Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 1–10 of 176

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا

O mankind, fear your Lord, who created you from one soul and created from it its mate and dispersed from both of them many men and women. And fear Allah, through whom you ask one another, and the wombs. Indeed Allah is ever, over you, an Observer.

صفحة ١٢٨

سُورَةُ النِّساءِ

مِائَةٌ وسَبْعُونَ وسِتُّ آياتٍ مَدَنِيَّةٍ

﷽

﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾

﷽

﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّكالِيفِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ النّاسَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِالتَّعَطُّفِ عَلى الأوْلادِ والنِّساءِ والأيْتامِ، والرَّأْفَةِ بِهِمْ وإيصالِ حُقُوقِهِمْ إلَيْهِمْ وحِفْظِ أمْوالِهِمْ عَلَيْهِمْ، وبِهَذا المَعْنى خُتِمَتِ السُّورَةُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] وذَكَرَ في أثْناءِ هَذِهِ السُّورَةِ أنْواعًا أُخَرَ مِنَ التَّكالِيفِ، وهي الأمْرُ بِالطَّهارَةِ والصَّلاةِ وقِتالِ المُشْرِكِينَ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ التَّكالِيفُ شاقَّةً عَلى النُّفُوسِ لِثِقَلِها عَلى الطِّباعِ، لا جَرَمَ افْتَتَحَ السُّورَةَ بِالعِلَّةِ الَّتِي لِأجْلِها يَجِبُ حَمْلُ هَذِهِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، وهي تَقْوى الرَّبِّ الَّذِي خَلَقَنا والإلَهِ الَّذِي أوْجَدَنا، فَلِهَذا قالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: رَوى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ أنَّ هَذا الخِطابَ لِأهْلِ مَكَّةَ، وأمّا الأُصُولِيُّونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الخِطابَ عامٌّ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، وهَذا هو الأصَحُّ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ لَفْظَ النّاسِ جَمْعٌ دَخَلَهُ الألِفُ واللّامُ فَيُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ الأمْرَ بِالِاتِّقاءِ بِكَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لَهم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، وهَذِهِ العِلَّةُ عامَّةٌ في حَقِّ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ بِأنَّهم مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خُلِقُوا بِأسْرِهِمْ، وإذا كانَتِ العِلَّةُ عامَّةً كانَ الحُكْمُ عامًّا.

وثالِثُها: أنَّ التَّكْلِيفَ بِالتَّقْوى غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِأهْلِ مَكَّةَ، بَلْ هو عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ العالَمِينَ، وإذا كانَ لَفْظُ النّاسِ عامًّا في الكُلِّ، وكانَ الأمْرُ بِالتَّقْوى عامًّا في الكُلِّ، وكانَتْ عِلَّةُ هَذا التَّكْلِيفِ، وهي كَوْنُهم خُلِقُوا مِنَ النَّفْسِ الواحِدَةِ عامَّةً في حَقِّ

صفحة ١٢٩

الكُلِّ، كانَ القَوْلُ بِالتَّخْصِيصِ في غايَةِ البُعْدِ. وحُجَّةُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ [النساء: ١] مُخْتَصٌّ بِالعَرَبِ؛ لِأنَّ المُناشَدَةَ بِاللَّهِ وبِالرَّحِمِ عادَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ. فَيَقُولُونَ: أسْألُكَ بِاللَّهِ وبِالرَّحِمِ، وأنْشُدُكَ اللَّهَ والرَّحِمَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ مُخْتَصًّا بِالعَرَبِ، فَكانَ أوَّلُ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ مُخْتَصًّا بِهِمْ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ وقَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ ورَدا مُتَوَجِّهَيْنِ إلى مُخاطَبٍ واحِدٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ خُصُوصَ آخِرِ الآيَةِ لا يَمْنَعُ مِن عُمُومِ أوَّلِها، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ عامّا في الكُلِّ، وقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ . خاصًّا بِالعَرَبِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ هَذا المَطْلِعَ مَطْلِعًا لِسُورَتَيْنِ في القُرْآنِ: إحْداهُما: هَذِهِ السُّورَةُ وهي السُّورَةُ الرّابِعَةُ …

2

وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبًۭا كَبِيرًۭا

And give to the orphans their properties and do not substitute the defective [of your own] for the good [of theirs]. And do not consume their properties into your own. Indeed, that is ever a great sin.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهم ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكم إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا افْتَتَحَ السُّورَةَ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى العَبْدِ أنْ يَكُونَ مُنْقادًا لِتَكالِيفِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، مُحْتَرِزًا عَنْ مَساخِطِهِ، شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في شَرْحِ أقْسامِ التَّكالِيفِ.

