Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 161–170 of 176

161

وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَقَدْ نُهُوا۟ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا

And [for] their taking of usury while they had been forbidden from it, and their consuming of the people's wealth unjustly. And we have prepared for the disbelievers among them a painful punishment.

﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمُ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .

صفحة ٢٦

إنْ كانَ مُتَعَلَّقَ قَوْلِهِ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) مَحْذُوفًا عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ كانَ قَوْلُهُ فَبِظُلْمٍ مُفَرَّعًا عَلى مَجْمُوعِ جَرائِمِهِمُ السّالِفَةِ. فَيَكُونُ المُرادُ بِظُلْمِهِمْ ظُلْمًا آخَرَ غَيْرَ ما عُدِّدَ مِن قَبْلُ، وإنْ كانَ قَوْلُهُ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ (﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ﴾) فَقَوْلُهُ (فَبِظُلْمٍ) الخَ بَدَلٌ مُطابِقٌ مِن جُمْلَةِ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) بِإعادَةِ العامِلِ في البَدَلِ مِنهُ لِطُولِ الفَصْلِ. وفائِدَةُ الإتْيانِ بِهِ أنْ يَظْهَرَ تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ (﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾) إذْ بَعُدَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ مُتَعَلِّقِهِ، وهو قَوْلُهُ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) لِيَقْوى ارْتِباطُ الكَلامِ. وأُتِيَ في جُمْلَةِ البَدَلِ بِلَفْظٍ جامِعٍ لِلْمُبْدَلِ مِنهُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ: لِأنَّ نَقْضَ المِيثاقِ، والكُفْرَ، وقَتْلَ الأنْبِياءِ، وقَوْلَهم قُلُوبُنا غُلْفٌ، وقَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا، وقَوْلَهم قَتَلْنا عِيسى: كُلُّ ذَلِكَ ظُلْمٌ. فَكانَتِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ بِمَنزِلَةِ الفَذْلَكَةِ لِما تَقَدَّمَ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَبِذَلِكَ كُلِّهِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ، لَكِنْ عَدَلَ إلى لَفْظِ الظُّلْمِ لِأنَّهُ أحْسَنُ تَفَنُّنًا، وأكْثَرُ فائِدَةً مِنَ الإتْيانِ بِاسْمِ الإشارَةِ. وقَدْ مَرَّ بَيانُ ذَلِكَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظُلْمًا آخَرَ أجْمَلَهُ القُرْآنُ.

وتَنْكِيرُ (ظُلْمٍ) لِلتَّعْظِيمِ، والعُدُولِ عَنْ أنْ يَقُولَ فَبِظُلْمِهِمْ، حَتّى تَأْتِيَ الضَّمائِرُ مُتَتابِعَةً مِن قَوْلِهِ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) إلى آخِرِهِ، إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ وهو (الَّذِينَ هادُوا) لِأجْلِ بُعْدِ الضَّمِيرِ في الجُمْلَةِ المُبْدَلِ مِنها: وهي (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) . ولِأنَّ في المَوْصُولِ وصْلَتِهِ ما يَقْتَضِي التَّنَزُّهَ عَنِ الظُّلْمِ لَوْ كانُوا كَما وصَفُوا أنْفُسَهم، فَقالُوا (﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦])؛ فَصُدُورُ الظُّلْمِ عَنِ الَّذِينَ هادُوا مَحَلُّ اسْتِغْرابٍ.

والآيَةُ اقْتَضَتْ: أنَّ تَحْرِيمَ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ إنَّما كانَ عِقابًا لَهم، وأنَّ تِلْكَ المُحَرَّماتِ لَيْسَ فِيها مِنَ المَفاسِدِ ما يَقْتَضِي تَحْرِيمَ تَناوُلِها، وإلّا لَحُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ مَجِيءِ الشَّرِيعَةِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الطَّيِّباتِ هو ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦] إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، فَهَذا هو الجَزاءُ عَلى ظُلْمِهِمْ.

صفحة ٢٧

نَقَلَ الفَخْرُ في آيَةِ سُورَةِ الأنْعامِ عَنْ عَبْدِ الجَبّارِ أنَّهُ قالَ نَفْسُ التَّحْرِيمِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً …

An-Nisaa 4:161Listen in Qur'an →
162

لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ۚ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ أُو۟لَٰٓئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا

But those firm in knowledge among them and the believers believe in what has been revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you. And the establishers of prayer [especially] and the givers of zakah and the believers in Allah and the Last Day - those We will give a great reward.

﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمُ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .

صفحة ٢٦

إنْ كانَ مُتَعَلَّقَ قَوْلِهِ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) مَحْذُوفًا عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ كانَ قَوْلُهُ فَبِظُلْمٍ مُفَرَّعًا عَلى مَجْمُوعِ جَرائِمِهِمُ السّالِفَةِ. فَيَكُونُ المُرادُ بِظُلْمِهِمْ ظُلْمًا آخَرَ غَيْرَ ما عُدِّدَ مِن قَبْلُ، وإنْ كانَ قَوْلُهُ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ (﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ﴾) فَقَوْلُهُ (فَبِظُلْمٍ) الخَ بَدَلٌ مُطابِقٌ مِن جُمْلَةِ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) بِإعادَةِ العامِلِ في البَدَلِ مِنهُ لِطُولِ الفَصْلِ. وفائِدَةُ الإتْيانِ بِهِ أنْ يَظْهَرَ تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ (﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾) إذْ بَعُدَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ مُتَعَلِّقِهِ، وهو قَوْلُهُ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) لِيَقْوى ارْتِباطُ الكَلامِ. وأُتِيَ في جُمْلَةِ البَدَلِ بِلَفْظٍ جامِعٍ لِلْمُبْدَلِ مِنهُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ: لِأنَّ نَقْضَ المِيثاقِ، والكُفْرَ، وقَتْلَ الأنْبِياءِ، وقَوْلَهم قُلُوبُنا غُلْفٌ، وقَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا، وقَوْلَهم قَتَلْنا عِيسى: كُلُّ ذَلِكَ ظُلْمٌ. فَكانَتِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ بِمَنزِلَةِ الفَذْلَكَةِ لِما تَقَدَّمَ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَبِذَلِكَ كُلِّهِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ، لَكِنْ عَدَلَ إلى لَفْظِ الظُّلْمِ لِأنَّهُ أحْسَنُ تَفَنُّنًا، وأكْثَرُ فائِدَةً مِنَ الإتْيانِ بِاسْمِ الإشارَةِ. وقَدْ مَرَّ بَيانُ ذَلِكَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظُلْمًا آخَرَ أجْمَلَهُ القُرْآنُ.

