Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 21–30 of 176

21

وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُۥ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًۭا

And how could you take it while you have gone in unto each other and they have taken from you a solemn covenant?

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾

لَمّا مَضى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حُكْمُ الفِراقِ الَّذِي سَبَبُهُ المَرْأةُ، وأنَّ لِلزَّوْجِ أخْذَ المالِ مِنها، عَقِبَ ذَلِكَ ذَكَرَ الفِراقَ الَّذِي سَبَبُهُ الزَوْجُ، والمَنعَ مِن أخْذِ مالِها مَعَ ذَلِكَ، فَهَذا الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ هو الَّذِي يَخْتَصُّ الزَوْجُ بِإرادَتِهِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ: إذا كانَ الزَوْجانِ يُرِيدانِ الفِراقَ، وكانَ مِنهُما نُشُوزٌ وسُوءُ عِشْرَةٍ، فَقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: لِلزَّوْجِ أنْ يَأْخُذَ مِنها إذا سَبَّبَتِ الفِراقَ، ولا يُراعى تَسْبِيبُهُ هُوَ، وَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: لا يَجُوزُ لَهُ أخْذُ المالِ إلّا أنْ تَنْفَرِدَ هي بِالنُشُوزِ وبِظُلْمِهِ في ذَلِكَ. وقالَ بَعْضُ الناسِ: يَخْرُجُ في هَذِهِ الآيَةِ جَوازُ المُغالاةِ بِالمُهُورِ، لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ مَثَّلَ بِقِنْطارٍ، ولا يُمَثِّلُ تَعالى إلّا بِمُباحٍ.

وخَطَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: ألا لا تُغالُوا بِمُهُورِ نِسائِكُمْ، فَإنَّ الرَجُلَ يُغالِي حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ عَداوَةً لِلْمَرْأةِ، يَقُولُ: تَجَشَّمْتُ إلَيْكِ عَلَقَ القِرْبَةِ أو عَرَقَ القِرْبَةِ، فَيُرْوى أنَّ امْرَأةً كَلَّمَتْهُ مِن وراءِ الناسِ فَقالَتْ: كَيْفَ هَذا؟ واللهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ قالَ: فَأطْرَقَ عُمَرُ ثُمَّ قالَ: "كُلُّ الناسِ أفْقَهُ مِنكَ يا عُمَرُ". ويُرْوى أنَّهُ قالَ: "امْرَأةٌ أصابَتْ ورَجُلٌ أخْطَأ"، واللهُ المُسْتَعانُ، وتَرَكَ الإنْكارَ.

وقالَ قَوْمٌ: لا تُعْطِي الآيَةُ جَوازَ المُغالاةِ بِالمُهُورِ لِأنَّ التَمْثِيلَ جاءَ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، كَأنَّهُ قالَ: وآتَيْتُمْ هَذا القَدْرَ العَظِيمَ الَّذِي لا يُؤْتِيهِ أحَدٌ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ: « "مَن بَنى لِلَّهِ مَسْجِدًا ولَوْ كَمَفْحَصِ قَطاةٍ "لِبَيْضِها" بَنى اللهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ"» فَمَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَكُونُ مَسْجِدٌ كَمَفْحَصٍ، وقَدْ «قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِابْنِ أبِي حَدْرَدٍ -وَقَدْ جاءَ يَسْتَعِينُهُ في مَهْرِهِ- فَسَألَهُ عَنِ المَهْرِ، فَقالَ: مِائَتَيْنِ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقالَ: "كَأنَّكم تَقْطَعُونَ الذَهَبَ والفِضَّةَ مِن عَرْضِ الحَرَّةِ أو جَبَلٍ"...» الحَدِيثُ فاسْتَقْرَأ بَعْضُ الناسِ مِن هَذا مَنعَ المُغالاةِ بِالمُهُورِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا لا يَلْزَمُ، لِأنَّ هَذا أحْوَجَ نَفْسَهُ إلى الِاسْتِعانَةِ والسُؤالِ، وذَلِكَ مَكْرُوهٌ بِاتِّفاقٍ، وإنَّما المُغالاةُ المُخْتَلَفُ فِيها مَعَ الغِنى وسَعَةِ المالِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِوَصْلِ ألِفِ "احْداهُنَّ" وهي لُغَةٌ تُحْذَفُ عَلى جِهَةِ التَخْفِيفِ. ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ ................... وتَسْمَعُ مِن تَحْتِ العَجاجِ لَها ازْمِلا

وَقَوْلُ الآخَرِ:

؎ إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبِسُونِي بُرْقُعًا

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في قَدْرِ القِنْطارِ في سُورَةِ [آلِ عِمْرانَ]، وقَرَأ أبُو السَمّالِ "مِنهُ شَيَئًا" بِفَتْحِ الياءِ والتَنْوِينِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ. والبُهْتانُ: مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، ومَعْناهُ: مُبْهَتًا مُحَيَّرًا لِشُنْعَتِهِ وقُبْحِ الأُحْدُوثَةِ والفَعْلَةِ فِيهِ.

ثُمَّ وعَظَ تَعالى عِبادَهُ مُذَكِّرًا لَهم بِالمَوَدَّةِ الَّتِي بَيْنَ الزَوْجَيْنِ المُوجِبَةِ لِحِياطَةِ مالِ …

22

وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةًۭ وَمَقْتًۭا وَسَآءَ سَبِيلًا

And do not marry those [women] whom your fathers married, except what has already occurred. Indeed, it was an immorality and hateful [to Allah] and was evil as a way.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلا﴾ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَضاعَةِ وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾.

