Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 21–30 of 176

21

وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُۥ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًۭا

And how could you take it while you have gone in unto each other and they have taken from you a solemn covenant?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في عِلَّةِ هَذا المَنعِ أُمُورًا: أحَدُها: أنَّ هَذا الأخْذَ يَتَضَمَّنُ نِسْبَتَها إلى الفاحِشَةِ المُبَيِّنَةِ، فَكانَ ذَلِكَ بُهْتانًا والبُهْتانُ مِن أُمَّهاتِ الكَبائِرِ. وثانِيها: أنَّهُ إثْمٌ مُبِينٌ لِأنَّ هَذا المالَ حَقُّها فَمَن ضَيَّقَ الأمْرَ عَلَيْها لِيَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ التَّشْدِيدِ والتَّضْيِيقِ وهو ظُلْمٌ، إلى أخْذِ المالِ وهو ظُلْمٌ آخَرُ، فَلا شَكَّ أنَّ التَّوَسُّلَ

صفحة ١٤

بِظُلْمٍ إلى ظُلْمٍ آخَرَ يَكُونُ إثْمًا مُبِينًا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: أصْلُ أفْضى مِنَ الفَضاءِ الَّذِي هو السَّعَةُ يُقالُ: فَضا يَفْضُو فُضُوًّا وفَضاءً إذا اتَّسَعَ، قالَ اللَّيْثُ: أفْضى فُلانٌ إلى فُلانٍ، أيْ وصَلَ إلَيْهِ، وأصْلُهُ أنَّهُ صارَ في فُرْجَتِهِ وفَضائِهِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ في الإفْضاءِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الإفْضاءَ هَهُنا كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ واخْتِيارُ الزَّجّاجِ وابْنِ قُتَيْبَةَ ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ؛ لِأنَّ عِنْدَهُ الزَّوْجَ إذا طَلَّقَ قَبْلَ المَسِيسِ فَلَهُ أنْ يَرْجِعَ في نِصْفِ المَهْرِ، وإنْ خَلا بِها.

والقَوْلُ الثّانِي في الإفْضاءِ: أنْ يَخْلُوَ بِها وإنْ لَمْ يُجامِعْها، قالَ الكَلْبِيُّ: الإفْضاءُ أنْ يَكُونَ مَعَها في لِحافٍ واحِدٍ، جامَعَها أوْ لَمْ يُجامِعْها، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ الفَرّاءِ ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأنَّ الخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ تُقَرِّرُ المَهْرَ.

واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّيْثَ قالَ: أفْضى فُلانٌ إلى فُلانَةَ أيْ: صارَ في فُرْجَتِها وفَضائِها، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا المَعْنى إنَّما يَحْصُلُ في الحَقِيقَةِ عِنْدَ الجِماعِ، أمّا في غَيْرِ وقْتِ الجِماعِ فَهَذا غَيْرُ حاصِلٍ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا في مَعْرِضِ التَّعَجُّبِ، فَقالَ: ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ والتَّعَجُّبُ إنَّما يَتِمُّ إذا كانَ هَذا الإفْضاءُ سَبَبًا قَوِيًّا في حُصُولِ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ، وهو الجِماعُ لا مُجَرَّدُ الخَلْوَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الإفْضاءِ عَلَيْهِ.

الثّالِثُ: وهو أنَّ الإفْضاءَ إلَيْها لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُفَسَّرًا بِفِعْلٍ مِنهُ يَنْتَهِي إلَيْهِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ، ومُجَرَّدُ الخَلْوَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ عِنْدَ الخَلْوَةِ المَحْضَةِ لَمْ يَصِلْ فِعْلٌ مِن أفْعالِ واحِدٍ مِنهُما إلى الآخَرِ، فامْتَنَعَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ بِمُجَرَّدِ الخَلْوَةِ.

فَإنْ قِيلَ: فَإذا اضْطَجَعا في لِحافٍ واحِدٍ وتَلامَسا فَقَدْ حَصَلَ الإفْضاءُ مِن بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كافِيًا، وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِهِ.

قُلْنا: القائِلُ قائِلانِ، قائِلٌ يَقُولُ: المَهْرُ لا يَتَقَرَّرُ إلّا بِالجِماعِ، وآخَرُ: إنَّهُ يَتَقَرَّرُ بِمُجَرَّدِ الخَلْوَةِ ولَيْسَ في الأُمَّةِ أحَدٌ يَقُولُ إنَّهُ يَتَقَرَّرُ بِالمُلامَسَةِ والمُضاجَعَةِ، فَكانَ هَذا القَوْلُ باطِلًا بِالإجْماعِ، فَلَمْ يَبْقَ في تَفْسِيرِ إفْضاءِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ إلّا أحَدُ أمْرَيْنِ: إمّا الجِماعُ، وإمّا الخَلْوَةُ، والقَوْلُ بِالخَلْوَةِ باطِلٌ لِما بَيَّنّاهُ، فَبَقِيَ أنَّ المُرادَ بِالإفْضاءِ هو الجِماعُ.

