Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 161–170 of 176

161

وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَقَدْ نُهُوا۟ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا

And [for] their taking of usury while they had been forbidden from it, and their consuming of the people's wealth unjustly. And we have prepared for the disbelievers among them a painful punishment.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ فَضائِحَ أعْمالِ اليَهُودِ وقَبائِحَ الكافِرِينَ وأفْعالِهِمْ ذَكَرَ عَقِيبَهُ تَشْدِيدَهُ تَعالى عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، أمّا تَشْدِيدُهُ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا فَهو أنَّهُ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ كانَتْ مُحَلَّلَةً لَهم قَبْلَ ذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنْعامِ: ١٤٦] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ما هو كالعِلَّةِ المُوجِبَةِ لِهَذِهِ التَّشْدِيداتِ.

واعْلَمْ أنَّ أنْواعَ الذُّنُوبِ مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: الظُّلْمِ لِلْخَلْقِ، والإعْراضِ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ، أمّا ظُلْمُ الخَلْقِ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ إنَّهم مَعَ ذَلِكَ في غايَةِ الحِرْصِ في طَلَبِ المالِ، فَتارَةً يُحَصِّلُونَهُ بِالرِّبا مَعَ أنَّهم نُهُوا عَنْهُ، وتارَةً بِطَرِيقِ الرِّشْوَةِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائِدَةِ: ٤٢] فَهَذِهِ الأرْبَعَةُ هي الذُّنُوبُ المُوجِبَةُ لِلتَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، أمّا التَّشْدِيدُ في الدُّنْيا فَهو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ، وأمّا التَّشْدِيدُ في الآخِرَةِ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ .

An-Nisaa 4:161Listen in Qur'an →
162

لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ۚ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ أُو۟لَٰٓئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا

But those firm in knowledge among them and the believers believe in what has been revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you. And the establishers of prayer [especially] and the givers of zakah and the believers in Allah and the Last Day - those We will give a great reward.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ طَرِيقَةَ الكُفّارِ والجُهّالِ مِنَ اليَهُودِ وصَفَ طَرِيقَةَ المُؤْمِنِينَ مِنهم فَقالَ: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .

صفحة ٨٤

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ الثّابِتُونَ فِيهِ، وهم في الحَقِيقَةِ المُسْتَدِلُّونَ بِأنَّ المُقَلِّدَ يَكُونُ بِحَيْثُ إذا شُكِّكَ يَشُكُّ، وأمّا المُسْتَدِلُّ فَإنَّهُ لا يَتَشَكَّكُ البَتَّةَ، فالرّاسِخُونَ هُمُ المُسْتَدِلُّونَ والمُؤْمِنُونَ، يَعْنِي المُؤْمِنِينَ مِنهم أوِ المُؤْمِنِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وارْتَفَعَ الرّاسِخُونَ عَلى الِابْتِداءِ و(يُؤْمِنُونَ) خَبَرُهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ وعائِشَةَ أنَّهُما قالا: إنَّ في المُصْحَفِ لَحْنًا وسَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها.

واعْلَمْ أنَّ هَذا بَعِيدٌ لِأنَّ هَذا المُصْحَفَ مَنقُولٌ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَيْفَ يُمْكِنُ ثُبُوتُ اللَّحْنِ فِيهِ.

الثّانِي: وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ: إنَّهُ نُصِبَ عَلى المَدْحِ لِبَيانِ فَضْلِ الصَّلاةِ، قالُوا: إذا قُلْتَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الكَرِيمِ، فَلَكَ أنْ تَجُرَّ الكَرِيمَ لِكَوْنِهِ صِفَةً لِزَيْدٍ، ولَكَ أنْ تَنْصِبَهُ عَلى تَقْدِيرِ أعْنِي، وإنْ شِئْتَ رَفَعْتَ عَلى تَقْدِيرِ هو الكَرِيمُ، وعَلى هَذا يُقالُ: جاءَنِي قَوْمُكَ المُطْعِمِينَ في المَحَلِّ والمُغِيثُونَ في الشَّدائِدِ، والتَّقْدِيرُ جاءَنِي قَوْمُكَ أعْنِي المَطْعِمِينِ في المَحَلِّ وهُمُ المُغِيثُونَ في الشَّدائِدِ فَكَذا هَهُنا تَقْدِيرُ الآيَةِ: أعْنِي المُقِيمِينَ الصَّلاةَ وهُمُ المُؤْتُونَ الزَّكاةَ، طَعَنَ الكِسائِيُّ في هَذا القَوْلِ وقالَ: النَّصْبُ عَلى المَدْحِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ تَمامِ الكَلامِ، وهَهُنا لَمْ يَتِمَّ الكَلامُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ مُنْتَظِرٌ لِلْخَبَرِ، والخَبَرُ هو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .

والجَوابُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الكَلامَ لا يَتِمُّ إلّا عِنْدَ قَوْلِهِ: (أُولَئِكَ) لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الخَبَرَ هو قَوْلُهُ: (يُؤْمِنُونَ) وأيْضًا لِمَ لا يَجُوزُ الِاعْتِراضُ بِالمَدْحِ بَيْنَ الِاسْمِ والخَبَرِ؛ وما الدَّلِيلُ عَلى امْتِناعِهِ ؟ فَهَذا القَوْلُ هو المُعْتَمَدُ في هَذِهِ الآيَةِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو اخْتِيارُ الكِسائِيِّ، وهو أنَّ المُقِيمِينَ خُفِضَ بِالعَطْفِ عَلى (ما) في قَوْلِهِ: ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ والمَعْنى: والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: (والمُؤْمِنُونَ) قَوْلَهُ: ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ والمُرادُ بِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ الأنْبِياءُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَخْلُ شَرْعُ أحَدٍ مِنهم مِنَ الصَّلاةِ. قالَ تَعالى في سُورَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أعْدادًا مِنهم ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ وإقامَ الصَّلاةِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٧٣] وقِيلَ: المُرادُ بِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهُمُ الصّافُّونَ وهُمُ المُسَبِّحُونَ وأنَّهم يُسَبِّحُونَ …

An-Nisaa 4:162Listen in Qur'an →
163

۞ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍۢ وَٱلنَّبِيِّۦنَ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيْمَٰنَ ۚ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًۭا

Indeed, We have revealed to you, [O Muhammad], as We revealed to Noah and the prophets after him. And we revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, the Descendants, Jesus, Job, Jonah, Aaron, and Solomon, and to David We gave the book [of Psalms].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى أنَّ اليَهُودَ سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، وذَكَرَ تَعالى بَعْدَهُ أنَّهم لا يَطْلُبُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ الِاسْتِرْشادِ ولَكِنْ لِأجْلِ العِنادِ واللَّجاجِ، وحَكى أنْواعًا كَثِيرَةً مِن فَضائِحِهِمْ وقَبائِحِهِمْ، وامْتَدَّ الكَلامُ إلى هَذا المَقامِ، شَرَعَ الآنَ في الجَوابِ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ فَقالَ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ والمَعْنى: أنّا تَوافَقْنا عَلى نُبُوَّةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وجَمِيعِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِمْ، ولا طَرِيقَ إلى العِلْمِ بِكَوْنِهِمْ أنْبِياءَ اللَّهِ ورُسُلَهُ إلّا ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِمْ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم نَوْعٌ آخَرُ مِنَ المُعْجِزاتِ عَلى التَّعْيِينِ، وما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ كِتابًا بِتَمامِهِ مِثْلَ ما أنْزَلَ إلى مُوسى، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ عَدَمُ إنْزالِ الكِتابِ عَلى هَؤُلاءِ دُفْعَةً واحِدَةً قادِحًا في نُبُوَّتِهِمْ، بَلْ كَفى في إثْباتِ نُبُوَّتِهِمْ ظُهُورُ نَوْعٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِمْ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ زائِلَةٌ، وأنَّ إصْرارَ اليَهُودِ عَلى طَلَبِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ باطِلٌ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ

صفحة ٨٦

إثْباتَ المَدْلُولِ يَتَوَقَّفُ عَلى ثُبُوتِ الدَّلِيلِ، ثُمَّ إذا حَصَلَ الدَّلِيلُ وتَمَّ فالمُطالَبَةُ بِدَلِيلٍ آخَرَ تَكُونُ طَلَبًا لِلزِّيادَةِ وإظْهارًا لِلتَّعَنُّتِ واللَّجاجِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ لِأحَدٍ بِأنَّهُ لِمَ أعْطى هَذا الرَّسُولَ هَذِهِ المُعْجِزَةَ وذَلِكَ الرَّسُولَ الآخَرَ مُعْجِزًا آخَرَ، وهَذا الجَوابُ المَذْكُورُ هَهُنا هو الجَوابُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٣] يَعْنِي أنَّكَ إنَّما ادَّعَيْتَ الرِّسالَةَ، والرَّسُولُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُعْجِزَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، وذَلِكَ قَدْ حَصَلَ، وأمّا أنْ تَأْتِيَ بِكُلِّ ما يُطْلَبُ مِنكَ فَذاكَ لَيْسَ مِن شَرْطِ الرِّسالَةِ، فَهَذا جَوابٌ مُعْتَمَدٌ عَنِ الشُّبْهَةِ الَّتِي أوْرَدَها اليَهُودُ، وهو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: الإيحاءُ الإعْلامُ عَلى سَبِيلِ الخَفاءِ، قالَ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ١١] أيْ: أشارَ إلَيْهِمْ، وقالَ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي﴾ [المائِدَةِ: ١١١] وقالَ ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النَّحْلِ: ٦٨] ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ [القَصَصِ: ٧] والمُرادُ بِالوَحْيِ في هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَةِ الإلْهامُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: …

An-Nisaa 4:163Listen in Qur'an →
164

وَرُسُلًۭا قَدْ قَصَصْنَٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًۭا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًۭا

And [We sent] messengers about whom We have related [their stories] to you before and messengers about whom We have not related to you. And Allah spoke to Moses with [direct] speech.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى أنَّ اليَهُودَ سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، وذَكَرَ تَعالى بَعْدَهُ أنَّهم لا يَطْلُبُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ الِاسْتِرْشادِ ولَكِنْ لِأجْلِ العِنادِ واللَّجاجِ، وحَكى أنْواعًا كَثِيرَةً مِن فَضائِحِهِمْ وقَبائِحِهِمْ، وامْتَدَّ الكَلامُ إلى هَذا المَقامِ، شَرَعَ الآنَ في الجَوابِ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ فَقالَ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ والمَعْنى: أنّا تَوافَقْنا عَلى نُبُوَّةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وجَمِيعِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِمْ، ولا طَرِيقَ إلى العِلْمِ بِكَوْنِهِمْ أنْبِياءَ اللَّهِ ورُسُلَهُ إلّا ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِمْ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم نَوْعٌ آخَرُ مِنَ المُعْجِزاتِ عَلى التَّعْيِينِ، وما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ كِتابًا بِتَمامِهِ مِثْلَ ما أنْزَلَ إلى مُوسى، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ عَدَمُ إنْزالِ الكِتابِ عَلى هَؤُلاءِ دُفْعَةً واحِدَةً قادِحًا في نُبُوَّتِهِمْ، بَلْ كَفى في إثْباتِ نُبُوَّتِهِمْ ظُهُورُ نَوْعٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِمْ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ زائِلَةٌ، وأنَّ إصْرارَ اليَهُودِ عَلى طَلَبِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ باطِلٌ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ

صفحة ٨٦

إثْباتَ المَدْلُولِ يَتَوَقَّفُ عَلى ثُبُوتِ الدَّلِيلِ، ثُمَّ إذا حَصَلَ الدَّلِيلُ وتَمَّ فالمُطالَبَةُ بِدَلِيلٍ آخَرَ تَكُونُ طَلَبًا لِلزِّيادَةِ وإظْهارًا لِلتَّعَنُّتِ واللَّجاجِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ لِأحَدٍ بِأنَّهُ لِمَ أعْطى هَذا الرَّسُولَ هَذِهِ المُعْجِزَةَ وذَلِكَ الرَّسُولَ الآخَرَ مُعْجِزًا آخَرَ، وهَذا الجَوابُ المَذْكُورُ هَهُنا هو الجَوابُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٣] يَعْنِي أنَّكَ إنَّما ادَّعَيْتَ الرِّسالَةَ، والرَّسُولُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُعْجِزَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، وذَلِكَ قَدْ حَصَلَ، وأمّا أنْ تَأْتِيَ بِكُلِّ ما يُطْلَبُ مِنكَ فَذاكَ لَيْسَ مِن شَرْطِ الرِّسالَةِ، فَهَذا جَوابٌ مُعْتَمَدٌ عَنِ الشُّبْهَةِ الَّتِي أوْرَدَها اليَهُودُ، وهو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: الإيحاءُ الإعْلامُ عَلى سَبِيلِ الخَفاءِ، قالَ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ١١] أيْ: أشارَ إلَيْهِمْ، وقالَ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي﴾ [المائِدَةِ: ١١١] وقالَ ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النَّحْلِ: ٦٨] ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ [القَصَصِ: ٧] والمُرادُ بِالوَحْيِ في هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَةِ الإلْهامُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: …

An-Nisaa 4:164Listen in Qur'an →
165

رُّسُلًۭا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًۭا

[We sent] messengers as bringers of good tidings and warners so that mankind will have no argument against Allah after the messengers. And ever is Allah Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى أنَّ اليَهُودَ سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، وذَكَرَ تَعالى بَعْدَهُ أنَّهم لا يَطْلُبُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ الِاسْتِرْشادِ ولَكِنْ لِأجْلِ العِنادِ واللَّجاجِ، وحَكى أنْواعًا كَثِيرَةً مِن فَضائِحِهِمْ وقَبائِحِهِمْ، وامْتَدَّ الكَلامُ إلى هَذا المَقامِ، شَرَعَ الآنَ في الجَوابِ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ فَقالَ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ والمَعْنى: أنّا تَوافَقْنا عَلى نُبُوَّةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وجَمِيعِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِمْ، ولا طَرِيقَ إلى العِلْمِ بِكَوْنِهِمْ أنْبِياءَ اللَّهِ ورُسُلَهُ إلّا ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِمْ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم نَوْعٌ آخَرُ مِنَ المُعْجِزاتِ عَلى التَّعْيِينِ، وما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ كِتابًا بِتَمامِهِ مِثْلَ ما أنْزَلَ إلى مُوسى، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ عَدَمُ إنْزالِ الكِتابِ عَلى هَؤُلاءِ دُفْعَةً واحِدَةً قادِحًا في نُبُوَّتِهِمْ، بَلْ كَفى في إثْباتِ نُبُوَّتِهِمْ ظُهُورُ نَوْعٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِمْ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ زائِلَةٌ، وأنَّ إصْرارَ اليَهُودِ عَلى طَلَبِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ باطِلٌ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ

صفحة ٨٦

إثْباتَ المَدْلُولِ يَتَوَقَّفُ عَلى ثُبُوتِ الدَّلِيلِ، ثُمَّ إذا حَصَلَ الدَّلِيلُ وتَمَّ فالمُطالَبَةُ بِدَلِيلٍ آخَرَ تَكُونُ طَلَبًا لِلزِّيادَةِ وإظْهارًا لِلتَّعَنُّتِ واللَّجاجِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ لِأحَدٍ بِأنَّهُ لِمَ أعْطى هَذا الرَّسُولَ هَذِهِ المُعْجِزَةَ وذَلِكَ الرَّسُولَ الآخَرَ مُعْجِزًا آخَرَ، وهَذا الجَوابُ المَذْكُورُ هَهُنا هو الجَوابُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٣] يَعْنِي أنَّكَ إنَّما ادَّعَيْتَ الرِّسالَةَ، والرَّسُولُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُعْجِزَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، وذَلِكَ قَدْ حَصَلَ، وأمّا أنْ تَأْتِيَ بِكُلِّ ما يُطْلَبُ مِنكَ فَذاكَ لَيْسَ مِن شَرْطِ الرِّسالَةِ، فَهَذا جَوابٌ مُعْتَمَدٌ عَنِ الشُّبْهَةِ الَّتِي أوْرَدَها اليَهُودُ، وهو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: الإيحاءُ الإعْلامُ عَلى سَبِيلِ الخَفاءِ، قالَ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ١١] أيْ: أشارَ إلَيْهِمْ، وقالَ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي﴾ [المائِدَةِ: ١١١] وقالَ ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النَّحْلِ: ٦٨] ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ [القَصَصِ: ٧] والمُرادُ بِالوَحْيِ في هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَةِ الإلْهامُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: …

