُمْ، وإنَّما ذَكَرَ ما دُونَ مَن لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الصِّفَةُ، وقِيلَ ما مَصْدَرِيَّةٌ عَلى إرادَةِ المَفْعُولِ مِنَ المَصْدَرِ. ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ بَيانُ ما نَكَحَ عَلى الوَجْهَيْنِ. ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَعْنى اللّازِمِ لِلنَّهْيِ وكَأنَّهُ قِيلَ: وتَسْتَحِقُّونَ العِقابَ بِنِكاحِ ما نَكَحَ آباؤُكم إلّا ما قَدْ سَلَفَ، أوْ مِنَ اللَّفْظِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْرِيمِ والتَّعْمِيمِ كَقَوْلِهِ:

؎ ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

والمَعْنى ولا تَنْكِحُوا حَلائِلَ آبائِكم إلّا ما قَدْ سَلَفَ إنْ أمْكَنَكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ. وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ ومَعْناهُ لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ، فَإنَّهُ لا مُؤاخَذَةَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ مُقَرَّرٌ. ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا﴾ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ أيْ إنَّ نِكاحَهُنَّ كانَ فاحِشَةً عِنْدَ اللَّهِ ما رَخَّصَ فِيهِ لِأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ، مَمْقُوتًا عِنْدَ ذَوِي المُرُوءاتِ ولِذَلِكَ سُمِّيَ ولَدُ الرَّجُلِ مِن زَوْجَةِ أبِيهِ المَقْتِي ﴿وَساءَ سَبِيلا﴾ سَبِيلُ مَن يَراهُ ويَفْعَلُهُ.

23

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَٰلَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

Prohibited to you [for marriage] are your mothers, your daughters, your sisters, your father's sisters, your mother's sisters, your brother's daughters, your sister's daughters, your [milk] mothers who nursed you, your sisters through nursing, your wives' mothers, and your step-daughters under your guardianship [born] of your wives unto whom you have gone in. But if you have not gone in unto them, there is no sin upon you. And [also prohibited are] the wives of your sons who are from your [own] loins, and that you take [in marriage] two sisters simultaneously, except for what has already occurred. Indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ﴾ لَيْسَ المُرادُ تَحْرِيمَ ذَواتِهِنَّ بَلْ تَحْرِيمَ نِكاحِهِنَّ لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما يُقْصَدُ مِنهُنَّ، ولِأنَّهُ المُتَبادَرُ إلى الفَهْمِ كَتَحْرِيمِ الأكْلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ ولِأنَّ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ في النِّكاحِ، وأُمَّهاتُكم تَعُمُّ مَن ولَدَتْكَ أوْ ولَدَتْ مَن ولَدَكَ وإنْ عَلَتْ، وبَناتِكم تَتَناوَلُ مَن ولَدْتَها أوْ ولَدْتَ مَن ولَدَها وإنْ سَفُلَتْ، وأخَواتِكُمُ الأخَواتُ مِنَ الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ. وكَذَلِكَ الباقِياتُ والعَمَّةُ كُلُّ أُنْثى ولَدُها مَن وُلِدَ ذَكَرًا ولَدَكَ والخالَةُ كُلُّ أُنْثى ولَدُها مَن وُلِدَ أُنْثى ولَدَتْكَ قَرِيبًا أوْ بَعِيدًا، وبَناتِ الأخِ وبَناتِ الأُخْتِ تَتَناوَلُ القُرْبى والبُعْدى. ﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ نَزَّلَ اللَّهُ الرَّضاعَةَ مَنزِلَةَ النَّسَبِ حَتّى سَمّى المُرْضِعَةَ أُمًّا والمُرْضَّعَةَ أُخْتًا، وأمْرُها عَلى قِياسِ النِّسَبِ بِاعْتِبارِ المُرْضَعَةِ ووالِدُ الطِّفْلِ الَّذِي دَرَّ عَلَيْهِ اللَّبَنَ.

قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ».»

واسْتِثْناءُ أُخْتِ ابْنِ الرَّجُلِ وأُمِّ أخِيهِ مِنَ الرِّضاعِ مِن هَذا الأصْلِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإنَّ حُرْمَتَهُما مِنَ النَّسَبِ بِالمُصاهَرَةِ دُونَ النَّسَبِ. ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكم ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ ذَكَرَ أوَّلًا مُحَرَّماتِ النَّسَبِ ثُمَّ مُحَرَّماتِ الرَّضاعَةِ، لِأنَّ لَها لُحْمَةً كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، ثُمَّ مُحَرَّماتِ المُصاهَرَةِ فَإنَّ تَحْرِيمَهُنَّ عارِضٌ لِمَصْلَحَةِ الزَّواجِ، والرَّبائِبُ جُمَعُ رَبِيبَةٍ. والرَّبِيبُ ولَدُ المَرْأةِ مِن آخَرَ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ يُرَبِّهُ كَما يُرَبِّ ولَدَهُ في غالِبِ الأمْرِ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وإنَّما لَحِقَهُ التّاءَ لِأنَّهُ صارَ اسْمًا ومِن نِسائِكم مُتَعَلِّقٌ بِرَبائِبِكُمْ، واللّاتِي بِصِلَتِها صِفَةٌ لَها مُقَيِّدَةٌ لِلَّفْظِ والحُكَمُ بِالإجْماعِ قَضِيَّةٌ لِلنُّظُمِ، ولا يَجُوزُ تَعْلِيقُها بِالأُمَّهاتِ أيْضًا لِأنَّ مَن إذا عَلَّقْتَها بِالرَّبائِبِ كانَتِ ابْتِدائِيَّةً، وإذا عَلَّقْتَها بِالأُمَّهاتِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ بَلْ وجَبَ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِنِسائِكم والكَلِمَةُ الواحِدَةُ لا تُحْمَلُ عَلى مَعْنَيَيْنِ عِنْدَ جُمْهُورِ الأُدَباءِ اللَّهُمَّ إذا جَعَلْتَها لِلِاتِّصالِ كَقَوْلِهِ:

؎ إذا حاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُورًا ∗∗∗ فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي

عَلى مَعْنى أنَّ أُمَّهاتِ النِّساءِ وبَناتِهِنَّ مُتَّصِلاتٌ بِهِنَّ، لَكِنَّ الرَّسُولَ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَهُما فَقالَ في رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً وطَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها: «إنَّهُ لا بَأْسَ أنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَتَها ولا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها».»

وَإلَيْهِ ذَهَبَ عامَّةُ العُلَماءِ، غَيْرَ أنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَقْيِيدُ التَّحْرِيمِ فِيهِما. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ الثّانِي صِفَةً لِلنِّساءَيْنِ لِأنَّ عامِلَهُما مُخْتَلِفٌ، وفائِدَةُ قَوْلِهِ في حُجُورِكم تَقْوِيَةُ العِلَّةِ وتَكْمِيلُها، والمَعْنى أنَّ الرَّبائِبَ إذا دَخَلْتُمْ بِأُمَّهاتِهِنَّ وهُنَّ في احْتِضانِكم أوْ بِصَدَدِهِ تَقَوّى الشَّبَهُ بَيْنَها وبَيْنَ أوْلادِكم وصارَتْ أحِقّاءَ بِأنْ تُجْرُوها مَجْراهم لا تَقْيِيدَ الحُرْمَةِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ. …

