Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 171–176 of 176

171

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌۭ مِّنْهُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۖ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ سُبْحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۘ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًۭا

O People of the Scripture, do not commit excess in your religion or say about Allah except the truth. The Messiah, Jesus, the son of Mary, was but a messenger of Allah and His word which He directed to Mary and a soul [created at a command] from Him. So believe in Allah and His messengers. And do not say, "Three"; desist - it is better for you. Indeed, Allah is but one God. Exalted is He above having a son. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ بِخِطابٍ مُوَجَّهٍ إلى النَّصارى خاصَّةً.

وخُوطِبُوا بِعُنْوانِ أهْلِ الكِتابِ تَعْرِيضًا بِأنَّهم خالَفُوا كِتابَهم.

وقَرِينَةُ أنَّهُمُ المُرادُ هي قَوْلُهُ ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ (﴿أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٧٢]) فَإنَّهُ بَيانٌ لِلْمُرادِ مِن إجْمالِ قَوْلِهِ ﴿لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ وابْتُدِئَتْ مَوْعِظَتُهم بِالنَّهْيِ عَنِ الغُلُوِّ لِأنَّ النَّصارى غَلَوْا في تَعْظِيمِ عِيسى فادَّعَوْا لَهُ بُنُوَّةَ اللَّهِ، وجَعَلُوهُ ثالِثَ الآلِهَةِ.

والغُلُوُّ: تَجاوُزُ الحَدِّ المَأْلُوفِ، مُشْتَقٌّ مِن غَلْوَةِ السَّهْمِ، وهي مُنْتَهى انْدِفاعِهِ،

صفحة ٥١

واسْتُعِيرَ لِلزِّيادَةِ عَلى المَطْلُوبِ مِنَ المَعْقُولِ، أوِ المَشْرُوعِ في المُعْتَقَداتِ، والإدْراكاتِ، والأفْعالِ. والغُلُوُّ في الدِّينِ أنْ يُظْهِرَ المُتَدَيِّنُ ما يَفُوتُ الحَدَّ الَّذِي حَدَّدَ لَهُ الدِّينُ. ونَهاهم عَنِ الغُلُوِّ لِأنَّهُ أصْلٌ لِكَثِيرٍ مِن ضَلالِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ الصّادِقِينَ. وغُلُوُّ أهْلِ الكِتابِ تَجاوُزُهُمُ الحَدَّ الَّذِي طَلَبَهُ دِينُهم مِنهم: فاليَهُودُ طُولِبُوا بِاتِّباعِ التَّوْراةِ ومَحَبَّةِ رَسُولِهِمْ، فَتَجاوَزُوهُ إلى بِغْضَةِ الرُّسُلِ كَعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، والنَّصارى طُولِبُوا بِاتِّباعِ المَسِيحِ فَتَجاوَزُوا فِيهِ الحَدَّ إلى دَعْوى إلَهِيَّتِهِ أوْ كَوْنِهِ ابْنَ اللَّهِ، مَعَ الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ .

وقَوْلُهُ ﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ عَطْفٌ خاصٌّ عَلى عامٍّ لِلِاهْتِمامِ بِالنَّهْيِ عَنِ الِافْتِراءِ الشَّنِيعِ. وفِعْلُ القَوْلِ إذا عُدِّيَ بِحَرْفِ (عَلى) دَلَّ عَلى أنَّ نِسْبَةَ القائِلِ القَوْلِ إلى المَجْرُورِ بِـ (عَلى) نِسْبَةٌ كاذِبَةٌ، قالَ تَعالى ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [آل عمران: ٧٥] . ومَعْنى القَوْلِ عَلى اللَّهِ هُنا: أنْ يَقُولُوا شَيْئًا يَزْعُمُونَ أنَّهُ مِن دِينِهِمْ، فَإنَّ الدِّينَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُتَلَقّى مِن عِنْدِ اللَّهِ.

وقَوْلُهُ ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْحَدِّ الَّذِي كانَ الغُلُوُّ عِنْدَهُ، فَإنَّهُ مُجْمَلٌ؛ ومُبَيِّنَةٌ لِلْمُرادِ مِن قَوْلِ الحَقِّ.