وتَنْكِيرُ (ظُلْمٍ) لِلتَّعْظِيمِ، والعُدُولِ عَنْ أنْ يَقُولَ فَبِظُلْمِهِمْ، حَتّى تَأْتِيَ الضَّمائِرُ مُتَتابِعَةً مِن قَوْلِهِ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) إلى آخِرِهِ، إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ وهو (الَّذِينَ هادُوا) لِأجْلِ بُعْدِ الضَّمِيرِ في الجُمْلَةِ المُبْدَلِ مِنها: وهي (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) . ولِأنَّ في المَوْصُولِ وصْلَتِهِ ما يَقْتَضِي التَّنَزُّهَ عَنِ الظُّلْمِ لَوْ كانُوا كَما وصَفُوا أنْفُسَهم، فَقالُوا (﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦])؛ فَصُدُورُ الظُّلْمِ عَنِ الَّذِينَ هادُوا مَحَلُّ اسْتِغْرابٍ.

والآيَةُ اقْتَضَتْ: أنَّ تَحْرِيمَ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ إنَّما كانَ عِقابًا لَهم، وأنَّ تِلْكَ المُحَرَّماتِ لَيْسَ فِيها مِنَ المَفاسِدِ ما يَقْتَضِي تَحْرِيمَ تَناوُلِها، وإلّا لَحُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ مَجِيءِ الشَّرِيعَةِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الطَّيِّباتِ هو ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦] إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، فَهَذا هو الجَزاءُ عَلى ظُلْمِهِمْ.

صفحة ٢٧

نَقَلَ الفَخْرُ في آيَةِ سُورَةِ الأنْعامِ عَنْ عَبْدِ الجَبّارِ أنَّهُ قالَ نَفْسُ التَّحْرِيمِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً …

An-Nisaa 4:162Listen in Qur'an →
163

۞ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍۢ وَٱلنَّبِيِّۦنَ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيْمَٰنَ ۚ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًۭا

Indeed, We have revealed to you, [O Muhammad], as We revealed to Noah and the prophets after him. And we revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, the Descendants, Jesus, Job, Jonah, Aaron, and Solomon, and to David We gave the book [of Psalms].

﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيئِينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ .

صفحة ٣١

اسْتَأْنَفَتْ هَذِهِ الآياتُ الرَّدَّ عَلى سُؤالِ اليَهُودِ أنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، بَعْدَ أنْ حُمِقُوا في ذَلِكَ بِتَحْمِيقِ أسْلافِهِمْ: بِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣]، واسْتُطْرِدَتْ بَيْنَهُما جُمَلٌ مِن مُخالَفَةِ أسْلافِهِمْ، وما نالَهم مِن جَرّاءِ ذَلِكَ، فَأقْبَلَ الآنَ عَلى بَيانِ أنَّ إنْزالَ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَكُنْ بِدَعًا، فَإنَّهُ شَأْنُ الوَحْيِ لِلرُّسُلِ، فَلَمْ يُقْدَحْ في رِسالَتِهِمْ أنَّهم لَمْ يُنَزَّلْ عَلَيْهِمْ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ.

والتَّأْكِيدُ بِإنَّ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ أوْ لِتَنْزِيلِ المَرْدُودِ عَلَيْهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ كَيْفِيَّةَ الوَحْيِ لِلرُّسُلِ غَيْرِ مُوسى، إذْ لَمْ يَجْرُوا عَلى مُوجَبِ عِلْمِهِمْ حَتّى أنْكَرُوا رِسالَةَ رَسُولٍ لَمْ يُنْزَلْ إلَيْهِ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ.

والوَحْيُ إفادَةُ المَقْصُودِ بِطَرِيقٍ غَيْرِ الكَلامِ، مِثْلَ الإشارَةِ قالَ تَعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأوْحى إلَيْهِمُ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، وقالَ داوُدُ بْنُ جَرِيرٍ:

يَرْمُونَ بِالخُطَبِ الطِّوالِ وتارَةً وحْيُ اللَّواحِظِ خِيفَةَ الرُّقَبَـاءِ

والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ﴾ تَشْبِيهٌ بِجِنْسِ الوَحْيِ وإنِ اخْتَلَفَتْ أنْواعُهُ، فَإنَّ الوَحْيَ إلى النَّبِيءِ ﷺ كانَ بِأنْواعٍ مِنَ الوَحْيِ ورَدَ بَيانُها في حَدِيثِ عائِشَةَ في الصَّحِيحِ عَنْ سُؤالِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ النَّبِيءَ ﷺ كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ - بِخِلافِ الوَحْيِ إلى غَيْرِهِ مِمَّنْ سَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ يُحْتَمَلُ بَعْضٌ مِنَ الأنْواعِ، عَلى أنَّ الوَحْيَ لِلنَّبِيءِ ﷺ كانَ مِنهُ الكِتابُ القُرْآنُ ولَمْ يَكُنْ لِبَعْضِ مَن ذُكِرَ مَعَهُ كِتابٌ.

وعَدَّ اللَّهُ هُنا جَمْعًا مِنَ النَّبِيئِينَ والمُرْسَلِينَ وذَكَرَ أنَّهُ أوْحى إلَيْهِمْ ولَمْ يَخْتَلِفِ العُلَماءُ في أنَّ الرُّسُلَ والأنْبِياءَ يُوحى إلَيْهِمْ.