An-Nisaa 4:165Listen in Qur'an →
166

لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلْمِهِۦ ۖ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا

But Allah bears witness to that which He has revealed to you. He has sent it down with His knowledge, and the angels bear witness [as well]. And sufficient is Allah as Witness.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾

وفِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (لَكِنْ) لا يُبْتَدَأُ بِهِ لِأنَّهُ اسْتِدْراكٌ عَلى ما سَبَقَ، وفي ذَلِكَ المُسْتَدْرَكِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآياتِ بِأسْرِها جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [النِّساءِ: ١٥٣] وهَذا الكَلامُ يَتَضَمَّنُ أنَّ هَذا القُرْآنَ لَيْسَ كِتابًا نازِلًا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم وإنْ شَهِدُوا بِأنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ مِنَ السَّماءِ لَكِنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ بِأنَّهُ نازِلٌ عَلَيْهِ مِنَ السَّماءِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ قالَ القَوْمُ: نَحْنُ لا نَشْهَدُ لَكَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: شَهادَةُ اللَّهِ إنَّما عُرِفَتْ بِسَبَبِ أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ هَذا القُرْآنَ البالِغَ في الفَصاحَةِ في اللَّفْظِ والشَّرَفِ في المَعْنى إلى حَيْثُ عَجَزَ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ عَنْ مُعارَضَتِهِ، فَكانَ ذَلِكَ مُعْجِزًا وإظْهارُ المُعْجِزَةِ شَهادَةٌ بِكَوْنِ المُدَّعِي صادِقًا، ولَمّا كانَتْ شَهادَتُهُ إنَّما عُرِفَتْ بِواسِطَةِ إنْزالِ القُرْآنِ لا جَرَمَ قالَ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ أيْ: يَشْهَدُ لَكَ بِالنُّبُوَّةِ بِواسِطَةِ هَذا القُرْآنِ الَّذِي أنْزَلَهُ إلَيْكَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ.

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ بَيَّنَ صِفَةَ ذَلِكَ الإنْزالِ وهو أنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ بِعِلْمٍ تامٍّ وحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، فَصارَ قَوْلُهُ ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ جارِيًا مَجْرى قَوْلِ القائِلِ: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ وقَطَعْتُ بِالسِّكِّينِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ وصْفُ القُرْآنِ بِغايَةِ الحُسْنِ ونِهايَةِ الكَمالِ، وهَذا مِثْلُ ما يُقالُ في الرَّجُلِ المَشْهُورِ بِكَمالِ الفَضْلِ والعِلْمِ إذا صَنَّفَ كِتابًا واسْتَقْصى في تَحْرِيرِهِ: إنَّهُ إنَّما صَنَّفَ هَذا بِكَمالِ عِلْمِهِ وفَضْلِهِ، يَعْنِي أنَّهُ اتَّخَذَ جُمْلَةَ عُلُومِهِ آلَةً ووَسِيلَةً إلى تَصْنِيفِ هَذا الكِتابِ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى وصْفِ ذَلِكَ التَّصْنِيفِ بِغايَةِ الجَوْدَةِ ونِهايَةِ الحُسْنِ، فَكَذا هَهُنا واللَّهُ أعْلَمُ.