24

۞ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ ۚ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةًۭ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُم بِهِۦ مِنۢ بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And [also prohibited to you are all] married women except those your right hands possess. [This is] the decree of Allah upon you. And lawful to you are [all others] beyond these, [provided] that you seek them [in marriage] with [gifts from] your property, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse. So for whatever you enjoy [of marriage] from them, give them their due compensation as an obligation. And there is no blame upon you for what you mutually agree to beyond the obligation. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ ذَواتِ الأزْواجِ، أحْصَنَهُنَّ التَّزْوِيجُ أوِ الأزْواجُ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ الصّادِ في جَمِيعِ القُرْآنِ لِأنَّهُنَّ أحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ. ﴿إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يُرِيدُ ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِنَ اللّاتِي سُبِينَ ولَهُنَّ أزْواجٌ كُفّارٌ فَهُنَّ حَلالٌ لِلسّابِينَ، والنِّكاحُ مُرْتَفِعٌ بِالسَّبْيِ لِقَوْلِ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «أصَبْنا سَبايا يَوْمَ أوْطاسٍ ولَهُنَّ أزْواجٌ كُفّارٌ، فَكَرِهْنا أنْ نَقَعَ عَلَيْهِنَّ فَسَألْنا النَّبِيَّ ﷺ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فاسْتَحْلَلْناهُنَّ.» وإيّاهُ عَنى الفَرَزْدَقُ بِقَوْلِهِ:

؎ وذاتُ حَلِيلٍ أنْكَحَتْها رِماحُنا ∗∗∗ حَلالٌ لِمَن يَبْنِي بِها لَمْ تُطَلَّقِ

وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ لَوْ سُبِيَ الزَّوْجانِ لَمْ يَرْتَفِعِ النِّكاحُ ولَمْ تَحِلَّ لِلسّابِي. وإطْلاقُ الآيَةِ والحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، أيْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكم تَحْرِيمَ هَؤُلاءِ كِتابًا. وقُرِئَ «كُتُبُ» اللَّهِ بِالجَمْعِ والرَّفْعِ أيْ هَذِهِ فَرائِضُ اللَّهِ عَلَيْكم «وَكَتَبَ اللَّهُ» بِلَفْظِ الفِعْلِ. ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ عُطِفَ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ الَّذِي نَصَبَ كِتابَ اللَّهِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَطْفًا عَلى حُرِّمَتْ. ﴿ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ ما سِوى المُحَرَّماتِ الثَّمانِ المَذْكُورَةِ. وخُصَّ عَنْهُ بِالسُّنَّةِ ما في مَعْنى المَذْكُوراتِ كَسائِرِ مُحَرَّماتِ الرِّضاعِ، والجَمْعُ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها وخالَتِها. ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ والمَعْنى أُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم إرادَةَ أنْ تَبْتَغُوا النِّساءَ بِأمْوالِكم بِالصَّرْفِ في مُهُورِهِنَّ، أوْ أثْمانِهِنَّ في حالِ كَوْنِكم مُحْصَنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ، ويَجُوزُ أنْ لا يُقَدَّرَ مَفْعُولُ تَبْتَغُوا وكَأنَّهُ قِيلَ إرادَةَ أنْ يَصْرِفُوا أمْوالَكم مُحْصَنِينَ غَيْرَ

مُسافِحِينَ أوْ بَدَلٌ مِمّا وراءَ ذَلِكَ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. واحْتَجَّ بِهِ الحَنَفِيَّةُ عَلى أنَّ المَهْرَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مالًا. ولا حُجَّةَ فِيهِ. والإحْصانُ العِفَّةُ فَإنَّها تَحْصِينٌ لِلنَّفْسِ عَنِ اللَّوْمِ والعِقابِ، والسِّفاحُ الزِّنا مِنَ السَّفْحِ وهو صَبُّ المَنِيِّ فَإنَّهُ الغَرَضُ مِنهُ. ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ فَمَن تَمَتَّعْتُمْ بِهِ مِنَ المَنكُوحاتِ، أوْ فَما اسْتَمَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ مِن جِماعٍ أوْ عَقْدٍ عَلَيْهِنَّ. ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ مُهُورَهُنَّ فَإنَّ المَهْرَ في مُقابَلَةِ الِاسْتِمْتاعِ. ﴿فَرِيضَةً﴾ حالٌ مِنَ الأُجُورِ بِمَعْنى مَفْرُوضَةً، أوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ إيتاءً مَفْرُوضًا أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ. ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾ فِيما يُزادُ عَلى المُسَمّى أوْ يُحَطُّ عَنْهُ بِالتَّراضِي، أوْ فِيما تَراضَيا بِهِ مِن نَفَقَةٍ أوْ مَقامٍ أوْ فِراقٍ. وقِيلَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في المُتْعَةِ الَّتِي كانَتْ ثَلاثَةَ أيّامٍ حِينَ فُتِحَتْ مَكَّةُ ثُمَّ نُسِخَتْ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أباحَها ثُمَّ أصْبَحَ يَقُولُ: «يا أيُّها النّاسُ إنِّي كُنْتُ أمَرْتُكم بِالِاسْتِمْتاعِ مِن هَذِهِ النِّساءِ ألا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ».»