هَذِهِ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ العَرَبِ في مُدَّةِ نُزُولِ الآيَةِ، ومَعْنى الآيَةِ والتَحْرِيمِ الَّذِي بَعْدَها مُسْتَقِرٌّ عَلى المُؤْمِنِينَ أجْمَعُ. وسَبَبُ الآيَةِ أنَّ العَرَبَ كانَ مِنهم قَبائِلُ قَدِ اعْتادَتْ أنْ يَخْلُفَ الرَجُلُ عَلى امْرَأةِ أبِيهِ، عَلى ما ذَكَرْناهُ مِن أمْرِ أبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، ومِن ذَلِكَ خَبَرُ أبِي قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ، ومِن ذَلِكَ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، تَزَوَّجَ بَعْدَ أبِيهِ فاخِتَةَ بِنْتَ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ بْنِ أسَدٍ، وكانَتِ امْرَأةَ أبِيهِ قُتِلَ عنها، ومِن ذَلِكَ مَنظُورُ بْنُ زَبّانَ، خَلَفَ عَلى مُلَيْكَةَ بِنْتِ خارِجَةَ، وكانَتْ عِنْدَ أبِيهِ زَبّانَ بْنِ سَيّارٍ، إلى كَثِيرٍ مِن هَذا. وقَدْ كانَ في العَرَبِ مَن تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ، وهو حاجِبُ بْنُ زُرارَةَ، تَمَجَّسَ وفَعَلَ هَذِهِ الفَعْلَةَ، ذَكَرَ ذَلِكَ النَضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ في كِتابِ المَثالِبِ، فَنَهى اللهُ المُؤْمِنِينَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم مِن هَذِهِ السِيَرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ ما يَحْرُمُ، إلّا امْرَأةَ الأبِ والجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مُقْتَضى ألْفاظِ الآيَةِ فَقالَ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: "ما نَكَحَ" يُرادُ بِهِ النِساءُ، أيْ: لا تَنْكِحُوا النِساءَ اللَواتِي نَكَحَ آباؤُكُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ مَعْناهُ: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ فَدَعُوهُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ فَهو مَعْفُوٌّ عنكم لِمَن كانَ واقَعَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: "وَلا تَفْعَلُوا حاشا ما قَدْ سَلَفَ"، فَـ "ما" عَلى هَذا القَوْلِ واقِعَةٌ عَلى مَن يَعْقِلُ مِن حَيْثُ هَؤُلاءِ النِساءُ صِنْفٌ مِن أصْنافِ مَن يَعْقِلُ، و"ما" تَقَعُ لِلْأصْنافِ والأوصافِ مِمَّنْ يَعْقِلُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: "ما نَكَحَ" يُرادُ بِهِ فِعْلُ الآباءِ، أيْ: لا تَنْكِحُوا كَما نَكَحَ آباؤُكم مِن عُقُودِهِمُ الفاسِدَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ مَعْناهُ: إلّا ما تَقَدَّمَ مِنكم ووَقَعَ مِن تِلْكَ العُقُودِ الفاسِدَةِ فَمُباحٌ لَكُمُ الإقامَةُ عَلَيْهِ في الإسْلامِ، إذا كانَ مِمّا يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ القَرابَةِ، ويُجَوِّزُهُ الشَرْعُ إنْ لَوِ ابْتُدِئَ نِكاحُهُ في الإسْلامِ عَلى سُنَّتِهِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ أيْ: فَهو مَعْفُوٌّ عنكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

و"ما" عَلى هَذا مَصْدَرِيَّةٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إلّا ما قَدْ سَلَفَ إلّا مَن تابَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وكَذَلِكَ حَكاهُ أبُو عَمْرٍو الدانِي.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: النَهْيُ عن أنْ يَطَأ الرَجُلُ امْرَأةً وطِئَها الآباءُ، إلّا ما قَدْ سَلَفَ مِنَ الآباءِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الزِنى، لا عَلى وجْهِ المُناكَحَةِ، فَذَلِكَ جائِزٌ لَكم زَواجُهم في الإسْلامِ، لِأنَّ ذَلِكَ الزِنى كانَ فاحِشَةً، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَزادَ في هَذِهِ الآيَةِ المَقْتَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ: كُلُّ امْرَأةٍ تَزَوَّجَها أبُوكَ أوِ ابْنُكَ دَخَلَ أو لَمْ يَدْخُلْ فَهي …

23

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَٰلَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

Prohibited to you [for marriage] are your mothers, your daughters, your sisters, your father's sisters, your mother's sisters, your brother's daughters, your sister's daughters, your [milk] mothers who nursed you, your sisters through nursing, your wives' mothers, and your step-daughters under your guardianship [born] of your wives unto whom you have gone in. But if you have not gone in unto them, there is no sin upon you. And [also prohibited are] the wives of your sons who are from your [own] loins, and that you take [in marriage] two sisters simultaneously, except for what has already occurred. Indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلا﴾ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَضاعَةِ وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾.

هَذِهِ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ العَرَبِ في مُدَّةِ نُزُولِ الآيَةِ، ومَعْنى الآيَةِ والتَحْرِيمِ الَّذِي بَعْدَها مُسْتَقِرٌّ عَلى المُؤْمِنِينَ أجْمَعُ. وسَبَبُ الآيَةِ أنَّ العَرَبَ كانَ مِنهم قَبائِلُ قَدِ اعْتادَتْ أنْ يَخْلُفَ الرَجُلُ عَلى امْرَأةِ أبِيهِ، عَلى ما ذَكَرْناهُ مِن أمْرِ أبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، ومِن ذَلِكَ خَبَرُ أبِي قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ، ومِن ذَلِكَ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، تَزَوَّجَ بَعْدَ أبِيهِ فاخِتَةَ بِنْتَ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ بْنِ أسَدٍ، وكانَتِ امْرَأةَ أبِيهِ قُتِلَ عنها، ومِن ذَلِكَ مَنظُورُ بْنُ زَبّانَ، خَلَفَ عَلى مُلَيْكَةَ بِنْتِ خارِجَةَ، وكانَتْ عِنْدَ أبِيهِ زَبّانَ بْنِ سَيّارٍ، إلى كَثِيرٍ مِن هَذا. وقَدْ كانَ في العَرَبِ مَن تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ، وهو حاجِبُ بْنُ زُرارَةَ، تَمَجَّسَ وفَعَلَ هَذِهِ الفَعْلَةَ، ذَكَرَ ذَلِكَ النَضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ في كِتابِ المَثالِبِ، فَنَهى اللهُ المُؤْمِنِينَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم مِن هَذِهِ السِيَرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ ما يَحْرُمُ، إلّا امْرَأةَ الأبِ والجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مُقْتَضى ألْفاظِ الآيَةِ فَقالَ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: "ما نَكَحَ" يُرادُ بِهِ النِساءُ، أيْ: لا تَنْكِحُوا النِساءَ اللَواتِي نَكَحَ آباؤُكُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ مَعْناهُ: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ فَدَعُوهُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ فَهو مَعْفُوٌّ عنكم لِمَن كانَ واقَعَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: "وَلا تَفْعَلُوا حاشا ما قَدْ سَلَفَ"، فَـ "ما" عَلى هَذا القَوْلِ واقِعَةٌ عَلى مَن يَعْقِلُ مِن حَيْثُ هَؤُلاءِ النِساءُ صِنْفٌ مِن أصْنافِ مَن يَعْقِلُ، و"ما" تَقَعُ لِلْأصْنافِ والأوصافِ مِمَّنْ يَعْقِلُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: "ما نَكَحَ" يُرادُ بِهِ فِعْلُ الآباءِ، أيْ: لا تَنْكِحُوا كَما نَكَحَ آباؤُكم مِن عُقُودِهِمُ الفاسِدَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ مَعْناهُ: إلّا ما تَقَدَّمَ مِنكم ووَقَعَ مِن تِلْكَ العُقُودِ الفاسِدَةِ فَمُباحٌ لَكُمُ الإقامَةُ عَلَيْهِ في الإسْلامِ، إذا كانَ مِمّا يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ القَرابَةِ، ويُجَوِّزُهُ الشَرْعُ إنْ لَوِ ابْتُدِئَ نِكاحُهُ في الإسْلامِ عَلى سُنَّتِهِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ أيْ: فَهو مَعْفُوٌّ عنكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

