Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 151–160 of 176

151

أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ حَقًّۭا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا

Those are the disbelievers, truly. And We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [١٥١]

﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ أيِ: الَّذِينَ كَفَرُوا كُفْرًا ثابِتًا لا رَيْبَ فِيهِ، فَلا عِبْرَةَ بِمَنِ ادَّعَوُا الإيمانَ بِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ شَرْعِيًّا؛ إذْ لَوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ لِكَوْنِهِ رَسُولَ اللَّهِ لَآمَنُوا بِنَظِيرِهِ، وبِمَن هو أوْضَحُ دَلِيلًا وأقْوى بُرْهانًا مِنهُ.

﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ يُهانُونَ بِهِ، وهو عَذابُ جَهَنَّمَ، أيْ: كَما اسْتَهانُوا بِمَن كَفَرُوا بِهِ إمّا لِعَدَمِ نَظَرِهِمْ فِيما جاءَهم بِهِ مِنَ اللَّهِ وإعْراضِهِمْ عَنْهُ، وإقْبالِهِمْ عَلى جَمْعِ حُطامِ الدُّنْيا، وإمّا بِكُفْرِهِمْ بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ، كَما كانَ يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِن أحْبارِهِمْ في عَهْدِهِ ﷺ حَيْثُ حَسَدُوهُ عَلى ما أتاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ العَظِيمَةِ، وخالَفُوهُ وكَذَّبُوهُ وعادُوهُ وقاتَلُوهُ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الذُّلَّ الدُّنْيَوِيَّ المَوْصُولَ بِالذُّلِّ الأُخْرَوِيِّ، وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

An-Nisaa 4:151Listen in Qur'an →
152

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمْ يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ أُو۟لَٰٓئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

But they who believe in Allah and His messengers and do not discriminate between any of them - to those He is going to give their rewards. And ever is Allah Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [١٥٢]

﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ كُلِّهِمْ ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي بِهِمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّهم يُؤْمِنُونَ بِكُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ، ولا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم - بِأنْ يُؤْمِنُوا بِبَعْضِهِمْ ويَكْفُرُوا بِآخَرِينَ - كَما فَعَلَهُ الكَفَرَةُ.

﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ﴾ أيْ: يُعْطِيهِمْ ﴿أُجُورَهُمْ﴾ ثَوابَ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ في الآخِرَةِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ أيْ: لِما فَرَطَ مِنهم ﴿رَحِيمًا﴾ مُبالِغًا في الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ، بِتَضْعِيفِ حَسَناتِهِمْ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما جُبِلَ عَلَيْهِ اليَهُودُ مِنَ اللَّجاجِ والعِنادِ والبُعْدِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ بِقَوْلِهِ.

An-Nisaa 4:152Listen in Qur'an →
153

يَسْـَٔلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَٰبًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا۟ مُوسَىٰٓ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓا۟ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةًۭ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَءَاتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًۭا

The People of the Scripture ask you to bring down to them a book from the heaven. But they had asked of Moses [even] greater than that and said, "Show us Allah outright," so the thunderbolt struck them for their wrongdoing. Then they took the calf [for worship] after clear evidences had come to them, and We pardoned that. And We gave Moses a clear authority.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ [١٥٣]

﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَعْبٌ وأصْحابُهُ ﴿أنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ عَلى مُوسى جُمْلَةً في الألْواحِ، مَعَ أنَّهُ لا حاجَةَ لَهم إلى طَلَبِ ذَلِكَ بَعْدَما وُضِّحَتِ البَراهِينُ عَلى نُبُوَّتِكَ، لا سِيَّما بِإعْجازِ ما نَزَلَ عَلَيْكَ مِنَ الفُرْقانِ، إلّا أنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى سُؤالِهِمْ هو التَّعَنُّتُ والكُفْرُ، كَما قالَ قَبْلَهم كُفّارُ قُرَيْشٍ نَظِيرَ ذَلِكَ: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] [الإسْراءِ: ٩٠] الآياتِ.

ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ أيْ: مِمّا سَألُوكَ ﴿فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أيْ: رُؤْيَةً ظاهِرَةً ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ أيِ: النّارُ النّازِلَةُ مِنَ السَّماءِ ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ: جَراءَتِهِمْ عَلى اللَّهِ وعُتُوِّهِمْ وعِنادِهِمْ؛ إذْ لا يَرَوْنَ آيَةً إلّا يَطْلُبُونَ أكْبَرَ مِنها، حَتّى يَرَوْا آيَةً مُلْجِئَةً إلى الإيمانِ، بِحَيْثُ لا يُفِيدُ الإيمانُ مَعَها، فَلا يَكادُونَ يُؤْمِنُونَ إيمانًا يُفِيدُهم أصْلًا، ولا يُبْعِدُ مِنهُمُ الكُفْرَ - بَعْدَ رُؤْيَةِ الآياتِ، فَإنَّهم رَأوْا آياتِ مُوسى.

﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ أيْ: إلَهًا وعَبَدُوهُ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ: الدَّلائِلُ القاطِعَةُ عَلى نَفْيِ الشِّرْكِ، ثُمَّ تابُوا عَنْهُ.

﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾ أيْ: تَرَكْناهم ولَمْ نَسْتَأْصِلْهم ﴿وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ أيْ حُجَّةً بَيِّنَةً وتَسَلُّطًا ظاهِرًا عَلى إهْلاكِ مَن خالَفَهُ، وفي ذَلِكَ بِشارَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِنَصْرِهِ، وإنْ بالَغُوا في العِنادِ والإلْحادِ، ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهم مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآياتِ لَمْ يَنْقادُوا لِأوامِرِ مُوسى، كَما قالَ تَعالى:

An-Nisaa 4:153Listen in Qur'an →
154

وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًۭا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا۟ فِى ٱلسَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًۭا

And We raised over them the mount for [refusal of] their covenant; and We said to them, "Enter the gate bowing humbly", and We said to them, "Do not transgress on the sabbath", and We took from them a solemn covenant.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ [١٥٤]

﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ أيِ: الجَبَلَ لِيَتَحَمَّلُوا التَّكْلِيفَ ﴿بِمِيثاقِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أخْذِ مِيثاقِهِمْ؛ لِيَخافُوا فَلا يَنْقُضُوهُ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وذَلِكَ حِينَ امْتَنَعُوا مِنَ الِالتِزامِ بِأحْكامِ التَّوْراةِ، وظَهَرَ مِنهم إباءٌ عَلى ما جاءَهم بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- رَفَعَ اللَّهُ عَلى رُءُوسِهِمْ جَبَلًا، ثُمَّ أُلْزِمُوا فالتَزَمُوا وسَجَدُوا، وجَعَلُوا يَنْظُرُونَ إلى ما فَوْقَ رُءُوسِهِمْ؛ خَشْيَةَ أنْ يَسْقُطَ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٧١] [الأعْرافِ: ١٧١] الآيَةَ.

﴿وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ أيِ: ادْخُلُوا بابَ إيلِياءَ مُطَأْطِئِينَ - عِنْدَ الدُّخُولِ - رُءُوسَكُمْ، فَخالَفُوا ما أُمِرُوا بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ إيضاحُ هَذِهِ الآياتِ مُفَصَّلًا.

﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ أيْ: وصَّيْناهم بِحِفْظِ السَّبْتِ والتِزامِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مادامَ مَشْرُوعًا لَهم.

﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا شَدِيدًا، فَخالَفُوا وعَصَوْا وتَحَيَّلُوا عَلى ارْتِكابِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، كَما هو مَبْسُوطٌ في سُورَةِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] [الأعْرافِ: ١٦٣] الآياتِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما أوْجَبَ لَعْنَهم وطَرْدَهم ومَسْخَهم مِن مُخالَفَتِهِمْ بِقَوْلِهِ:

An-Nisaa 4:154Listen in Qur'an →
155

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا

And [We cursed them] for their breaking of the covenant and their disbelief in the signs of Allah and their killing of the prophets without right and their saying, "Our hearts are wrapped". Rather, Allah has sealed them because of their disbelief, so they believe not, except for a few.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ [١٥٥]

﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ (ما) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ نَكِرَةٌ تامَّةٌ، و(نَقْضِهِمْ) بَدَلٌ مِنها، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَبِسَبَبِ نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمُ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا مِنَ اللَّعْنِ والمَسْخِ وغَيْرِهِما مِنَ العُقُوباتِ النّازِلَةِ عَلَيْهِمْ، أوْ عَلى أعْقابِهِمْ.

﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: حُجَجِهِ وبَراهِينِهِ والمُعْجِزاتِ الَّتِي شاهَدُوها عَلى يَدِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ﴿وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ﴾ كَزَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ.