وَهِيَ النِّكاحُ المُؤَقَّتُ بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ سُمِّيَ بِها إذِ الغَرَضُ مِنهُ مُجَرَّدُ الِاسْتِمْتاعِ بِالمَرْأةِ، أوْ تَمْتِيعِها بِما تُعْطى. وجَوَّزَها ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ …

25

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍۢ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍۢ ۚ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍۢ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allah is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears sin, but to be patient is better for you. And Allah is Forgiving and Merciful.

﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا﴾ غِنًى واعْتِلاءً وأصْلُهُ الفَضْلُ والزِّيادَةُ. ﴿أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾ في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِطَوْلًا. أوْ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ صِفَةً لَهُ أيْ ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم أنْ يَعْتَلِيَ نِكاحَ المُحْصَناتِ، أوْ مَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم غِنًى يَبْلُغُ بِهِ نِكاحَ المُحْصَناتِ يَعْنِي الحَرائِرَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ يَعْنِي الإماءَ المُؤْمِناتِ، فَظاهِرُ الآيَةِ حُجَّةٌ لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في تَحْرِيمِ نِكاحِ الأمَةِ عَلى مَن مَلَكَ ما يَجْعَلُهُ صَداقَ حُرَّةٍ، ومَنعِ نِكاحِ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ مُطْلَقًا. وأوَّلَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى طَوْلَ المُحْصَناتِ بِأنْ يَمْلِكَ فِراشَهُنَّ، عَلى أنَّ النِّكاحَ هو الوَطْءُ وحَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ عَلى الأفْضَلِ. كَما حَمَلَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: المُحْصَناتُ المُؤْمِناتُ ومِن أصْحابِنا مَن حَمَلَهُ أيْضًا عَلى التَّقْيِيدِ وجَوَّزَ نِكاحَ الأمَةِ لِمَن قَدَرَ عَلى الحُرَّةِ الكِتابِيَّةِ دُونَ المُؤْمِنَةِ حَذَرًا عَنْ مُخالَطَةِ الكُفّارِ ومُوالاتِهِمْ، والمَحْذُورُ في نِكاحِ الأمَةِ رِقُّ الوَلَدِ، وما فِيهِ مِنَ المَهانَةِ ونُقْصانِ حَقِّ الزَّوْجِ. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ﴾ فاكْتَفَوْا بِظاهِرِ الإيمانِ فَإنَّهُ العالِمُ بِالسَّرائِرِ ويَتَفاضَلُ ما بَيْنَكم في الإيمانِ، فَرُبَّ أمَةٍ تَفْضُلُ الحُرَّةَ فِيهِ، ومِن حَقِّكم أنْ تَعْتَبِرُوا فَضْلَ الإيمانِ لا فَضْلَ النَّسَبِ، والمُرادُ تَأْنِيسُهم بِنِكاحِ الإماءِ ومَنعُهم عَنِ الِاسْتِنْكافِ مِنهُ ويُؤَيِّدُهُ. ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ أنْتُمْ وأرِقّاؤُكم مُتَناسِبُونَ نَسَبَكم مِن آدَمَ ودِينُكُمُ الإسْلامُ. ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ يُرِيدُ أرْبابَهُنَّ واعْتِبارُ إذْنِهِمْ مُطْلَقًا لا إشْعارَ لَهُ، عَلى أنَّ لَهُنَّ أنْ يُباشِرْنَ العَقْدَ بِأنْفُسِهِمْ حَتّى يَحْتَجَّ بِهِ الحَنَفِيَّةُ. ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ أدُّوا إلَيْهِنَّ مُهُورَهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ! فَحُذِفَ ذَلِكَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، أوْ إلى مَوالِيهِنَّ فَحُذِفَ المُضافُ لِلْعِلْمِ بِأنَّ المَهْرَ لِلسَّيِّدِ لِأنَّهُ عِوَضُ حَقِّهِ فَيَجِبُ أنْ يُؤَدّى إلَيْهِ، وقالَ مالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: المَهْرُ لِلْأمَةِ ذَهابًا إلى الظّاهِرِ بِالمَعْرُوفِ بِغَيْرِ مَطَلٍ وإضْرارٍ ونُقْصانٍ. ﴿مُحْصَناتٍ﴾ عَفائِفَ. ﴿غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ غَيْرَ مُجاهِراتٍ بِالسِّفاحِ. ﴿وَلا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ﴾ أخِلّاءٍ في السِّرِّ ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ بِالتَّزْوِيجِ. قَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والصّادِ والباقُونَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الصّادِ. فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةِ زِنًى. فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ يَعْنِي الحَرائِرَ. مِنَ العَذابِ مِنَ الحَدِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ حَدَّ العَبْدِ نِصْفُ حَدِّ الحَرِّ، وأنَّهُ لا يُرْجَمُ لِأنَّ الرَّجْمَ لا يَنْتَصِفُ. ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ نِكاحُ الإماءِ. ﴿لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ لِمَن خافَ الوُقُوعَ في الزِّنى، وهو في الأصْلِ انْكِسارُ العَظْمِ بَعْدَ الجَبْرِ، مُسْتَعارٌ لِكُلِّ مَشَقَّةٍ وضَرَرٍ ولا ضَرَرَ أعْظَمُ مِن مُواقَعَةِ الإثْمِ بِأفْحَشِ القَبائِحِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الحَدُّ وهَذا شَرْطٌ آخَرُ لِنِكاحِ الإماءِ. ﴿وَأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ وصَبْرُكم عَنْ نِكاحِ الإماءِ مُتَعَفِّفِينَ خَيْرٌ لَكم. قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: …

26

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

Allah wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allah is Knowing and Wise.

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ما تَعَبَّدَكم بِهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، أوْ ما خَفِيَ عَنْكم مِن مَصالِحِكم ومَحاسِنِ أعْمالِكُمْ، ولِيُبَيِّنَ مَفْعُولُ يُرِيدُ واللّامُ زِيدَتْ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الِاسْتِقْبالِ اللّازِمِ لِلْإرادَةِ كَما في قَوْلِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ:

؎ أرَدْتُ لِكَيْما يَعْلَمَ النّاسُ أنَّهُ ∗∗∗ سَراوِيلُ قَيْسٍ والوُفُودُ شُهُودُ

وَقِيلَ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، ولِيُبَيِّنَ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ يُرِيدُ الحَقَّ لِأجْلِهِ. ﴿وَيَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ مَناهِجَ مَن تَقَدَّمَكم مِن أهْلِ الرُّشْدِ لِتَسْلُكُوا طُرُقَهم. ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ويَغْفِرَ لَكم ذُنُوبَكُمْ، أوْ يُرْشِدَكم إلى ما يَمْنَعُكم عَنِ المَعاصِي ويَحُثُّكم عَلى التَّوْبَةِ، أوْ إلى ما يَكُونُ كَفّارَةً لِسَيِّئاتِكم. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِها ﴿حَكِيمٌ﴾ في وضْعِها.