و"ما" عَلى هَذا مَصْدَرِيَّةٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إلّا ما قَدْ سَلَفَ إلّا مَن تابَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وكَذَلِكَ حَكاهُ أبُو عَمْرٍو الدانِي.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: النَهْيُ عن أنْ يَطَأ الرَجُلُ امْرَأةً وطِئَها الآباءُ، إلّا ما قَدْ سَلَفَ مِنَ الآباءِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الزِنى، لا عَلى وجْهِ المُناكَحَةِ، فَذَلِكَ جائِزٌ لَكم زَواجُهم في الإسْلامِ، لِأنَّ ذَلِكَ الزِنى كانَ فاحِشَةً، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَزادَ في هَذِهِ الآيَةِ المَقْتَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ: كُلُّ امْرَأةٍ تَزَوَّجَها أبُوكَ أوِ ابْنُكَ دَخَلَ أو لَمْ يَدْخُلْ فَهي …

24

۞ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ ۚ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةًۭ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُم بِهِۦ مِنۢ بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And [also prohibited to you are all] married women except those your right hands possess. [This is] the decree of Allah upon you. And lawful to you are [all others] beyond these, [provided] that you seek them [in marriage] with [gifts from] your property, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse. So for whatever you enjoy [of marriage] from them, give them their due compensation as an obligation. And there is no blame upon you for what you mutually agree to beyond the obligation. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

قوله عزّ وجلّ:

﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم كِتابَ اللهِ عَلَيْكم وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنَ بَعْدِ الفَرِيضَةِ إنَّ اللهِ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾

"والمُحْصَناتُ" عَطْفٌ عَلى المُحَرَّماتِ قَبْلُ. والتَحَصُّنُ: التَمَنُّعُ، يُقالُ حَصُنَ المَكانُ: إذا امْتَنَعَ، ومِنهُ الحِصْنُ، وحَصُنَتِ المَرْأةُ: امْتَنَعَتْ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الِامْتِناعِ، وأحْصَنَتْ نَفْسَها، وأحْصَنَها غَيْرُها. والإحْصانُ تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ في أرْبَعَةِ أشْياءَ. وعَلى ذَلِكَ تَصَرَّفَتِ اللَفْظَةُ في كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: فَتَسْتَعْمِلُهُ في الزَواجِ، لِأنَّ مِلْكَ الزَوْجَةِ مَنَعَةٌ وحِفْظٌ. ويَسْتَعْمِلُونَ الإحْصانِ في الحُرِّيَّةِ، لِأنَّ الإماءَ كانَ عُرْفُهُنَّ في الجاهِلِيَّةِ الزِنى، والحُرَّةُ بِخِلافِ ذَلِكَ، ألا تَرى إلى قَوْلِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، حِينَ بايَعَتْهُ: "وَهَلْ تَزْنِي الحُرَّةُ؟" فالحُرِّيَّةُ مَنَعَةٌ وحِفْظٌ. ويَسْتَعْمِلُونَ الإحْصانَ في الإسْلامِ لِأنَّهُ حافِظٌ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "الإيمانُ قَيْدُ الفَتْكِ".»

ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:

؎ فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدارِ يا أُمَّ مالِكٍ ولَكِنْ أحاطَتْ بِالرِقابِ السَلاسِلُ

ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ قالَتْ هَلُمَّ إلى الحَدِيثِ فَقُلْتُ لا ∗∗∗ يَأْبى عَلَيْكِ اللهُ والإسْلامُ

وَمِنهُ قَوْلُ سُحَيْمٍ:

؎ ............ ∗∗∗....... ∗∗∗ كَفى الشَيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيا

ومِنهُ قَوْلُ أبِي حَيَّةَ:

؎ رَمَتْنِي وسِتْرُ اللهِ بَيْنِي وبَيْنَها

فَإنَّ أحَدَ الأقْوالِ في السِتْرِ أنَّهُ أرادَ بِهِ الإسْلامَ.

ويَسْتَعْمِلُونَ الإحْصانَ في العِفَّةِ، لِأنَّهُ إذا ارْتَبَطَ بِها إنْسانٌ وظَهَرَتْ عَلى شَخْصٍ ما وتَخَلَّقَ بِها فَهي مَنَعَةٌ وحِفْظٌ.

وحَيْثُما وقَعَتِ اللَفْظَةُ في القُرْآنِ فَلا تَجِدُها تَخْرُجُ عن هَذِهِ المَعانِي، لَكِنَّها قَدْ تَقْوى فِيها بَعْضُ هَذِهِ المَعانِي دُونَ بَعْضٍ، بِحَسَبِ مَوْضِعٍ ومَوْضِعٍ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ في أماكِنِهِ إنْ شاءَ اللهُ.

فَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ "والمُحْصَناتُ"،﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو قِلابَةَ، وابْنُ زَيْدٍ، ومَكْحُولٌ، والزُهْرِيُّ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: هُنَّ ذَواتُ الأزْواجِ، أيْ: هُنَّ مُحَرَّماتٌ إلّا ما مَلَكَتِ اليَمِينُ بِالسِباءِ مِن أرْضِ الحَرْبِ، فَإنَّ تِلْكَ حَلالٌ لِلَّذِي تَقَعُ في سَهْمِهِ وإنْ كانَ لَها زَوْجٌ

ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ "أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ جَيْشًا إلى أوطاسٍ، فَلَقُوا عَدُوًّا وأصابُوا سَبْيًا لَهُنَّ أزْواجٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَتَأثَّمَ المُسْلِمُونَ مِن غِشْيانِهِنَّ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُرَخِّصَةً".»