الرّابِعُ: أنَّ المَهْرَ …

22

وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةًۭ وَمَقْتًۭا وَسَآءَ سَبِيلًا

And do not marry those [women] whom your fathers married, except what has already occurred. Indeed, it was an immorality and hateful [to Allah] and was evil as a way.

النَّوْعُ الخامِسُ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي كَلَّفَ اللَّهُ تَعالى بِها في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالنِّساءِ:

﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلًا﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلًا﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَتَزَوَّجُونَ بِأزْواجِ آبائِهِمْ فَنَهاهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَحْرُمُ عَلى الرَّجُلِ أنْ يَتَزَوَّجَ بِمَزْنِيَّةِ أبِيهِ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: لا يَحْرُمُ، احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى نَهى الرَّجُلَ أنْ يَنْكِحَ مَنكُوحَةَ أبِيهِ، والنِّكاحُ عِبارَةٌ عَنِ الوَطْءِ فَكانَ نَهْيًا عَنْ نِكاحِ مَوْطُوءَةِ أبِيهِ، إنَّما قُلْنا: إنَّ النِّكاحَ عِبارَةٌ عَنِ الوَطْءِ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] أضافَ هَذا النِّكاحَ إلى الزَّوْجِ، والنِّكاحُ المُضافُ إلى الزَّوْجِ هو الوَطْءُ لا العَقْدُ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَزَوَّجَ بِزَوْجَةِ نَفْسِهِ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِالنِّكاحِ في هَذِهِ الآيَةِ هو العَقْدَ لَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ التَّحْلِيلُ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ وحَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ مِنَ النِّكاحِ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ هو العَقْدَ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ هو الوَطْءَ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.

الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ [النساء: ٦] والمُرادُ مِنَ النِّكاحِ هَهُنا الوَطْءُ لا العَقْدُ؛ لِأنَّ أهْلِيَّةَ العَقْدِ كانَتْ حاصِلَةً أبَدًا.

الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ [النور: ٣] فَلَوْ كانَ المُرادُ هَهُنا العَقْدَ لَزِمَ الكَذِبُ.

الرّابِعُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ناكِحُ اليَدِ مَلْعُونٌ» “، ومَعْلُومٌ أنَّ المُرادَ لَيْسَ هو العَقْدَ بَلْ هو الوَطْءُ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ النِّكاحَ عِبارَةٌ عَنِ الوَطْءِ، فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ أيْ: ولا تَنْكِحُوا ما وطِئَهُنَّ آباؤُكم، وهَذا يَدْخُلُ فِيهِ المَنكُوحَةُ والمَزْنِيَّةُ، لا يُقالُ: كَما أنَّ لَفْظَ النِّكاحِ ورَدَ بِمَعْنى الوَطْءِ فَقَدْ ورَدَ أيْضًا بِمَعْنى العَقْدِ قالَ تَعالى: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢] ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«وُلِدْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أُولَدْ مِن سِفاحٍ» “ فَلِمَ كانَ حَمْلُ

صفحة ١٦

اللَّفْظِ عَلى الوَطْءِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى العَقْدِ ؟

أجابُوا عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكَرْخِيُّ، وهو أنَّ لَفْظَ النِّكاحِ حَقِيقَةٌ في الوَطْءِ مَجازٌ في العَقْدِ، بِدَلِيلِ أنَّ لَفْظَ النِّكاحِ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الضَّمِّ، ومَعْنى الضَّمِّ حاصِلٌ في الوَطْءِ لا في العَقْدِ، فَكانَ لَفْظُ النِّكاحِ حَقِيقَةً في الوَطْءِ، ثُمَّ إنَّ العَقْدَ سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّ العَقْدَ لَمّا كانَ سَبَبًا لَهُ أُطْلِقَ اسْمُ …

23

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَٰلَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

Prohibited to you [for marriage] are your mothers, your daughters, your sisters, your father's sisters, your mother's sisters, your brother's daughters, your sister's daughters, your [milk] mothers who nursed you, your sisters through nursing, your wives' mothers, and your step-daughters under your guardianship [born] of your wives unto whom you have gone in. But if you have not gone in unto them, there is no sin upon you. And [also prohibited are] the wives of your sons who are from your [own] loins, and that you take [in marriage] two sisters simultaneously, except for what has already occurred. Indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.