فالنَّوْعُ الأوَّلُ: ما يَتَعَلَّقُ بِأمْوالِ اليَتامى، وهو هَذِهِ الآيَةُ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى وصّى في الآيَةِ السّابِقَةِ بِالأرْحامِ، فَكَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ وصّى بِالأيْتامِ، لِأنَّهم قَدْ صارُوا بِحَيْثُ لا كافِلَ لَهم ولا مُشْفِقَ شَدِيدَ الإشْفاقِ عَلَيْهِمْ، فَفارَقَ حالُهم حالَ مَن لَهُ رَحِمٌ ماسَّةٌ عاطِفَةٌ عَلَيْهِ لِمَكانِ الوِلادَةِ أوْ لِمَكانِ الرَّحِمِ فَقالَ: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: اليَتامى الَّذِينَ ماتَ آباؤُهم فانْفَرَدُوا عَنْهم، والَيُتْمُ الِانْفِرادُ، ومِنهُ الرَّمْلَةُ اليَتِيمَةُ والدُّرَّةُ اليَتِيمَةُ، وقِيلَ: اليُتْمُ في الأناسِيِّ مِن قِبَلِ الآباءِ، وفي البَهائِمِ مِن قِبَلِ الأُمَّهاتِ. قالَ: وحَقُّ هَذا الِاسْمِ أنْ يَقَعَ عَلى الصِّغارِ والكِبارِ لِبَقاءِ الِانْفِرادِ عَنِ الآباءِ، إلّا أنَّ في العُرْفِ اخْتَصَّ هَذا الِاسْمُ بِمَن لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الرِّجالِ، فَإذا صارَ بِحَيْثُ يَسْتَغْنِي بِنَفْسِهِ في تَحْصِيلِ مَصالِحِهِ عَنْ كافِلٍ يَكْفُلُهُ وقَيِّمٍ يَقُومُ بِأمْرِهِ، زالَ عَنْهُ هَذا الِاسْمُ، وكانَتْ قُرَيْشٌ تَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَتِيمُ أبِي طالِبٍ، إمّا عَلى القِياسِ، وإمّا عَلى حِكايَةِ الحالِ الَّتِي كانَ عَلَيْها حِينَ كانَ صَغِيرًا ناشِئًا في حِجْرِ عَمِّهِ تَوْضِيعًا لَهُ. وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ» “ فَهو تَعْلِيمُ الشَّرِيعَةِ لا تَعْلِيمُ اللُّغَةِ، يَعْنِي إذا احْتَلَمَ فَإنَّهُ لا تَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ الصِّغارِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في أحْكامِ القُرْآنِ أنَّ جَدَّهُ كَتَبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ يَسْألُهُ عَنِ اليَتِيمِ مَتى يَنْقَطِعُ يُتْمُهُ ؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ: إذا أُونِسَ مِنهُ الرُّشْدُ انْقَطَعَ يُتْمُهُ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: إنَّ الرَّجُلَ لِيَقْبِضُ عَلى لِحْيَتِهِ ولَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ يُتْمُهُ بَعْدُ، فَأخْبَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ اسْمَ اليَتِيمِ قَدْ يَلْزَمُهُ بَعْدَ البُلُوغِ إذا لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ الرُّشْدُ، ثُمَّ قالَ أبُو بَكْرٍ: واسْمُ اليَتِيمِ قَدْ يَقَعُ عَلى المَرْأةِ المُفْرَدَةِ عَنْ زَوْجِها، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ» “ وهي لا تُسْتَأْمَرُ إلّا وهي بالِغَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:

إنَّ القُبُورَ تَنْكِحُ الأيامى النِّسْوَةَ الأرامِلَ اليَتامى

فالحاصِلُ مِن كُلِّ ما ذَكَرْنا أنَّ اسْمَ اليَتِيمِ بِحَسَبِ أصْلِ اللُّغَةِ يَتَناوَلُ الصَّغِيرَ والكَبِيرَ، إلّا أنَّهُ بِحَسَبَ العُرْفِ مُخْتَصٌّ بِالصَّغِيرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَهُنا سُؤالٌ وهو أنْ يُقالَ: كَيْفَ جَمَعَ اليَتِيمَ عَلى يَتامى ؟ واليَتِيمُ فَعِيلٌ، والفَعِيلُ يُجْمَعُ عَلى فَعْلى، كَمَرِيضٍ ومَرْضى وقَتِيلٍ وقَتْلى وجَرِيحٍ وجَرْحى ؟

قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: جَمْعُ اليَتِيمِ يَتْمى، ثُمَّ يُجْمَعُ فَعْلى عَلى فَعالى، كَأسِيرٍ وأسْرى وأُسارى.

والثّانِي: أنْ يُقالَ: جَمْعُ يَتِيمٍ يَتائِمُ؛ لِأنَّ اليَتِيمَ جارٍ مَجْرى الأسْماءِ نَحْوُ صاحِبٍ وفارِسٍ، ثُمَّ يُقْلَبُ اليَتائِمُ يَتامى. قالَ

صفحة ١٣٧

القَفّالُ …

3

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟

And if you fear that you will not deal justly with the orphan girls, then marry those that please you of [other] women, two or three or four. But if you fear that you will not be just, then [marry only] one or those your right hand possesses. That is more suitable that you may not incline [to injustice].

﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا مِنَ النَّوْعِ الثّانِي مِنَ الأحْكامِ الَّتِي ذَكَرَها في هَذِهِ السُّورَةِ وهو حُكْمُ الأنْكِحَةِ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الإقْساطُ العَدْلُ، يُقالُ أقْسَطَ الرَّجُلُ إذا عَدَلَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] والقِسْطُ العَدْلُ والنَّصَفَةُ، قالَ تَعالى: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ قَسَطَ وأقْسَطَ جَمِيعًا مِنَ القِسْطِ وهو النَّصِيبُ، فَإذا قالُوا: قَسَطَ بِمَعْنى جارَ أرادُوا أنَّهُ ظَلَمَ صاحِبَهُ في قِسْطِهِ الَّذِي يُصِيبُهُ، ألا تَرى أنَّهم قالُوا: قاسَطْتُهُ إذا غَلَبْتَهُ عَلى قِسْطِهِ، فَبُنِيَ قَسَطَ عَلى بِناءِ ظَلَمَ وجارَ وغَلَبَ، وإذا قالُوا أقْسَطَ فالمُرادُ أنَّهُ صارَ ذا قِسْطٍ عَدْلٍ، فَبُنِيَ عَلى بِناءِ أنْصَفَ إذا أتى بِالنِّصْفِ والعَدْلِ في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ وقَسْمِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا﴾ شَرْطٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] جَزاءٌ، ولا بُدَّ مِن بَيانِ أنَّهُ كَيْفَ يَتَعَلَّقُ هَذا الجَزاءُ بِهَذا الشَّرْطِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: رُوِيَ «عَنْ عُرْوَةَ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِعائِشَةَ: ما مَعْنى قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ فَقالَتْ: يا ابْنَ أُخْتِي هي اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حِجْرِ ولِيِّها فَيَرْغَبُ في مالِها وجَمالِها، إلّا أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَنْكِحَها بِأدْنى مِن صَداقِها، ثُمَّ إذا تَزَوَّجَ بِها عامَلَها مُعامَلَةً رَدِيئَةً لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لَيْسَ لَها مَن يَذُبُّ عَنْها ويَدْفَعُ شَرَّ ذَلِكَ الزَّوْجِ عَنْها، فَقالَ تَعالى: وإنْ خِفْتُمْ أنْ تَظْلِمُوا اليَتامى عِنْدَ نِكاحِهِنَّ فانْكِحُوا مِن غَيْرِهِنَّ ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ثُمَّ إنَّ النّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فِيهِنَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ﴾ [النساء: ١٢٧] قالَتْ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ﴾ [النساء: ١٢٧] المُرادُ مِنهُ هَذِهِ الآيَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا»﴾ .

