Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 171–176 of 176

171

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌۭ مِّنْهُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۖ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ سُبْحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۘ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًۭا

O People of the Scripture, do not commit excess in your religion or say about Allah except the truth. The Messiah, Jesus, the son of Mary, was but a messenger of Allah and His word which He directed to Mary and a soul [created at a command] from Him. So believe in Allah and His messengers. And do not say, "Three"; desist - it is better for you. Indeed, Allah is but one God. Exalted is He above having a son. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.

﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ وتَخْصِيصٌ لَهُ بِالنَّصارى زَجْرًا لَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ البَعِيدِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، وأبُو مُسْلِمٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وعَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ خِطابٌ لَهم ولِلْيَهُودِ؛ لِأنَّ الغُلُوَّ أيْ: مُجاوَزَةَ الحَدِّ والإفْراطَ المَنهِيَّ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ وقَعَ مِنهم جَمِيعًا، أمّا النَّصارى فَقالَ بَعْضُهُمْ: عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْنُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وبَعْضُهم أنَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وآخَرُونَ: ثالِثٌ ثَلاثَةٍ، وأمّا اليَهُودُ فَقالُوا: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وُلِدَ لِغَيْرِ رُشْدِهِ، ورُجِّحَ ما عَلَيْهِ الجَماعَةُ بِأنَّ قَوْلَ اليَهُودِ قَدْ نُعِيَ فِيما سَبَقَ وبِأنَّهُ أوْفَقُ بِما بَعْدُ.

﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ﴾ أيْ: لا تَذْكُرُوا ولا تَعْتَقِدُوا إلّا القَوْلَ الحَقَّ دُونَ القَوْلِ المُتَضَمِّنِ لِدَعْوى الِاتِّحادِ والحُلُولِ واتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، وهو مُتَّصِلٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ.

وادَّعى بَعْضٌ أنَّ المُرادَ مِنَ الحَقِّ هُنا تَنْزِيهُهُ تَعالى عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، والأشْبَهُ بِالِاسْتِثْناءِ الِانْقِطاعُ؛ لِأنَّ التَّنْزِيهَ لا يَكُونُ مَقُولًا عَلَيْهِ، بَلْ لَهُ وفِيهِ؛ لِأنَّ مَعْنى ( قالَ عَلَيْهِ ) افْتَرى، وهو مُخالِفٌ لِما عَلَيْهِ الأكْثَرُ في الِاسْتِثْناءِ المُفْرِغِ، فافْهَمْ.

﴿إنَّما المَسِيحُ﴾ بِالتَّخْفِيفِ وقَدْ مَرَّ مَعْناهُ، وقُرِئَ ( المِسِّيحُ ) بِكَسْرِ المِيمِ وتَشْدِيدِ السِّينِ كالسِّكِّيتِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿عِيسى﴾ ) بَدَلٌ مِنهُ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، كَما قالَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ) صِفَةٌ لَهُ مُفِيدَةٌ بُطْلانَ ما زَعَمُوهُ فِيهِ مِن بُنُوَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ ) خَبَرُ المُبْتَدَأِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ القَوْلِ الباطِلِ المُسْتَلْزِمِ لِلْأمْرِ بِضِدِّهِ، أيْ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَقْصُورٌ عَلى رُتْبَةِ الرِّسالَةِ لا يَتَخَطّاها إلى ما تَقُولُونَ، ( ﴿وكَلِمَتُهُ﴾ ) عَطْفٌ عَلى ( رَسُولُ اللَّهِ ) ومَعْنى كَوْنِهِ كَلِمَةً أنَّهُ حَصَلَ بِكَلِمَةِ ( كُنْ ) مِن غَيْرِ مادَّةٍ مُعْتادَةٍ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

وقالَ الغَزالِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ: لِكُلِّ مَوْلُودٍ سَبَبٌ قَرِيبٌ وبَعِيدٌ، فالأوَّلُ المَنِيُّ، والثّانِي قَوْلُ ( كُنْ ) ولَمّا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى عَدَمِ القَرِيبِ في حَقِّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أضافَهُ إلى البَعِيدِ، وهو قَوْلُ ( كُنْ ) إشارَةً إلى انْتِفاءِ القَرِيبِ، وأوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ أيْ: أوْصَلَها إلَيْها، وحَصَّلَها فِيها، فَجَعَلَهُ كالمَنِيِّ الَّذِي يُلْقى في الرَّحِمِ، فَهو اسْتِعارَةٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ يُهْتَدى بِهِ كَما يُهْتَدى بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ، وقِيلَ: مَعْناهُ بِشارَةُ اللَّهِ تَعالى

