يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌۭ مِّنْهُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۖ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ سُبْحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۘ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًۭا
O People of the Scripture, do not commit excess in your religion or say about Allah except the truth. The Messiah, Jesus, the son of Mary, was but a messenger of Allah and His word which He directed to Mary and a soul [created at a command] from Him. So believe in Allah and His messengers. And do not say, "Three"; desist - it is better for you. Indeed, Allah is but one God. Exalted is He above having a son. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.
صفحة ٩١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكم إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ شُبُهاتِ اليَهُودِ تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ النَّصارى في هَذِهِ الآيَةِ، والتَّقْدِيرُ: يا أهْلَ الكِتابِ مِنَ النَّصارى لا تَغْلُوا في دِينِكم أيْ: لا تُفْرِطُوا في تَعْظِيمِ المَسِيحِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ اليَهُودِ أنَّهم يُبالِغُونَ في الطَّعْنِ في المَسِيحِ، وهَؤُلاءِ النَّصارى يُبالِغُونَ في تَعْظِيمِهِ وكِلا طَرَفَيْ قَصْدِهِمْ ذَمِيمٌ، فَلِهَذا قالَ لِلنَّصارى: ﴿لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ يَعْنِي لا تَصِفُوا اللَّهَ بِالحُلُولِ والِاتِّحادِ في بَدَنِ الإنْسانِ أوْ رُوحِهِ، ونَزِّهُوهُ عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ. ولَمّا مَنَعَهم عَنْ طَرِيقِ الغُلُوِّ أرْشَدَهم إلى طَرِيقِ الحَقِّ، وهو أنَّ المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وعَبْدُهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ .
فاعْلَمْ أنّا فَسَّرْنا ”الكَلِمَةَ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٥] والمَعْنى أنَّهُ وُجِدَ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وأمْرِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ولا نُطْفَةٍ كَما قالَ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ جَرَتْ عادَةُ النّاسِ أنَّهم إذا وصَفُوا شَيْئًا بِغايَةِ الطَّهارَةِ والنَّظافَةِ قالُوا: إنَّهُ رُوحٌ، فَلَمّا كانَ عِيسى لَمْ يَتَكَوَّنْ مِن نُطْفَةِ الأبِ وإنَّما تَكَوَّنُ مِن نَفْخَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا جَرَمَ وُصِفَ بِأنَّهُ رُوحٌ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: (مِنهُ) التَّشْرِيفُ والتَّفْضِيلُ كَما يُقالُ: هَذِهِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، والمُرادُ كَوْنُ تِلْكَ النِّعْمَةِ كامِلَةً شَرِيفَةً.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ سَبَبًا لِحَياةِ الخَلْقِ في أدْيانِهِمْ، ومَن كانَ كَذَلِكَ وُصِفَ بِأنَّهُ رُوحٌ. قالَ تَعالى في صِفَةِ القُرْآنِ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشُّورى: ٥٢] الثّالِثُ: رُوحٌ مِنهُ أيْ: رَحْمَةٌ مِنهُ، قِيلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾ [المُجادَلَةِ: ٢٢] أيْ: بِرَحْمَةٍ مِنهُ، وقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: («إنَّما أنا رَحْمَةٌ مُهْداةٌ» ) فَلَمّا كانَ عِيسى رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ مِن حَيْثُ أنَّهُ كانَ يُرْشِدُهم إلى مَصالِحِهِمْ في دِينِهِمْ ودُنْياهم لا جَرَمَ سُمِّيَ رُوحًا مِنهُ.
الرّابِعُ: أنَّ الرُّوحَ هو النَّفْخُ في كَلامِ العَرَبِ، فَإنَّ الرُّوحَ والرِّيحَ مُتَقارِبانِ، فالرُّوحُ عِبارَةٌ عَنْ …