صفحة ١٤٠

الوَجْهُ الثّانِي: في تَأْوِيلِ الآيَةِ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ في اليَتامى وما في أكْلِ أمْوالِهِمْ مِنَ الحُوبِ الكَبِيرِ، خافَ الأوْلِياءُ أنْ يَلْحَقَهُمُ الحُوبُ بِتَرْكِ الإقْساطِ في حُقُوقِ اليَتامى، فَتَحَرَّجُوا مِن ولايَتِهِمْ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم رُبَّما كانَ تَحْتَهُ العَشْرُ مِنَ الأزْواجِ وأكْثَرُ، فَلا يَقُومُ بِحُقُوقِهِنَّ ولا يَعْدِلُ بَيْنَهُنَّ، فَقِيلَ لَهم: إنْ خِفْتُمْ تَرْكَ العَدْلِ في حُقُوقِ اليَتامى فَتَحَرَّجْتُمْ مِنها، فَكُونُوا خائِفِينَ مِن تَرْكِ العَدْلِ مِنَ النِّساءِ، فَقَلَّلُوا عَدَدَ المَنكُوحاتِ؛ لِأنَّ مَن تَحَرَّجَ مِن ذَنْبٍ أوْ تابَ عَنْهُ وهو مُرْتَكِبٌ لِمِثْلِهِ فَكَأنَّهُ غَيْرُ مُتَحَرِّجٍ.

الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ: أنَّهم كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن ولايَةِ اليَتامى فَقِيلَ: إنْ خِفْتُمْ في حَقِّ اليَتامى فَكُونُوا خائِفِينَ مِنَ الزِّنا، فانْكِحُوا ما حَلَّ لَكم مِنَ النِّساءِ ولا تَحُومُوا حَوْلَ المُحَرَّماتِ.

الوَجْهُ الرّابِعُ في التَّأْوِيلِ: ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ …

4

وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةًۭ ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍۢ مِّنْهُ نَفْسًۭا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًۭٔا مَّرِيٓـًۭٔا

And give the women [upon marriage] their [bridal] gifts graciously. But if they give up willingly to you anything of it, then take it in satisfaction and ease.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وآتُوا النِّساءَ﴾ خِطابٌ لِمَن ؟ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا خِطابٌ لِأوْلِياءِ النِّساءِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ لا تُعْطِي النِّساءَ مِن مُهُورِهِنَّ شَيْئًا، ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ لِمَن وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ: هَنِيئًا لَكَ النّافِجَةُ، ومَعْناهُ أنَّكَ تَأْخُذُ مَهْرَها إبِلًا فَتَضُمُّها إلى إبِلِكَ فَتَنْفُجُ مالَكَ أيْ تُعَظِّمُهُ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: النّافِجَةُ ما يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ مِنَ الحُلْوانِ إذا زَوَّجَ ابْنَتَهُ، فَنَهى اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، وأمَرَ بِدَفْعِ الحَقِّ إلى أهْلِهِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ وأبِي صالِحٍ واخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الخِطابَ لِلْأزْواجِ. أُمِرُوا بِإيتاءِ النِّساءَ مُهُورَهُنَّ، وهَذا قَوْلُ عَلْقَمَةَ والنَّخَعِيِّ وقَتادَةَ واخْتِيارُ الزَّجّاجِ، قالَ: لِأنَّهُ لا ذِكْرَ لِلْأوْلِياءِ هَهُنا، وما قَبْلَ هَذا خِطابٌ لِلنّاكِحِينَ وهُمُ الأزْواجُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الإيتاءِ المُناوَلَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الِالتِزامَ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] والمَعْنى حَتّى يُضَمَّنُوها ويَلْتَزِمُوها، فَعَلى هَذا الوَجْهِ الأوَّلِ كَأنَّ المُرادَ أنَّهم أُمِرُوا بِدَفْعِ المُهُورِ الَّتِي قَدْ سَمَّوْها لَهُنَّ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي: كانَ المُرادُ أنَّ الفُرُوجَ لا تُسْتَباحُ إلّا بِعِوَضٍ يَلْزَمُ سَواءً سُمِّيَ ذَلِكَ أوْ لَمْ يُسَمَّ، إلّا ما خُصَّ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ في المَوْهُوبَةِ، ثُمَّ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ جامِعًا لِلْوَجْهَيْنِ مَعًا واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (صَدُقاتِهِنَّ) مُهُورَهُنَّ، وفي حَدِيثِ شُرَيْحٍ: قَضى ابْنُ عَبّاسٍ لَها بِالصَّدُقَةِ، وقَرَأ (صَدْقاتِهِنَّ) بِفَتْحِ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ عَلى تَخْفِيفِ صَدُقاتِهِنَّ، و(صُدْقاتِهِنَّ) بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ جَمْعَ صُدْقَةٍ، وقُرِئَ (صُدُقَتَهُنَّ) بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ عَلى التَّوْحِيدِ وهو مُثَقَّلُ صُدْقَةٍ كَقَوْلِهِ في ظُلْمَةٍ: ظُلُمَةٌ، قالَ الواحِدِيُّ: مَوْضُوعُ (ص د ق) عَلى هَذا التَّرْتِيبِ لِلْكَمالِ والصِّحَّةِ، فَسُمِّيَ المَهْرُ صَداقًا وصَدُقَةً؛ لِأنَّ عَقْدَ النِّكاحِ بِهِ يَتِمُّ ويَكْمُلُ.