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: مَعْنى المُحْصَناتِ: ذَواتُ الأزْواجِ، فَهُنَّ حَرامٌ إلّا أنْ يَشْتَرِيَ الرَجُلُ الأمَةَ ذاتَ الزَوْجِ، فَإنَّ بَيْعَها طَلاقُها، وهِبَتَها طَلاقُها والصَدَقَةَ بِها طَلاقُها، وأنْ تُعْتَقَ طَلاقُها، وأنْ تُورَثَ طَلاقُها، وتَطْلِيقَ الزَوْجِ طَلاقُها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا بِيعَتِ الأمَةُ ولَها زَوْجٌ فالمُشْتَرِي أحَقُّ بِبُضْعِها. ومَذْهَبُ مالِكٍ والشافِعِيِّ …

25

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍۢ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍۢ ۚ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍۢ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allah is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears sin, but to be patient is better for you. And Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ واللهُ أعْلَمُ بِإيمانِكم بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ في "المُدَوَّنَةِ": الطَوْلُ هُنا: السَعَةُ في المالِ. وقالَ رَبِيعَةٌ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: الطَوْلُ هُنا: الجَلَدُ والصَبْرُ لِمَن أحَبَّ أمَةً وهَوِيَها حَتّى صارَ لِذَلِكَ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَها، فَإنَّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ الأمَةَ إذا لَمْ يَمْلِكْ هَواها، وإنْ كانَ يَجِدُ سَعَةً في المالِ لِنِكاحِ حُرَّةٍ، ثُمَّ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن خَشِيَ العَنَتَ﴾ عَلى هَذا التَأْوِيلِ بَيانًا في صِفَةِ عَدَمِ الجَلَدِ، وعَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ يَكُونُ تَزَوُّجُ الأمَةِ مُعَلَّقًا بِشَرْطَيْنِ: عَدَمِ السَعَةِ في المالِ، وخَوْفِ العَنَتِ، فَلا يَصِحُّ إلّا بِاجْتِماعِهِما. وهَذا هو نَصُّ مَذْهَبِ مالِكٍ في "المُدَوَّنَةِ" مِن رِوايَةِ ابْنِ نافِعٍ، وابْنِ القاسِمِ، وابْنِ وهْبٍ، وابْنِ زِيادٍ: أنَّ الحُرَّ لا يَتَزَوَّجُ الأمَةَ عَلى حالٍ إلّا ألّا يَجِدَ سَعَةً في المالِ لِمَهْرِ حُرَّةٍ، وأنْ يَخْشى العَنَتَ مَعَ ذَلِكَ.

وقالَ مالِكٌ في كِتابِ مُحَمَّدٍ: إذا وجَدَ المَهْرَ ولَكِنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى النَفَقَةِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أمَةً.

وقالَ أصْبَغُ: ذَلِكَ جائِزٌ، إذْ نَفَقَةُ الأمَةِ عَلى أهْلِها إذا لَمْ يَضُمَّها إلَيْهِ.

وقالَ مُطَرِّفٌ، وابْنُ الماجِشُونَ: لا يَحِلُّ لِلْحُرِّ أنْ يَنْكِحَ أمَةً. ولا يُقَرُّ إنْ وقَعَ، إلّا أنْ يَجْتَمِعَ الشَرْطانِ كَما قالَ اللهُ تَعالى، وقالَهُ أصْبَغٌ، قالَ: وقَدْ كانَ ابْنُ القاسِمِ يَذْكُرُ أنَّهُ سَمِعَ مالِكًا يَقُولُ: نِكاحُ الأمَةِ حَلالٌ في كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهُوَ في "المُدَوَّنَةِ".

وقالَ سَحْنُونُ في غَيْرِها: ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وقالَهُ ابْنُ مُزَيْنٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَلْزَمُ مِنهُ تَحْلِيلُ الأمَةِ لِحُرٍّ دُونَ الشَرْطَيْنِ. وقالَ مالِكٌ: في "المُدَوَّنَةِ": لَيْسَتِ الحُرَّةُ بِطَوْلٍ تَمْنَعُ مِن نِكاحِ الأمَةِ إذا لَمْ يَجِدْ سَعَةً لِأُخْرى وخافَ العَنَتَ. وقالَ في كِتابِ مُحَمَّدٍ ما يَقْتَضِي أنَّ الحُرَّةَ بِمَثابَةِ الطَوْلِ. قالَ الشَيْخُ أبُو الحَسَنِ اللَخْمِيُّ: وهو ظاهِرُ القُرْآنِ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ، وقالَهُ أبُو حَنِيفَةَ، فَمُقْتَضى هَذا أنَّ مَن عِنْدَهُ حُرَّةٌ فَلا يَجُوزُ لَهُ نِكاحُ أمَةٍ، وإنْ عَدِمَ السَعَةَ وخافَ العَنَتَ، لِأنَّهُ طالِبُ شَهْوَةٍ وعِنْدَهُ امْرَأةٌ، وقالَ بِهِ الطَبَرِيُّ، واحْتَجَّ لَهُ. و"طَوْلًا" يَصِحُّ في إعْرابِهِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِالِاسْتِطاعَةِ، و"أنْ يَنْكِحَ" في مَوْضِعِ نَصْبِ بَدَلٍ مِن قَوْلِهِ: "طَوْلًا"، أو في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: لَأنْ يَنْكِحَ. وفي هَذا نَظَرٌ.

ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "طَوْلًا" نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِطاعَةَ لِأنَّها بِمَعْنى يَتَقارَبُ، و"أنْ يَنْكِحَ" -عَلى هَذا مَفْعُولٌ- بِالِاسْتِطاعَةِ أو بِالمَصْدَرِ، تَقُولُ: طالَ الرَجُلُ طَوْلًا -بِفَتْحِ الطاءِ- إذا تَفَضَّلَ ووَجَدَ واتَّسَعَ عُرْفُهُ. وطُولًا، بِضَمِّ الطاءِ في ضِدِّ القِصَرِ.

