Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti

Ayahs 21–30 of 176

21

وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُۥ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًۭا

And how could you take it while you have gone in unto each other and they have taken from you a solemn covenant?

Explained together with ayah 15

22

وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةًۭ وَمَقْتًۭا وَسَآءَ سَبِيلًا

And do not marry those [women] whom your fathers married, except what has already occurred. Indeed, it was an immorality and hateful [to Allah] and was evil as a way.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ الآيَةَ نَهى اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ نِكاحِ المَرْأةِ الَّتِي نَكَحَها الأبُ، ولَمْ يُبَيِّنْ ما المُرادُ بِنِكاحِ الأبِ هَلْ هو العَقْدُ أوِ الوَطْءُ ؟ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ اسْمَ النِّكاحِ يُطْلَقُ عَلى العَقْدِ وحْدَهُ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ مَسِيسٌ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فَصَرَّحَ بِأنَّهُ نِكاحٌ وأنَّهُ لا مَسِيسَ فِيهِ.

وَقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ مَن عَقَدَ عَلَيْها الأبُ حَرُمَتْ عَلى ابْنِهِ، وإنْ لَمْ يَمَسَّها الأبُ، وكَذَلِكَ عَقْدُ الِابْنِ مُحَرَّمٌ عَلى الأبِ إجْماعًا، وإنْ لَمْ يَمَسَّها وقَدْ أطْلَقَ تَعالى النِّكاحَ في آيَةٍ أُخْرى مُرِيدًا بِهِ الجِماعَ بَعْدَ العَقْدِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ لِأنَّ المُرادَ بِالنِّكاحِ هُنا لَيْسَ مُجَرَّدَ العَقْدِ، بَلْ لا بُدَّ مَعَهُ مِنَ الوَطْءِ، كَما قالَ ﷺ لِامْرَأةِ رِفاعَةَ القُرَظِيِّ: «لا، حَتّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» يَعْنِي الجِماعَ ولا عِبْرَةَ بِما يُرْوى مِنَ المُخالَفَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ لِوُضُوحِ النَّصِّ الصَّرِيحِ الصَّحِيحِ في عَيْنِ المَسْألَةِ.

وَمِن هُنا قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لَفْظُ النِّكاحِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ العَقْدِ والجِماعِ، وقالَ بَعْضُهم: هو حَقِيقَةٌ في الجِماعِ مَجازٌ في العَقْدِ؛ لِأنَّهُ سَبَبُهُ وقالَ بَعْضُهم بِالعَكْسِ.

تَنْبِيهٌ

قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ لَفْظَةَ ما مِن قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]، مَصْدَرِيَّةٌ وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ مِنَ النِّساءِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: تَنْكِحُوا لا بِقَوْلِهِ نَكَحَ، وتَقْرِيرُ المَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ ولا تَنْكِحُوا مِنَ النِّساءِ نِكاحَ آبائِكم، أيْ: لا تَفْعَلُوا ما كانَ يَفْعَلُهُ آباؤُكم مِنَ النِّكاحِ الفاسِدِ، وهَذا القَوْلُ هو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ، والَّذِي يَظْهَرُ وجَزَمَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ أنَّ ما مَوْصُولَةٌ واقِعَةٌ عَلى النِّساءِ الَّتِي نَكَحَها الآباءُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَنْكِحُونَ نِساءَ آبائِهِمْ كَما يَدُلُّ لَهُ سَبَبُ النُّزُولِ، فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ أبِي حاتِمٍ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها أنَّهُ «لَمّا تُوُفِّيَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ خَطَبَ ابْنُهُ امْرَأتَهُ، فاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ فَقالَ: ”ارْجِعِي إلى بَيْتِكِ“، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ الآيَةَ» .

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: نِكاحُ زَوْجاتِ الآباءِ كانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ، ومِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ المَذْكُورُ، فَقَدْ تَزَوَّجَ أمَّ عُبَيْدِ اللَّهِ وكانَتْ تَحْتَ الأسْلَتِ أبِيهِ، وَتَزَوَّجَ الأسْوَدُ بْنُ خَلَفٍ ابْنَةَ أبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ العُزّى بْنِ عُثْمانَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ وكانَتْ تَحْتَ أبِيهِ خَلَفٍ، وتَزَوَّجَ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ فاخِتَةَ ابْنَةَ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ بْنِ أسَدٍ، وكانَتْ تَحْتَ أبِيهِ أُمَيَّةَ، كَما نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قائِلًا: إنَّهُ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ، وتَزَوَّجَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ زَوْجَةَ أبِيهِ بَعْدَهُ، فَوَلَدَتْ لَهُ …