صفحة ١٤٧

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في تَفْسِيرِ النِّحْلَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ: فَرِيضَةً، وإنَّما فَسَّرُوا النِّحْلَةَ بِالفَرِيضَةِ؛ لِأنَّ النِّحْلَةَ في اللُّغَةِ مَعْناها الدِّيانَةُ والمِلَّةُ والشِّرْعَةُ والمَذْهَبُ، يُقالُ: فُلانٌ يَنْتَحِلُ كَذا إذا كانَ يَتَدَيَّنُ بِهِ، ونِحْلَتُهُ كَذا أيْ دِينُهُ ومَذْهَبُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ أيْ آتُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ، فَإنَّها نِحْلَةٌ أيْ شَرِيعَةٌ ودِينٌ ومَذْهَبٌ وما هو دِينٌ ومَذْهَبٌ فَهو فَرِيضَةٌ.

الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: نِحْلَةٌ أيْ عَطِيَّةٌ وهِبَةٌ، يُقالُ: نَحَلْتُ فُلانًا شَيْئًا أنْحَلُهُ نِحْلَةً ونُحْلًا، قالَ القَفّالُ: وأصْلُهُ إضافَةُ الشَّيْءِ إلى غَيْرِ مَن هو لَهُ، يُقالُ: هَذا شِعْرٌ مَنحُولٌ، أيْ مُضافٌ إلى غَيْرِ قائِلِهِ، وانْتَحَلْتُ كَذا إذا ادَّعَيْتَهُ وأضَفْتَهُ إلى نَفْسِكَ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالمَهْرُ عَطِيَّةٌ مِمَّنْ ؟ فِيهِ …

5

وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰمًۭا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا

And do not give the weak-minded your property, which Allah has made a means of sustenance for you, but provide for them with it and clothe them and speak to them words of appropriate kindness.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهم وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ .

واعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

واعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنِّي وإنْ كُنْتُ أمَرْتُكم بِإيتاءِ اليَتامى أمْوالَهم وبِدَفْعِ صَدُقاتِ النِّساءِ إلَيْهِنَّ، فَإنَّما قُلْتُ ذَلِكَ إذا كانُوا عاقِلِينَ بالِغِينَ مُتَمَكِّنِينَ مِن حِفْظِ أمْوالِهِمْ، فَأمّا إذا كانُوا غَيْرَ بالِغِينَ، أوْ غَيْرَ عُقَلاءَ، أوْ إنْ كانُوا بالِغِينَ عُقَلاءَ إلّا أنَّهم كانُوا سُفَهاءَ مُسْرِفِينَ، فَلا تَدْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم وأمْسِكُوها لِأجْلِهِمْ إلى أنْ يَزُولَ عَنْهُمُ السَّفَهُ، والمَقْصُودُ مِن كُلِّ ذَلِكَ الِاحْتِياطُ في حِفْظِ أمْوالِ الضُّعَفاءِ والعاجِزِينَ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّها خِطابُ الأوْلِياءِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: أيُّها الأوْلِياءُ لا تُؤْتُوا

صفحة ١٥٠

الَّذِينَ يَكُونُونَ تَحْتَ وِلايَتِكم وكانُوا سُفَهاءَ أمْوالَهم. والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ خِطابُ الأوْلِياءِ قَوْلُهُ: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ وأيْضًا فَعَلى هَذا القَوْلِ يَحْسُنُ تَعَلُّقُ الآيَةِ بِما قَبْلَها كَما قَرَّرْناهُ.

فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الوَجْهِ كانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ: ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَهم، فَلِمَ قالَ أمْوالَكم ؟

قُلْنا: في الجَوابِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أضافَ المالَ إلَيْهِمْ لا لِأنَّهم مَلَكُوهُ، لَكِنْ مِن حَيْثُ مَلَكُوا التَّصَرُّفَ فِيهِ، ويَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ.

الثّانِي: إنَّما حَسُنَتْ هَذِهِ الإضافَةُ إجْراءً لِلْوَحْدَةِ بِالنَّوْعِ مَجْرى الوَحْدَةِ بِالشَّخْصِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقَوْلُهُ: ﴿ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] وقَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] ومَعْلُومٌ أنَّ الرَّجُلَ مِنهم ما كانَ يَقْتُلُ نَفْسَهُ، ولَكِنْ كانَ بَعْضُهم يَقْتُلُ بَعْضًا، وكانَ الكُلُّ مِن نَوْعٍ واحِدٍ، فَكَذا هَهُنا المالُ شَيْءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ نَوْعُ الإنْسانِ ويَحْتاجُ إلَيْهِ. فَلِأجْلِ هَذِهِ الوَحْدَةِ النَّوْعِيَّةِ حَسُنَتْ إضافَةُ أمْوالِ السُّفَهاءِ إلى أوْلِيائِهِمْ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ خِطابُ الآباءِ فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى إذا كانَ أوْلادُهم سُفَهاءَ لا يَسْتَقِلُّونَ بِحِفْظِ المالِ وإصْلاحِهِ أنْ يَدْفَعُوا أمْوالَهم أوْ بَعْضَها إلَيْهِمْ، لِما كانَ في ذَلِكَ مِنَ الإفْسادِ، فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ إضافَةُ الأمْوالِ إلَيْهِمْ حَقِيقَةً، وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الغَرَضُ مِنَ الآيَةِ الحَثَّ عَلى حِفْظِ المالِ والسَّعْيَ في أنْ لا يَضِيعَ ولا يَهْلِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ أنْ يَأْكُلَ جَمِيعَ أمْوالِهِ ويُهْلِكَها، وإذا قَرُبَ أجَلُهُ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُوصِيَ بِمالِهِ إلى أمِينٍ يَحْفَظُ ذَلِكَ المالَ عَلى ورَثَتِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أرْجَحُ لِوَجْهَيْنِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا التَّرْجِيحِ أنَّ ظاهِرَ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ لا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أنْ يَهَبَ مِن أوْلادِهِ الصِّغارِ ومِنَ النِّسْوانِ ما شاءَ مِن مالِهِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يَحْرُمُ عَلى الوَلِيِّ أنْ يَدْفَعَ إلى السُّفَهاءِ …