ولِكَوْنِها تَتَنَزَّلُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَنزِلَةَ البَيانِ فُصِلَتْ عَنْها. وقَدْ أفادَتِ الجُمْلَةُ قَصْرَ المَسِيحِ عَلى صِفاتٍ ثَلاثٍ: صِفَةُ الرِّسالَةِ، وصِفَةُ كَوْنِهِ كَلِمَةَ اللَّهِ أُلْقِيَتْ إلى مَرْيَمَ، وصِفَةُ كَوْنِهِ رُوحًا مِن عِنْدِ اللَّهِ. فالقَصْرُ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ. والقَصْدُ مِن هَذا القَصْرِ إبْطالُ ما أحْدَثَهُ غُلُوُّهم في هَذِهِ الصِّفاتِ غُلُوًّا أخْرَجَها عَنْ كُنْهِها؛ فَإنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ ثابِتَةٌ لِعِيسى، وهم مُثْبِتُونَ لَها فَلا يُنْكَرُ عَلَيْهِمْ وصْفُ عِيسى بِها، لَكِنَّهم تَجاوَزُوا الحَدَّ المَحْدُودَ لَها فَجَعَلُوا الرِّسالَةَ البُنُوَّةَ، وجَعَلُوا الكَلِمَةَ اتِّحادَ حَقِيقَةِ الإلَهِيَّةِ بِعِيسى في بَطْنِ مَرْيَمَ فَجَعَلُوا

صفحة ٥٢

عِيسى ابْنًا لِلَّهِ ومَرْيَمَ صاحِبَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وجَعَلُوا مَعْنى الرُّوحِ عَلى ما بِهِ تَكَوَّنَتْ حَقِيقَةُ المَسِيحِ في بَطْنِ مَرْيَمَ مِن نَفْسِ الإلَهِيَّةِ.

والقَصْرُ إضافِيٌّ، وهو قَصْرُ إفْرادٍ، أيْ عِيسى مَقْصُورٌ عَلى صِفَةِ …

An-Nisaa 4:171Listen in Qur'an →
172

لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًۭا لِّلَّهِ وَلَا ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًۭا

Never would the Messiah disdain to be a servant of Allah, nor would the angels near [to Him]. And whoever disdains His worship and is arrogant - He will gather them to Himself all together.

﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَنُوَفِّيهِمُ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَنُعَذِّبَهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ .

اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ تَحْقِيقِ جُمْلَةِ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [النساء: ١٧١]) أوْ مَوْقِعَ الِاسْتِدْلالِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ (﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]) .

والِاسْتِنْكافُ: التَّكَبُّرُ والِامْتِناعُ بِأنَفَةٍ، فَهو أشَدُّ مِنَ الِاسْتِكْبارِ. ونَفْيُ اسْتِنْكافِ المَسِيحِ: إمّا إخْبارٌ عَنِ اعْتِرافِ عِيسى بِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، وإمّا احْتِجاجٌ عَلى النَّصارى بِما يُوجَدُ في أناجِيلِهِمْ.

قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] إلَخْ. وفي نُصُوصِ الإنْجِيلِ كَثِيرٌ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ إلَهُهُ ورَبُّهُ، كَما في مُجادَلَتِهِ مَعَ إبْلِيسَ، فَقَدْ قالَ لَهُ المَسِيحُ لِلرَّبِّ إلَهِكَ تَسْجُدُ وإيّاهُ وحْدَهُ تَعْبُدُ.

وعُدِلَ عَنْ طَرِيقِ الإضافَةِ في قَوْلِهِ (عَبْدًا لِلَّهِ) فَأُظْهِرَ الحَرْفُ الَّذِي تُقَدَّرُ الإضافَةُ عَلَيْهِ: لِأنَّ التَّنْكِيرَ هُنا أظْهَرُ في العُبُودِيَّةِ، أيْ عَبْدًا مِن جُمْلَةِ العَبِيدِ، ولَوْ قالَ: عَبْدَ اللَّهِ لَأوْهَمَتِ الإضافَةُ أنَّهُ العَبْدُ الخِصِّيصُ، أوْ أنَّ ذَلِكَ عَلَمٌ لَهُ.

صفحة ٦٠

وأمّا ما حَكى اللَّهُ عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] فَلِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في مَقامِ خِطابِ مَنِ ادَّعَوْا لَهُ الإلَهِيَّةَ.