صفحة 25

الَّتِي بَشَّرَ بِها مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ وجُمْلَةُ ( ﴿ألْقاها﴾ ) حالٌ عَلى ما قِيلَ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( كَلِمَتُهُ ) بِتَقْدِيرِ قَدْ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإضافَةِ، والتَّقْدِيرُ: وكَلِمَتُهُ مُلْقِيًا إيّاها، …

An-Nisaa 4:171Listen in Qur'an →
172

لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًۭا لِّلَّهِ وَلَا ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًۭا

Never would the Messiah disdain to be a servant of Allah, nor would the angels near [to Him]. And whoever disdains His worship and is arrogant - He will gather them to Himself all together.

﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ مِنَ التَّنْزِيهِ، ورُوِيَ «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِنَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «يا مُحَمَّدُ لِمَ تَعِيبُ صاحِبَنا؟ قالَ: ومَن صاحِبُكُمْ؟ قالُوا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: وأيُّ شَيْءٍ أقُولُ فِيهِ؟ قالُوا: تَقُولُ: إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ»» فَنَزَلَتْ، والِاسْتِنْكافُ اسْتِفْعالٌ مِنَ النَّكْفِ، وأصْلُهُ - كَما قالَ الرّاغِبُ - مِن نَكَفْتُ الشَّيْءَ نَحَّيْتُهُ، وأصْلُهُ تَنْحِيَةُ الدَّمْعِ عَنِ الخَدِّ بِالإصْبَعِ، وقالُوا: بَحْرٌ لا يُنْكَفُ أيْ: لا يُنْزَحُ، ومِنهُ قَوْلُهُ:

فَبانُوا ولَوْلا ما تَذَكَّرَ مِنهُمُ مِنَ الحِلْفِ لَمْ يُنْكَفْ لِعَيْنَيْكَ مَدْمَعُ

وقِيلَ: النَّكْفُ قَوْلُ السُّوءِ، ويُقالُ: ما عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ نَكْفٌ ووَكْفٌ، واسْتَفْعَلَ فِيهِ لِلسَّلْبِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، وفي الأساسِ: اسْتَنْكَفَ ونَكَفَ امْتَنَعَ وانْقَبَضَ أنَفًا وحِمْيَةً.

وقالَ الزَّجّاجُ: الِاسْتِنْكافُ تَكَبُّرٌ في تَرْكِهِ أنَفَةٌ، ولَيْسَ في الِاسْتِكْبارِ ذَلِكَ، والمَعْنى: لَنْ يَأْنَفَ ولَنْ يَمْتَنِعَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - لَنْ يَسْتَكْبِرَ المَسِيحُ ﴿أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ أيْ: عَنْ، أوْ مِن أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ تَعالى، مُسْتَمِرًّا عَلى عِبادَتِهِ تَعالى وطاعَتِهِ، حَسْبَما هو وظِيفَةُ العُبُودِيَّةِ، كَيْفَ وأنَّ ذَلِكَ أقْصى مَراتِبِ الشَّرَفِ، وقَدْ أشارَ القاضِي عِياضٌ إلى شَرَفِ العُبُودِيَّةِ بِقَوْلِهِ:

ومِمّا زادَنِي عَجَبًا وتِيهًا ∗∗∗ وكِدْتُ بِأخْمُصِي أطَأُ الثُّرَيّا

دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ يا عِبادِي ∗∗∗ وجَعْلُكَ خَيْرَ خَلْقِكَ لِي نَبِيًّا

والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ عَدَمِ اسْتِنْكافِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ ذَلِكَ مَعَ أنَّ شَأْنَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المُباهاةُ بِهِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ أحْوالُهُ وتُفْصِحُ عَنْهُ أقْوالُهُ لِوُقُوعِهِ في مَوْضِعِ الجَوابِ عَمّا قالَهُ الكَفَرَةُ، كَما عَلِمْتَ آنِفًا، وهو السِّرُّ في جَعْلِ المُسْتَنْكَفِ مِنهُ كَوْنَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَبْدًا لَهُ تَعالى دُونَ أنْ يُقالَ: عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوُ ذَلِكَ، مَعَ إفادَتِهِ - كَما قِيلَ - فائِدَةً جَلِيلَةً هي كَمالُ نَزاهَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنِ الِاسْتِنْكافِ بِالكُلِّيَّةِ لِاسْتِمْرارِ هَذا الوَصْفِ واسْتِتْباعِهِ وصْفَ العِبادَةِ، فَعَدَمُ الِاسْتِنْكافِ عَنْهُ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ اسْتِنْكافِ ذَلِكَ، بِخِلافِ وصْفِ العِبادَةِ؛ فَإنَّها حالَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ غَيْرُ مُسْتَلْزِمَةٍ لِلدَّوامِ، يَكْفِي في اتِّصافِ مَوْصُوفِها بِها تَحَقُّقُها مَرَّةً، فَعَدَمُ الِاسْتِنْكافِ عَنْها لا يَسْتَلْزِمُ عَنْها عَدَمَ الِاسْتِنْكافِ عَنْ دَوامِها.