6

وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًۭا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًۭا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا۟ ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّۭا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًۭا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًۭا

And test the orphans [in their abilities] until they reach marriageable age. Then if you perceive in them sound judgement, release their property to them. And do not consume it excessively and quickly, [anticipating] that they will grow up. And whoever, [when acting as guardian], is self-sufficient should refrain [from taking a fee]; and whoever is poor - let him take according to what is acceptable. Then when you release their property to them, bring witnesses upon them. And sufficient is Allah as Accountant.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ مِن قَبْلُ بِدَفْعِ مالِ اليَتِيمِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَتى يُؤْتِيهِمْ أمْوالَهم، فَذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ وشَرَطَ في دَفْعِ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ شَرْطَيْنِ: أحَدُهُما: بُلُوغُ النِّكاحِ، والثّانِي: إيناسُ الرُّشْدِ، ولا بُدَّ مِن ثُبُوتِهِما حَتّى يَجُوزَ دَفْعُ مالِهِمْ إلَيْهِمْ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ١٥٣

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: تَصَرُّفاتُ الصَّبِيِّ العاقِلِ المُمَيِّزِ بِإذْنِ الوَلِيِّ صَحِيحَةٌ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: غَيْرُ صَحِيحَةٍ، احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ عَلى قَوْلِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ يَقْتَضِي أنَّ هَذا الِابْتِلاءَ إنَّما يَحْصُلُ قَبْلَ البُلُوغِ، والمُرادُ مِن هَذا الِابْتِلاءِ اخْتِبارُ حالِهِ في أنَّهُ هَلْ لَهُ تَصَرُّفٌ صالِحٌ لِلْبَيْعِ والشِّراءِ، وهَذا الِاخْتِبارُ إنَّما يَحْصُلُ إذا أذِنَ لَهُ في البَيْعِ والشِّراءِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هَذا المَعْنى نَفْسَ الِاخْتِبارِ، فَهو داخِلٌ في الِاخْتِبارِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ، يُقالُ: وابْتَلُوا اليَتامى إلّا في البَيْعِ والشِّراءِ، وحُكْمُ الِاسْتِثْناءِ إخْراجُ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾ أمْرٌ لِلْأوْلِياءِ بِأنْ يَأْذَنُوا لَهم في البَيْعِ والشِّراءِ قَبْلَ البُلُوغِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي صِحَّةَ تَصَرُّفاتِهِمْ.

أجابَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾ الإذْنَ لَهم في التَّصَرُّفِ حالَ الصِّغَرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ فَإنَّما أمَرَ بِدَفْعِ المالِ إلَيْهِمْ بَعْدَ البُلُوغِ وإيناسِ الرُّشْدِ، وإذا ثَبَتَ بِمُوجِبِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ دَفْعُ المالِ إلَيْهِ حالَ الصِّغَرِ، وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ تَصَرُّفُهُ حالَ الصِّغَرِ، لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ، وأمّا الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ، فَجَوابُهُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الِابْتِلاءِ اخْتِبارُ عَقْلِهِ واسْتِبْراءُ حالِهِ، في أنَّهُ هَلْ لَهُ فَهْمٌ وعَقْلٌ وقُدْرَةٌ في مَعْرِفَةِ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، وذَلِكَ إذا باعَ الوَلِيَّ واشْتَرى بِحُضُورِ الصَّبِيِّ، ثُمَّ يَسْتَكْشِفُ مِنَ الصَّبِيِّ أحْوالَ ذَلِكَ البَيْعِ والشِّراءِ وما فِيهِما مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ ولا شَكَّ أنَّ بِهَذا القَدْرِ يَحْصُلُ الِاخْتِبارُ والِابْتِلاءُ، وأيْضًا: هَبْ أنّا سَلَّمْنا أنَّهُ يَدْفَعُ إلَيْهِ شَيْئًا لِيَبِيعَ أوْ يَشْتَرِيَ، فَلِمَ قُلْتَ إنَّ هَذا القَدْرَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ البَيْعِ والشِّراءِ، بَلْ إذا باعَ واشْتَرى وحَصَلَ بِهِ اخْتِبارُ عَقْلِهِ، فالوَلِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ يُتَمِّمُ البَيْعَ وذَلِكَ الشِّراءَ، وهَذا مُحْتَمَلٌ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن بُلُوغِ النِّكاحِ هو الِاحْتِلامُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا بَلَغَ …

7

لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا

For men is a share of what the parents and close relatives leave, and for women is a share of what the parents and close relatives leave, be it little or much - an obligatory share.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ .

صفحة ١٥٨

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِنَ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وهو ما يَتَعَلَّقُ بِالمَوارِيثِ والفَرائِضِ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أوْسَ بْنَ ثابِتٍ الأنْصارِيَّ تُوُفِّيَ عَنْ ثَلاثِ بَناتٍ وامْرَأةٍ، فَجاءَ رَجُلانِ مِن بَنِي عَمِّهِ وهُما وصِيّانِ لَهُ يُقالُ لَهُما: سُوَيْدٌ، وعَرْفَجَةُ وأخَذا مالَهُ. فَجاءَتِ امْرَأةُ أوْسٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَتِ القِصَّةَ، وذَكَرَتْ أنَّ الوَصِيَّيْنِ ما دَفَعا إلَيَّ شَيْئًا، وما دَفَعا إلى بَناتِهِ شَيْئًا مِنَ المالِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ ”ارْجِعِي إلى بَيْتِكَ حَتّى أنْظُرَ ما يُحْدِثُ اللَّهُ في أمْرِكِ“ فَنَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ هَذِهِ الآيَةُ، ودَلَّتْ عَلى أنَّ لِلرِّجالِ نَصِيبًا ولِلنِّساءِ نَصِيبًا، ولَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يُبَيِّنِ المِقْدارَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَأرْسَلَ الرَّسُولُ ﷺ إلى الوَصِيَّيْنِ وقالَ: ”لا تَقْرَبا مِن مالِ أوْسٍ شَيْئًا“ ثُمَّ نَزَلَ بَعْدُ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ ( النِّساءِ: ١١ ] ونَزَلَ فَرْضُ الزَّوْجِ وفَرْضُ المَرْأةِ، فَأمَرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الوَصِيَّيْنِ أنْ يَدْفَعا إلى المَرْأةِ الثُّمُنَ ويُمْسِكا نَصِيبَ البَناتِ، وبَعْدَ ذَلِكَ أرْسَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِما أنِ ادْفَعا نَصِيبَ بَناتِها إلَيْها فَدَفَعاهُ إلَيْها»، فَهَذا هو الكَلامُ في سَبَبِ النُّزُولِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ والأطْفالَ، ويَقُولُونَ: لا يَرِثُ إلّا مَن طاعَنَ بِالرِّماحِ وذادَ عَنِ الحَوْزَةِ وحازَ الغَنِيمَةَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الإرْثَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالرِّجالِ، بَلْ هو أمْرٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ هَذا القَدْرَ، ثُمَّ ذَكَرَ التَّفْصِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ ولا يَمْتَنِعُ إذا كانَ لِلْقَوْمِ عادَةٌ في تَوْرِيثِ الكِبارِ دُونَ الصِّغارِ ودُونَ النِّساءِ، أنْ يَنْقُلَهم سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ تِلْكَ العادَةِ قَلِيلًا قَلِيلًا عَلى التَّدْرِيجِ؛ لِأنَّ الِانْتِقالَ عَنِ العادَةِ شاقٌّ ثَقِيلٌ عَلى الطَّبْعِ، فَإذا كانَ دُفْعَةً عَظُمَ وقْعُهُ عَلى القَلْبِ، وإذا كانَ عَلى التَّدْرِيجِ سَهُلَ، فَلِهَذا المَعْنى ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا المُجْمَلَ أوَّلًا، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالتَّفْصِيلِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ قالَ: لِأنَّ العَمّاتِ والخالاتِ وأوْلادَ البَناتِ مِنَ الأقْرَبِينَ، فَوَجَبَ دُخُولُهم تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ أقْصى ما في البابِ أنَّ قَدْرَ ذَلِكَ النَّصِيبِ غَيْرُ مَذْكُورٍ في هَذِهِ الآيَةِ، إلّا أنّا نُثْبِتُ كَوْنَهم مُسْتَحِقِّينَ لِأصِلِ النَّصِيبِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأمّا المِقْدارُ فَنَسْتَفِيدُهُ مِن سائِرِ الدَّلائِلِ.

وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أيْ نَصِيبًا مُقَدَّرًا، وبِالإجْماعِ لَيْسَ لِذَوِي الأرْحامِ نَصِيبٌ مُقَدَّرٌ، فَثَبَتَ أنَّهم لَيْسُوا داخِلِينَ في هَذِهِ الآيَةِ.

وثانِيهِما: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ …

8

وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُو۟لُوا۟ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا

And when [other] relatives and orphans and the needy are present at the [time of] division, then provide for them [something] out of the estate and speak to them words of appropriate kindness.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ .

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانُ أيِّ قِسْمَةٍ هي، فَلِهَذا المَعْنى لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ النِّساءَ أُسْوَةُ الرِّجالِ في أنَّ لَهُنَّ حَظًّا مِنَ المِيراثِ، وعَلِمَ تَعالى أنَّ في الأقارِبِ مَن يَرِثُ ومَن لا يَرِثُ، وأنَّ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ إذا حَضَرُوا وقْتَ القِسْمَةِ، فَإنْ تُرِكُوا مَحْرُومِينَ بِالكُلِّيَّةِ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَلا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُدْفَعَ إلَيْهِمْ شَيْءٌ عِنْدَ القِسْمَةِ حَتّى يَحْصُلَ الأدَبُ الجَمِيلُ وحُسْنُ العِشْرَةِ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ واجِبٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَندُوبٌ، أمّا القائِلُونَ بِالوُجُوبِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا في أُمُورٍ: أحَدُها: أنَّ مِنهم مَن قالَ: الوارِثُ إنْ كانَ كَبِيرًا وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَرْضَخَ لِمَن حَضَرَ القِسْمَةَ شَيْئًا مِنَ المالِ بِقَدْرِ ما تَطِيبُ نَفْسُهُ بِهِ، وإنْ كانَ صَغِيرًا وجَبَ عَلى الوَلِيِّ إعْطاؤُهم مِن ذَلِكَ المالِ، ومِنهم مَن قالَ: إنْ كانَ الوارِثُ كَبِيرًا، وجَبَ عَلَيْهِ الإعْطاءُ مِن ذَلِكَ المالِ، وإنْ كانَ صَغِيرًا وجَبَ عَلى الوَلِيِّ أنْ يَعْتَذِرَ إلَيْهِمْ، ويَقُولَ: إنِّي لا أمَلِكُ هَذا المالَ

