Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 171–176 of 176

171

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌۭ مِّنْهُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۖ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ سُبْحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۘ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًۭا

O People of the Scripture, do not commit excess in your religion or say about Allah except the truth. The Messiah, Jesus, the son of Mary, was but a messenger of Allah and His word which He directed to Mary and a soul [created at a command] from Him. So believe in Allah and His messengers. And do not say, "Three"; desist - it is better for you. Indeed, Allah is but one God. Exalted is He above having a son. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكم إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [١٧١]

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ أيْ: بِالإفْراطِ في رَفْعِ شَأْنِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وادِّعاءِ أُلُوهِيَّتِهِ، فَإنَّهُ تَجاوُزٌ فَوْقَ المَنزِلَةِ الَّتِي أُوتِيَها، وهي الرِّسالَةُ، واسْتُفِيدَ حُرْمَةُ الغُلُوِّ في الدِّينِ وهو مُجاوَزَةُ الحَدِّ.

وفِي الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا تُطْرُونِي كَما أطْرَتِ النَّصارى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإنَّما أنا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ» .

وقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا حَسَنُ بْنُ مُوسى، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا مُحَمَّدُ! يا سَيِّدَنا وابْنَ سَيِّدِنا! وخَيْرَنا وابْنَ خَيْرِنا! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أيُّها النّاسُ! عَلَيْكم بِقَوْلِكم ولا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطانُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، واللَّهِ ما أُحِبُّ أنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنزِلَتِي الَّتِي أنْزَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ» .

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ مِن هَذا الوَجْهِ.

﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ﴾ أيْ: لا تَصِفُوهُ بِما يَسْتَحِيلُ اتِّصافُهُ بِهِ مِنَ الحُلُولِ والِاتِّحادِ، واتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، بَلْ نَزِّهُوهُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ.

﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ صِفَةٌ لَهُ مُفِيدَةٌ لِبُطْلانِ ما وصَفُوهُ بِهِ مِن كَوْنِهِ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ خَبَرٌ المُبْتَدَأِ أعْنِي المَسِيحَ، أيْ: مَقْصُورٌ عَلى مَقامِ الرِّسالَةِ لا يَتَخَطّاهُ ﴿وكَلِمَتُهُ﴾ أيْ: مُكَوَّنٌ بِكَلِمَتِهِ وأمْرِهِ الَّذِي هو (كُنْ) مِن غَيْرِ واسِطَةِ أبٍ ولا نُطْفَةٍ.

﴿ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ أيْ: أوْصَلَها إلَيْها وحَصَّلَها فِيها بِنَفْخِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ أيْ: بِتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ كَسائِرِ الأرْواحِ المَخْلُوقَةِ، وإنَّما أضافَهُ إلى نَفْسِهِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ كَما يُقالُ: بَيْتُ اللَّهِ، وناقَةُ اللَّهِ.

وقِيلَ: الرُّوحُ هو نَفْخُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في جَيْبِ دِرْعِ مَرْيَمَ، فَحَمَلَتْ بِإذْنِ اللَّهِ، سُمِّيَ النَّفْخُ رُوحًا؛ لِأنَّهُ رِيحٌ تَخْرُجُ مِنَ الرُّوحِ، وإنَّما أضافَهُ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ وُجِدَ بِأمْرِهِ تَعالى وإذْنِهِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: (مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا لا تَبْعِيضِيَّةٌ، كَما زَعَمَتِ النَّصارى.

يُحْكى أنَّ طَبِيبًا نَصْرانِيًّا لِلرَّشِيدِ ناظَرَ عَلِيَّ بْنَ حُسَيْنٍ الواقِدِيَّ المَرْوَزِيَّ ذاتَ يَوْمٍ، فَقالَ لَهُ: إنَّ في كِتابِكم ما يَدُلُّ عَلى أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - جُزْءٌ مِنهُ تَعالى، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقَرَأ الواقِدِيُّ: ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ [الجاثية: ١٣] [الجاثِيَةِ: ١٣] فَقالَ: إذَنْ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ تِلْكَ الأشْياءِ جُزْءًا مِنهُ، تَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا، فانْقَطَعَ النَّصْرانِيُّ وأسْلَمَ، وفَرِحَ الرَّشِيدُ فَرَحًا شَدِيدًا، ووَصَلَ الواقِدِيَّ بِصِلَةٍ …

An-Nisaa 4:171Listen in Qur'an →
172

لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًۭا لِّلَّهِ وَلَا ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًۭا

Never would the Messiah disdain to be a servant of Allah, nor would the angels near [to Him]. And whoever disdains His worship and is arrogant - He will gather them to Himself all together.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [١٧٢]

﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِنَ التَّنْزِيهِ، أيْ: لَنْ يَأْنَفَ مِن أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ، فَإنَّ عُبُودِيَّتَهُ شَرَفٌ يُتَباهى بِهِ.

﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ مِن أنْ يَكُونُوا عَبِيدًا لَهُ تَعالى، واحْتَجَّ بِالآيَةِ مَن زَعَمَ فَضْلَ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ولا مَن هو أعْلى مِنهُ قَدْرًا، وأعْظَمُ مِنهُ خَطَرًا، وهُمُ المَلائِكَةُ الكَرُوبِيُّونَ، الَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ، كَجِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ، ومَن في طَبَقَتِهِمْ.

ثُمَّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: مِن أيْنَ دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ عَلى أنَّ المَعْنى: ولا مَن فَوْقَهُ؟ قُلْتُ: مِن حَيْثُ إنَّ عِلْمَ المَعانِي لا يَقْتَضِي غَيْرَ ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّ الكَلامَ إنَّما سِيقَ لِرَدِّ مَذْهَبِ النَّصارى وغُلُوِّهِمْ في رَفْعِ المَسِيحِ عَنْ مَنزِلَةِ العُبُودِيَّةِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ لَهُمْ: لَنْ يَتَرَفَّعَ عِيسى عَنِ العُبُودِيَّةِ، ولا مَن هو أرْفَعُ مِنهُ دَرَجَةً، كَأنَّهُ قِيلَ: لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ مِنَ العُبُودِيَّةِ، فَكَيْفَ بِالمَسِيحِ ؟ ويَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً ظاهِرَةً بَيِّنَةً تَخْصِيصُ المُقَرَّبِينَ؛ لِكَوْنِهِمْ أرْفَعَ المَلائِكَةِ دَرَجَةً وأعْلاهم مَنزِلَةً، ومِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ:

؎وما مِثْلُهُ مِن يُجاوِدُ حاتِمٌ ولا البَحْرُ ذُو الأمْواجِ يَلْتَجُّ زاخِرُهْ

لا شُبْهَةَ في أنَّهُ قَصَدَ بِالبَحْرِ ذِي الأمْواجِ ما هو فَوْقَ حاتِمٍ في الجُودِ، ومَن كانَ لَهُ ذَوْقٌ فَلْيَذُقْ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى﴾ [البقرة: ١٢٠] [البَقَرَةِ: ١٢٠] حَتّى يَعْتَرِفَ بِالفَرْقِ البَيِّنِ. انْتَهى.

قالَ البَيْضاوِيُّ: وجَوابُهُ أنَّ الآيَةَ لِلرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ المَسِيحِ والمَلائِكَةِ، فَلا يَتَّجِهُ ذَلِكَ، وإنَّ سُلِّمَ اخْتِصاصُها بِالنَّصارى فَلَعَلَّهُ أرادَ بِالعَطْفِ المُبالَغَةَ بِاعْتِبارِ التَّكْثِيرِ دُونَ التَّكْبِيرِ، كَقَوْلِكَ: أصْبَحَ الأمِيرُ لا يُخالِفُهُ رَئِيسٌ ولا مَرْؤُوسٌ، وإنْ أرادَ بِهِ التَّكْبِيرَ فَغايَتُهُ تَفْضِيلُ المُقَرَّبِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، وهُمُ الكَرُوبِيُّونَ الَّذِينَ هم حَوْلَ العَرْشِ، أوْ مَن أعْلى مِنهم رُتْبَةً مِنَ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ فَضْلَ أحَدِ الجِنْسَيْنِ عَلى الآخَرِ مُطْلَقًا والنِّزاعَ فِيهِ. انْتَهى.

قالَ ناصِرُ الدِّينِ في "الِانْتِصافِ": وقَدْ كَثُرَ الِاخْتِلافُ في تَفْضِيلِ الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الأشْعَرِيَّةِ إلى تَفْضِيلِ الأنْبِياءِ، وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرٍ - مِنّا - والحُلَيْمِيُّ وجَماعَةُ المُعْتَزِلَةِ إلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ، واتَّخَذَ المُعْتَزِلَةُ هَذِهِ الآيَةَ عُمْدَتَهم في تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ، مِن حَيْثُ الوَجْهُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ.