صفحة ٣٢

وإنَّما اخْتَلَفَتْ عِباراتُهم في مَعْنى الرَّسُولِ والنَّبِيءِ. فَفي كَلامِ جَماعَةٍ مِن عُلَمائِنا لا نَجِدُ تَفْرِقَةً، وأنَّ كُلَّ نَبِيءٍ فَهو رَسُولٌ لِأنَّهُ يُوحى إلَيْهِ بِما لا يَخْلُو مِن تَبْلِيغِهِ ولَوْ إلى أهْلِ بَيْتِهِ. وقَدْ يَكُونُ حالُ الرَّسُولِ مُبْتَدَأً بِنُبُوَّةٍ ثُمَّ يَعْقُبُها إرْسالُهُ، فَتِلْكَ النُّبُوءَةُ تَمْهِيدٌ لِلرِّسالَةِ كَما كانَ أمْرُ مَبْدَأِ الوَحْيِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ أخْبَرَ خَدِيجَةَ، ونَزَلَ عَلَيْهِ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] .

والقَوْلُ الصَّحِيحُ أنَّ الرَّسُولَ أخَصُّ، وهو مَن أُوحِيَ إلَيْهِ مَعَ الأمْرِ بِالتَّبْلِيغِ، والنَّبِيءُ لا يُؤْمَرُ بِالتَّبْلِيغِ وإنْ كانَ قَدْ يُبَلِّغُ عَلى وجْهِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والدُّعاءِ لِلْخَيْرِ، يَعْنِي بِدُونِ إنْذارٍ وتَبْشِيرٍ. ووَرَدَ في بَعْضِ الأحادِيثِ: «الأنْبِياءُ مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، وعَدُّ الرُّسُلِ ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَسُولًا» . …

An-Nisaa 4:163Listen in Qur'an →
164

وَرُسُلًۭا قَدْ قَصَصْنَٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًۭا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًۭا

And [We sent] messengers about whom We have related [their stories] to you before and messengers about whom We have not related to you. And Allah spoke to Moses with [direct] speech.

﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيئِينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ .

صفحة ٣١

اسْتَأْنَفَتْ هَذِهِ الآياتُ الرَّدَّ عَلى سُؤالِ اليَهُودِ أنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، بَعْدَ أنْ حُمِقُوا في ذَلِكَ بِتَحْمِيقِ أسْلافِهِمْ: بِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣]، واسْتُطْرِدَتْ بَيْنَهُما جُمَلٌ مِن مُخالَفَةِ أسْلافِهِمْ، وما نالَهم مِن جَرّاءِ ذَلِكَ، فَأقْبَلَ الآنَ عَلى بَيانِ أنَّ إنْزالَ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَكُنْ بِدَعًا، فَإنَّهُ شَأْنُ الوَحْيِ لِلرُّسُلِ، فَلَمْ يُقْدَحْ في رِسالَتِهِمْ أنَّهم لَمْ يُنَزَّلْ عَلَيْهِمْ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ.

والتَّأْكِيدُ بِإنَّ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ أوْ لِتَنْزِيلِ المَرْدُودِ عَلَيْهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ كَيْفِيَّةَ الوَحْيِ لِلرُّسُلِ غَيْرِ مُوسى، إذْ لَمْ يَجْرُوا عَلى مُوجَبِ عِلْمِهِمْ حَتّى أنْكَرُوا رِسالَةَ رَسُولٍ لَمْ يُنْزَلْ إلَيْهِ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ.

والوَحْيُ إفادَةُ المَقْصُودِ بِطَرِيقٍ غَيْرِ الكَلامِ، مِثْلَ الإشارَةِ قالَ تَعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأوْحى إلَيْهِمُ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، وقالَ داوُدُ بْنُ جَرِيرٍ:

يَرْمُونَ بِالخُطَبِ الطِّوالِ وتارَةً وحْيُ اللَّواحِظِ خِيفَةَ الرُّقَبَـاءِ

والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ﴾ تَشْبِيهٌ بِجِنْسِ الوَحْيِ وإنِ اخْتَلَفَتْ أنْواعُهُ، فَإنَّ الوَحْيَ إلى النَّبِيءِ ﷺ كانَ بِأنْواعٍ مِنَ الوَحْيِ ورَدَ بَيانُها في حَدِيثِ عائِشَةَ في الصَّحِيحِ عَنْ سُؤالِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ النَّبِيءَ ﷺ كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ - بِخِلافِ الوَحْيِ إلى غَيْرِهِ مِمَّنْ سَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ يُحْتَمَلُ بَعْضٌ مِنَ الأنْواعِ، عَلى أنَّ الوَحْيَ لِلنَّبِيءِ ﷺ كانَ مِنهُ الكِتابُ القُرْآنُ ولَمْ يَكُنْ لِبَعْضِ مَن ذُكِرَ مَعَهُ كِتابٌ.

وعَدَّ اللَّهُ هُنا جَمْعًا مِنَ النَّبِيئِينَ والمُرْسَلِينَ وذَكَرَ أنَّهُ أوْحى إلَيْهِمْ ولَمْ يَخْتَلِفِ العُلَماءُ في أنَّ الرُّسُلَ والأنْبِياءَ يُوحى إلَيْهِمْ.

صفحة ٣٢

وإنَّما اخْتَلَفَتْ عِباراتُهم في مَعْنى الرَّسُولِ والنَّبِيءِ. فَفي كَلامِ جَماعَةٍ مِن عُلَمائِنا لا نَجِدُ تَفْرِقَةً، وأنَّ كُلَّ نَبِيءٍ فَهو رَسُولٌ لِأنَّهُ يُوحى إلَيْهِ بِما لا يَخْلُو مِن تَبْلِيغِهِ ولَوْ إلى أهْلِ بَيْتِهِ. وقَدْ يَكُونُ حالُ الرَّسُولِ مُبْتَدَأً بِنُبُوَّةٍ ثُمَّ يَعْقُبُها إرْسالُهُ، فَتِلْكَ النُّبُوءَةُ تَمْهِيدٌ لِلرِّسالَةِ كَما كانَ أمْرُ مَبْدَأِ الوَحْيِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ أخْبَرَ خَدِيجَةَ، ونَزَلَ عَلَيْهِ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] .