النَّوْعُ السّادِسُ: مِنَ التَّكالِيفِ المُتَعَلِّقَةِ بِالنِّساءِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآياتِ:

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى تَحْرِيمِ أرْبَعَةَ عَشَرَ صِنْفًا مِنَ النِّسْوانِ: سَبْعَةٌ مِنهُنَّ مِن جِهَةِ النَّسَبِ، وهُنَّ الأُمَّهاتُ والبَناتُ والأخَواتُ والعَمّاتُ والخالاتُ وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ، وسَبْعَةٌ أُخْرى لا مِن جِهَةِ النَّسَبِ وهُنَّ: الأُمَّهاتُ مِنَ الرَّضاعَةِ والأخَواتُ مِنَ الرَّضاعَةِ وأُمَّهاتُ النِّساءِ وبَناتُ النِّساءِ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَ بِالنِّساءِ، وأزْواجُ الأبْناءِ والآباءِ، إلّا أنَّ أزْواجَ الأبْناءِ مَذْكُورَةٌ هَهُنا، وأزْواجُ الآباءِ مَذْكُورَةٌ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَهَبَ الكَرْخِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُجْمَلَةٌ قالَ: لِأنَّهُ أُضِيفَ التَّحْرِيمُ فِيها إلى الأُمَّهاتِ والبَناتِ، والتَّحْرِيمُ لا يُمْكِنُ إضافَتُهُ إلى الأعْيانِ، وإنَّما يُمْكِنُ إضافَتُهُ إلى الأفْعالِ، وذَلِكَ الفِعْلُ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، فَلَيْسَتْ إضافَةُ هَذا التَّحْرِيمِ إلى بَعْضِ الأفْعالِ الَّتِي لا يُمْكِنُ إيقاعُها في ذَواتِ الأُمَّهاتِ والبَناتِ، أوْلى مِن بَعْضٍ، فَصارَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً مِن هَذا الوَجْهِ.

والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ تَقْدِيمَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ تَحْرِيمُ نِكاحِهِنَّ.

الثّانِي: أنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ المُرادَ مِنهُ تَحْرِيمُ نِكاحِهِنَّ، والأصْلُ فِيهِ أنَّ الحُرْمَةَ والإباحَةَ إذا أُضِيفَتا إلى الأعْيانِ، فالمُرادُ

صفحة ٢٢

تَحْرِيمُ الفِعْلِ المَطْلُوبِ مِنها في العُرْفِ، فَإذا قِيلَ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ، فَهِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ المُرادَ تَحْرِيمُ أكْلِهِما، وإذا قِيلَ: حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم، فَهِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ المُرادَ تَحْرِيمُ نِكاحِهِنَّ، ولَمّا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا لِإحْدى مَعانٍ ثَلاثٍ» “ فَهِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ المُرادَ لا يَحِلُّ إراقَةُ دَمِهِ، وإذا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ كانَ إلْقاءُ الشُّبُهاتِ فِيها جارِيًا مَجْرى القَدْحِ في البَدِيهِيّاتِ وشِبْهِ السُّوفِسْطائِيَّةِ، فَكانَتْ في غايَةِ الرَّكاكَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

بَلى عِنْدِي فِيهِ بَحْثٌ مِن وُجُوهٍ أُخْرى:

أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ مَذْكُورٌ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأنَّ فاعِلَ التَّحْرِيمِ هو اللَّهُ تَعالى، وما لَمْ يُثْبَتْ ذَلِكَ لَمْ تُفِدِ الآيَةُ شَيْئًا آخَرَ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِالإجْماعِ، فَهَذِهِ الآيَةُ وحْدَها لا تُفِيدُ شَيْئًا، بَلْ لا بُدَّ مَعَها مِنَ الإجْماعِ عَلى هَذِهِ المُقَدِّمَةِ.

وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ لَيْسَ نَصًّا في ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ، فَإنَّ القَدْرَ المَذْكُورَ في الآيَةِ يُمْكِنُ تَقْسِيمُهُ إلى المُؤَبَّدِ، وإلى المُؤَقَّتِ، كَأنَّهُ تَعالى تارَةً قالَ: حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم إلى الوَقْتِ الفُلانِيِّ فَقَطْ، …

24

۞ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ ۚ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةًۭ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُم بِهِۦ مِنۢ بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And [also prohibited to you are all] married women except those your right hands possess. [This is] the decree of Allah upon you. And lawful to you are [all others] beyond these, [provided] that you seek them [in marriage] with [gifts from] your property, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse. So for whatever you enjoy [of marriage] from them, give them their due compensation as an obligation. And there is no blame upon you for what you mutually agree to beyond the obligation. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

النَّوْعُ الرّابِعَ عَشَرَ مِنَ المُحَرَّماتِ:

﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكم وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكم وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ .

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الإحْصانُ في اللُّغَةِ المَنعُ، وكَذَلِكَ الحَصانَةُ، يُقالُ: مَدِينَةٌ حَصِينَةٌ ودِرْعٌ حَصِينَةٌ، أيْ: مانِعَةٌ صاحِبَها مِنَ الجِراحَةِ. قالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] مَعْناهُ لِتَمْنَعَكم وتَحْرِزَكم، والحِصْنُ المَوْضِعُ الحَصِينُ لِمَنعِهِ مَن يُرِيدُهُ بِالسُّوءِ، والحِصانُ بِالكَسْرِ الفَرَسُ الفَحْلُ، لِمَنعِهِ صاحِبَهُ مِنَ الهَلاكِ، والحَصانُ بِالفَتْحِ المَرْأةُ العَفِيفَةُ لِمَنعِها فَرْجَها مِنَ الفَسادِ، قالَ تَعالى: ﴿ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ [التحريم: ١٢] .

واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الإحْصانِ جاءَ في القُرْآنِ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: الحُرِّيَّةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ [النور: ٤] يَعْنِي الحَرائِرَ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قَذَفَ غَيْرَ حُرٍّ لَمْ يُجْلَدْ ثَمانِينَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥] يَعْنِي الحَرائِرَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ﴾

صفحة ٣٣

﴿مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ﴾ [النساء: ٢٥]، أيِ: الحَرائِرَ.

وثانِيها: العَفافُ، وهو قَوْلُهُ ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ [النساء: ٢٥]، وقَوْلُهُ: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [المائدة: ٥]، وقَوْلُهُ: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ [الأنبياء: ٩١] أيْ: أعَفَّتْهُ.

وثالِثُها: الإسْلامُ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] قِيلَ في تَفْسِيرِهِ: إذا أسْلَمْنَ.

ورابِعُها: كَوْنُ المَرْأةِ ذاتَ زَوْجٍ يُقالُ: امْرَأةٌ مُحْصَنَةٌ إذا كانَتْ ذاتَ زَوْجٍ، وقَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يَعْنِي ذَواتِ الأزْواجِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى عَطَفَ المُحْصَناتِ عَلى المُحَرَّماتِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ الإحْصانُ سَبَبًا لِلْحُرْمَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الحُرِّيَّةَ والعَفافَ والإسْلامَ لا تَأْثِيرَ لَهُ في ذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ المُزَوَّجَةَ؛ لِأنَّ كَوْنَ المَرْأةِ ذاتَ زَوْجٍ لَهُ تَأْثِيرٌ في كَوْنِها مُحَرَّمَةً عَلى الغَيْرِ.

واعْلَمْ أنَّ الوُجُوهَ الأرْبَعَةَ مُشْتَرِكَةٌ في المَعْنى الأصْلِيِّ اللُّغَوِيِّ، وهو المَنعُ، وذَلِكَ لِأنّا ذَكَرْنا أنَّ الإحْصانَ عِبارَةٌ عَنِ المَنعِ، فالحُرِّيَّةُ سَبَبٌ لِتَحْصِينِ الإنْسانِ مِن نَفاذِ حُكْمِ الغَيْرِ فِيهِ، والعِفَّةُ أيْضًا مانِعَةٌ لِلْإنْسانِ عَنِ الشُّرُوعِ فِيما لا يَنْبَغِي، وكَذَلِكَ الإسْلامُ مانِعٌ مِن كَثِيرٍ مِمّا تَدْعُو إلَيْهِ النَّفْسُ والشَّهْوَةُ، والزَّوْجُ أيْضًا مانِعٌ لِلزَّوْجَةِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ، والزَّوْجَةُ مانِعَةٌ لِلزَّوْجِ مِنَ الوُقُوعِ في الزِّنا، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن تَزَوَّجَ فَقَدْ حَصَّنَ ثُلُثَيْ دِينِهِ» “ فَثَبَتَ أنَّ المَرْجِعَ بِكُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ إلى ذَلِكَ المَعْنى اللُّغَوِيِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ”المُحْصَناتِ“ فَقَرَءُوا بِكَسْرِ الصّادِ وفَتْحِها في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهم أجْمَعُوا عَلى الفَتْحِ …

25

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍۢ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍۢ ۚ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍۢ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allah is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears sin, but to be patient is better for you. And Allah is Forgiving and Merciful.