صفحة ١٦٠

إنَّما هو لِهَؤُلاءِ الضُّعَفاءِ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ما عَلَيْهِمْ مِنَ الحَقِّ، وإنْ يَكْبَرُوا فَسَيَعْرِفُونَ حَقَّكم، فَهَذا هو القَوْلُ المَعْرُوفُ، وثانِيها: قالَ الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ: هَذا الرَّضْخُ مُخْتَصٌّ بِقِسْمَةِ الأعْيانِ، فَإذا آلَ الأمْرُ إلى قِسْمَةِ الأرَضِينَ والرَّقِيقِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ، قالَ لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا، مِثْلُ أنْ يَقُولَ لَهم: ارْجِعُوا بارَكَ اللَّهُ فِيكم، وثالِثُها: قالُوا: مِقْدارُ ما يَجِبُ فِيهِ الرَّضْخُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، ولا تَقْدِيرَ فِيهِ بِالإجْماعِ. ورابِعُها: أنَّ عَلى تَقْدِيرِ وُجُوبِ هَذا الحُكْمِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةً. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المَوارِيثِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ والضَّحّاكِ، وقالَ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ: الآيَةُ مَحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ وهو مَذْهَبُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ والزُّهْرِيِّ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَهَؤُلاءِ كانُوا يُعْطُونَ مَن حَضَرَ شَيْئًا مِنَ التَّرِكَةِ. رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَسَمَ مِيراثَ أبِيهِ وعائِشَةُ حَيَّةٌ، فَلَمْ يَتْرُكْ في الدّارِ أحَدًا إلّا أعْطاهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَهَذا كُلُّهُ تَفْصِيلُ قَوْلِ مَن قالَ بِأنَّ هَذا الحُكْمَ ثَبَتَ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ.

ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ ثَبَتَ عَلى سَبِيلِ النَّدْبِ والِاسْتِحْبابِ، لا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والإيجابِ، وهَذا النَّدْبُ أيْضًا إنَّما يَحْصُلُ إذا كانَتِ الوَرَثَةُ كِبارًا، أمّا إذا كانُوا صِغارًا فَلَيْسَ إلّا القَوْلُ المَعْرُوفُ، وهَذا المَذْهَبُ هو الَّذِي عَلَيْهِ فُقَهاءُ الأمْصارِ. واحْتَجُّوا بِأنَّهُ لَوْ كانَ لِهَؤُلاءِ حَقٌّ مُعَيَّنٌ لَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى قَدْرَ ذَلِكَ الحَقِّ كَما في سائِرِ الحُقُوقِ، وحَيْثُ لَمْ يُبَيِّنْ عَلِمْنا أنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ، ولِأنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ واجِبًا لَتَوَفَّرَتِ …

9

وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةًۭ ضِعَٰفًا خَافُوا۟ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًا

And let those [executors and guardians] fear [injustice] as if they [themselves] had left weak offspring behind and feared for them. So let them fear Allah and speak words of appropriate justice.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ .

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ هي صِلَةٌ لِقَوْلِهِ: (الَّذِينَ) والمَعْنى: ولْيَخْشَ الَّذِينَ مِن صِفَتِهِمْ أنَّهم لَوْ تَرَكُوا ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ، وأمّا الَّذِي يُخْشى عَلَيْهِ فَغَيْرُ مَنصُوصٍ عَلَيْهِ، وسَنَذْكُرُ وُجُوهَ المُفَسِّرِينَ فِيهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ يُوجِبُ الِاحْتِياطَ لِلذُّرِّيَّةِ الضِّعافِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا خِطابٌ مَعَ الَّذِينَ يَجْلِسُونَ عِنْدَ المَرِيضِ فَيَقُولُونَ: إنَّ ذَرِّيَّتَكَ لا يُغْنُونَ عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، فَأوْصِ بِمالِكَ لِفُلانٍ وفُلانٍ، ولا يَزالُونَ يَأْمُرُونَهُ بِالوَصِيَّةِ إلى الأجانِبِ إلى أنْ لا يَبْقى مِن مالِهِ لِلْوَرَثَةِ شَيْءٌ أصْلًا، فَقِيلَ لَهم: كَما أنَّكم تَكْرَهُونَ بَقاءَ أوْلادِكم في الضَّعْفِ والجُوعِ مِن غَيْرِ مالٍ، فاخْشَوُا اللَّهَ ولا تَحْمِلُوا المَرِيضَ عَلى أنْ يَحْرِمَ أوْلادَهُ الضُّعَفاءَ مِن مالِهِ. وحاصِلُ الكَلامِ أنَّكَ لا تَرْضى مِثْلَ هَذا الفِعْلِ لِنَفْسِكَ، فَلا تَرْضَهُ لِأخِيكَ المُسْلِمِ. عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ ”«لا يُؤْمِنُ العَبْدُ حَتّى يُحِبَّ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» “ .