قالَ العَلّامَةُ البِقاعِيُّ: وهو أعْظَمُ مِن مُطْلَقِ كُفْرِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ سَدٌّ لِبابِ الإيمانِ عَنْهم وعَنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ سَبَبُ الإيمانِ، ولَمّا كانَ الأنْبِياءُ مَعْصُومِينَ مَن كُلِّ نَقِيصَةٍ، ومُبَرَّئِينَ مَن كُلِّ رَزِيَّةٍ، لا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ حَقٌّ لا يُؤَدُّونَهُ - قالَ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أيْ: كَبِيرٍ ولا صَغِيرٍ أصْلًا، وهَذا الحَرْفُ لِكَوْنِهِ في سِياقِ طَعْنِهِمْ في القُرْآنِ - الَّذِي هو أعْظَمُ الآياتِ - وقَعَ التَّعْبِيرُ فِيهِ بِأبْلَغِ مِمّا في آلِ عِمْرانَ؛ لِأنَّ هَذا مَعَ جَمْعِ الكَثْرَةِ وتَنْكِيرِ الحَقِّ عُبِّرَ فِيهِ بِالمَصْدَرِ المُفْهِمِ لِأنَّ الِاجْتِراءَ عَلى القَتْلِ صارَ لَهم خُلُقًا وصِفَةً راسِخَةً، بِخِلافِ ما مَضى فَإنَّهُ بِالمُضارِعِ الَّذِي رُبَّما دَلَّ عَلى العُرُوضِ.

ثُمَّ ذَكَرَ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ وهو إسْنادُهم عَظائِمَهم إلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ جَمْعُ (أغْلَفَ) أيْ: هي مُغَشّاةٌ بِأغْشِيَةٍ جِبِلِّيَّةٍ لا يَكادُ يَصِلُ إلَيْها ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] [فُصِّلَتْ: ٥] أيْ: فَلا ذَنْبَ لَنا؛ لِأنَّ قُلُوبَنا خُلِقَتْ بَعِيدَةً عَنْ فَهْمِ ما يَقُولُ الأنْبِياءُ، وذَلِكَ سَبَبُ قَتْلِهِمْ ورَدِّ قَوْلِهِمْ، وهَذا بَعْدَ أنْ كانُوا يُقِرُّونَ بِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ ويَشْهَدُونَ لَهُ بِالرِّسالَةِ، وبِأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ، ويَصِفُونَهُ بِأشْهَرِ صِفاتِهِ ويَتَرَقَّبُونَ إتْيانَهُ، لا جَرَمَ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ - عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ (وقَدْ كَذَبُوا) لِأنَّهم وُلِدُوا عَلى الفِطْرَةِ كَسائِرِ الوِلْدانِ فَلَمْ تَكُنْ قُلُوبُهم في الأصْلِ غُلْفًا - ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ أيْ: لَيْسَ كُفْرُهم وعَدَمُ وُصُولِ الحَقِّ إلى قُلُوبِهِمْ لِكَوْنِها غُلْفًا بِحَسَبِ الجِبِلَّةِ - بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ؛ حَيْثُ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ؛ لِأنَّهُ خَلَقَها أوَّلًا عَلى الفِطْرَةِ مُتَمَكِّنَةً مِنِ اخْتِيارِ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَلَمّا أعْرَضُوا بِما هَيَّأ قُلُوبَهم لَهُ مِن قَبُولِ النَّقْصِ عَنِ الخَيْرِ، واخْتارُوا الشَّرَّ بِاتِّباعِ شَهَواتِهِمُ النّاشِئَةِ مِن نُفُوسِهِمْ، وتَرَكُوا ما تَدْعُو إلَيْهِ عُقُولُهم - طَبَعَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَها قاسِيَةً مَحْجُوبَةً، ولِذا سُبِّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ مِنهُمْ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، أوْ: إلّا إيمانًا قَلِيلًا لا يُعْبَأُ بِهِ؛ لِتَمَرُّنِ قُلُوبِهِمْ عَلى الكُفْرِ والطُّغْيانِ.

An-Nisaa 4:155Listen in Qur'an →
156

وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَٰنًا عَظِيمًۭا

And [We cursed them] for their disbelief and their saying against Mary a great slander,

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ [١٥٦]

﴿وبِكُفْرِهِمْ﴾ أيْ: بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو عَطْفٌ عَلى (قَوْلِهِمْ) وإعادَةُ الجارِّ لِطُولِ ما بَيْنَهُما، وقَدْ جُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى (بِكُفْرِهِمْ) فَيَكُونُ هو وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن أسْبابِ الطَّبْعِ، وقِيلَ: هَذا المَجْمُوعُ مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ ما قَبْلَهُ، وتَكْرِيرُ الكُفْرِ لِلْإيذانِ بِتَكَرُّرِ كُفْرِهِمْ؛ حَيْثُ كَفَرُوا بِمُوسى، ثُمَّ بِعِيسى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَذا في أبِي السُّعُودِ.

﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ أيْ: مَعَ قَوْلِهِمُ الَّذِي يَجْتَرِئُونَ بِهِ عَلى مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - بَعْدَ ظُهُورِ كَراماتِها وإرْهاصاتِ ولَدِها ومُعْجِزاتِهِ، يَبْهَتُونَها بِهِ.

An-Nisaa 4:156Listen in Qur'an →
157

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا

And [for] their saying, "Indeed, we have killed the Messiah, Jesus, the son of Mary, the messenger of Allah." And they did not kill him, nor did they crucify him; but [another] was made to resemble him to them. And indeed, those who differ over it are in doubt about it. They have no knowledge of it except the following of assumption. And they did not kill him, for certain.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [١٥٧]

﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾

قالَ أبُو السُّعُودِ: نَظْمُ قَوْلِهِمْ هَذا في سِلْكِ سائِرِ جِناياتِهِمُ الَّتِي نُعيِتْ عَلَيْهِمْ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ كَذِبًا - بَلْ لِتَضَمُّنِهِ لِابْتِهاجِهِمْ بِقَتْلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والِاسْتِهْزاءِ بِهِ، فَإنَّ وصْفَهم لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ إنَّما هو بِطْرِيقِ التَّهَكُّمِ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُـزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦] [الحِجْرِ: ٦] ولِإنْبائِهِ عَنْ ذِكْرِهِمْ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالوَجْهِ القَبِيحِ، عَلى ما قِيلَ مِن أنَّ ذَلِكَ وضْعٌ لِلذِّكْرِ الجَمِيلِ مِن جِهَتِهِ تَعالى مَكانَ ذِكْرِهِمُ القَبِيحِ، وقِيلَ: هو نَعْتٌ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن جِهَتِهِ تَعالى؛ مَدْحًا لَهُ، ورَفْعًا لِمَحَلِّهِ، وإظْهارًا لِغايَةِ جَراءَتِهِمْ في تَصَدِّيهِمْ لِقَتْلِهِ، ونِهايَةِ وقاحَتِهِمْ في افْتِخارِهِمْ بِذَلِكَ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ الرّاغِبُ: سُمِّيَ عِيسى بِالمَسِيحِ؛ لِأنَّهُ مُسِحَتْ عَنْهُ القُوَّةُ الذَّمِيمَةُ مِنَ الجَهْلِ والشَّرَهِ والحِرْصِ وسائِرِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، كَما أنَّ الدَّجّالَ مُسِحَتْ عَنْهُ القُوَّةُ المَحْمُودَةُ مِنَ العِلْمِ والعَقْلِ والحِلْمِ والأخْلاقِ الحَمِيدَةِ. وقالَ شِمْرٌ: لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١] [مَرْيَمَ: ٣١] أوْ لِأنَّ اللَّهَ مَسَحَ عَنْهُ الذُّنُوبَ.

وذَكَرَ المَجْدُ في كِتابِهِ "البَصائِرِ" في اشْتِقاقِهِ سِتَّةً وخَمْسِينَ قَوْلًا، وتَطَرَّقَ شارِحُ القامُوسِ لِبَعْضِها، فانْظُرْهُ.

﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أيْ: لا يَصِحُّ لَهُمُ الفَخْرُ بِقَتْلِهِ؛ لِأنَّهم ما قَتَلُوهُ، ولا مُتَمَسِّكَ لَهم فِيما يَزْعُمُونَهُ مِن صَلْبِهِمْ إيّاهُ؛ لِأنَّهم ما صَلَبُوهُ ولَكِنْ قَتَلُوا وصَلَبُوا مَن أُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ.

﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ عِيسى ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ: مِن قَتْلِهِ، وسَنُبَيِّنُهُ بَعْدُ.

﴿ما لَهم بِهِ﴾ أيْ: بِقَتْلِهِ ﴿مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ يَتَّبِعُونَ فِيهِ الظَّنَّ الَّذِي تَخَيَّلُوهُ ﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أيْ: قَتْلًا يَقِينًا، بِمَعْنى مُتَيَقِّنِينَ أنَّهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلْ فَعَلُوهُ شاكِّينَ فِيهِ، أوِ المَعْنى: انْتَفى قَتْلُهُ انْتِفاءً يَقِينًا، بِمَعْنى انْتِفائِهِ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ.