النَّوْعُ السّابِعُ مِنَ التَّكالِيفِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ:

صفحة ٤٦

﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكم بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكم وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكم بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكم وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مَن يَحِلُّ ومَن لا يَحِلُّ: بَيَّنَ فِيمَن يَحِلُّ أنَّهُ مَتى يَحِلُّ، وعَلى أيِّ وجْهٍ يَحِلُّ فَقالَ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الكِسائِيُّ (المُحْصِناتِ) بِكَسْرِ الصّادِ، وكَذَلِكَ (مُحْصِناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ) وكَذَلِكَ (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصِناتِ) كُلُّها بِكَسْرِ الصّادِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ، فالفَتْحُ مَعْناهُ ذَواتُ الأزْواجِ، والكَسْرُ مَعْناهُ العَفائِفُ والحَرائِرُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطَّوْلُ: الفَضْلُ، ومِنهُ التَّطَوُّلُ وهو التَّفَضُّلُ، وقالَ تَعالى: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾، ويُقالُ: تَطاوَلَ لِهَذا الشَّيْءِ أيْ تَناوَلَهُ، كَما يُقالُ: يَدُ فُلانٍ مَبْسُوطَةٌ، وأصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ الطُّولِ الَّذِي هو خِلافُ القِصَرِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ طَوِيلًا فَفِيهِ كَمالٌ وزِيادَةٌ، كَما أنَّهُ إذا كانَ قَصِيرًا فَفِيهِ قُصُورٌ ونُقْصانٌ، وسُمِّيَ الغِنى أيْضًا طَوْلًا؛ لِأنَّهُ يُنالُ بِهِ مِنَ المُراداتِ ما لا يُنالُ عِنْدَ الفَقْرِ، كَما أنَّ بِالطُّولِ يُنالُ ما لا يُنالُ بِالقِصَرِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الطَّوْلُ القُدْرَةُ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ”يَسْتَطِعْ“ و(أنْ يَنْكِحَ) في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ القُدْرَةِ.

فَإنْ قِيلَ: الِاسْتِطاعَةُ هي القُدْرَةُ، والطَّوْلُ أيْضًا هو القُدْرَةُ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: ومَن لَمْ يَقْدِرْ مِنكم عَلى القُدْرَةِ عَلى نِكاحِ المُحْصَناتِ، فَما فائِدَةُ هَذا التَّكْرِيرِ في ذِكْرِ القُدْرَةِ ؟

قُلْنا: الأمْرُ كَما ذَكَرْتَ، والأوْلى أنْ يُقالَ: المَعْنى فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمُ اسْتِطاعَةً بِالنِّكاحِ بِالمُحْصَناتِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَزُولُ الإشْكالُ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ.

أمّا ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ فَوُجُوهٌ:

الأوَّلُ: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ زِيادَةً في المالِ وسَعَةً يَبْلُغُ بِها نِكاحَ الحُرَّةِ فَلْيَنْكِحْ أمَةً.

الثّانِي: أنْ يُفَسَّرَ النِّكاحُ بِالوَطْءِ، والمَعْنى: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا وطْءَ الحَرائِرِ فَلْيَنْكِحْ أمَةً، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَكُلُّ مَن لَيْسَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّزَوُّجُ بِالأمَةِ، وهَذا التَّفْسِيرُ لائِقٌ بِمَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ، فَإنَّ مَذْهَبَهُ …

26

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

Allah wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allah is Knowing and Wise.

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

صفحة ٥٤

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالُوا: إنَّهُ قَدْ تُقامُ اللّامُ مَقامَ ”أنْ“ في أرَدْتَ وأمَرْتَ، فَيُقالُ: أرَدْتَ أنْ تَذْهَبَ، وأرَدْتَ لِتَذْهَبَ، وأمَرْتُكَ أنْ تَقُومَ، وأمَرْتُكَ لِتَقُومَ، قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨] يَعْنِي يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا، وقالَ: ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] .

والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَقُولَ: إنَّ في الآيَةِ إضْمارًا، والتَّقْدِيرُ: يُرِيدُ اللَّهُ إنْزالَ هَذِهِ الآياتِ لِيُبَيِّنَ لَكم دِينَكم وشَرْعَكم، وكَذا القَوْلُ في سائِرِ الآياتِ الَّتِي ذَكَرُوها، فَقَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي يُرِيدُونَ كَيْدَهم وعِنادَهم لِيُطْفِئُوا، وأُمِرْنا بِما أُمِرْنا لِنُسْلِمَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ مَعْناهُما شَيْءٌ واحِدٌ، والتَّكْرِيرُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ وهَذا ضَعِيفٌ، والحَقُّ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ هو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَنا هَذِهِ التَّكالِيفَ، ومَيَّزَ فِيها الحَلالَ مِنَ الحَرامِ والحَسَنَ مِنَ القَبِيحِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما بَيَّنَ تَحْرِيمَهُ لَنا وتَحْلِيلَهُ لَنا مِنَ النِّساءِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، فَقَدْ كانَ الحُكْمُ أيْضًا كَذَلِكَ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ والمِلَلِ.

والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يَهْدِيكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم في بَيانِ ما لَكم فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ كَما بَيَّنَهُ لَهم، فَإنَّ الشَّرائِعَ والتَّكالِيفَ وإنْ كانَتْ مُخْتَلِفَةً في نَفْسِها، إلّا أنَّها مُتَّفِقَةٌ في بابِ المَصالِحِ.

وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ المَعْنى: أنَّهُ يَهْدِيكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم مِن أهْلِ الحَقِّ لِتَجْتَنِبُوا الباطِلَ وتَتَّبِعُوا الحَقَّ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ القاضِي: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى كَما أرادَ مِنّا نَفْسَ الطّاعَةِ، فَلا جَرَمَ بَيَّنَها وأزالَ الشُّبْهَةَ عَنْها، كَذَلِكَ وقَعَ التَّقْصِيرُ والتَّفْرِيطُ مِنّا، فَيُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْنا؛ لِأنَّ المُكَلَّفَ قَدْ يُطِيعُ فَيَسْتَحِقُّ الثَّوابَ، وقَدْ يَعْصِي فَيَحْتاجُ إلى التَّلافِي بِالتَّوْبَةِ.

واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ إشْكالًا: وهو أنَّ الحَقَّ إمّا أنْ يَكُونَ ما يَقُولُ أهْلُ السُّنَّةِ مِن أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، وإمّا أنْ يَكُونَ الحَقُّ ما تَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَيْسَ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى، والآيَةُ مُشْكِلَةٌ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ. أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: فَلِأنَّ عَلى هَذا القَوْلِ كُلَّ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ يَحْصُلُ، فَإذا أرادَ أنْ يَتُوبَ عَلَيْنا وجَبَ أنْ يَحْصُلَ التَّوْبَةُ لِكُلِّنا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي: فَهو تَعالى يُرِيدُ مِنّا أنْ نَتُوبَ بِاخْتِيارِنا وفِعْلِنا، وقَوْلُهُ: ﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ظاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَخْلُقُ التَّوْبَةَ فِينا ويَحْصُلُ لَنا هَذِهِ التَّوْبَةُ، فَهَذِهِ الآيَةُ مُشْكِلَةٌ عَلى كِلا …

27

وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًۭا

Allah wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾

فِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: المَجُوسُ كانُوا يُحِلُّونَ الأخَواتِ وبَناتِ الإخْوَةِ والأخَواتِ، فَلَمّا حَرَّمَهُنَّ اللَّهُ تَعالى قالُوا: إنَّكم تُحِلُّونَ بِنْتَ الخالَةِ والعَمَّةِ، والخالَةُ والعَمَّةُ عَلَيْكم حَرامٌ، فانْكِحُوا أيْضًا بَناتِ الأخِ والأُخْتِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ التَّوْبَةَ مِنَ الكُلِّ، والطّاعَةَ مِنَ الكُلِّ. قالَ أصْحابُنا: هَذا مُحالٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنَ الفاسِقِ أنَّهُ لا يَتُوبُ، وعِلْمُهُ بِأنَّهُ لا يَتُوبُ مَعَ تَوْبَتِهِ ضِدّانِ، وذَلِكَ العِلْمُ مُمْتَنِعُ الزَّوالِ، ومَعَ وُجُوبِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ كانَتْ إرادَةُ الضِّدِّ الآخَرِ إرادَةً لِما عَلِمَ كَوْنَهُ مُحالًا، وذَلِكَ مُحالٌ، وأيْضًا إذا كانَ هو تَعالى يُرِيدُ التَّوْبَةَ مِنَ الكُلِّ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا، ثُمَّ يَحْصُلُ مُرادُ الشَّيْطانِ لا مُرادُ الرَّحْمَنِ، فَحِينَئِذٍ نَفاذُ الشَّيْطانِ في مُلْكِ الرَّحْمَنِ أتَمُّ مِن نَفاذِ الرَّحْمَنِ في مُلْكِ نَفْسِهِ وذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ حَصَلَتْ هَذِهِ التَّوْبَةُ لَهم.

28

يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ ضَعِيفًۭا

And Allah wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.

ثُمَّ قالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في التَّخْفِيفِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ إباحَةُ نِكاحِ الأمَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ، والباقُونَ قالُوا: هَذا عامٌّ في كُلِّ أحْكامِ الشَّرْعِ، وفي جَمِيعِ ما يَسَّرَهُ لَنا وسَهَّلَهُ عَلَيْنا، إحْسانًا مِنهُ إلَيْنا، ولَمْ يُثْقِلِ التَّكْلِيفَ عَلَيْنا كَما ثَقَّلَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«جِئْتُكم بِالحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ» “ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعالى، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ، فالكافِرُ يُخْلَقُ فِيهِ الكُفْرُ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: لا تَكْفُرْ، فَهَذا أعْظَمُ وُجُوهِ التَّثْقِيلِ، ولا يَخْلُقُ فِيهِ الإيمانَ ولا قُدْرَةَ

صفحة ٥٦

لِلْعَبْدِ عَلى خَلْقِ الإيمانِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: آمِن، وهَذا أعْظَمُ وُجُوهِ التَّثْقِيلِ. قالَ: ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ غَيْرُ واقِعٍ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ وُجُوهِ التَّثْقِيلِ.