"المُحْصَناتِ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- الحَرائِرُ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ …

26

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

Allah wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allah is Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿واللهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ ﴿يُرِيدُ اللهُ أنْ يُخَفِّفَ عنكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾

اخْتَلَفَ النُحاةُ في اللامِ مِن قَوْلِهِ: "لِيُبَيِّنَ" -فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ- رَحِمَهُ اللهُ: أنَّ التَقْدِيرَ: لِأنْ يُبَيِّنَ، والمَفْعُولُ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: يُرِيدُ اللهُ هَذا، فَإنْ كانَتْ لامَ الجَرِّ أو لامَ كَيْ فَلا بُدَّ فِيهِما مِن تَقْدِيرِ "أنْ" لِأنَّهُما لا يَدْخُلانِ إلّا عَلى الأسْماءِ. وقالَ الفَرّاءُ والكُوفِيُّونَ: اللامُ نَفْسُها بِمَنزِلَةِ "أنْ" وهو ضَعِيفٌ. ونَظِيرُ هَذِهِ اللامِ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها........................

وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: إرادَتِي لِأنْسى.

"وَيَهْدِيَكُمْ" بِمَعْنى: يُرْشِدُكُمْ، لا يَتَوَجَّهُ غَيْرَ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ السُنَنِ. والسُنَنُ: الطُرُقُ ووُجُوهُ الأُمُورِ وأنْحاؤُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَظْهَرُ مِن قُوَّةِ هَذا الكَلامِ أنَّ شِرْعَتَنا في المَشْرُوعاتِ كَشِرْعَةِ مَن قَبْلَنا، ولَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وإنَّما هَذِهِ الهِدايَةُ في أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا في أنّا خُوطِبْنا في كُلِّ قِصَّةٍ نَهْيًا وأمْرًا، كَما خُوطِبُوا هم أيْضًا في قِصَصِهِمْ، وشُرِعَ لَنا كَما شُرِعَ لَهُمْ، فَهُدِينا سُنَنَهم في ذَلِكَ وإنِ اخْتَلَفَتْ أحْكامُنا وأحْكامُهُمْ، والأمْرُ الثانِي أنَّ هَدْيَنا سُنَنَهم في أنْ أطَعْنا وسَمِعْنا كَما سَمِعُوا وأطاعُوا، فَوَقَعَ التَماثُلُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ.

والَّذِينَ مِن قَبْلِنا: هُمُ المُؤْمِنُونَ في كُلِّ شَرِيعَةٍ. وتَوْبَةُ اللهِ عَلى عَبْدِهِ هي رُجُوعُهُ بِهِ عَنِ المَعاصِي إلى الطاعاتِ، وتَوْفِيقُهُ لَهُ. وحَسُنَ "عَلِيمٌ" هُنا بِحَسَبِ ما تَقَدَّمَ مِن سُنَنِ الشَرائِعِ ومَوْضِعِ المَصالِحِ، و"حَكِيمٌ" أيْ: مُصِيبٌ بِالأشْياءِ مَواضِعَها بِحَسَبِ الحِكْمَةِ والإتْقانِ.

وتَكْرارُ إرادَةِ اللهِ تَعالى التَوْبَةَ عَلى عِبادِهِ تَقْوِيَةٌ لِلْإخْبارِ الأوَّلِ، ولَيْسَ المَقْصِدُ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا الإخْبارَ عن إرادَةِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَهَواتِ، فَقُدِّمَتْ إرادَةُ اللهِ تَوْطِئَةً مُظْهِرَةً لِفَسادِ إرادَةِ مُتَّبِعِي الشَهَواتِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مُتَّبِعِي الشَهَواتِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الزُناةُ. وقالَ السُدِّيُّ: هُمُ اليَهُودُ والنَصارى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُمُ اليَهُودُ خاصَّةً، لِأنَّهم أرادُوا أنْ يَتَّبِعَهُمُ المُسْلِمُونَ في نِكاحِ الأخَواتِ مِنَ الأبِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَلِكَ عَلى العُمُومِ في هَؤُلاءِ، وفي كُلِّ مُتَّبِعٍ شَهْوَةً، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "مَيْلًا" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مَيَلًا" بِفَتْحِ الياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ أنْ يُخَفِّفَ عنكُمْ﴾، المَقْصِدُ الظاهِرُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّها في تَخْفِيفِ اللهِ تَعالى تَرْكَ نِكاحِ الإماءِ بِإباحَةِ ذَلِكَ، وأنَّ إخْبارَهُ عن ضَعْفِ الإنْسانِ إنَّما هو في بابِ النِساءِ، أيْ: لَمّا عَلِمْنا ضَعْفَكم عَنِ الصَبْرِ عَنِ النِساءِ خَفَّفْنا عنكم بِإباحَةِ الإماءِ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وطاوُسُ. وقالَ طاوُسُ: لَيْسَ يَكُونُ الإنْسانُ في شَيْءٍ أضْعَفَ مِنهُ في أمْرِ النِساءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ثُمَّ بَعْدَ هَذا المَقْصِدِ تَخْرُجُ الآيَةُ في مَخْرَجِ التَفَضُّلِ، لِأنَّها تَتَناوَلُ كُلَّ ما …

27

وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًۭا

Allah wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿واللهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ ﴿يُرِيدُ اللهُ أنْ يُخَفِّفَ عنكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾

اخْتَلَفَ النُحاةُ في اللامِ مِن قَوْلِهِ: "لِيُبَيِّنَ" -فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ- رَحِمَهُ اللهُ: أنَّ التَقْدِيرَ: لِأنْ يُبَيِّنَ، والمَفْعُولُ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: يُرِيدُ اللهُ هَذا، فَإنْ كانَتْ لامَ الجَرِّ أو لامَ كَيْ فَلا بُدَّ فِيهِما مِن تَقْدِيرِ "أنْ" لِأنَّهُما لا يَدْخُلانِ إلّا عَلى الأسْماءِ. وقالَ الفَرّاءُ والكُوفِيُّونَ: اللامُ نَفْسُها بِمَنزِلَةِ "أنْ" وهو ضَعِيفٌ. ونَظِيرُ هَذِهِ اللامِ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها........................

وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: إرادَتِي لِأنْسى.

