يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌۭ مِّنْهُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۖ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ سُبْحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۘ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًۭا
O People of the Scripture, do not commit excess in your religion or say about Allah except the truth. The Messiah, Jesus, the son of Mary, was but a messenger of Allah and His word which He directed to Mary and a soul [created at a command] from Him. So believe in Allah and His messengers. And do not say, "Three"; desist - it is better for you. Indeed, Allah is but one God. Exalted is He above having a son. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.
قَوْلُهُ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ الِاسْمُ الشَّرِيفُ مُبْتَدَأٌ والفِعْلُ خَبَرُهُ، ومَعَ تَشْدِيدِ النُّونِ هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ اسْمُ ( لَكِنْ ) والِاسْتِدْراكُ مِن مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهم قالُوا: ما نَشْهَدُ لَكَ يا مُحَمَّدُ بِهَذا؛ أيْ: الوَحْيُ والنُّبُوَّةُ، فَنَزَلَ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ .
وقَوْلُهُ: ( والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ ) جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى أوْ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ( أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِعِلْمِهِ الَّذِي لا يَعْلَمَهُ غَيْرُهُ مِن كَوْنِكَ أهْلًا لِما اصْطَفاكَ اللَّهُ لَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وأنْزَلَهُ عَلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أيْ: كَفى اللَّهُ شاهِدًا والباءُ زائِدَةٌ، وشَهادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ هي ما يَصْنَعُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَإنَّ وُجُودَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ شَهادَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِصِدْقِ ما أخْبَرَ بِهِ مِن هَذا وغَيْرِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، أوْ بِهَذا الأمْرِ الخاصِّ، وهو ما في هَذا المَقامِ ﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهو دِينُ الإسْلامِ بِإنْكارِهِمْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِمْ: ما نَجِدُ صِفَتَهُ في كِتابِنا وإنَّما النُّبُوَّةُ في ولَدِ هارُونَ وداوُدَ، وبِقَوْلِهِمْ: إنَّ شَرْعَ مُوسى لا يُنْسَخُ ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ عَنِ الحَقِّ بِما فَعَلُوا؛ لِأنَّهم مَعَ كُفْرِهِمْ مَنَعُوا غَيْرَهم عَنِ الحَقِّ.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِجَحْدِهِمْ ( وظَلَمُوا ) غَيْرَهم بِصَدِّهِمْ عَنِ السَّبِيلِ أوْ ظَلَمُوا مُحَمَّدًا بِكِتْمانِهِمْ نُبُوَّتَهُ أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِكُفْرِهِمْ، ويَجُوزُ الحَمْلُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ إذا اسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ وماتُوا كافِرِينَ ﴿ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ لِكَوْنِهِمُ اقْتَرَفُوا ما يُوجِبُ لَهم ذَلِكَ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ وفَرْطِ شَقائِهِمْ وجَحَدُوا الواضِحَ وعانَدُوا البَيِّنَ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ أيْ: يُدْخِلُهم جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ.
وقَوْلُهُ: ( أبَدًا ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وهو لِدَفْعِ احْتِمالِ أنَّ الخُلُودَ هُنا يُرادُ بِهِ المُكْثُ الطَّوِيلُ ( وكانَ ذَلِكَ ) أيْ: تَخْلِيدُهم في جَهَنَّمَ أوْ تَرْكُ المَغْفِرَةِ لَهم والهِدايَةُ مَعَ الخُلُودِ في جَهَنَّمَ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ النَّحْوِ في انْتِصابِ ( خَيْرًا ) عَلى ماذا ؟ فَقالَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ: بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: واقْصُدُوا أوِ ائْتُوا خَيْرًا لَكم، وقالَ الفَرّاءُ: هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: فَآمِنُوا إيمانًا خَيْرًا لَكم، وذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ، والكِسائِيُّ إلى أنَّهُ خَبَرٌ لَكانَ مُقَدَّرَةً؛ أيْ: فَآمِنُوا يَكُنِ الإيمانُ خَيْرًا لَكم، وأقْوى هَذِهِ الأقْوالِ الثّالِثُ، ثُمَّ الأوَّلُ، ثُمَّ الثّانِي عَلى ضَعْفٍ فِيهِ ( وإنْ تَكْفُرُوا ) أيْ: وإنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى كُفْرِكم ﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وأنْتُمْ مِن جُمْلَتِهِمْ، ومَن كانَ خالِيًا لَكم ولَها فَهو قادِرٌ عَلى مُجازاتِكم بِقَبِيحِ أفْعالِكم، فَفي هَذِهِ الجُمْلَةِ وعِيدٌ لَهم مَعَ إيضاحِ وجْهِ البُرْهانِ …