والجَوابُ: أنَّهُ مُعارَضٌ بِالعِلْمِ والدّاعِي، وأكْثَرِ ما ذَكَرْناهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لِضَعْفِ الإنْسانِ خَفَّفَ تَكْلِيفَهُ ولَمْ يُثْقِلْ، والأقْرَبُ أنَّهُ يُحْمَلُ الضَّعْفُ في هَذا المَوْضِعِ لا عَلى ضَعْفِ الخِلْقَةِ، بَلْ يُحْمَلُ عَلى كَثْرَةِ الدَّواعِي إلى اتِّباعِ الشَّهْوَةِ واللَّذَّةِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ كالوَجْهِ في أنْ يَضْعُفَ عَنِ احْتِمالِ خِلافِهِ. وإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذا الوَجْهَ أوْلى؛ لِأنَّ الضَّعْفَ في الخِلْقَةِ والقُوَّةِ لَوْ قَوّى اللَّهُ داعِيَتَهُ إلى الطّاعَةِ كانَ في حُكْمِ القَوِيِّ، والقَوِيُّ في الخِلْقَةِ والآلَةِ إذا كانَ ضَعِيفَ الدَّواعِي إلى الطّاعَةِ صارَ في حُكْمِ الضَّعِيفِ، فالتَّأْثِيرُ في هَذا البابِ لِضَعْفِ الدّاعِيَةِ وقُوَّتِها، لا لِضَعْفِ البَدَنِ وقُوَّتِهِ، هَذا كُلُّهُ كَلامُ القاضِي، وهو كَلامٌ حَسَنٌ، ولَكِنَّهُ يَهْدِمُ أصْلَهُ، وذَلِكَ لَمّا سَلَّمَ أنَّ المُؤَثِّرَ في وُجُودِ الفِعْلِ وعَدَمِهِ قُوَّةُ الدّاعِيَةِ وضَعْفُها، فَلَوْ تَأمَّلَ لَعَلِمَ أنَّ قُوَّةَ الدّاعِيَةِ وضَعْفَها لا بُدَّ لَهُ مِن سَبَبٍ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِداعِيَةٍ أُخْرى مِنَ العَبْدِ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ، فَذاكَ هو الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، وبَطَلَ القَوْلُ بِالِاعْتِزالِ بِالكُلِّيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ثَمانُ آياتٍ في سُورَةِ النِّساءِ هي خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتْ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠] ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٧] .

ويَقُولُ مُحَمَّدٌ الرّازِيُّ مُصَنِّفُ …

29

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا

O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allah is to you ever Merciful.

النَّوْعُ الثّامِنُ: مِنَ التَّكالِيفِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكم ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكم ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾

اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ كَيْفِيَّةَ التَّصَرُّفِ في النُّفُوسِ بِسَبَبِ النِّكاحِ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَيْفِيَّةَ التَّصَرُّفِ في الأمْوالِ.

والثّانِي: قالَ القاضِي: لَمّا ذَكَرَ ابْتِغاءَ النِّكاحِ بِالأمْوالِ وأمَرَ بِإيفاءِ المُهُورِ والنَّفَقاتِ، بَيَّنَ مِن بَعْدُ كَيْفَ التَّصَرُّفُ في الأمْوالِ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾

صفحة ٥٧

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى خَصَّ الأكْلَ هَهُنا بِالذِّكْرِ وإنْ كانَتْ سائِرُ التَّصَرُّفاتِ الواقِعَةِ عَلى الوَجْهِ الباطِلِ مُحَرَّمَةً؛ لِما أنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ مِنَ الأمْوالِ: الأكْلُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الباطِلِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ ما لا يَحِلُّ في الشَّرْعِ، كالرِّبا، والغَصْبِ، والسَّرِقَةِ، والخِيانَةِ، وشَهادَةِ الزُّورِ، وأخْذِ المالِ بِاليَمِينِ الكاذِبَةِ، وجَحْدِ الحَقِّ. وعِنْدِي أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ يَقْتَضِي كَوْنَها مُجْمَلَةً؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: لا تَأْكُلُوا أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلْتُمُوها بَيْنَكم بِطَرِيقٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، فَإنَّ الطُّرُقَ المَشْرُوعَةَ لَمّا لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً هَهُنا عَلى التَّفْصِيلِ صارَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً لا مَحالَةَ.