والقَوْلُ الصَّحِيحُ أنَّ الرَّسُولَ أخَصُّ، وهو مَن أُوحِيَ إلَيْهِ مَعَ الأمْرِ بِالتَّبْلِيغِ، والنَّبِيءُ لا يُؤْمَرُ بِالتَّبْلِيغِ وإنْ كانَ قَدْ يُبَلِّغُ عَلى وجْهِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والدُّعاءِ لِلْخَيْرِ، يَعْنِي بِدُونِ إنْذارٍ وتَبْشِيرٍ. ووَرَدَ في بَعْضِ الأحادِيثِ: «الأنْبِياءُ مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، وعَدُّ الرُّسُلِ ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَسُولًا» . …

An-Nisaa 4:164Listen in Qur'an →
165

رُّسُلًۭا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًۭا

[We sent] messengers as bringers of good tidings and warners so that mankind will have no argument against Allah after the messengers. And ever is Allah Exalted in Might and Wise.

﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيئِينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ .

صفحة ٣١

اسْتَأْنَفَتْ هَذِهِ الآياتُ الرَّدَّ عَلى سُؤالِ اليَهُودِ أنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، بَعْدَ أنْ حُمِقُوا في ذَلِكَ بِتَحْمِيقِ أسْلافِهِمْ: بِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣]، واسْتُطْرِدَتْ بَيْنَهُما جُمَلٌ مِن مُخالَفَةِ أسْلافِهِمْ، وما نالَهم مِن جَرّاءِ ذَلِكَ، فَأقْبَلَ الآنَ عَلى بَيانِ أنَّ إنْزالَ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَكُنْ بِدَعًا، فَإنَّهُ شَأْنُ الوَحْيِ لِلرُّسُلِ، فَلَمْ يُقْدَحْ في رِسالَتِهِمْ أنَّهم لَمْ يُنَزَّلْ عَلَيْهِمْ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ.

والتَّأْكِيدُ بِإنَّ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ أوْ لِتَنْزِيلِ المَرْدُودِ عَلَيْهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ كَيْفِيَّةَ الوَحْيِ لِلرُّسُلِ غَيْرِ مُوسى، إذْ لَمْ يَجْرُوا عَلى مُوجَبِ عِلْمِهِمْ حَتّى أنْكَرُوا رِسالَةَ رَسُولٍ لَمْ يُنْزَلْ إلَيْهِ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ.

والوَحْيُ إفادَةُ المَقْصُودِ بِطَرِيقٍ غَيْرِ الكَلامِ، مِثْلَ الإشارَةِ قالَ تَعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأوْحى إلَيْهِمُ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، وقالَ داوُدُ بْنُ جَرِيرٍ:

يَرْمُونَ بِالخُطَبِ الطِّوالِ وتارَةً وحْيُ اللَّواحِظِ خِيفَةَ الرُّقَبَـاءِ

والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ﴾ تَشْبِيهٌ بِجِنْسِ الوَحْيِ وإنِ اخْتَلَفَتْ أنْواعُهُ، فَإنَّ الوَحْيَ إلى النَّبِيءِ ﷺ كانَ بِأنْواعٍ مِنَ الوَحْيِ ورَدَ بَيانُها في حَدِيثِ عائِشَةَ في الصَّحِيحِ عَنْ سُؤالِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ النَّبِيءَ ﷺ كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ - بِخِلافِ الوَحْيِ إلى غَيْرِهِ مِمَّنْ سَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ يُحْتَمَلُ بَعْضٌ مِنَ الأنْواعِ، عَلى أنَّ الوَحْيَ لِلنَّبِيءِ ﷺ كانَ مِنهُ الكِتابُ القُرْآنُ ولَمْ يَكُنْ لِبَعْضِ مَن ذُكِرَ مَعَهُ كِتابٌ.

وعَدَّ اللَّهُ هُنا جَمْعًا مِنَ النَّبِيئِينَ والمُرْسَلِينَ وذَكَرَ أنَّهُ أوْحى إلَيْهِمْ ولَمْ يَخْتَلِفِ العُلَماءُ في أنَّ الرُّسُلَ والأنْبِياءَ يُوحى إلَيْهِمْ.

صفحة ٣٢

وإنَّما اخْتَلَفَتْ عِباراتُهم في مَعْنى الرَّسُولِ والنَّبِيءِ. فَفي كَلامِ جَماعَةٍ مِن عُلَمائِنا لا نَجِدُ تَفْرِقَةً، وأنَّ كُلَّ نَبِيءٍ فَهو رَسُولٌ لِأنَّهُ يُوحى إلَيْهِ بِما لا يَخْلُو مِن تَبْلِيغِهِ ولَوْ إلى أهْلِ بَيْتِهِ. وقَدْ يَكُونُ حالُ الرَّسُولِ مُبْتَدَأً بِنُبُوَّةٍ ثُمَّ يَعْقُبُها إرْسالُهُ، فَتِلْكَ النُّبُوءَةُ تَمْهِيدٌ لِلرِّسالَةِ كَما كانَ أمْرُ مَبْدَأِ الوَحْيِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ أخْبَرَ خَدِيجَةَ، ونَزَلَ عَلَيْهِ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] .

والقَوْلُ الصَّحِيحُ أنَّ الرَّسُولَ أخَصُّ، وهو مَن أُوحِيَ إلَيْهِ مَعَ الأمْرِ بِالتَّبْلِيغِ، والنَّبِيءُ لا يُؤْمَرُ بِالتَّبْلِيغِ وإنْ كانَ قَدْ يُبَلِّغُ عَلى وجْهِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والدُّعاءِ لِلْخَيْرِ، يَعْنِي بِدُونِ إنْذارٍ وتَبْشِيرٍ. ووَرَدَ في بَعْضِ الأحادِيثِ: «الأنْبِياءُ مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، وعَدُّ الرُّسُلِ ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَسُولًا» . …

An-Nisaa 4:165Listen in Qur'an →
166

لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلْمِهِۦ ۖ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا

But Allah bears witness to that which He has revealed to you. He has sent it down with His knowledge, and the angels bear witness [as well]. And sufficient is Allah as Witness.

﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ .

هَذا اسْتِدْراكٌ عَلى مَعْنًى أثارَهُ الكَلامُ: لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [النساء: ١٥٣] مَسُوقٌ مَساقَ بَيانِ تَعَنُّتِهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ عَنْ أنْ يَشْهَدُوا بِصِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وصِحَّةِ نِسْبَةِ القُرْآنِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ هَذا المَعْنى يَسْتَلْزِمُ أنَّهم يَأْبَوْنَ مِنَ الشَّهادَةِ بِصِدْقِ الرَّسُولِ، وأنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُ الرَّسُولَ ﷺ، فَجاءَ الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ (﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾) . فَإنَّ الِاسْتِدْراكَ تَعْقِيبُ الكَلامِ بِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ أوْ نَفْيُهُ. والمَعْنى: لَمْ يَشْهَدْ أهْلُ الكِتابِ لَكِنَّ اللَّهَ شَهِدَ وشَهادَةُ اللَّهِ خَيْرٌ مِن شَهادَتِهِمْ.

وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أنَّ حَقِيقَةَ الشَّهادَةِ إخْبارٌ لِتَصْدِيقِ مُخْبِرٍ، وتَكْذِيبِ مُخْبِرٍ آخَرَ. وتَقَدَّمَ أنَّها تُطْلَقُ عَلى الخَبَرِ المُحَقِّقِ الَّذِي لا يَتَطَرَّقُهُ الشَّكُّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. فالشَّهادَةُ في قَوْلِهِ (﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾) أُطْلِقَتْ عَلى الإخْبارِ بِنُزُولِ القُرْآنِ مِنَ اللَّهِ إطْلاقًا مَجازِيًّا، لِأنَّ هَذا الخَبَرَ تَضَمَّنَ تَصْدِيقَ الرَّسُولِ وتَكْذِيبَ مُعانَدِيهِ، وهو إطْلاقٌ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ مِنَ الإطْلاقِ الحَقِيقِيِّ هو غَيْرُ الإطْلاقِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] فَإنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ. وعُطِفَ شَهادَةُ المَلائِكَةِ عَلى شَهادَةِ اللَّهِ: لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ هَذِهِ الشَّهادَةِ بِتَعَدُّدِ الشُّهُودِ، ولِأنَّ شَهادَةَ اللَّهِ مَجازٌ في العِلْمِ وشَهادَةَ المَلائِكَةِ

صفحة ٤٥

حَقِيقَةٌ. وإظْهارُ فِعْلِ (يَشْهَدُونَ) مَعَ وُجُودِ حَرْفِ العَطْفِ لِلتَّأْكِيدِ. وحَرْفُ (لَكِنْ) بِسُكُونِ النُّونِ مُخَفَّفُ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةِ النُّونِ الَّتِي هي مِن أخَواتِ (إنَّ) وإذا خُفِّفَتْ بَطُلَ عَمَلُها.

وقَوْلُهُ ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ يَجْرِي عَلى الِاحْتِمالَيْنِ.

وقَوْلُهُ ﴿بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ وقَعَ تَحْوِيلٌ في تَرْكِيبِ الجُمْلَةِ لِقَصْدِ الإجْمالِ الَّذِي يَعْقُبُهُ التَّفْصِيلُ، لِيَكُونَ أوْقَعَ في النَّفْسِ. وأصْلُ الكَلامِ: يَشْهَدُ بِإنْزالِ ما أنْزَلَهُ إلَيْكَ بِعِلْمِهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ (بِما أنْزَلَ إلَيْكَ) لَمْ يُفَدِ المَشْهُودُ بِهِ إلّا ضِمْنًا مَعَ المَشْهُودِ فِيهِ إذْ جِيءَ بِاسْمِ المَوْصُولِ لِيُوصِلَ بِصِلَةٍ فِيها إيماءٌ إلى المَقْصُودِ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يُذْكَرِ المَقْصُودُ مِنَ الشَّهادَةِ الَّذِي هو حَقُّ مَدْخُولِ الباءِ بَعْدَ مادَّةِ شَهِدَ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ (أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) مُكَمِّلَةَ مَعْنى الشَّهادَةِ. وهَذا قَرِيبٌ مِنَ التَّحْوِيلِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ في تَمْيِيزِ النِّسْبَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَوْقِعُ قَوْلِهِ (﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾) مِن قَوْلِهِ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ مَوْقِعُ الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ؛ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلشَّهادَةِ وأنَّ شَهادَتَهُ بِصِحَّتِهِ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِالنَّظْمِ المُعْجِزِ. فَلَعَلَّهُ يَجْعَلُ جُمْلَةَ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ مُسْتَقِلَّةً بِالفائِدَةِ، وأنَّ مَعْنى (بِما أنْزَلَ إلَيْكَ) بِصِحَّةِ ما أنْزَلَ …

An-Nisaa 4:166Listen in Qur'an →
167

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّوا۟ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا

Indeed, those who disbelieve and avert [people] from the way of Allah have certainly gone far astray.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ .

صفحة ٤٦

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا هُنا أهْلَ الكِتابِ، أيِ اليَهُودَ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ الفَذْلَكَةِ لِلْكَلامِ السّابِقِ الرّادِّ عَلى اليَهُودِ مِنَ التَّحاوُرِ المُتَقَدِّمِ.

وصَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن صَدِّ القاصِرِ الَّذِي قِياسُ مُضارِعِهِ يَصِدُّ بِكَسْرِ الصّادِ، أيْ أعْرَضُوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. أيِ الإسْلامِ، أوْ هو مِن (صَدَّ) المُتَعَدِّي الَّذِي قِياسُ مُضارِعِهِ بِضَمِّ الصّادِ، أيْ صَدُّوا النّاسَ. وحُذِفَ المَفْعُولُ لِقَصْدِ التَّكْثِيرِ. فَقَدْ كانَ اليَهُودُ يَتَعَرَّضُونَ لِلْمُسْلِمِينَ بِالفِتْنَةِ، ويُقَوُّونَ أوْهامَ المُشْرِكِينَ بِتَكْذِيبِهِمُ النَّبِيءَ ﷺ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ، كَما هو الغالِبُ في إطْلاقِ هَذا الوَصْفِ في القُرْآنِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، انْتَقَلَ إلَيْهِ بِمُناسَبَةِ الخَوْضِ في مُناواةِ أهْلِ الكِتابِ لِلْإسْلامِ. وصَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أيْ صَدُّهُمُ النّاسَ عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ مَشْهُورٌ.