23

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَٰلَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

Prohibited to you [for marriage] are your mothers, your daughters, your sisters, your father's sisters, your mother's sisters, your brother's daughters, your sister's daughters, your [milk] mothers who nursed you, your sisters through nursing, your wives' mothers, and your step-daughters under your guardianship [born] of your wives unto whom you have gone in. But if you have not gone in unto them, there is no sin upon you. And [also prohibited are] the wives of your sons who are from your [own] loins, and that you take [in marriage] two sisters simultaneously, except for what has already occurred. Indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ الآيَةَ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ حَلِيلَةَ دَعِيِّهِ الَّذِي تَبَنّاهُ لا تَحْرُمُ عَلَيْهِ، وهَذا المَفْهُومُ صَرَّحَ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٤٠] .

أمّا تَحْرِيمُ مَنكُوحَةِ الِابْنِ مِنَ الرِّضاعِ فَهو مَأْخُوذٌ مِن دَلِيلِ خارِجٍ وهو تَصْرِيحُهُ ﷺ «بِأنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرِّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

⁕ ⁕ ⁕

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ الآيَةَ.

هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِعُمُومِها عَلى مَنعِ الجَمْعِ بَيْنَ كُلِّ أُخْتَيْنِ سَواءٌ كانَتا بِعَقْدٍ أمْ بِمِلْكِ يَمِينٍ، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ تَدُلُّ بِعُمُومِها عَلى جَوازِ جَمْعِ الأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ وهي قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”قَدْ أفْلَحَ“ وسُورَةِ ”سَألَ سائِلٌ“: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] .

فَقَوْلُهُ: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ اسْمٌ مُثَنّى مُحَلّى بِألْ والمُحَلّى بِها مِن صِيَغِ العُمُومِ كَما تَقَرَّرَ خَرَّجَهُ في عِلْمِ الأُصُولِ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ اسْمٌ مَوْصُولٌ وهو أيْضًا مِن صِيَغِ العُمُومِ، كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ أيْضًا.

فَبَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عُمُومٌ وخُصُوصٌ مِن وجْهٍ يَتَعارَضانِ بِحَسَبَ ما يَظْهَرُ في صُورَةٍ هي جَمْعُ الأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، فَيَدُلُّ عُمُومُ ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ عَلى التَّحْرِيمِ، وعُمُومُ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ عَلى الإباحَةِ، كَما قالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما أُخْرى.

وَحاصِلُ تَحْرِيرِ الجَوابِ عَنْ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّهُما لا بُدَّ أنْ يُخَصَّصَ عُمُومُ إحْداهُما بِعُمُومِ الأُخْرى، فَيَلْزَمُ التَّرْجِيحُ بَيْنَ العُمُومَيْنِ، والرّاجِحُ مِنهُما يُقَدَّمُ ويُخَصَّصُ بِهِ عُمُومُ الآخَرِ لِوُجُوبِ العَمَلِ بِالرّاجِحِ إجْماعًا، وعَلَيْهِ فَعُمُومُ: وأنْ ﴿تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾، أرْجَحُ مِن عُمُومِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ مِن خَمْسَةِ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ عُمُومَ: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ نَصٌّ في مَحَلِّ المُدْرَكِ المَقْصُودِ بِالذّاتِ لِأنَّ السُّورَةَ سُورَةُ ”النِّساءِ“ وهي الَّتِي بَيَّنَ اللَّهُ فِيها مَن تَحِلُّ مِنهُنَّ ومَن تَحْرُمُ، وآيَةُ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ لَمْ تُذْكَرْ مِن أجْلِ تَحْرِيمِ النِّساءِ ولا تَحْلِيلِهِنَّ، بَلْ ذَكَرَ اللَّهُ صِفاتَ المُتَّقِينَ، فَذَكَرَ مِن جُمْلَتِها حِفْظَ الفَرْجِ، فاسْتَطْرَدَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ حِفْظُهُ عَنِ الزَّوْجَةِ والسُّرِّيَّةِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ أخْذَ الأحْكامِ مِن مَظانِّها أوْلى مِن أخْذِها لا مِن مَظانِّها.