والثّانِي: ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: أنَّ الباطِلَ هو كُلُّ ما يُؤْخَذُ مِنَ الإنْسانِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ لا تَكُونُ الآيَةُ مُجْمَلَةً، لَكِنْ قالَ بَعْضُهم: إنَّها مَنسُوخَةٌ، قالُوا: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَحَرَّجَ النّاسُ مِن أنْ يَأْكُلُوا عِنْدَ أحَدٍ شَيْئًا، وشَقَّ ذَلِكَ عَلى الخَلْقِ، فَنَسَخَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ في سُورَةِ النُّورِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ الآيَةَ. وأيْضًا: ظاهِرُ الآيَةِ - إذا فَسَّرْنا الباطِلَ بِما ذَكَرْناهُ - تَحْرُمُ الصَّدَقاتُ والهِباتُ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: هَذا لَيْسَ بِنَسْخٍ، وإنَّما هو تَخْصِيصٌ؛ ولِهَذا رَوى الشَّعْبِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، ما نُسِخَتْ، ولا تُنْسَخُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ يَدْخُلُ تَحْتَهُ أكْلُ مالِ الغَيْرِ بِالباطِلِ، وأكْلُ مالِ نَفْسِهِ بِالباطِلِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أمْوالَكُمْ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ القِسْمانِ مَعًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ غَيْرِهِ وعَنْ قَتْلِ نَفْسِهِ بِالباطِلِ. أمّا أكْلُ مالِ نَفْسِهِ …

30

وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًۭا وَظُلْمًۭا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا

And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allah, is [always] easy.

ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ .

واعْلَمْ أنَّ فِيهِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ عَطاءٌ: إنَّهُ خاصٌّ في قَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ.

الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عائِدٌ إلى قَتْلِ النَّفْسِ وأكْلِ المالِ بِالباطِلِ؛ لِأنَّهُما مَذْكُورانِ في آيَةٍ واحِدَةٍ.

والثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ عائِدٌ إلى كُلِّ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قالَ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا﴾؛ لِأنَّ في جُمْلَةِ ما تَقَدَّمَ قَتْلَ البَعْضِ لِلْبَعْضِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ حَقًّا كالقَوَدِ، وفي جُمْلَةِ ما تَقَدَّمَ أخْذُ المالِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ حَقًّا كَما في الدِّيَةِ وغَيْرِها؛ فَلِهَذا السَّبَبِ شَرَطَهُ تَعالى في ذَلِكَ الوَعِيدِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ أهْلِ الصَّلاةِ. قالُوا: وقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ وإنْ كانَ لا يَدُلُّ عَلى التَّخْلِيدِ إلّا أنَّ كُلَّ مَن قَطَعَ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ قالَ بِتَخْلِيدِهِمْ، فَيَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ أحَدِهِما ثُبُوتُ الآخَرِ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.

والجَوابُ عَنْهُ بِالِاسْتِقْصاءِ قَدْ تَقَدَّمَ في مَواضِعَ، إلّا أنَّ الَّذِي نَقُولُهُ هَهُنا: إنَّ هَذا مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا﴾ ولا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ العُدْوانِ وبَيْنَ الظُّلْمِ دَفْعًا لِلتَّكْرِيرِ، فَيُحْمَلُ الظُّلْمُ عَلى ما إذا كانَ قَصْدُهُ التَّعَدِّي عَلى تَكالِيفِ اللَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ كافِرًا، لا يُقالُ: ألَيْسَ أنَّهُ وصَفَهم بِالإيمانِ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ ؟ لِأنّا نَقُولُ: مَذْهَبُكم أنَّ مَن دَخَلَ تَحْتَ هَذا الوَعِيدِ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا البَتَّةَ، فَلا بُدَّ عَلى هَذا المَذْهَبِ أنْ تَقُولُوا: إنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ، ثُمَّ لَمّا أتَوْا بِهَذِهِ الأفْعالِ ما بَقُوا عَلى وصْفِ الإيمانِ، فَإذا كانَ لا بُدَّ لَكم مِنَ القَوْلِ بِهَذا الكَلامِ، فَلِمَ لا يَصِحُّ هَذا الكَلامُ مِنّا أيْضًا في تَقْرِيرِ ما قُلْناهُ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.

صفحة ٦٠

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ فَقالَ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ .

واعْلَمْ أنَّ جَمِيعَ المُمْكِناتِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى السَّوِيَّةِ، وحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّ بَعْضَ الأفْعالِ أيْسَرُ عَلَيْهِ مِن بَعْضٍ، بَلْ هَذا الخِطابُ نَزَلَ عَلى القَوْلِ المُتَعارَفِ فِيما بَيْنَنا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] أوْ يَكُونُ مَعْناهُ المُبالَغَةَ في التَّهْدِيدِ، وهو أنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى الهَرَبِ مِنهُ ولا عَلى الِامْتِناعِ عَلَيْهِ.

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.