ونَحْنُ - بِعَوْنِ اللَّهِ - نُشْبِعُ القَوْلَ في المَسْألَةِ مِن حَيْثُ الآيَةُ، فَنَقُولُ: أوْرَدَ الأشْعَرِيَّةُ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها أسْئِلَةً:

أحَدُها: أنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ - أفْضَلُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أفْضَلُ مِن عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - …

An-Nisaa 4:172Listen in Qur'an →
173

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُوا۟ وَٱسْتَكْبَرُوا۟ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا

And as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards and grant them extra from His bounty. But as for those who disdained and were arrogant, He will punish them with a painful punishment, and they will not find for themselves besides Allah any protector or helper.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [١٧٣]

﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَلَمْ يَسْتَكْبِرُوا عَنْ عُبُودِيَّتِهِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَلَمْ يَسْتَنْكِفُوا عَنْ عِبادَتِهِ ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أيْ: ثَوابَ أعْمالِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنها شَيْءٌ ﴿ويَزِيدُهُمْ﴾ أيْ: عَلى أُجُورِهِمْ شَيْئًا عَظِيمًا ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ بِتَضْعِيفِها أضْعافًا مُضاعَفَةً؛ مُبالَغَةً في إعْزازِهِمْ.

﴿وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا﴾ هو عَذابُ النّارِ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ لِيُعِزَّهم ﴿ولا نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُهم ويَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ.

An-Nisaa 4:173Listen in Qur'an →
174

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَٰنٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًۭا مُّبِينًۭا

O mankind, there has come to you a conclusive proof from your Lord, and We have sent down to you a clear light.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْـزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [١٧٤]

﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ لَمّا بَيَّنَ تَعالى بُطْلانَ ما عَلَيْهِ الكَفَرَةُ عَلى طَبَقاتِهِمْ مِن فُنُونِ الكُفْرِ والضَّلالِ عَمَّمَ الخِطابَ ودَعا جَمِيعَ النّاسِ إلى الِاعْتِرافِ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وسَمّاهُ بُرْهانًا لِما أُوتِيهِ مِنَ البَراهِينِ القاطِعَةِ الَّتِي شَهِدَتْ بِصِدْقِهِ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى أنَّ الحُجَّةَ قَدْ تَمَّتْ بِبَعْثَتِهِ، فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ عِلَّةٌ لِمُتَعَلِّلٍ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ؛ لِإظْهارِ اللُّطْفِ بِهِمْ، والإيذانِ بِأنَّ مَجِيئَهُ إلَيْهِمْ لِتَرْبِيَتِهِمْ وتَكْمِيلِهِمْ.

﴿وأنْـزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ أيْ: ضِياءً واضِحًا عَلى الحَقِّ، يُهْتَدى بِهِ مِن ظُلُماتِ الضَّلالِ، وهو القُرْآنُ.

An-Nisaa 4:174Listen in Qur'an →
175

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِهِۦ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍۢ مِّنْهُ وَفَضْلٍۢ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَٰطًۭا مُّسْتَقِيمًۭا

So those who believe in Allah and hold fast to Him - He will admit them to mercy from Himself and bounty and guide them to Himself on a straight path.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [١٧٥]

﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ﴾ أيْ: عَصَمُوا بِهِ أنْفُسَهم مِمّا يُرْدِيها مِن زَيْغِ الشَّيْطانِ ﴿فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ﴾ وهي الجَنَّةُ ﴿وفَضْلٍ﴾ يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ، كالنَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ وغَيْرِهِ مِن مَواهِبِهِ الجَلِيلَةِ ﴿ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ فَيُسْلِكُهم - بِتَمَسُّكِهِمْ بِالبُرْهانِ والنُّورِ المُبِينِ - الطَّرِيقَ الواضِحَ القَصْدِ، وهو الإسْلامُ. وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الوَعْدِ بِإدْخالِ الجَنَّةِ عَلى الوَعْدِ بِالهِدايَةِ إلَيْها - عَلى خِلافِ التَّرْتِيبِ في الوُجُودِ بَيْنَ المَوْعُودَيْنِ - لِلْمُسارَعَةِ إلى التَّبْشِيرِ بِما هو المَقْصِدُ الأصْلِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