الثّانِي: أنَّ آيَةَ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ لَيْسَتْ باقِيَةً عَلى عُمُومِها بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ الأُخْتَ مِنَ الرّاضِعِ لا تَحِلُّ بِمِلْكِ اليَمِينِ إجْماعًا لِلْإجْماعِ عَلى أنَّ عُمُومَ ﴿أوْ ما …

24

۞ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ ۚ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةًۭ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُم بِهِۦ مِنۢ بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And [also prohibited to you are all] married women except those your right hands possess. [This is] the decree of Allah upon you. And lawful to you are [all others] beyond these, [provided] that you seek them [in marriage] with [gifts from] your property, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse. So for whatever you enjoy [of marriage] from them, give them their due compensation as an obligation. And there is no blame upon you for what you mutually agree to beyond the obligation. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ لَفْظَ المُحْصَناتِ أُطْلِقَ في القُرْآنِ ثَلاثَةَ إطْلاقاتٍ:

الأوَّلُ: المُحْصَناتُ العَفائِفُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ [النساء: ٢٥] أيْ: عَفائِفَ غَيْرَ زانِياتِ.

الثّانِي: المُحْصَناتُ الحَرائِرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾، أيْ: عَلى الإماءِ نِصْفُ ما عَلى الحَرائِرِ مِنَ الجَلْدِ.

الثّالِثُ: أنْ يُرادَ بِالإحْصانِ التَّزَوُّجُ، ومِنهُ عَلى التَّحْقِيقِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ﴾ الآيَةَ، أيْ: فَإذا تَزَوَّجْنَ. وقَوْلُ مَن قالَ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ المُرادَ بِالإحْصانِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ الإسْلامُ خِلافَ الظّاهِرِ مِن سِياقِ الآيَةِ؛ لِأنَّ سِياقَ الآيَةِ في الفَتَياتِ المُؤْمِناتِ حَيْثُ قالَ: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ الآيَةَ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما نَصُّهُ: والأظْهَرُ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ المُرادَ بِالإحْصانِ هاهُنا التَّزْوِيجُ؛ لِأنَّ سِياقَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ حَيْثُ يَقُولُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾، واللَّهِ أعْلَمُ. والآيَةُ الكَرِيمَةُ سِياقُها في الفَتَياتِ المُؤْمِناتِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ أيْ: تَزَوَّجْنَ كَما فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.

فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ الآيَةَ، أوْجُهٌ مِنَ التَّفْسِيرِ هي أقْوالٌ لِلْعُلَماءِ، والقُرْآنُ يُفْهَمُ مِنهُ تَرْجِيحُ واحِدٍ مُعَيَّنٍ مِنها.

قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالمُحْصَناتِ هُنا أعَمُّ مِنَ العَفائِفِ والحَرائِرِ والمُتَزَوِّجاتِ أيْ: حَرُمَتْ عَلَيْكم جَمِيعُ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم بِعَقْدٍ صَحِيحٍ أوْ مِلْكٍ شَرْعِيٍّ بِالرِّقِّ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ تَحْرِيمُ النِّساءِ كُلُّهُنَّ إلّا بِنِكاحٍ صَحِيحٍ أوْ تَسَرٍّ شَرْعِيٍّ، وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ، والسُّدِّيُّ، وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ واخْتارَهُ مالِكٌ في ”المُوَطَّأِ“ .

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالمُحْصَناتِ في الآيَةِ الحَرائِرُ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الحَرائِرُ غَيْرُ الأرْبَعِ، وأُحِلَّ لَكم ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِنَ الإماءِ، وعَلَيْهِ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالمُحْصَناتِ: المُتَزَوِّجاتُ، وعَلَيْهِ فَمَعْنى الآيَةِ وَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُتَزَوِّجاتُ؛ لِأنَّ ذاتَ الزَّوْجِ لا تَحِلُّ لِغَيْرِهِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم بِالسَّبْيِ مِنَ الكُفّارِ، فَإنَّ السَّبْيَ يَرْفَعُ حُكْمَ الزَّوْجِيَّةِ الأُولى في الكُفْرِ وهَذا القَوْلُ هو الصَّحِيحُ، وهو الَّذِي يَدُلُّ القُرْآنُ لِصِحَّتِهِ؛ لِأنَّ القَوْلَ الأوَّلَ فِيهِ حَمْلُ مِلْكِ اليَمِينِ عَلى ما يَشْمَلُ مِلْكَ النِّكاحِ، ومِلْكُ اليَمِينِ لَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ إلّا بِمَعْنى المِلْكِ بِالرِّقِّ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]،