صفحة 38

ومِمّا يَدُلُّ عَلى عُبُودِيَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ – مِن كُتُبِ النَّصارى أنَّ قَوْلَسَ قالَ في رِسالَتِهِ الثّانِيَةِ: انْظُرُوا إلى هَذا الرَّسُولِ رَئِيسِ أحْبارِنا، يَسُوعَ المُؤْتَمَنِ مِن عِنْدِ مَن خَلَقَهُ، مِثْلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في جَمِيعِ أحْوالِهِ غَيْرَ أنَّهُ أفْضَلُ مِن مُوسى، عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقالَ مُرْقُسُ في إنْجِيلِهِ: قالَ يَسُوعُ: إنَّ نَفْسِي حَزِينَةٌ حَتّى المَوْتِ، ثُمَّ خَرَّ عَلى وجْهِهِ يُصَلِّي لِلَّهِ تَعالى، وقالَ: أيُّها الأبُ كُلُّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِكَ أخَّرَ عَنِّي هَذا الكَأْسَ، لَكِنْ كَما تُرِيدُ لا كَما أُرِيدُ، ثُمَّ خَرَّ عَلى وجْهِهِ يُصَلِّي لِلَّهِ تَعالى.

ووَجْهُ الدَّلالَةِ في ذَلِكَ ظاهِرٌ، إذْ هو سائِلٌ، واللَّهُ …

An-Nisaa 4:172Listen in Qur'an →
173

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُوا۟ وَٱسْتَكْبَرُوا۟ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا

And as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards and grant them extra from His bounty. But as for those who disdained and were arrogant, He will punish them with a painful punishment, and they will not find for themselves besides Allah any protector or helper.

﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ إلَخْ، تَفْصِيلًا لِلْجَزاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ فَسَيُعَذَّبْ بِالحَسْرَةِ إذا رَأى أُجُورَ العامِلِينَ وبِما يُصِيبُهُ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى، فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المُسْتَنْكِفِينَ المُسْتَكْبِرِينَ لا غَيْرُ وقَدْ رُوعِيَ لَفْظُ ( مَن ) ومَعْناها.

وتَعَقَّبَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ ذَلِكَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأنَّ دُخُولَ ( أمّا ) عَلى الفَرِيقَيْنِ لا عَلى قِسْمَيِ الجَزاءِ، وأُورِدَ هَذا الفَرِيقُ بِعُنْوانِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ لا بِوَصْفِ عَدَمِ الِاسْتِنْكافِ المُناسِبِ لِما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ المُسْتَتْبِعُ لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الثَّمَراتِ، ومَعْنى تَوْفِيَتِهِمْ أُجُورَهم إيتاؤُهم إيّاها مِن غَيْرِ أنْ يُنْقَصَ مِنها شَيْئًا أصْلًا، وقُرِئَ: ( فَسَيَحْشِرُهم ) بِكَسْرِ الشِّينِ وهي لُغَةٌ، وقُرِئَ: ( فَسَنَحْشُرُهم ) بِنُونِ العَظَمَةِ، وفِيهِ التِفاتٌ.

﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ بِتَضْعِيفِ أُجُورِهِمْ أضْعافًا مُضاعَفَةً، وبِإعْطائِهِمْ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««يُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ: الشَّفاعَةَ فِيمَن وجَبَتْ لَهُمُ النّارُ مِمَّنْ صُنِعَ إلَيْهِمُ المَعْرُوفُ في الدُّنْيا»».

﴿وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا﴾ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿واسْتَكْبَرُوا﴾ عَنْها ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يَلِي أُمُورَهُمْ، ويُدَبِّرُ مَصالِحَهم ﴿ولا نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُهم مِن بَأْسِهِ تَعالى، ويُنْجِيهِمْ مِن عَذابِهِ سُبْحانَهُ.