والضَّلالُ الكُفْرُ لِأنَّهُ ضَياعٌ عَنِ الإيمانِ، الَّذِي هو طَرِيقُ الخَيْرِ والسَّعادَةِ، فَإطْلاقُ الضَّلالِ عَلى الكُفْرِ اسْتِعارَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى اسْتِعارَةِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ لِلْإيمانِ.

ووَصْفُ الضَّلالِ بِالبَعِيدِ مَعَ أنَّ البُعْدَ مِن صِفاتِ المَسافاتِ هو اسْتِعارَةُ البُعْدِ لِشِدَّةِ الضَّلالِ وكَمالِهِ في نَوْعِهِ، بِحَيْثُ لا يُدْرَكُ مِقْدارُهُ، وهو تَشْبِيهٌ شائِعٌ في كَلامِهِمْ: أنْ يُشَبِّهُوا بُلُوغَ الكَمالِ بِما يَدُلُّ عَلى المَسافاتِ والنِّهاياتِ كَقَوْلِهِمْ: بَعِيدُ الغَوْرِ، وبَعِيدُ القَعْرِ، ولا نِهايَةَ لَهُ، ولا غايَةَ لَهُ، ورَجُلٌ بَعِيدُ الهِمَّةِ، وبَعِيدُ المَرْمى، ولا مُنْتَهى لِكِبارِها، وبَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ، وقَوْلِهِمْ: هَذا إغْراقٌ في كَذا.

ومِن بَدِيعِ مُناسَبَتِهِ هُنا أنَّ الضَّلالَ الحَقِيقِيَّ يَكُونُ في الفَيافِي والمَوامِي، فَإذا اشْتَدَّ التِّيهُ والضَّلالُ بَعُدَ صاحِبُهُ عَنِ المَعْمُورِ، فَكانَ في وصْفِهِ بِالبَعِيدِ تَعاهُدٌ لِلْحَقِيقَةِ، وإيماءٌ إلى أنَّ في إطْلاقِهِ عَلى الكُفْرِ والجَهْلِ نَقْلًا عُرْفِيًّا.

An-Nisaa 4:167Listen in Qur'an →
168

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَظَلَمُوا۟ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا

Indeed, those who disbelieve and commit wrong [or injustice] - never will Allah forgive them, nor will He guide them to a path.

صفحة ٤٧

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧])، لِأنَّ السّامِعَ يَتَرَقَّبُ مَعْرِفَةَ جَزاءِ هَذا الضَّلالِ فَبَيَّنَتْهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ.

وإعادَةُ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ دُونَ أنْ يُذْكَرَ ضَمِيرُهم لِتُبْنى عَلَيْهِ صِلَةُ (وظَلَمُوا)، ولِأنَّ في تَكْرِيرِ الصِّلَةِ تَنْدِيدًا عَلَيْهِمْ. ويَجِيءُ عَلى الوَجْهَيْنِ في المُرادِ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها أنْ يَكُونَ عَطْفُ الظُّلْمِ عَلى الكُفْرِ في قَوْلِهِ (﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا﴾) إمّا أنْ يُرادَ بِهِ ظُلْمُ النَّفْسِ، وظُلْمُ النَّبِيءِ والمُسْلِمِينَ، وذَلِكَ اللّائِقُ بِأهْلِ الكِتابِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ الشِّرْكُ، كَما هو شائِعٌ في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ، قَوْلُهُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الأخَصِّ عَلى الأعَمِّ في الأنْواعِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ التَّعَدِّي عَلى النّاسِ، كَظُلْمِهِمُ النَّبِيءَ ﷺ بِإخْراجِهِ مِن أرْضِهِ، وتَأْلِيبِ النّاسِ عَلَيْهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وظُلْمِهِمُ المُؤْمِنِينَ بِتَعْذِيبِهِمْ في اللَّهِ، وإخْراجِهِمْ، ومُصادَرَتِهِمْ في أمْوالِهِمْ، ومُعامَلَتِهِمْ بِالنِّفاقِ والسُّخْرِيَةِ والخِداعِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ ارْتِكابُ المَفاسِدِ والجَرائِمِ مِمّا اسْتَقَرَّ عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ أنَّهُ ظُلْمٌ وعُدْوانٌ.

وقَوْلُهُ (﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾) صِيغَةُ جُحُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَهي تَقْتَضِي تَحْقِيقَ النَّفْيِ، وقَدْ نُفِيَ عَنِ اللَّهِ أنْ يَغْفِرَ لَهم تَحْذِيرًا مِنَ البَقاءِ عَلى الكُفْرِ والظُّلْمِ، لِأنَّ هَذا الحُكْمَ نِيطَ بِالوَصْفِ ولَمْ يُنَطْ بِأشْخاصٍ مَعْرُوفِينَ، فَإنْ هم أقْلَعُوا عَنِ الكُفْرِ والظُّلْمِ لَمْ يَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا. ومَعْنى نَفْيِ (أنْ يَهْدِيَهم طَرِيقًا): إنْ كانَ طَرِيقَ يَوْمِ القِيامَةِ فَهو واضِحٌ: أيْ لا يَهْدِيهِمْ طَرِيقًا يُوصِلُهم إلى مَكانٍ إلّا طَرِيقًا يُوَصِّلُ إلى جَهَنَّمَ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الطَّرِيقِ الآياتُ في الدُّنْيا، كَقَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . فَنَفْيُ هَدْيِهِمْ إلَيْهِ