• وقَوْلِهِ: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]،

• وقَوْلِهِ: …

25

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍۢ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍۢ ۚ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍۢ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allah is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears sin, but to be patient is better for you. And Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الأمَةَ لا يَجُوزُ نِكاحُها، ولَوْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إلّا إذا كانَتْ مُؤْمِنَةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فَمَفْهُومُ مُخالَفَتِهِ أنَّ غَيْرَ المُؤْمِناتِ مِنَ الإماءِ لا يَجُوزُ نِكاحُهُنَّ عَلى كُلِّ حالٍ، وهَذا المَفْهُومُ يُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ آيَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [المائدة: ٥]، فَإنَّ المُرادَ بِالمُحْصَناتِ فِيها الحَرائِرُ عَلى أحَدِ الأقْوالِ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الإماءَ الكَوافِرَ لا يَحِلُّ نِكاحُهُنَّ ولَوْ كُنَّ كِتابِيّاتٍ، وخالَفَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَأجازَ نِكاحَ الأمَةِ الكافِرَةِ، وأجازَ نِكاحَ الإماءِ لِمَن عِنْدَهُ طَوْلٌ يَنْكِحُ بِهِ الحَرائِرَ؛ لِأنَّهُ لا يُعْتَبَرُ مَفْهُومُ المُخالَفَةِ كَما عُرِفَ في أُصُولِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ.

أمّا وطْءُ الأمَةِ الكافِرَةِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، فَإنَّها إنْ كانَتْ كِتابِيَّةٌ فَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى إباحَةِ وطْئِها بِالمِلْكِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٦]، ولِجَوازِ نِكاحِ حَرائِرِهِمْ فَيَحِلُّ التَّسَرِّي بِالإماءِ مِنهم. وأمّا إنْ كانَتِ الأمَةُ المَمْلُوكَةُ لَهُ مَجُوسِيَّةً أوْ عابِدَةَ وثَنٍ مِمَّنْ لا يَحِلُّ نِكاحُ حَرائِرِهِمْ؛ فَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى مَنعِ وطْئِها بِمِلْكِ اليَمِينِ.

قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: وعَلَيْهِ جَماعَةُ فُقَهاءِ الأمْصارِ وجُمْهُورُ العُلَماءِ، وما خالَفَهُ فَهو شُذُوذٌ لا يُعَدُّ خِلافًا، ولَمْ يَبْلُغْنا إباحَةُ ذَلِكَ إلّا عَنْ طاوُسٍ.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ مِن جِهَةِ الدَّلِيلِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ جَوازُ وطْءِ الأمَةِ بِمِلْكِ اليَمِينِ وإنْ كانَتْ عابِدَةَ وثَنٍ أوْ مَجُوسِيَّةً؛ لِأنَّ أكْثَرَ السَّبايا في عَصْرِهِ ﷺ مِن كُفّارِ العَرَبِ وهم عَبَدَةُ أوْثانٍ، ولَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ حَرَّمَ وطْأهُنَّ بِالمِلْكِ لِكُفْرِهِنَّ ولَوْ كانَ حَرامًا لَبَيَّنَهُ، بَلْ قالَ ﷺ: «لا تُوطَأُ حامِلٌ حَتّى تَضَعَ، ولا غَيْرُ ذاتِ حَمْلٍ حَتّى تَحِيضَ حَيْضَةً»، ولَمْ يَقُلْ حَتّى يُسْلِمْنَ ولَوْ كانَ ذَلِكَ شَرْطًا لَقالَهُ وقَدْ أخَذَ الصَّحابَةُ سَبايا فارِسَ وهُنَّ مَجُوسٌ، ولَمْ يُنْقَلْ أنَّهُمُ اجْتَنَبُوهُنَّ حَتّى أسْلَمْنَ.