"وَيَهْدِيَكُمْ" بِمَعْنى: يُرْشِدُكُمْ، لا يَتَوَجَّهُ غَيْرَ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ السُنَنِ. والسُنَنُ: الطُرُقُ ووُجُوهُ الأُمُورِ وأنْحاؤُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَظْهَرُ مِن قُوَّةِ هَذا الكَلامِ أنَّ شِرْعَتَنا في المَشْرُوعاتِ كَشِرْعَةِ مَن قَبْلَنا، ولَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وإنَّما هَذِهِ الهِدايَةُ في أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا في أنّا خُوطِبْنا في كُلِّ قِصَّةٍ نَهْيًا وأمْرًا، كَما خُوطِبُوا هم أيْضًا في قِصَصِهِمْ، وشُرِعَ لَنا كَما شُرِعَ لَهُمْ، فَهُدِينا سُنَنَهم في ذَلِكَ وإنِ اخْتَلَفَتْ أحْكامُنا وأحْكامُهُمْ، والأمْرُ الثانِي أنَّ هَدْيَنا سُنَنَهم في أنْ أطَعْنا وسَمِعْنا كَما سَمِعُوا وأطاعُوا، فَوَقَعَ التَماثُلُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ.

والَّذِينَ مِن قَبْلِنا: هُمُ المُؤْمِنُونَ في كُلِّ شَرِيعَةٍ. وتَوْبَةُ اللهِ عَلى عَبْدِهِ هي رُجُوعُهُ بِهِ عَنِ المَعاصِي إلى الطاعاتِ، وتَوْفِيقُهُ لَهُ. وحَسُنَ "عَلِيمٌ" هُنا بِحَسَبِ ما تَقَدَّمَ مِن سُنَنِ الشَرائِعِ ومَوْضِعِ المَصالِحِ، و"حَكِيمٌ" أيْ: مُصِيبٌ بِالأشْياءِ مَواضِعَها بِحَسَبِ الحِكْمَةِ والإتْقانِ.

وتَكْرارُ إرادَةِ اللهِ تَعالى التَوْبَةَ عَلى عِبادِهِ تَقْوِيَةٌ لِلْإخْبارِ الأوَّلِ، ولَيْسَ المَقْصِدُ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا الإخْبارَ عن إرادَةِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَهَواتِ، فَقُدِّمَتْ إرادَةُ اللهِ تَوْطِئَةً مُظْهِرَةً لِفَسادِ إرادَةِ مُتَّبِعِي الشَهَواتِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مُتَّبِعِي الشَهَواتِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الزُناةُ. وقالَ السُدِّيُّ: هُمُ اليَهُودُ والنَصارى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُمُ اليَهُودُ خاصَّةً، لِأنَّهم أرادُوا أنْ يَتَّبِعَهُمُ المُسْلِمُونَ في نِكاحِ الأخَواتِ مِنَ الأبِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَلِكَ عَلى العُمُومِ في هَؤُلاءِ، وفي كُلِّ مُتَّبِعٍ شَهْوَةً، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "مَيْلًا" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مَيَلًا" بِفَتْحِ الياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ أنْ يُخَفِّفَ عنكُمْ﴾، المَقْصِدُ الظاهِرُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّها في تَخْفِيفِ اللهِ تَعالى تَرْكَ نِكاحِ الإماءِ بِإباحَةِ ذَلِكَ، وأنَّ إخْبارَهُ عن ضَعْفِ الإنْسانِ إنَّما هو في بابِ النِساءِ، أيْ: لَمّا عَلِمْنا ضَعْفَكم عَنِ الصَبْرِ عَنِ النِساءِ خَفَّفْنا عنكم بِإباحَةِ الإماءِ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وطاوُسُ. وقالَ طاوُسُ: لَيْسَ يَكُونُ الإنْسانُ في شَيْءٍ أضْعَفَ مِنهُ في أمْرِ النِساءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ثُمَّ بَعْدَ هَذا المَقْصِدِ تَخْرُجُ الآيَةُ في مَخْرَجِ التَفَضُّلِ، لِأنَّها تَتَناوَلُ كُلَّ ما …

28

يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ ضَعِيفًۭا

And Allah wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿واللهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ ﴿يُرِيدُ اللهُ أنْ يُخَفِّفَ عنكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾

اخْتَلَفَ النُحاةُ في اللامِ مِن قَوْلِهِ: "لِيُبَيِّنَ" -فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ- رَحِمَهُ اللهُ: أنَّ التَقْدِيرَ: لِأنْ يُبَيِّنَ، والمَفْعُولُ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: يُرِيدُ اللهُ هَذا، فَإنْ كانَتْ لامَ الجَرِّ أو لامَ كَيْ فَلا بُدَّ فِيهِما مِن تَقْدِيرِ "أنْ" لِأنَّهُما لا يَدْخُلانِ إلّا عَلى الأسْماءِ. وقالَ الفَرّاءُ والكُوفِيُّونَ: اللامُ نَفْسُها بِمَنزِلَةِ "أنْ" وهو ضَعِيفٌ. ونَظِيرُ هَذِهِ اللامِ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها........................

وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: إرادَتِي لِأنْسى.

"وَيَهْدِيَكُمْ" بِمَعْنى: يُرْشِدُكُمْ، لا يَتَوَجَّهُ غَيْرَ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ السُنَنِ. والسُنَنُ: الطُرُقُ ووُجُوهُ الأُمُورِ وأنْحاؤُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَظْهَرُ مِن قُوَّةِ هَذا الكَلامِ أنَّ شِرْعَتَنا في المَشْرُوعاتِ كَشِرْعَةِ مَن قَبْلَنا، ولَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وإنَّما هَذِهِ الهِدايَةُ في أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا في أنّا خُوطِبْنا في كُلِّ قِصَّةٍ نَهْيًا وأمْرًا، كَما خُوطِبُوا هم أيْضًا في قِصَصِهِمْ، وشُرِعَ لَنا كَما شُرِعَ لَهُمْ، فَهُدِينا سُنَنَهم في ذَلِكَ وإنِ اخْتَلَفَتْ أحْكامُنا وأحْكامُهُمْ، والأمْرُ الثانِي أنَّ هَدْيَنا سُنَنَهم في أنْ أطَعْنا وسَمِعْنا كَما سَمِعُوا وأطاعُوا، فَوَقَعَ التَماثُلُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ.