An-Nisaa 4:173Listen in Qur'an →
174

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَٰنٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًۭا مُّبِينًۭا

O mankind, there has come to you a conclusive proof from your Lord, and We have sent down to you a clear light.

﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ خِطابٌ لِكافَّةِ المُكَلَّفِينَ إثْرَ بَيانِ بُطْلانِ ما عَلَيْهِ الكَفَرَةُ مِن فُنُونِ الكُفْرِ والضَّلالِ، وإلْزامِهِمْ بِما تَخِرُّ لَهُ صُمُّ الجِبالِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى أنَّ الحُجَّةَ قَدْ تَمَّتْ، فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ عِلَّةٌ لِمُتَعَلِّلٍ، ولا عُذْرٌ لِمُعْتَذِرٍ ﴿قَدْ جاءَكُمْ﴾ أتاكُمْ، ووَصَلَ إلَيْكم ﴿بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: حُجَّةٌ قاطِعَةٌ، والمُرادُ بِها المُعْجِزاتُ عَلى ما قِيلَ.

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ لا يَحْفَظُ اسْمَهُ: إنَّ المُرادَ بِالبُرْهانِ هو النَّبِيُّ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وعُبِّرَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ لِما مَعَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الَّتِي تَشْهَدُ بِصِدْقِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ دِينُ الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ( جاءَ ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً مُشَرِّفَةً لِـ( بُرْهانٌ ) مُؤَكِّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً بِحَذْفِ المُضافِ، أيْ: كائِنٌ مِن بَراهِينِ رَبِّكُمْ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِإظْهارِ اللُّطْفِ بِهِمْ والإيذانِ بِأنَّ مَجِيءَ ذَلِكَ لِتَرْبِيَّتِهِمْ وتَكْمِيلِهِمْ.

﴿وأنْزَلْنا إلَيْكُمْ﴾ بِواسِطَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وفي عَدَمِ ذِكْرِ الواسِطَةِ إظْهارٌ لِكَمالِ اللُّطْفِ بِهِمْ، ومُبالَغَةٌ في الإعْذارِ ﴿نُورًا مُبِينًا﴾ وهو القُرْآنُ - كَما قالَهُ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ - واحْتِمالُ إرادَةِ الكُتُبِ السّابِقَةِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ.

وإذا كانَ المُرادُ مِنَ البُرْهانِ القُرْآنَ أيْضًا فَقَدْ سُلِكَ

صفحة 43

بِهِ مَسْلَكَ العَطْفِ المَبْنِيِّ عَلى تَغايُرِ الطَّرَفَيْنِ؛ تَنْزِيلًا لِلْمُغايَرَةِ العُنْوانِيَّةِ مَنزِلَةَ المُغايَرَةِ الذّاتِيَّةِ، وإطْلاقُ البُرْهانِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ أقْوى دَلِيلٍ عَلى صِدْقِ مَن جاءَ بِهِ، وإطْلاقُ النُّورِ المُبِينِ؛ لِأنَّهُ بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ مُسْتَغْنٍ في ثُبُوتِ حَقِّيَّتِهِ وكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِإعْجازِهِ، غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى غَيْرِهِ، مُبِينٌ لِغَيْرِهِ مِن حَقِّيَّةِ الحَقِّ وبُطْلانِ الباطِلِ، مُهْدِي لِلْخَلْقِ بِإخْراجِهِمْ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، وعُبِّرَ عَنْ مُلابَسَتِهِ لِلْمُخاطَبِينَ تارَةً بِالمَجِيءِ المُسْنَدِ إلَيْهِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ قُوَّتِهِ في البُرْهانِيَّةِ، كَأنَّهُ يَجِيءُ بِنَفْسِهِ، فَيُثْبِتُ ما يُثْبِتُ مِن غَيْرِ أنْ يَجِيءَ بِهِ أحَدٌ، ويَجِيءُ عَلى شُبَهِ الكَفَرَةِ بِالإبْطالِ، والأُخْرى بِالإنْزالِ المُوَقَّعِ عَلَيْهِ المُلائِمِ لِحَيْثِيَّةِ كَوْنِهِ نُورًا تَوْقِيرًا لَهُ، بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ مِن عُنْوانَيْهِ حَظَّهُ اللّائِقَ بِهِ.

وإسْنادُ إنْزالِهِ إلَيْهِ تَعالى بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِكَمالِ تَشْرِيفِهِ، قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ، والأمْرُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ هَيِّنٌ.