صفحة ٤٨

إنْذارٌ بِأنَّ الكُفْرَ والظُّلْمَ مِن شَأْنِهِما أنْ يُخَيِّما عَلى القَلْبِ بِغِشاوَةٍ تَمْنَعُهُ مِن وُصُولِ الهُدى إلَيْهِ، لِيُحَذِّرَ المُتَلَبِّسَ بِالكُفْرِ والظُّلْمِ مِنَ التَّوَغُّلِ فِيهِما، فَلَعَلَّهُ أنْ يُصْبِحَ ولا مُخَلِّصَ لَهُ مِنهُما. ونَفْيُ هُدى اللَّهِ إيّاهم عَلى هَذا الوَجْهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ في نَفْيِ تَيْسِيرِ أسْبابِ الهُدى بِحَسَبِ قانُونِ حُصُولِ الأسْبابِ وحُصُولِ آثارِها بَعْدَها. وعَلى أيِّ الِاحْتِمالَيْنِ فَتَوْبَةُ الكافِرِ الظّالِمِ بِالإيمانِ مَقْبُولَةٌ، وكَثِيرًا ما آمَنَ الكافِرُونَ الظّالِمُونَ وحَسُنَ إيمانُهم، وآياتُ قَبُولِ التَّوْبَةِ، وكَذَلِكَ مُشاهَدَةُ الواقِعِ، مِمّا يَهْدِي إلى تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَرِيبًا، أيِ (﴿الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧]) الآيَةَ.

وقَوْلُهُ (﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾) اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إنْ كانَ الطَّرِيقُ الَّذِي نَفى هَدْيَهم إلَيْهِ الطَّرِيقَ الحَقِيقِيَّ، ومُنْقَطِعٌ إنْ أُرِيدَ بِالطَّرِيقِ …

An-Nisaa 4:168Listen in Qur'an →
169

إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًۭا

Except the path of Hell; they will abide therein forever. And that, for Allah, is [always] easy.

صفحة ٤٧

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧])، لِأنَّ السّامِعَ يَتَرَقَّبُ مَعْرِفَةَ جَزاءِ هَذا الضَّلالِ فَبَيَّنَتْهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ.

وإعادَةُ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ دُونَ أنْ يُذْكَرَ ضَمِيرُهم لِتُبْنى عَلَيْهِ صِلَةُ (وظَلَمُوا)، ولِأنَّ في تَكْرِيرِ الصِّلَةِ تَنْدِيدًا عَلَيْهِمْ. ويَجِيءُ عَلى الوَجْهَيْنِ في المُرادِ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها أنْ يَكُونَ عَطْفُ الظُّلْمِ عَلى الكُفْرِ في قَوْلِهِ (﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا﴾) إمّا أنْ يُرادَ بِهِ ظُلْمُ النَّفْسِ، وظُلْمُ النَّبِيءِ والمُسْلِمِينَ، وذَلِكَ اللّائِقُ بِأهْلِ الكِتابِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ الشِّرْكُ، كَما هو شائِعٌ في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ، قَوْلُهُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الأخَصِّ عَلى الأعَمِّ في الأنْواعِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ التَّعَدِّي عَلى النّاسِ، كَظُلْمِهِمُ النَّبِيءَ ﷺ بِإخْراجِهِ مِن أرْضِهِ، وتَأْلِيبِ النّاسِ عَلَيْهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وظُلْمِهِمُ المُؤْمِنِينَ بِتَعْذِيبِهِمْ في اللَّهِ، وإخْراجِهِمْ، ومُصادَرَتِهِمْ في أمْوالِهِمْ، ومُعامَلَتِهِمْ بِالنِّفاقِ والسُّخْرِيَةِ والخِداعِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ ارْتِكابُ المَفاسِدِ والجَرائِمِ مِمّا اسْتَقَرَّ عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ أنَّهُ ظُلْمٌ وعُدْوانٌ.

وقَوْلُهُ (﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾) صِيغَةُ جُحُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَهي تَقْتَضِي تَحْقِيقَ النَّفْيِ، وقَدْ نُفِيَ عَنِ اللَّهِ أنْ يَغْفِرَ لَهم تَحْذِيرًا مِنَ البَقاءِ عَلى الكُفْرِ والظُّلْمِ، لِأنَّ هَذا الحُكْمَ نِيطَ بِالوَصْفِ ولَمْ يُنَطْ بِأشْخاصٍ مَعْرُوفِينَ، فَإنْ هم أقْلَعُوا عَنِ الكُفْرِ والظُّلْمِ لَمْ يَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا. ومَعْنى نَفْيِ (أنْ يَهْدِيَهم طَرِيقًا): إنْ كانَ طَرِيقَ يَوْمِ القِيامَةِ فَهو واضِحٌ: أيْ لا يَهْدِيهِمْ طَرِيقًا يُوصِلُهم إلى مَكانٍ إلّا طَرِيقًا يُوَصِّلُ إلى جَهَنَّمَ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الطَّرِيقِ الآياتُ في الدُّنْيا، كَقَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . فَنَفْيُ هَدْيِهِمْ إلَيْهِ

صفحة ٤٨

إنْذارٌ بِأنَّ الكُفْرَ والظُّلْمَ مِن شَأْنِهِما أنْ يُخَيِّما عَلى القَلْبِ بِغِشاوَةٍ تَمْنَعُهُ مِن وُصُولِ الهُدى إلَيْهِ، لِيُحَذِّرَ المُتَلَبِّسَ بِالكُفْرِ والظُّلْمِ مِنَ التَّوَغُّلِ فِيهِما، فَلَعَلَّهُ أنْ يُصْبِحَ ولا مُخَلِّصَ لَهُ مِنهُما. ونَفْيُ هُدى اللَّهِ إيّاهم عَلى هَذا الوَجْهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ في نَفْيِ تَيْسِيرِ أسْبابِ الهُدى بِحَسَبِ قانُونِ حُصُولِ الأسْبابِ وحُصُولِ آثارِها بَعْدَها. وعَلى أيِّ الِاحْتِمالَيْنِ فَتَوْبَةُ الكافِرِ الظّالِمِ بِالإيمانِ مَقْبُولَةٌ، وكَثِيرًا ما آمَنَ الكافِرُونَ الظّالِمُونَ وحَسُنَ إيمانُهم، وآياتُ قَبُولِ التَّوْبَةِ، وكَذَلِكَ مُشاهَدَةُ الواقِعِ، مِمّا يَهْدِي إلى تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَرِيبًا، أيِ (﴿الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧]) الآيَةَ.