وعَطْفُ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِمَزاعِمِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ حَتّى يَتَعَرَّضَ لِرَدِّ ذَلِكَ، إدْماجٌ لِقَصْدِ اسْتِقْصاءِ كُلِّ مَنِ ادُّعِيَتْ لَهُ بُنُوَّةُ اللَّهِ، لِيَشْمَلَهُ الخَبَرُ بِنَفْيِ اسْتِنْكافِهِ عَنْ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَهُ قَوْلُهُ (﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١])، وقَدْ قالَتِ العَرَبُ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ مِن نِساءِ الجِنِّ، ولِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا قَوْلُهُ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [النساء: ١٧١]، ومِن أفْضَلِ ما في السَّماواتِ المَلائِكَةُ، فَذُكِرُوا هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ. وإنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ (﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ﴾) اسْتِدْلالًا عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]) كانَ عَطْفُ (﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾) مُحْتَمِلًا لِلتَّتْمِيمِ كَقَوْلِهِ (﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]) فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ، ولا عَلى العَكْسِ، ومُحْتَمِلًا لِلتَّرَقِّي إلى ما هو الأوْلى بِعَكْسِ الحُكْمِ في أوْهامِ المُخاطَبِينَ، وإلى هَذا الأخِيرِ مالَ صاحِبُ الكَشّافِ ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] وجَعَلَ الآيَةَ دَلِيلًا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ المَسِيحِ، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ بِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، وزَعَمَ أنَّ عِلْمَ المَعانِي لا يَقْتَضِي غَيْرَ ذَلِكَ، وهو …

An-Nisaa 4:172Listen in Qur'an →
173

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُوا۟ وَٱسْتَكْبَرُوا۟ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا

And as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards and grant them extra from His bounty. But as for those who disdained and were arrogant, He will punish them with a painful punishment, and they will not find for themselves besides Allah any protector or helper.

﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَنُوَفِّيهِمُ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَنُعَذِّبَهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ .

اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ تَحْقِيقِ جُمْلَةِ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [النساء: ١٧١]) أوْ مَوْقِعَ الِاسْتِدْلالِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ (﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]) .

والِاسْتِنْكافُ: التَّكَبُّرُ والِامْتِناعُ بِأنَفَةٍ، فَهو أشَدُّ مِنَ الِاسْتِكْبارِ. ونَفْيُ اسْتِنْكافِ المَسِيحِ: إمّا إخْبارٌ عَنِ اعْتِرافِ عِيسى بِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، وإمّا احْتِجاجٌ عَلى النَّصارى بِما يُوجَدُ في أناجِيلِهِمْ.

قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] إلَخْ. وفي نُصُوصِ الإنْجِيلِ كَثِيرٌ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ إلَهُهُ ورَبُّهُ، كَما في مُجادَلَتِهِ مَعَ إبْلِيسَ، فَقَدْ قالَ لَهُ المَسِيحُ لِلرَّبِّ إلَهِكَ تَسْجُدُ وإيّاهُ وحْدَهُ تَعْبُدُ.

وعُدِلَ عَنْ طَرِيقِ الإضافَةِ في قَوْلِهِ (عَبْدًا لِلَّهِ) فَأُظْهِرَ الحَرْفُ الَّذِي تُقَدَّرُ الإضافَةُ عَلَيْهِ: لِأنَّ التَّنْكِيرَ هُنا أظْهَرُ في العُبُودِيَّةِ، أيْ عَبْدًا مِن جُمْلَةِ العَبِيدِ، ولَوْ قالَ: عَبْدَ اللَّهِ لَأوْهَمَتِ الإضافَةُ أنَّهُ العَبْدُ الخِصِّيصُ، أوْ أنَّ ذَلِكَ عَلَمٌ لَهُ.

صفحة ٦٠

وأمّا ما حَكى اللَّهُ عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] فَلِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في مَقامِ خِطابِ مَنِ ادَّعَوْا لَهُ الإلَهِيَّةَ.