An-Nisaa 4:175Listen in Qur'an →
176

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌۭ وَلَهُۥٓ أُخْتٌۭ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةًۭ رِّجَالًۭا وَنِسَآءًۭ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ

They request from you a [legal] ruling. Say, "Allah gives you a ruling concerning one having neither descendants nor ascendants [as heirs]." If a man dies, leaving no child but [only] a sister, she will have half of what he left. And he inherits from her if she [dies and] has no child. But if there are two sisters [or more], they will have two-thirds of what he left. If there are both brothers and sisters, the male will have the share of two females. Allah makes clear to you [His law], lest you go astray. And Allah is Knowing of all things.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وهو يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [١٧٦]

﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ أيْ: في مِيراثِ الكَلالَةِ، اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ لِوُرُودِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُها في مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ. والمُسْتَفْتِي جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

رَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وأنا مَرِيضٌ، فَتَوَضَّأ فَصَبَّ عَلَيَّ - أوْ قالَ: صُبُّوا عَلَيْهِ - فَعَقَلْتُ فَقُلْتُ: لا يَرِثُنِي إلّا كَلالَةٌ، فَكَيْفَ المِيراثُ؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرائِضِ».

﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ أيْ: ماتَ، واخْتِصاصُ الهَلاكِ بِمِيتَةِ السُّوءِ عُرْفٌ طارِئٌ لا يُعْتَدُّ بِهِ، بِدَلِيلِ ما لا يُحْصى مِنَ الآيِ والأحادِيثِ، ولِطُرُوِّ هَذا العُرْفِ قالَ الشِّهابُ في "شَرْحِ الشِّفاءِ": إنَّهُ يُمْنَعُ إطْلاقُهُ في حَقِّ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولا يُعْتَدُّ بِأصْلِ اللُّغَةِ القَدِيمَةِ، كَما لا يَخْفى عَمَّنْ لَهُ مَساسٌ بِالقَواعِدِ الشَّرْعِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. كَذا في "تاجِ العَرُوسِ".

﴿لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ أيِ: المَيِّتُ، مِنَ المالِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَمَسَّكَ بِهِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ الكَلالَةِ انْتِفاءُ الوالِدِ، بَلْ يَكْفِي في وُجُودِ الكَلالَةِ انْتِفاءُ الوَلَدِ، وهو رِوايَةٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، رَواها ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، ولَكِنَّ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وقَضى الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ الَّذِي لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (ولَهُ أُخْتٌ) ولَوْ كانَ مَعَها أبٌ لَمْ تَرِثْ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ يَحْجُبُها بِالإجْماعِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مَن لا ولَدَ لَهُ بِنَصِّ القُرْآنِ، ولا والِدَ بِالنَّصِّ أيْضًا، عِنْدَ التَّأمُّلِ أيْضًا؛ لِأنَّ الأُخْتَ لا يُفْرَضُ لَها النِّصْفُ مَعَ الوالِدِ، بَلْ لَيْسَ لَها مِيراثٌ بِالكُلِّيَّةِ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ، «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ زَوْجٍ وأُخْتٍ لِأبٍ وأُمٍّ؟ فَأعْطى الزَّوْجَ النِّصْفَ، والأُخْتَ النِّصْفَ، فَكُلِّمَ في ذَلِكَ، فَقالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضى بِذَلِكَ».

وقَدْ نَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُما كانا يَقُولانِ (فِي المَيِّتِ تَرَكَ بِنْتًا وأُخْتًا): إنَّهُ لا شَيْءَ لِلْأُخْتِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ قالَ: فَإذا تَرَكَ بِنْتًا فَقَدْ تَرَكَ ولَدًا فَلا شَيْءَ لِلْأُخْتِ.

وخالَفَهُما الجُمْهُورُ فَقالُوا (فِي المَسْألَةِ): لِلْبِنْتِ النِّصْفُ بِالفَرْضِ، ولِلْأُخْتِ النِّصْفُ الآخَرُ بِالتَّعْصِيبِ، بِدَلِيلٍ غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ نَقَصَتْ أنْ يُفْرَضَ لَها في هَذِهِ الآيَةِ.

وأمّا وِراثَتُها بِالتَّعْصِيبِ فَلِما رَواهُ البُخارِيُّ مِن طَرِيقِ سُلَيْمانَ، عَنْ إبْراهِيمَ، عَنِ الأسْوَدِ قالَ: قَضى فِينا مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ عَلى عَهْدِ رَسُولِ …

An-Nisaa 4:176Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.