والقَوْلُ الثّانِي: قالَ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ: سَألْتُ مِقْسَمًا عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: هو الرَّجُلُ الَّذِي يَحْضُرُهُ المَوْتُ ويُرِيدُ الوَصِيَّةَ لِلْأجانِبِ، فَيَقُولُ لَهُ مَن كانَ عِنْدَهُ: اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلى ولَدِكَ مالَكَ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ يُحِبُّ أنْ يُوصى لَهُ، فَفي القَوْلِ الأوَّلِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى نَهْيِ الحاضِرِينَ عَنِ التَّرْغِيبِ في الوَصِيَّةِ، وفي القَوْلِ الثّانِي مَحْمُولَةٌ عَلى نَهْيِ الحاضِرِينَ عَنِ النَّهْيِ عَنِ الوَصِيَّةِ، والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا﴾ أشْبَهُ بِالوَجْهِ الأوَّلِ وأقْرَبُ إلَيْهِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ خِطابًا لِمَن قَرُبَ أجَلُهُ، ويَكُونُ المَقْصُودُ نَهْيَهُ عَنْ تَكْثِيرِ الوَصِيَّةِ لِئَلّا تَبْقى ورَثَتُهُ ضائِعِينَ جائِعِينَ بَعْدَ مَوْتِهِ، ثُمَّ إنْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ إنَّما نَزَلَتْ قَبْلَ تَقْدِيرِ الوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ، كانَ المُرادُ مِنها أنْ لا يَجْعَلَ التَّرِكَةَ مُسْتَغْرَقَةً بِالوَصِيَّةِ، وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ بَعْدَ تَقْدِيرِ الوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ، كانَ المُرادُ مِنها أنْ يُوصِيَ أيْضًا بِالثُّلُثِ، بَلْ يَنْقُصُ إذا خافَ عَلى ذُرِّيَّتِهِ، والمَرْوِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهم وصَّوْا بِالقَلِيلِ لِأجْلِ ذَلِكَ، وكانُوا يَقُولُونَ: الخُمُسُ أفْضَلُ مِنَ الرُّبُعِ، والرُّبُعُ أفْضَلُ مِنَ الثُّلُثِ، وخَبَرُ سَعْدٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ ﷺ: ”«الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ؛ لَأنْ تَدَعَ ورَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ لَكَ مِن أنْ تَدَعَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ» “ .

صفحة ١٦٢

والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ هَذا أمْرٌ لِأوْلِياءِ اليَتِيمِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولْيَخْشَ مَن يَخافُ عَلى ولَدِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أنْ يَضِيعَ مالُ اليَتِيمِ الضَّعِيفِ الَّذِي هو ذُرِّيَّةُ غَيْرِهِ إذا كانَ في …

10

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًۭا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًۭا

Indeed, those who devour the property of orphans unjustly are only consuming into their bellies fire. And they will be burned in a Blaze.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أكَّدَ الوَعِيدَ في أكْلِ مالِ اليَتِيمِ ظُلْمًا، وقَدْ كَثُرَ الوَعِيدُ في هَذِهِ الآياتِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى عَلى مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكم إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾، ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا﴾ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَها هَذِهِ الآيَةَ مُفْرَدَةً في وعِيدِ مَن يَأْكُلُ أمْوالَهم، وذَلِكَ كُلُّهُ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِاليَتامى؛ لِأنَّهم لِكَمالِ ضَعْفِهِمْ وعَجْزِهِمُ اسْتَحَقُّوا مِنَ اللَّهِ مَزِيدَ العِنايَةِ والكَرامَةِ، وما أشَدَّ دَلالَةَ هَذا الوَعِيدِ عَلى سَعَةِ رَحْمَتِهِ وكَثْرَةِ عَفْوِهِ وفَضْلِهِ؛ لِأنَّ اليَتامى لَمّا بَلَغُوا في الضَّعْفِ إلى الغايَةِ القُصْوى بَلَغَتْ عِنايَةُ اللَّهِ بِهِمْ إلى الغايَةِ القُصْوى. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ مالَ اليَتِيمِ قَدْ يُؤْكَلُ غَيْرَ ظُلْمٍ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِهَذا التَّخْصِيصِ فائِدَةٌ، وذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ لِلْوَلِيِّ المُحْتاجِ أنْ يَأْكُلَ مِن مالِهِ بِالمَعْرُوفِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنْ يُجْرى ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ قالَ السُّدِّيُّ: إذا أكَلَ الرَّجُلُ مالَ اليَتِيمِ ظُلْمًا يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ ولَهَبُ النّارِ يَخْرُجُ مِن فِيهِ ومَسامِعِهِ وأُذُنَيْهِ

صفحة ١٦٣

وعَيْنَيْهِ، يَعْرِفُ كُلُّ مَن رَآهُ أنَّهُ أكَلَ مالَ اليَتِيمِ. وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رَأيْتُ قَوْمًا لَهم مَشافِرُ كَمَشافِرِ الإبِلِ وقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَن يَأْخُذُ بِمَشافِرِهِمْ ثُمَّ يَجْعَلُ في أفْواهِهِمْ صَخْرًا مِنَ النّارِ يَخْرُجُ مِن أسافِلِهِمْ، فَقُلْتُ يا جِبْرِيلُ مَن هَؤُلاءِ: فَقالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا» “ .

والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ ذَلِكَ تَوَسُّعٌ، والمُرادُ: إنَّ أكْلَ مالِ اليَتِيمِ جارٍ مَجْرى أكْلِ النّارِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُفْضِي إلَيْهِ ويَسْتَلْزِمُهُ، وقَدْ يُطْلَقُ اسْمُ أحَدِ المُتَلازِمَيْنِ عَلى الآخَرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] قالَ القاضِي: وهَذا أوْلى مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ الإشارَةُ فِيهِ إلى كُلِّ واحِدٍ، فَكانَ حَمْلُهُ عَلى التَّوَسُّعِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أوْلى.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الأكْلُ لا يَكُونُ إلّا في البَطْنِ فَما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ .

وجَوابُهُ: أنَّهُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ٦٧] والقَوْلُ لا يَكُونُ إلّا بِالفَمِ، وقالَ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] والقَلْبُ لا يَكُونُ إلّا في الصَّدْرِ، وقالَ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] والطَّيَرانُ لا يَكُونُ إلّا بِالجَناحِ، والغَرَضُ مِن كُلِّ ذَلِكَ التَّأْكِيدُ والمُبالَغَةُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى وإنْ ذَكَرَ الأكْلَ إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ أنْواعِ الإتْلافاتِ، فَإنَّ ضَرَرَ اليَتِيمِ لا يَخْتَلِفُ بِأنْ يَكُونَ إتْلافُ مالِهِ بِالأكْلِ، …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.