27

وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًۭا

Allah wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.

﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ. ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ﴾ يَعْنِي الفَجَرَةَ فَإنَّ اتِّباعَ الشَّهَواتِ الِائْتِمارُ لَها، وأمّا المُتَعاطِي لِما سَوَّغَهُ الشَّرْعُ مِنها دُونَ غَيْرِهِ فَهو مُتْبِعٌ لَهُ في الحَقِيقَةِ لا لَها.

وَقِيلَ: المَجُوسُ. وقِيلَ: اليَهُودُ فَإنَّهم يُحِلُّونَ الأخَواتِ مِنَ الأبِ وبَناتِ الأخِ وبَناتِ الأُخْتِ. ﴿أنْ تَمِيلُوا﴾ عَنِ الحَقِّ بِمُوافَقَتِهِمْ عَلى اتِّباعِ الشَّهَواتِ واسْتِحْلالِ المُحَرَّماتِ. ﴿مَيْلا عَظِيمًا﴾ بِالإضافَةِ إلى مَيْلِ مَنِ اقْتَرَفَ خَطِيئَةً عَلى نُدُورٍ غَيْرُ مُسْتَحِلٍّ لَها.

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ فَلِذَلِكَ شَرَعَ لَكُمُ الشِّرْعَةَ الحَنِيفِيَّةَ السَّمْحَةَ السَّهْلَةَ، ورَخَّصَ لَكم في المَضايِقِ كَإحْلالِ نِكاحِ الأمَةِ. ﴿وَخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ لا يَصْبِرُ عَنِ الشَّهَواتِ ولا يَتَحَمَّلُ مَشاقَّ الطّاعاتِ.

وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: ثَمانُ آياتٍ في سُورَةِ النِّساءِ هُنَّ خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتْ هَذِهِ الثَّلاثُ: وإنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ، وإنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ، وإنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ومَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم.

28

يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ ضَعِيفًۭا

And Allah wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.

﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ. ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ﴾ يَعْنِي الفَجَرَةَ فَإنَّ اتِّباعَ الشَّهَواتِ الِائْتِمارُ لَها، وأمّا المُتَعاطِي لِما سَوَّغَهُ الشَّرْعُ مِنها دُونَ غَيْرِهِ فَهو مُتْبِعٌ لَهُ في الحَقِيقَةِ لا لَها.

وَقِيلَ: المَجُوسُ. وقِيلَ: اليَهُودُ فَإنَّهم يُحِلُّونَ الأخَواتِ مِنَ الأبِ وبَناتِ الأخِ وبَناتِ الأُخْتِ. ﴿أنْ تَمِيلُوا﴾ عَنِ الحَقِّ بِمُوافَقَتِهِمْ عَلى اتِّباعِ الشَّهَواتِ واسْتِحْلالِ المُحَرَّماتِ. ﴿مَيْلا عَظِيمًا﴾ بِالإضافَةِ إلى مَيْلِ مَنِ اقْتَرَفَ خَطِيئَةً عَلى نُدُورٍ غَيْرُ مُسْتَحِلٍّ لَها.

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ فَلِذَلِكَ شَرَعَ لَكُمُ الشِّرْعَةَ الحَنِيفِيَّةَ السَّمْحَةَ السَّهْلَةَ، ورَخَّصَ لَكم في المَضايِقِ كَإحْلالِ نِكاحِ الأمَةِ. ﴿وَخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ لا يَصْبِرُ عَنِ الشَّهَواتِ ولا يَتَحَمَّلُ مَشاقَّ الطّاعاتِ.

وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: ثَمانُ آياتٍ في سُورَةِ النِّساءِ هُنَّ خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتْ هَذِهِ الثَّلاثُ: وإنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ، وإنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ، وإنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ومَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم.