An-Nisaa 4:174Listen in Qur'an →
175

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِهِۦ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍۢ مِّنْهُ وَفَضْلٍۢ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَٰطًۭا مُّسْتَقِيمًۭا

So those who believe in Allah and hold fast to Him - He will admit them to mercy from Himself and bounty and guide them to Himself on a straight path.

﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ حَسْبَما يُوجِبُهُ البُرْهانُ الَّذِي جاءَهم ﴿واعْتَصَمُوا بِهِ﴾ أيْ: عَصَمُوا بِهِ سُبْحانَهُ أنْفُسَهم مِمّا يُرْدِيها مِن زَيْغِ الشَّيْطانِ وغَيْرِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، أعْنِي النُّورَ المُبِينَ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ ﴿فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ﴾ أيْ: ثَوابٍ عَظِيمٍ قَدْرُهُ بِإزاءِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمْ رَحْمَةً مِنهُ سُبْحانَهُ لا قَضاءً لِحَقٍّ واجِبٍ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ المُرادَ بِالرَّحْمَةِ الجَنَّةُ، فَعَلى الأوَّلِ التَّجَوُّزُ في كَلِمَةِ ( في ) لِتَشْبِيهِ عُمُومِ الثَّوابِ وشُمُولِهِ بِعُمُومِ الظَّرْفِ، وعَلى الثّانِي التَّجَوُّزُ في المَجْرُورِ دُونَ الجارِّ، قالَهُ الشِّهابُ، والبَحْثُ في ذَلِكَ شَهِيرٌ، و( مِنهُ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً مُشَرِّفَةً لِـ( رَحْمَةٍ ﴿وفَضْلٍ﴾ أيْ: إحْسانٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، زائِدٍ عَلى ذَلِكَ.

﴿ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ﴾ أيْ: إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -والمُرادُ في المَشْهُورِ إلى عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى جَمِيعِ ما قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَوْعُودٌ، وقِيلَ: عَلى الفَضْلِ ﴿صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ هو الإسْلامُ والطّاعَةُ في الدُّنْيا، وطَرِيقُ الجَنَّةِ في الأُخْرى، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الوَعْدِ بِالإدْخالِ في الرَّحْمَةِ الثَّوابَ أوِ الجَنَّةَ عَلى الوَعْدِ بِهَذِهِ الهِدايَةِ لِلْمُسارَعَةِ إلى التَّبْشِيرِ بِما هو المَقْصِدُ الأصْلِيُّ.

وفِي وجْهِ انْتِصابِ ( صِراطًا ) أقْوالٌ، فَقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: يُعَرِّفُهم صِراطًا، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ( يَهْدِيهِمْ ) بِاعْتِبارِ تَضْمِينِهِ مَعْنى ( يُعَرِّفُهم ) وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ بِناءً عَلى أنَّ الهِدايَةَ تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ حَقِيقَةً.

ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ ( إلَيْهِ ) مُتَعَلِّقًا بِمُقَدَّرٍ، أيْ: مُقَرَّبِينَ إلَيْهِ، أوْ مُقَرِّبًا إيّاهم إلَيْهِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ حالًا مِن ( صِراطًا ) ثُمَّ قالَ: لَيْسَ لِقَوْلِنا: ( يَهْدِيهِمْ ) طَرِيقَ الإسْلامِ إلى عِبادَتِهِ كَبِيرُ مَعْنًى، فالأوْجَهُ أنْ يُجْعَلَ ( صِراطًا ) بَدَلًا مِن ( إلَيْهِ ) وتَعَقَّبَهُ عِصامُ المِلَّةِ والدِّينِ بِأنَّ قَوْلَنا: ( يَهْدِيهِمْ ) طَرِيقَ الإسْلامِ مُوَصِّلًا إلى عِبادَتِهِ مَعْناهُ واضِحٌ، ولا وجْهَ لَكَوْنِ ( صِراطًا ) بَدَلًا مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ، فافْهَمْ.

An-Nisaa 4:175Listen in Qur'an →
176

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌۭ وَلَهُۥٓ أُخْتٌۭ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةًۭ رِّجَالًۭا وَنِسَآءًۭ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ

They request from you a [legal] ruling. Say, "Allah gives you a ruling concerning one having neither descendants nor ascendants [as heirs]." If a man dies, leaving no child but [only] a sister, she will have half of what he left. And he inherits from her if she [dies and] has no child. But if there are two sisters [or more], they will have two-thirds of what he left. If there are both brothers and sisters, the male will have the share of two females. Allah makes clear to you [His law], lest you go astray. And Allah is Knowing of all things.

﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ أيْ: في الكَلالَةِ اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ لِوُرُودِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ( يُفْتِيكم ) وقالَ الكُوفِيُّونَ: بِـ( يَسْتَفْتُونَكَ ) وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقالَ: ( يُفْتِيكم فِيها في الكَلالَةِ ) وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ الكَلالَةِ في مَطْلَعِ السُّورَةِ، والآيَةُ نَزَلَتْ في جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ.

صفحة 44

وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وخَلْقٌ كَثِيرٌ عَنْهُ قالَ: ««دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأنا مَرِيضٌ لا أعْقِلُ، فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ فَعَقَلْتُ، فَقُلْتُ: إنَّهُ لا يَرِثُنِي إلّا كَلالَةٌ، فَكَيْفَ المِيراثُ؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرائِضِ»» وهي آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ.

فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما، عَنِ البَراءِ قالَ: «آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كامِلَةً ( بَراءَةٌ ) وآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ خاتِمَةُ سُورَةِ النِّساءِ» والمُرادُ مِنَ الآياتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأحْكامِ كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ المُحَقِّقُونَ، وسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - وتُسَمّى آيَةَ الصَّيْفِ.

أخْرَجَ مالِكٌ، ومُسْلِمٌ، «عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: «ما سَألْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ شَيْءٍ أكْثَرَ مِمّا سَألْتُهُ عَنِ الكَلالَةِ حَتّى طَعَنَ بِإصْبَعِهِ في صَدْرِي، وقالَ: يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ»».

﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبِينٌ لَلْفُتْيا، وارْتَفَعَ ( امْرُؤٌ ) بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ عَلى المَشْهُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَيْسَ لَهُ ولَدٌ﴾ صِفَةٌ لَهُ، ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بِالمُفَسِّرِ؛ لِأنَّهُ تَأْكِيدٌ، وقِيلَ: حالٌ مِنهُ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ نَكِرَةٌ، ومَجِيءُ الحالِ مِنها خِلافُ الظّاهِرِ، إذِ المُتَبادَرُ في الجُمَلِ الواقِعَةِ بَعْدَ النَّكِراتِ أنَّها صِفاتٌ، وقالَ الحَلَبِيُّ: يَصِحُّ كَوْنُهُ حالًا مِنهُ، و( هَلَكَ ) صِفَةً لَهُ، وجَعَلَهُ أبُو البَقاءِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ( هَلَكَ ) وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ المُفَسِّرَ غَيْرُ مَقْصُودٍ، حَتّى ادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ لا ضَمِيرَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِمُجَرَّدِ الفِعْلِ بِلا ضَمِيرٍ، وإنْ رُدَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ .

وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ أنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، وذَلِكَ لِأنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو الِاسْمُ المَعْمُولُ لِلْفِعْلِ المَحْذُوفِ، فَهو الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ لَهُ، أمّا الضَّمِيرُ فَإنَّهُ في جُمْلَةٍ مُفَسِّرَةٍ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ فَصارَتْ كالمُؤَكِّدَةِ لِما سَبَقَ، وإذا دارَ الِاتِّباعُ والتَّقْيِيدُ بَيْنَ مُؤَكِّدٍ ومُؤَكَّدٍ فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ لِلْمُؤَكَّدِ بِالفَتْحِ؛ إذْ هو مُعْتَمَدُ الإسْنادِ الأصْلِيِّ، ووافَقَهُ الحَلَبِيُّ، وقالَ السَّفاقِسِيُّ: الأظْهَرُ أنَّ هَذا مُرَجَّحٌ لا مُوجِبٌ.

والمُرادُ مِنَ الوَلَدِ - عَلى ما اخْتارَهُ البَعْضُ - الذَّكَرُ؛ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ؛ ولِأنَّ الأُخْتَ وإنْ ورِثَتْ مَعَ البِنْتِ - عِنْدَ غَيْرِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والإمامِيَّةِ - لَكِنَّها لا تَرِثُ النِّصْفَ بِطْرِيقِ الفَرْضِيَّةِ، وتَعَقَّبَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مُخْتارًا العُمُومَ بِأنَّهُ تَخْصِيصٌ مِن غَيْرِ مُخَصِّصٍ، والتَّعْلِيلُ بِأنَّ الِابْنَ يُسْقِطُ الأُخْتَ …

An-Nisaa 4:176Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.