والَّذِينَ مِن قَبْلِنا: هُمُ المُؤْمِنُونَ في كُلِّ شَرِيعَةٍ. وتَوْبَةُ اللهِ عَلى عَبْدِهِ هي رُجُوعُهُ بِهِ عَنِ المَعاصِي إلى الطاعاتِ، وتَوْفِيقُهُ لَهُ. وحَسُنَ "عَلِيمٌ" هُنا بِحَسَبِ ما تَقَدَّمَ مِن سُنَنِ الشَرائِعِ ومَوْضِعِ المَصالِحِ، و"حَكِيمٌ" أيْ: مُصِيبٌ بِالأشْياءِ مَواضِعَها بِحَسَبِ الحِكْمَةِ والإتْقانِ.

وتَكْرارُ إرادَةِ اللهِ تَعالى التَوْبَةَ عَلى عِبادِهِ تَقْوِيَةٌ لِلْإخْبارِ الأوَّلِ، ولَيْسَ المَقْصِدُ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا الإخْبارَ عن إرادَةِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَهَواتِ، فَقُدِّمَتْ إرادَةُ اللهِ تَوْطِئَةً مُظْهِرَةً لِفَسادِ إرادَةِ مُتَّبِعِي الشَهَواتِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مُتَّبِعِي الشَهَواتِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الزُناةُ. وقالَ السُدِّيُّ: هُمُ اليَهُودُ والنَصارى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُمُ اليَهُودُ خاصَّةً، لِأنَّهم أرادُوا أنْ يَتَّبِعَهُمُ المُسْلِمُونَ في نِكاحِ الأخَواتِ مِنَ الأبِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَلِكَ عَلى العُمُومِ في هَؤُلاءِ، وفي كُلِّ مُتَّبِعٍ شَهْوَةً، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "مَيْلًا" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مَيَلًا" بِفَتْحِ الياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ أنْ يُخَفِّفَ عنكُمْ﴾، المَقْصِدُ الظاهِرُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّها في تَخْفِيفِ اللهِ تَعالى تَرْكَ نِكاحِ الإماءِ بِإباحَةِ ذَلِكَ، وأنَّ إخْبارَهُ عن ضَعْفِ الإنْسانِ إنَّما هو في بابِ النِساءِ، أيْ: لَمّا عَلِمْنا ضَعْفَكم عَنِ الصَبْرِ عَنِ النِساءِ خَفَّفْنا عنكم بِإباحَةِ الإماءِ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وطاوُسُ. وقالَ طاوُسُ: لَيْسَ يَكُونُ الإنْسانُ في شَيْءٍ أضْعَفَ مِنهُ في أمْرِ النِساءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ثُمَّ بَعْدَ هَذا المَقْصِدِ تَخْرُجُ الآيَةُ في مَخْرَجِ التَفَضُّلِ، لِأنَّها تَتَناوَلُ كُلَّ ما …

29

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا

O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allah is to you ever Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عن تَراضٍ مِنكم ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرًا﴾

هَذا اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى: لَكِنْ إنْ كانَتْ تِجارَةً فَكُلُوها.

وقَرَأ المَدَنِيُّونَ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تِجارَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى تَمامِ "أنْ" وأنَّها بِمَعْنى: وقَعَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ هي الكُوفِيُّونَ: حَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ: "تِجارَةً" بِالنَصْبِ عَلى نُقْصانِ "كانَ" وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ.

وهُما قَوْلانِ قَوِيّانِ، إلّا أنَّ تَمامَ "كانَ" يَتَرَجَّحُ عِنْدَ بَعْضٍ، لِأنَّها صِلَةٌ لِـ "أنْ" فَهي مَحْطُوطَةٌ عن دَرَجَتِها إذا كانَتْ سَلِيمَةً مِن صِلَةٍ وغَيْرِها، وهَذا تَرْجِيحٌ لَيْسَ بِالقَوِيِّ، ولَكِنَّهُ حَسَنٌ، و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ. ومَن نَصَبَ "تِجارَةً" جَعَلَ اسْمَ "كانَ" مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ: الأمْوالُ أمْوالُ تِجارَةٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، أو يَكُونُ التَقْدِيرُ: إلّا أنْ تَكُونَ التِجارَةُ تِجارَةً، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ ...... إذا كانَ يَوْمًا ذا كَواكِبَ أشْنَعا

أيْ: إذا كانَ اليَوْمُ يَوْمًا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ في كُلِّ تَقْدِيرٍ، وفي قِراءَةِ الرَفْعِ. فَأكْلُ الأمْوالِ بِالتِجارَةِ جائِزٌ بِإجْماعِ الأُمَّةِ، والجُمْهُورُ عَلى جَوازِ الغَبْنِ في التِجارَةِ، مِثالُ ذَلِكَ: أنْ يَبِيعَ الرَجُلُ ياقُوتَةً بِدِرْهَمٍ وهي تُساوِي مِائَةً، فَذَلِكَ جائِزٌ، ويُعَضِّدُهُ حَدِيثُ النَبِيِّ ﷺ « "لا يَبِيعُ حاضِرٌ لِبادٍ"،» لِأنَّهُ إنَّما أرادَ بِذَلِكَ أنْ يَبِيعَ البادِي بِاجْتِهادِهِ، ولا يَمْنَعَ الحاضِرُ الحاضِرَ مِن رِزْقِ اللهِ في غَبْنِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الغَبْنُ إذا تَجاوَزَ الثُلُثَ مَرْدُودٌ، وإنَّما أُبِيحَ مِنهُ المُتَقارِبُ المُتَعارَفُ في التِجاراتِ، وأمّا المُتَفاحِشُ الفادِحُ فَلا، وقالَهُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ.

و"عن تَراضٍ" مَعْناهُ: عن رِضا، إلّا أنَّها جاءَتْ مِنَ المُفاعَلَةِ، إذِ التِجارَةُ مِنِ اثْنَيْنِ، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في التَراضِي، فَقالَتْ طائِفَةٌ: تَمامُهُ وجَزْمُهُ بِافْتِراقِ الأبْدانِ بَعْدَ عُقْدَةِ البَيْعِ، أو بِأنْ يَقُولَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: اخْتَرْ، فَيَقُولَ: قَدِ اخْتَرْتُ، وذَلِكَ بَعْدَ العُقْدَةِ أيْضًا، فَيَنْجَزِمُ حِينَئِذٍ، هَذا هو قَوْلُ الشافِعِيِّ وجَماعَةٍ مِنَ الصَحابَةِ، وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ النَبِيِّ ﷺ « "البَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا إلّا بَيْعَ الخِيارِ"»، وهو حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وأبِي بَرْزَةَ، ورَأْيُهُما -وَهُما الراوِيانِ- أنَّهُ افْتِراقُ الأبْدانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والتَفَرُّقُ لا يَكُونُ حَقِيقَةً إلّا بِالأبْدانِ، لِأنَّهُ مِن صِفاتِ الجَواهِرِ.

وقالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُما اللهُ: تَمامُ التَراضِي أنْ يُعْقَدَ البَيْعُ بِالألْسِنَةِ فَتَنْجَزِمَ العُقْدَةُ بِذَلِكَ ويَرْتَفِعَ الخِيارُ، وقالا في الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ: إنَّهُ التَفَرُّقُ بِالقَوْلِ، واحْتَجَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلا مِن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، فَهَذِهِ فُرْقَةٌ بِالقَوْلِ لِأنَّها بِالطَلاقِ.

قالَ مَنِ احْتَجَّ لِلشّافِعِيِّ: بَلْ هي فُرْقَةٌ بِالأبْدانِ، بِدَلِيلِ تَثْنِيَةِ الضَمِيرِ. والطَلاقُ لا حَظَّ لِلْمَرْأةِ فِيهِ، وإنَّما حَظُّها في فُرْقَةِ …

30

وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًۭا وَظُلْمًۭا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا

And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allah, is [always] easy.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عن تَراضٍ مِنكم ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرًا﴾

هَذا اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى: لَكِنْ إنْ كانَتْ تِجارَةً فَكُلُوها.

وقَرَأ المَدَنِيُّونَ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تِجارَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى تَمامِ "أنْ" وأنَّها بِمَعْنى: وقَعَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ هي الكُوفِيُّونَ: حَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ: "تِجارَةً" بِالنَصْبِ عَلى نُقْصانِ "كانَ" وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ.

وهُما قَوْلانِ قَوِيّانِ، إلّا أنَّ تَمامَ "كانَ" يَتَرَجَّحُ عِنْدَ بَعْضٍ، لِأنَّها صِلَةٌ لِـ "أنْ" فَهي مَحْطُوطَةٌ عن دَرَجَتِها إذا كانَتْ سَلِيمَةً مِن صِلَةٍ وغَيْرِها، وهَذا تَرْجِيحٌ لَيْسَ بِالقَوِيِّ، ولَكِنَّهُ حَسَنٌ، و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ. ومَن نَصَبَ "تِجارَةً" جَعَلَ اسْمَ "كانَ" مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ: الأمْوالُ أمْوالُ تِجارَةٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، أو يَكُونُ التَقْدِيرُ: إلّا أنْ تَكُونَ التِجارَةُ تِجارَةً، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ ...... إذا كانَ يَوْمًا ذا كَواكِبَ أشْنَعا

أيْ: إذا كانَ اليَوْمُ يَوْمًا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ في كُلِّ تَقْدِيرٍ، وفي قِراءَةِ الرَفْعِ. فَأكْلُ الأمْوالِ بِالتِجارَةِ جائِزٌ بِإجْماعِ الأُمَّةِ، والجُمْهُورُ عَلى جَوازِ الغَبْنِ في التِجارَةِ، مِثالُ ذَلِكَ: أنْ يَبِيعَ الرَجُلُ ياقُوتَةً بِدِرْهَمٍ وهي تُساوِي مِائَةً، فَذَلِكَ جائِزٌ، ويُعَضِّدُهُ حَدِيثُ النَبِيِّ ﷺ « "لا يَبِيعُ حاضِرٌ لِبادٍ"،» لِأنَّهُ إنَّما أرادَ بِذَلِكَ أنْ يَبِيعَ البادِي بِاجْتِهادِهِ، ولا يَمْنَعَ الحاضِرُ الحاضِرَ مِن رِزْقِ اللهِ في غَبْنِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الغَبْنُ إذا تَجاوَزَ الثُلُثَ مَرْدُودٌ، وإنَّما أُبِيحَ مِنهُ المُتَقارِبُ المُتَعارَفُ في التِجاراتِ، وأمّا المُتَفاحِشُ الفادِحُ فَلا، وقالَهُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ.

و"عن تَراضٍ" مَعْناهُ: عن رِضا، إلّا أنَّها جاءَتْ مِنَ المُفاعَلَةِ، إذِ التِجارَةُ مِنِ اثْنَيْنِ، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في التَراضِي، فَقالَتْ طائِفَةٌ: تَمامُهُ وجَزْمُهُ بِافْتِراقِ الأبْدانِ بَعْدَ عُقْدَةِ البَيْعِ، أو بِأنْ يَقُولَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: اخْتَرْ، فَيَقُولَ: قَدِ اخْتَرْتُ، وذَلِكَ بَعْدَ العُقْدَةِ أيْضًا، فَيَنْجَزِمُ حِينَئِذٍ، هَذا هو قَوْلُ الشافِعِيِّ وجَماعَةٍ مِنَ الصَحابَةِ، وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ النَبِيِّ ﷺ « "البَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا إلّا بَيْعَ الخِيارِ"»، وهو حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وأبِي بَرْزَةَ، ورَأْيُهُما -وَهُما الراوِيانِ- أنَّهُ افْتِراقُ الأبْدانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والتَفَرُّقُ لا يَكُونُ حَقِيقَةً إلّا بِالأبْدانِ، لِأنَّهُ مِن صِفاتِ الجَواهِرِ.

وقالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُما اللهُ: تَمامُ التَراضِي أنْ يُعْقَدَ البَيْعُ بِالألْسِنَةِ فَتَنْجَزِمَ العُقْدَةُ بِذَلِكَ ويَرْتَفِعَ الخِيارُ، وقالا في الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ: إنَّهُ التَفَرُّقُ بِالقَوْلِ، واحْتَجَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلا مِن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، فَهَذِهِ فُرْقَةٌ بِالقَوْلِ لِأنَّها بِالطَلاقِ.

قالَ مَنِ احْتَجَّ لِلشّافِعِيِّ: بَلْ هي فُرْقَةٌ بِالأبْدانِ، بِدَلِيلِ تَثْنِيَةِ الضَمِيرِ. والطَلاقُ لا حَظَّ لِلْمَرْأةِ فِيهِ، وإنَّما حَظُّها في فُرْقَةِ …

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.