صفحة ٨٩

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أصْحابُنا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ لِلَّهِ تَعالى عِلْمًا، وذَلِكَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى إثْباتِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، ولَوْ كانَ عِلْمُهُ نَفْسَ ذاتِهِ لَزِمَ إضافَةُ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ وهو مُحالٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ وإنَّما تُعْرَفُ شَهادَةُ المَلائِكَةِ لَهُ بِذَلِكَ لِأنَّ ظُهُورَ المُعْجِزِ عَلى يَدِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى شَهِدَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، وإذا شَهِدَ اللَّهُ لَهُ بِذَلِكَ فَقَدْ شَهِدَتِ المَلائِكَةُ لا مَحالَةَ بِذَلِكَ لِما ثَبَتَ في القُرْآنِ أنَّهم لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ، والمَقْصُودُ كَأنَّهُ قِيلَ: يا مُحَمَّدُ إنْ كَذَّبَكَ هَؤُلاءِ اليَهُودُ فَلا تُبالِ بِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى وهو إلَهُ العالَمِينَ يُصَدِّقُكَ في ذَلِكَ، ومَلائِكَةُ السَّماواتِ السَّبْعِ يُصَدِّقُونَكَ في ذَلِكَ، ومَن صَدَّقَهُ رَبُّ العالَمِينَ ومَلائِكَةُ العَرْشِ والكُرْسِيِّ والسَّمَواتِ السَّبْعِ أجْمَعُونَ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى تَكْذِيبِ أخَسِّ النّاسِ، …

An-Nisaa 4:166Listen in Qur'an →
167

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّوا۟ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا

Indeed, those who disbelieve and avert [people] from the way of Allah have certainly gone far astray.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن صِفاتِ اليَهُودِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، والمُرادُ أنَّهم كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ وبِالقُرْآنِ وصَدُّوا غَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وذَلِكَ بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ في قُلُوبِهِمْ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ رَسُولًا لَأتى بِكِتابِهِ دُفْعَةً واحِدَةً مِنَ السَّماءِ كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ عَلى مُوسى، وقَوْلُهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في التَّوْراةِ أنَّ شَرِيعَةَ مُوسى لا تُبَدَّلُ ولا تُنْسَخُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهم: إنَّ الأنْبِياءَ لا يَكُونُونَ إلّا مِن ولَدِ هارُونَ وداوُدَ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أشَدَّ النّاسِ ضَلالًا مَن كانَ ضالًّا ويَعْتَقِدُ في نَفْسِهِ أنَّهُ مُحِقٌّ، ثُمَّ إنَّهُ يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ الضَّلالِ إلى اكْتِسابِ المالِ والجاهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَبْذُلُ كُنْهَ جُهْدِهِ في إلْقاءِ غَيْرِهِ في مِثْلِ ذَلِكَ الضَّلالِ، فَهَذا الإنْسانُ لا شَكَّ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ في الضَّلالِ إلى أقْصى الغاياتِ وأعْظَمِ النِّهاياتِ، فَلِهَذا قالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ولَمّا وصَفَ تَعالى كَيْفِيَّةَ ضَلالِهِمْ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَهم فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا﴾ مُحَمَّدًا بِكِتْمانِ ذِكْرِ بِعْثَتِهِ وظَلَمُوا عَوامَّهم بِإلْقاءِ الشُّبَهاتِ في قُلُوبِهِمْ ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ .

واعْلَمْ أنّا إنْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ لَمْ يُحْتَجْ إلى إضْمارِ شَرْطٍ في هَذا الوَعِيدِ، لِأنّا نَحْمِلُ الوَعِيدَ في الآيَةِ عَلى أقْوامٍ عَلِمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الِاسْتِغْراقِ أضْمَرْنا فِيهِ شَرْطَ عَدَمِ التَّوْبَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ إلى الجَنَّةِ بَلْ يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ جَهَنَّمَ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ انْتَصَبَ خالِدِينَ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى لا لِيَهْدِيَهم لِأنَّهُ

صفحة ٩٠

بِمَنزِلَةِ نُعاقِبُهم خالِدِينَ، وانْتَصَبَ (أبَدًا) عَلى الظَّرْفِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ والمَعْنى لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَكانَ إيصالُ الألَمِ إلَيْهِمْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ يَسِيرًا عَلَيْهِ وإنْ كانَ مُتَعَذِّرًا عَلى غَيْرِهِ.