وقَوْلُهُ (﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾) اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إنْ كانَ الطَّرِيقُ الَّذِي نَفى هَدْيَهم إلَيْهِ الطَّرِيقَ الحَقِيقِيَّ، ومُنْقَطِعٌ إنْ أُرِيدَ بِالطَّرِيقِ …

An-Nisaa 4:169Listen in Qur'an →
170

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَـَٔامِنُوا۟ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

O Mankind, the Messenger has come to you with the truth from your Lord, so believe; it is better for you. But if you disbelieve - then indeed, to Allah belongs whatever is in the heavens and earth. And ever is Allah Knowing and Wise.

﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكم فَآمِنُوا خَيْرًا لَكم وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .

بَعْدَ اسْتِفْراغِ الحِوارِ مَعَ أهْلِ الكِتابِ، ثُمَّ خِطابِ أهْلِ الكُفْرِ بِما هو صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ شامِلًا لِأهْلِ الكِتابِ، وُجِّهَ الخِطابُ إلى النّاسِ جَمِيعًا؛

صفحة ٤٩

لِيَكُونَ تَذْيِيلًا وتَأْكِيدًا لِما سَبَقَهُ، إذْ قَدْ تَهَيَّأ مِنَ القَوارِعِ السّالِفَةِ ما قامَتْ بِهِ الحُجَّةُ، واتَّسَعَتِ المَحَجَّةُ، فَكانَ المَقامُ لِلْأمْرِ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ والإيمانِ. وكَذَلِكَ شَأْنُ الخَطِيبِ إذا تَهَيَّأتِ الأسْماعُ، ولانَتِ الطِّباعُ. ويُسَمّى هَذا بِالمَقْصِدِ مِنَ الخِطابِ، وما يَتَقَدَّمُهُ بِالمُقَدِّمَةِ. عَلى أنَّ الخِطابَ بِـ (يا أيُّها النّاسُ) يَعْنِي خُصُوصَ المُشْرِكِينَ في الغالِبِ، وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ (﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾) .

والتَّعْرِيفُ في (الرَّسُولُ) لِلْعَهْدِ، وهو المَعْهُودُ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ. و(الحَقِّ) هو الشَّرِيعَةُ والقُرْآنُ، و(مِن رَبِّكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (جاءَكم)، أوْ صِفَةٌ لِلْحَقِّ، و(مِن) لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ فِيهِما، وتَعْدِيَةُ (جاءَ) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ تَرْغِيبٌ لَهم في الإيمانِ لِأنَّ الَّذِي يَجِيءُ مُهْتَمًّا بِناسٍ يَكُونُ حَقًّا عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّبِعُوهُ، وأيْضًا في طَرِيقِ الإضافَةِ مِن قَوْلِهِ (رَبِّكم) تَرْغِيبٌ ثانٍ لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنِ اخْتِصاصِهِمْ بِهَذا الدِّينِ الَّذِي هو آتٍ مِن رَبِّهِمْ، فَلِذَلِكَ أُتِيَ بِالأمْرِ بِالإيمانِ مُفَرَّعًا عَلى هاتِهِ الجُمَلِ بِقَوْلِهِ (﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾) .

وانْتَصَبَ (خَيْرًا) عَلى تَعَلُّقِهِ بِمَحْذُوفٍ لازِمِ الحَذْفِ في كَلامِهِمْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، فَجَرى مَجْرى الأمْثالِ، وذَلِكَ فِيما دَلَّ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ مِنَ الكَلامِ نَحْوَ (﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١])، ووَراءَكَ أوْسَعَ لَكَ، أيْ تَأخَّرْ، وحَسْبُكَ خَيْرًا لَكَ، وقَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:

فَواعِدِيهِ سَرْحَتَيْ مالِكٍ أوِ الرُّبى بَيْنَهُما. أسْهَلا

فَنَصْبُهُ مِمّا لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ عَنِ العَرَبِ، واتَّفَقَ عَلَيْهِ أئِمَّةُ النَّحْوِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في المَحْذُوفِ: فَجَعَلَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ فِعْلًا أمْرًا مَدْلُولًا عَلَيْهِ مِن سِياقِ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: ايْتِ أوِ اقْصِدْ، قالا: لِأنَّكَ لَمّا قُلْتَ لَهُ: انْتَهِ، أوِ افْعَلْ، أوْ حَسْبُكَ، فَأنْتَ تَحْمِلُهُ عَلى شَيْءٍ آخَرَ أفْضَلَ لَهُ. وقالَ الفَرّاءُ مِنَ الكُوفِيِّينَ: هو في مِثْلِهِ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو لا يَتَأتّى فِيما كانَ مُنْتَصِبًا بَعْدَ نَهْيٍ، ولا فِيما كانَ مُنْتَصِبًا بَعْدَ غَيْرِ مُتَصَرِّفٍ، نَحْوَ: وراءَكَ وحَسْبُكَ. وقالَ الكِسائِيُّ والكُوفِيُّونَ: نُصِبَ بِكانَ مَحْذُوفَةٍ مَعَ خَبَرِها، والتَّقْدِيرُ: يَكُنْ خَيْرًا. وعِنْدِي: أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى

صفحة ٥٠

الحالِ مِنَ المَصْدَرِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الفِعْلُ، وحْدَهُ، أوْ مَعَ حَرْفِ النَّهْيِ، والتَّقْدِيرُ: فَآمَنُوا حالَ كَوْنِ الإيمانِ خَيْرًا، وحَسْبُكَ حالُ كَوْنِ الِاكْتِفاءِ خَيْرًا، ولا تَفْعَلْ كَذا حالَ كَوْنِ الِانْتِهاءِ خَيْرًا. وعَوْدُ الحالِ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ في مَثَلِهِ كَعَوْدِ الضَّمِيرِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨]، لا سِيَّما وقَدْ جَرى هَذا مَجْرى الأمْثالِ، وشَأْنُ الأمْثالِ قُوَّةُ الإيجازِ. وقَدْ قالَ بِذَلِكَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ وأبُو البَقاءِ.

وقَوْلُهُ (وإنْ تَكْفُرُوا) أُرِيدَ بِهِ …

An-Nisaa 4:170Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.