وعَطْفُ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِمَزاعِمِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ حَتّى يَتَعَرَّضَ لِرَدِّ ذَلِكَ، إدْماجٌ لِقَصْدِ اسْتِقْصاءِ كُلِّ مَنِ ادُّعِيَتْ لَهُ بُنُوَّةُ اللَّهِ، لِيَشْمَلَهُ الخَبَرُ بِنَفْيِ اسْتِنْكافِهِ عَنْ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَهُ قَوْلُهُ (﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١])، وقَدْ قالَتِ العَرَبُ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ مِن نِساءِ الجِنِّ، ولِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا قَوْلُهُ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [النساء: ١٧١]، ومِن أفْضَلِ ما في السَّماواتِ المَلائِكَةُ، فَذُكِرُوا هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ. وإنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ (﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ﴾) اسْتِدْلالًا عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]) كانَ عَطْفُ (﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾) مُحْتَمِلًا لِلتَّتْمِيمِ كَقَوْلِهِ (﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]) فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ، ولا عَلى العَكْسِ، ومُحْتَمِلًا لِلتَّرَقِّي إلى ما هو الأوْلى بِعَكْسِ الحُكْمِ في أوْهامِ المُخاطَبِينَ، وإلى هَذا الأخِيرِ مالَ صاحِبُ الكَشّافِ ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] وجَعَلَ الآيَةَ دَلِيلًا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ المَسِيحِ، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ بِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، وزَعَمَ أنَّ عِلْمَ المَعانِي لا يَقْتَضِي غَيْرَ ذَلِكَ، وهو …

An-Nisaa 4:173Listen in Qur'an →
174

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَٰنٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًۭا مُّبِينًۭا

O mankind, there has come to you a conclusive proof from your Lord, and We have sent down to you a clear light.

﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَنُوَفِّيهِمُ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَنُعَذِّبَهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ .

اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ تَحْقِيقِ جُمْلَةِ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [النساء: ١٧١]) أوْ مَوْقِعَ الِاسْتِدْلالِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ (﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]) .

والِاسْتِنْكافُ: التَّكَبُّرُ والِامْتِناعُ بِأنَفَةٍ، فَهو أشَدُّ مِنَ الِاسْتِكْبارِ. ونَفْيُ اسْتِنْكافِ المَسِيحِ: إمّا إخْبارٌ عَنِ اعْتِرافِ عِيسى بِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، وإمّا احْتِجاجٌ عَلى النَّصارى بِما يُوجَدُ في أناجِيلِهِمْ.

قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] إلَخْ. وفي نُصُوصِ الإنْجِيلِ كَثِيرٌ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ إلَهُهُ ورَبُّهُ، كَما في مُجادَلَتِهِ مَعَ إبْلِيسَ، فَقَدْ قالَ لَهُ المَسِيحُ لِلرَّبِّ إلَهِكَ تَسْجُدُ وإيّاهُ وحْدَهُ تَعْبُدُ.

وعُدِلَ عَنْ طَرِيقِ الإضافَةِ في قَوْلِهِ (عَبْدًا لِلَّهِ) فَأُظْهِرَ الحَرْفُ الَّذِي تُقَدَّرُ الإضافَةُ عَلَيْهِ: لِأنَّ التَّنْكِيرَ هُنا أظْهَرُ في العُبُودِيَّةِ، أيْ عَبْدًا مِن جُمْلَةِ العَبِيدِ، ولَوْ قالَ: عَبْدَ اللَّهِ لَأوْهَمَتِ الإضافَةُ أنَّهُ العَبْدُ الخِصِّيصُ، أوْ أنَّ ذَلِكَ عَلَمٌ لَهُ.

صفحة ٦٠

وأمّا ما حَكى اللَّهُ عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] فَلِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في مَقامِ خِطابِ مَنِ ادَّعَوْا لَهُ الإلَهِيَّةَ.

وعَطْفُ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِمَزاعِمِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ حَتّى يَتَعَرَّضَ لِرَدِّ ذَلِكَ، إدْماجٌ لِقَصْدِ اسْتِقْصاءِ كُلِّ مَنِ ادُّعِيَتْ لَهُ بُنُوَّةُ اللَّهِ، لِيَشْمَلَهُ الخَبَرُ بِنَفْيِ اسْتِنْكافِهِ عَنْ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَهُ قَوْلُهُ (﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١])، وقَدْ قالَتِ العَرَبُ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ مِن نِساءِ الجِنِّ، ولِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا قَوْلُهُ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [النساء: ١٧١]، ومِن أفْضَلِ ما في السَّماواتِ المَلائِكَةُ، فَذُكِرُوا هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ. وإنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ (﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ﴾) اسْتِدْلالًا عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]) كانَ عَطْفُ (﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾) مُحْتَمِلًا لِلتَّتْمِيمِ كَقَوْلِهِ (﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]) فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ، ولا عَلى العَكْسِ، ومُحْتَمِلًا لِلتَّرَقِّي إلى ما هو الأوْلى بِعَكْسِ الحُكْمِ في أوْهامِ المُخاطَبِينَ، وإلى هَذا الأخِيرِ مالَ صاحِبُ الكَشّافِ ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] وجَعَلَ الآيَةَ دَلِيلًا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ المَسِيحِ، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ بِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، وزَعَمَ أنَّ عِلْمَ المَعانِي لا يَقْتَضِي غَيْرَ ذَلِكَ، وهو …

An-Nisaa 4:174Listen in Qur'an →
175

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِهِۦ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍۢ مِّنْهُ وَفَضْلٍۢ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَٰطًۭا مُّسْتَقِيمًۭا

So those who believe in Allah and hold fast to Him - He will admit them to mercy from Himself and bounty and guide them to Himself on a straight path.

﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ .

فَذْلَكَةٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ بِما هو جامِعٌ لِلْأخْذِ بِالهُدى ونَبْذُ الضَّلالِ، بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِن دَلائِلِ الحَقِّ وكَبْحِ الباطِلِ. فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وإقْبالٌ عَلى خِطابِ النّاسِ كُلِّهِمْ بَعْدَ أنْ كانَ الخِطابُ مُوَجَّهًا إلى أهْلِ الكِتابِ خاصَّةً. والبُرْهانُ: الحُجَّةُ، وقَدْ يُخَصَّصُ بِالحُجَّةِ الواضِحَةِ الفاصِلَةِ، وهو غالِبُ ما يُقْصَدُ بِهِ في القُرْآنِ، ولِهَذا سَمّى حُكَماءُ الإسْلامِ أجَلَّ أنْواعِ الدَّلِيلِ بُرْهانًا.

والمُرادُ هُنا دَلائِلُ النُّبُوءَةِ. وأمّا النُّورُ المُبِينُ فَهو القُرْآنُ لِقَوْلِهِ وأنْزَلْنا، والقَوْلُ في (جاءَكم) كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ ﴿قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠]، وكَذَلِكَ القَوْلُ في (﴿أنْزَلْنا إلَيْكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠]) .

و(أمّا) في قَوْلِهِ (﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْصِيلِ: تَفْصِيلًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ (يا أيُّها النّاسُ) مِنِ اخْتِلافِ الفِرَقِ والنَّزَعاتِ: بَيْنَ قابِلٍ

صفحة ٦٣

لِلْبُرْهانِ والنُّورِ، ومُكابِرٍ جاحِدٍ، ويَكُونُ مُعادِلُ هَذا الشَّقِّ مَحْذُوفًا لِلتَّهْوِيلِ، أيْ: وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا تَسَلْ عَنْهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أمّا) لِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ دُونَ تَفْصِيلٍ، وهو شَرْطٌ لِعُمُومِ الأحْوالِ، لِأنَّ (أمّا) في الشَّرْطِ بِمَعْنى مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ وفي هَذِهِ الحالَةِ لا تُفِيدُ التَّفْصِيلَ ولا تَطْلُبُ مُعادِلًا.

والِاعْتِصامُ: اللَّوْذُ، والِاعْتِصامُ بِاللَّهِ اسْتِعارَةٌ لِلَّوْذِ بِدِينِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والإدْخالُ في الرَّحْمَةِ والفَضْلِ عِبارَةٌ عَنِ الرِّضى.

وقَوْلُهُ ﴿ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾، تَعَلُّقُ الجارِّ والمَجْرُورِ بِـ يَهْدِي ) فَهو ظَرْفُ لَغْوٍ، و(صِراطًا) مَفْعُولُ (يَهْدِي)، والمَعْنى يَهْدِيهِمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا لِيَصِلُوا إلَيْهِ، أيْ إلى اللَّهِ، وذَلِكَ هو مُتَمَنّاهم، إذْ قَدْ عَلِمُوا أنَّ وعْدَهم عِنْدَهُ.

An-Nisaa 4:175Listen in Qur'an →
176

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌۭ وَلَهُۥٓ أُخْتٌۭ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةًۭ رِّجَالًۭا وَنِسَآءًۭ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ

They request from you a [legal] ruling. Say, "Allah gives you a ruling concerning one having neither descendants nor ascendants [as heirs]." If a man dies, leaving no child but [only] a sister, she will have half of what he left. And he inherits from her if she [dies and] has no child. But if there are two sisters [or more], they will have two-thirds of what he left. If there are both brothers and sisters, the male will have the share of two females. Allah makes clear to you [His law], lest you go astray. And Allah is Knowing of all things.

﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وهْ ويَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالًا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .

لا مُناسَبَةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ اللّاتِي قَبْلَها، فَوُقُوعُها عَقِبَها لا يَكُونُ إلّا لِأجْلِ نُزُولِها عَقِبَ نُزُولِ ما تَقَدَّمَها مِن هَذِهِ السُّورَةِ مَعَ مُناسَبَتِها لِآيَةِ الكَلالَةِ السّابِقَةِ في أثْناءِ ذِكْرِ الفَرائِضِ؛ لِأنَّ في هَذِهِ الآيَةِ بَيانًا لِحَقِيقَةِ الكَلالَةِ أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى (لَيْسَ لَهُ ولَدٌ)، وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّهُ ألْحَقَ بِالكَلالَةِ المالِكَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ والِدٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ ومالِكِ بْنِ أنَسٍ.

فَحُكْمُ الكَلالَةِ قَدْ بُيِّنَ بَعْضُهُ في آيَةٍ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ إنَّ النّاسَ سَألُوا

صفحة ٦٤

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صُورَةٍ أُخْرى مِن صُوَرِ الكَلالَةِ. وثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ الَّذِي سَألَهُ هو جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «عادَنِي رَسُولُ اللَّهِ وأبُو بَكْرٍ ماشِيَيْنِ في بَنِي سَلَمَةَ فَوَجَدانِي مُغْمًى عَلَيَّ فَتَوَضَّأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وصَبَّ عَلَيَّ وضُوءَهُ فَأفَقْتُ وقُلْتُ: كَيْفَ أصْنَعُ في مالِي فَإنَّما يَرِثُنِي كَلالَةٌ ؟ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ الآيَةَ» . وقَدْ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَجَهِّزٌ لِحِجَّةِ الوَداعِ في قَضِيَّةِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.

فَضَمِيرُ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ (﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾) غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ جَمْعٌ، بَلْ أُرِيدَ بِهِ جِنْسُ السّائِلِينَ، عَلى نَحْوِ: ”«ما بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا» “ وهَذا كَثِيرٌ في الكَلامِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ قَدْ تَكَرَّرَ وكانَ آخِرُ السّائِلَيْنِ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَتَأخَّرَ الجَوابُ لِمَن سَألَ قَبْلَهُ، وعُجِّلَ البَيانُ لَهُ لِأنَّهُ وقْتُ الحاجَةِ لِأنَّهُ كانَ يَظُنُّ نَفْسَهُ مَيِّتًا مِن ذَلِكَ المَرَضِ وأرادَ أنْ يُوصِيَ بِمالِهِ، فَيَكُونُ مِن تَأْخِيرِ البَيانِ إلى وقْتِ الحاجَةِ.

والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في مادَّةِ السُّؤالِ طَرِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ، نَحْوُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩]، ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩] . لِأنَّ شَأْنَ السُّؤالِ يَتَكَرَّرُ، فَشاعَ إيرادُهُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ، وقَدْ يَغْلِبُ اسْتِعْمالُ بَعْضِ صِيَغِ الفِعْلِ في بَعْضِ المَواقِعِ، ومِنهُ غَلَبَةُ اسْتِعْمالِ المُضارِعِ في الدُّعاءِ في مَقامِ الإنْكارِ: كَقَوْلِ عائِشَةَ ”يَرْحَمُ اللَّهُ أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ“ تَعْنِي ابْنَ عُمَرَ، وقَوْلِهِمْ ”يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ“ . ومِنهُ غَلَبَةُ الماضِي مَعَ (لا) فِيَةِ في الدُّعاءِ إذا لَمْ تُكَرَّرْ (لا)؛ نَحْوُ (فَلا رَجَعَ) . عَلى أنَّ الكَلالَةَ قَدْ تَكَرَّرَ فِيها السُّؤالُ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ وبَعْدَها. وقَدْ «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: ”ما راجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ في شَيْءٍ مُراجِعَتِي إيّاهُ في الكَلالَةِ، وما أغْلَظَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في شَيْءٍ ما أغْلَظَ لِي فِيها حَتّى طَعَنَ في نَحْرِي وقالَ يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ“» وقَوْلُهُ (في الكَلالَةِ) يَتَنازَعُهُ في التَّعَلُّقِ كُلٌّ مِن فِعْلِ (يَسْتَفْتُونَكَ) وفِعْلِ (يُفْتِيكم) .

صفحة ٦٥ …

An-Nisaa 4:176Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.