An-Nisaa 4:167Listen in Qur'an →
168

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَظَلَمُوا۟ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا

Indeed, those who disbelieve and commit wrong [or injustice] - never will Allah forgive them, nor will He guide them to a path.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن صِفاتِ اليَهُودِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، والمُرادُ أنَّهم كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ وبِالقُرْآنِ وصَدُّوا غَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وذَلِكَ بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ في قُلُوبِهِمْ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ رَسُولًا لَأتى بِكِتابِهِ دُفْعَةً واحِدَةً مِنَ السَّماءِ كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ عَلى مُوسى، وقَوْلُهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في التَّوْراةِ أنَّ شَرِيعَةَ مُوسى لا تُبَدَّلُ ولا تُنْسَخُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهم: إنَّ الأنْبِياءَ لا يَكُونُونَ إلّا مِن ولَدِ هارُونَ وداوُدَ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أشَدَّ النّاسِ ضَلالًا مَن كانَ ضالًّا ويَعْتَقِدُ في نَفْسِهِ أنَّهُ مُحِقٌّ، ثُمَّ إنَّهُ يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ الضَّلالِ إلى اكْتِسابِ المالِ والجاهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَبْذُلُ كُنْهَ جُهْدِهِ في إلْقاءِ غَيْرِهِ في مِثْلِ ذَلِكَ الضَّلالِ، فَهَذا الإنْسانُ لا شَكَّ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ في الضَّلالِ إلى أقْصى الغاياتِ وأعْظَمِ النِّهاياتِ، فَلِهَذا قالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ولَمّا وصَفَ تَعالى كَيْفِيَّةَ ضَلالِهِمْ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَهم فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا﴾ مُحَمَّدًا بِكِتْمانِ ذِكْرِ بِعْثَتِهِ وظَلَمُوا عَوامَّهم بِإلْقاءِ الشُّبَهاتِ في قُلُوبِهِمْ ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ .

واعْلَمْ أنّا إنْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ لَمْ يُحْتَجْ إلى إضْمارِ شَرْطٍ في هَذا الوَعِيدِ، لِأنّا نَحْمِلُ الوَعِيدَ في الآيَةِ عَلى أقْوامٍ عَلِمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الِاسْتِغْراقِ أضْمَرْنا فِيهِ شَرْطَ عَدَمِ التَّوْبَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ إلى الجَنَّةِ بَلْ يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ جَهَنَّمَ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ انْتَصَبَ خالِدِينَ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى لا لِيَهْدِيَهم لِأنَّهُ

صفحة ٩٠

بِمَنزِلَةِ نُعاقِبُهم خالِدِينَ، وانْتَصَبَ (أبَدًا) عَلى الظَّرْفِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ والمَعْنى لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَكانَ إيصالُ الألَمِ إلَيْهِمْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ يَسِيرًا عَلَيْهِ وإنْ كانَ مُتَعَذِّرًا عَلى غَيْرِهِ.

An-Nisaa 4:168Listen in Qur'an →
169

إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًۭا

Except the path of Hell; they will abide therein forever. And that, for Allah, is [always] easy.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن صِفاتِ اليَهُودِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، والمُرادُ أنَّهم كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ وبِالقُرْآنِ وصَدُّوا غَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وذَلِكَ بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ في قُلُوبِهِمْ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ رَسُولًا لَأتى بِكِتابِهِ دُفْعَةً واحِدَةً مِنَ السَّماءِ كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ عَلى مُوسى، وقَوْلُهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في التَّوْراةِ أنَّ شَرِيعَةَ مُوسى لا تُبَدَّلُ ولا تُنْسَخُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهم: إنَّ الأنْبِياءَ لا يَكُونُونَ إلّا مِن ولَدِ هارُونَ وداوُدَ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أشَدَّ النّاسِ ضَلالًا مَن كانَ ضالًّا ويَعْتَقِدُ في نَفْسِهِ أنَّهُ مُحِقٌّ، ثُمَّ إنَّهُ يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ الضَّلالِ إلى اكْتِسابِ المالِ والجاهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَبْذُلُ كُنْهَ جُهْدِهِ في إلْقاءِ غَيْرِهِ في مِثْلِ ذَلِكَ الضَّلالِ، فَهَذا الإنْسانُ لا شَكَّ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ في الضَّلالِ إلى أقْصى الغاياتِ وأعْظَمِ النِّهاياتِ، فَلِهَذا قالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ولَمّا وصَفَ تَعالى كَيْفِيَّةَ ضَلالِهِمْ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَهم فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا﴾ مُحَمَّدًا بِكِتْمانِ ذِكْرِ بِعْثَتِهِ وظَلَمُوا عَوامَّهم بِإلْقاءِ الشُّبَهاتِ في قُلُوبِهِمْ ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ .

واعْلَمْ أنّا إنْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ لَمْ يُحْتَجْ إلى إضْمارِ شَرْطٍ في هَذا الوَعِيدِ، لِأنّا نَحْمِلُ الوَعِيدَ في الآيَةِ عَلى أقْوامٍ عَلِمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الِاسْتِغْراقِ أضْمَرْنا فِيهِ شَرْطَ عَدَمِ التَّوْبَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ إلى الجَنَّةِ بَلْ يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ جَهَنَّمَ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ انْتَصَبَ خالِدِينَ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى لا لِيَهْدِيَهم لِأنَّهُ

صفحة ٩٠

بِمَنزِلَةِ نُعاقِبُهم خالِدِينَ، وانْتَصَبَ (أبَدًا) عَلى الظَّرْفِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ والمَعْنى لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَكانَ إيصالُ الألَمِ إلَيْهِمْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ يَسِيرًا عَلَيْهِ وإنْ كانَ مُتَعَذِّرًا عَلى غَيْرِهِ.

An-Nisaa 4:169Listen in Qur'an →
170

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَـَٔامِنُوا۟ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

O Mankind, the Messenger has come to you with the truth from your Lord, so believe; it is better for you. But if you disbelieve - then indeed, to Allah belongs whatever is in the heavens and earth. And ever is Allah Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكم فَآمِنُوا خَيْرًا لَكم وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ شُبْهَةِ اليَهُودِ عَلى الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ وبَيَّنَ فَسادَ طَرِيقَتِهِمْ ذَكَرَ خِطابًا عامًّا يَعُمُّهم ويَعُمُّ غَيْرَهم في الدَّعْوَةِ إلى دِينِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكُمْ﴾ وهَذا الحَقُّ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ جاءَ بِالقُرْآنِ، والقُرْآنُ مُعْجِزٌ فَيَلْزَمُ أنَّهُ جاءَ بِالحَقِّ مِن رَبِّهِ.

والثّانِي: أنَّهُ جاءَ بِالدَّعْوَةِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ والإعْراضِ عَنْ غَيْرِهِ، والعَقْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا هو الحَقُّ، فَيَلْزَمُ أنَّهُ جاءَ بِالحَقِّ مِن رَبِّهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ يَعْنِي: فَآمِنُوا يَكُنْ ذَلِكَ الإيمانُ خَيْرًا لَكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ، أيْ: أحْمَدَ عاقِبَةً مِنَ الكُفْرِ، وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ إيمانِكم لِأنَّهُ مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ وخالِقُهُما، ومَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُحْتاجًا إلى شَيْءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ قادِرًا عَلى إنْزالِ العَذابِ الشَّدِيدِ عَلَيْكم لَوْ كَفَرْتُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنَّكم إنْ كَفَرْتُمْ فَلَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَهُ عَبِيدٌ يَعْبُدُونَهُ ويَنْقادُونَ لِأمْرِهِ وحُكْمِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ: عَلِيمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ مِن أعْمالِ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ شَيْءٌ، و(حَكِيمًا) لا يَضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنهم ولا يُسَوِّي بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ والمُسِيءِ والمُحْسِنِ، وهو كَقَوْلِهِ ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] .

An-Nisaa 4:170Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.