29

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا

O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allah is to you ever Merciful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ بِما لَمْ يُبِحْهُ الشَّرْعُ كالغَصْبِ والرِّبا والقِمارِ. ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ، ولَكِنْ كَوْنُ تِجارَةٍ عَنْ تَراضٍ غَيْرَ مَنهِيٍّ عَنْهُ، أوِ اقْصِدُوا كَوْنَ تِجارَةٍ. وعَنْ تَراضٍ صِفَةٌ لِتِجارَةٍ أيْ تِجارَةٍ صادِرَةٍ عَنْ تَراضِي المُتَعاقِدِينَ، وتَخْصِيصُ التِّجارَةِ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي بِها يَحِلُّ تَناوُلُ مالِ الغَيْرِ، لِأنَّها أغْلَبُ وأرْفَقُ لِذَوِي المُرُوءاتِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الِانْتِقالُ مُطْلَقًا.

وَقِيلَ: المُرادُ بِالنَّهْيِ المَنعُ عَنْ صَرْفِ المالِ فِيما لا يَرْضاهُ اللَّهُ. وبِالتِّجارَةِ صَرَفَهُ فِيما يَرْضاهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ تِجارَةً بِالنَّصْبِ عَلى كانَ النّاقِصَةِ وإضْمارِ الِاسْمِ أيْ إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ أوِ الجِهَةُ تِجارَةً. ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ بِالبَخْعِ كَما تَفْعَلُهُ جَهَلَةُ الهِنْدِ، أوْ بِإلْقاءِ النَّفْسِ إلى التَّهْلُكَةِ. ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ: «أنَّ عَمْرَو بْنَ العاصِ تَأوَّلَهُ التَّيَمُّمَ لِخَوْفِ البَرْدِ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ» أوْ بِارْتِكابِ ما يُؤَدِّي إلى قَتْلِها. أوْ بِاقْتِرافِ ما يُذَلِّلُها ويُرْدِيها فَإنَّهُ القَتْلُ الحَقِيقِيُّ لِلنَّفْسِ. وقِيلَ المُرادُ بِالأنْفُسِ مَن كانَ مِن أهْلِ دِينِهِمْ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ. جَمَعَ في التَّوْصِيَةِ بَيْنَ حِفْظِ النَّفْسِ والمالِ الَّذِي هو شَقِيقُها مِن حَيْثُ إنَّهُ سَبَبُ قِوامِها اسْتِبْقاءً لَهم رَيْثَما تَسْتَكْمِلُ النُّفُوسُ، وتَسْتَوْفِي فَضائِلَها رَأْفَةً بِهِمْ ورَحْمَةً كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ أيْ أمَرَ ما أمَرَ ونَهى عَمّا نَهى لِفَرْطِ رَحْمَتِهِ عَلَيْكم. وقِيلَ: مَعْناهُ إنَّهُ كانَ بِكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ رَحِيمًا لِما أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِقَتْلِ الأنْفُسِ ونَهاكم عَنْهُ.

30

وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًۭا وَظُلْمًۭا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا

And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allah, is [always] easy.

﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى القَتْلِ، أوْ ما سَبَقَ مِنَ المُحَرَّماتِ. ﴿عُدْوانًا وظُلْمًا﴾ إفْراطًا في التَّجاوُزِ عَنِ الحَقِّ وإتْيانًا بِما لا يَسْتَحِقُّهُ. وقِيلَ أرادَ بِالعُدْوانِ التَّعَدِّيَ عَلى الغَيْرِ، وبِالظُّلْمِ ظُلْمَ النَّفْسِ بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ. ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ نُدْخِلُهُ إيّاها. وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ مِن صَلّى، وبِفَتْحِ النُّونِ مِن صَلّاهُ يُصَلِّيهِ. ومِنهُ شاةٌ مُصَلِّيَةٌ، ويُصَلِّيهِ بِالياءِ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ سَبَبُ الصِّلِيِّ. ﴿وَكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا عُسْرَ فِيهِ ولا صارِفَ عَنْهُ.

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.