قالَ ابْنُ القَيِّمِ في ”زادِ المَعادِ“ ما نَصُّهُ: ودَلَّ هَذا القَضاءُ النَّبَوِيُّ عَلى جَوازِ وطْءِ الإماءِ الوَثَنِيّاتِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، فَإنَّ سَبايا أُوطاسٍ لَمْ يَكُنْ كِتابِيّاتٍ، ولَمْ يَشْتَرِطْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في وطْئِهِنَّ إسْلامَهُنَّ، ولَمْ يَجْعَلِ المانِعَ مِنهُ إلّا الِاسْتِبْراءَ فَقَطْ، وتَأْخِيرُ البَيانِ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ مُمْتَنِعٌ مَعَ أنَّهم حَدِيثُو عَهْدٍ بِالإسْلامِ ويَخْفى عَلَيْهِمْ حُكْمُ هَذِهِ المَسْألَةِ وحُصُولُ الإسْلامِ مِن جَمِيعِ السَّبايا، وكُنَّ عِدَّةَ آلافٍ بِحَيْثُ لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنهُنَّ عَنِ الإسْلامِ جارِيَةٌ واحِدَةٌ مِمّا يُعْلَمُ أنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ، فَإنَّهُنَّ لَمْ يُكْرَهْنَ عَلى الإسْلامِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُنَّ مِنَ البَصِيرَةِ والرَّغْبَةِ والمَحَبَّةِ في الإسْلامِ ما يَقْتَضِي مُبادَرَتَهُنَّ إلَيْهِ جَمِيعًا، فَمُقْتَضى السُّنَّةِ وعَمَلِ الصَّحابَةِ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَعْدَهُ جَوازُ وطْءِ …

26

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

Allah wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allah is Knowing and Wise.

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [ ٦ ] .

وَقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤٨]، ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ ذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ اخْتِلافًا مُبِينًا عَلى الِاخْتِلافِ في حُكْمِ هَذِهِ المَسْألَةِ.

فَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا إنْ ثَبَتَ بِشَرْعِنا فَهو شَرْعٌ لَنا ما لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ مِن شَرْعِنا عَلى نَسْخِهِ، لِأنَّهُ ما ذُكِرَ لَنا في شَرْعِنا إلّا لِأجْلِ الِاعْتِبارِ والعَمَلِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَوَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ أنَّ شَرائِعَ الرُّسُلِ رُبَّما يُنْسَخُ في بَعْضِها حُكْمٌ كانَ في غَيْرِها أوْ يُزادُ في بَعْضِها حُكْمٌ لَمْ يَكُنْ في غَيْرِها.

فالشِّرْعَةُ إذَنْ إمّا بِزِيادَةِ أحْكامٍ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً قَبْلُ وإمّا بِنَسْخِ شَيْءٍ كانَ مَشْرُوعًا قَبْلُ، فَتَكُونُ الآيَةُ لا دَلِيلَ فِيها عَلى أنَّ ما ثَبَتَ بِشَرْعِنا أنَّهُ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا، ولَمْ يُنْسَخْ أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْعِنا لِأنَّ زِيادَةَ ما لَمْ يَكُنْ قَبْلُ أوْ نَسْخَ ما كانَ مِن قَبْلُ كِلاهُما لَيْسَ مِن مَحَلِّ النِّزاعِ.

وَأمّا عَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ ومَن وافَقَهُ: أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا لَيْسَ شَرْعًا لَنا إلّا بِنَصٍّ مِن شَرْعِنا أنَّهُ مَشْرُوعٌ لَنا.

فَوَجْهُ الجَمْعِ أنَّ المُرادَ بِسُنَنِ مَن قَبْلَنا وبِالهُدى في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ أُصُولُ الدِّينِ الَّتِي هي التَّوْحِيدُ لا الفُرُوعُ العِلْمِيَّةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ الآيَةَ.

وَلَكِنَّ هَذا الجَمْعَ الَّذِي ذَهَبَتْ إلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ يَرُدُّ عَلَيْهِ ما رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ ”ص“ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ «سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ: مِن أيْنَ أخَذْتَ السَّجْدَةَ في ”ص“ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فَسَجَدَها داوُدُ فَسَجَدَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»، ومَعْلُومٌ أنَّ سُجُودَ التِّلاوَةِ مِنَ الفُرُوعِ لا مِنَ الأُصُولِ، وقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَها اقْتِداءٍ بِداوُدَ، وقَدْ بَيَّنْتُ هَذِهِ المَسْألَةَ بَيانًا شافِيًا في رِحْلَتِي، فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُها هُنا.

27

وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًۭا

Allah wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.

Explained together with ayah 26

28

يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ ضَعِيفًۭا

And Allah wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.

Explained together with ayah 26

29

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا

O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allah is to you ever Merciful.

Explained together with ayah 26

30

وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًۭا وَظُلْمًۭا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا

And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allah, is [always] easy.

Explained together with ayah 26

Commentary: Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.