قالَ البُرْهانَ البِقاعِيُّ: وهو أوْلى لِقَوْلِهِ:

An-Nisaa 4:157Listen in Qur'an →
158

بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًۭا

Rather, Allah raised him to Himself. And ever is Allah Exalted in Might and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [١٥٨]

﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَتْلِهِ، وإثْباتٌ لِرَفْعِهِ، أيِ: اليَقِينُ إنَّما هو في رَفْعِهِ إلَيْهِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أيْ: لا يَبْعُدُ رَفْعُهُ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ عَزِيزٌ لا يُغْلَبُ عَلى ما يُرِيدُهُ، وحَكِيمٌ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ رَفْعَهُ، فَلا بُدَّ أنْ يَرْفَعَهُ، وهي حِفْظُهُ لِتَقْوِيَةِ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ انْتِهائِهِ إلى غايَةِ الضَّعْفِ بِظُهُورِ الدَّجّالِ، فَيَقْتُلُهُ، أفادَهُ المَهايِمِيُّ.

* *

تَنْبِيهٌ:

لا خَفاءَ في أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ لِتَكْذِيبِ اليَهُودِ في دَعْوى الصَّلْبِ الَّتِي تابَعَهم عَلَيْها أكْثَرُ النَّصارى، ولِتَبْرِئَةِ ساحَةِ مَقامِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمّا تَوَهَّمُوهُ في ذَلِكَ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن مَباحِثِ الأُمَّتَيْنِ، ومَعارِكِ الفِرْقَتَيْنِ - أرَدْتُ بَسْطَ الكَلامِ في هَذا المَقامِ؛ انْتِهاجًا لِلْحَقِّ، وأخْذًا بِناصِرِ الصِّدْقِ، ورَدَّ أباطِيلِ المُكَذِّبِينَ، وتَزْيِيفَ أقْوالِ المُلْحِدِينَ.

نُورِدُ أوَّلًا ما زَعَمُوهُ ورَوَوْهُ مِمّا نَفاهُ التَّنْزِيلُ الكَرِيمُ، ثُمَّ بُطْلانَ المَرْوِيِّ عِنْدَهم وتَهافُتَهُ بِالحُجَجِ الدّامِغَةِ، ثُمَّ ما رَواهُ أئِمَّةُ سَلَفِنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - في هَذِهِ القِصَّةِ، ثُمَّ رَدَّ زَعْمِهِمْ أنَّ إلْقاءَ الشُّبَهِ سَفْسَطَةٌ، ثُمَّ سُقُوطَ دَعْواهُمُ التَّواتُرَ في الصَّلْبِ، ثُمَّ تَزْيِيفَ تَفْسِيرِ بَعْضِ النَّصارى لِهَذِهِ الآيَةِ، وأنَّها مُطابِقَةٌ لِمُعْتَقَدِهِمْ عَلى زَعْمِهِ، مَعَ ذِكْرِ مَن رَفَضَ عَقِيدَةَ الصَّلْبِ مِن فِرَقِ النَّصارى، وذِكْرِ ما رُوِيَ في إنْجِيلٍ خامِسٍ يُوافِقُ عَقِيدَةَ المُسْلِمِينَ، ويُطابِقُ هَذِهِ الآيَةَ، ونَخْتِمُ هَذِهِ المَباحِثَ بِما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في هَذِهِ الآيَةِ، وأبْدَعَ - عَلى عادَتِهِ قُدِّسَ سِرُّهُ - فَهَذِهِ المُطالِبُ يَنْبَغِي مَعْرِفَتُها لِكُلِّ طالِبٍ؛ إذْ تَفَرَّعَتْ إلى مَباحِثَ فائِقَةٍ، وفَوائِدَ شائِقَةٍ، فَنَقُولُ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ:

ذِكْرُ ما زَعَمُوهُ ورَوَوْهُ مِمّا نَفاهُ التَّنْزِيلُ الكَرِيمُ:

جاءَ في الفَصْلِ الثّانِي والعِشْرِينَ مِن إنْجِيلِ لُوقا ما نَصُّهُ:

٢ - كانَ رُؤَساءُ الكَهَنَةِ والكَتَبَةِ يَلْتَمِسُونَ كَيْفَ يَقْتُلُونَ يَسُوعَ لَكِنَّهم كانُوا يَخافُونَ مِنَ الشَّعْبِ.

٣٨ - أيْ: لِأنَّ الشَّعْبَ كُلَّهم كانُوا يُبَكِّرُونَ إلَيْهِ في الهَيْكَلِ (وهُوَ الكَنِيسَةُ) لِيَسْتَمِعُوهُ.

٣٧ - وكانَ في النَّهارِ يُعَلِّمُ في الهَيْكَلِ وفي اللَّيْلِ يَخْرُجُ ويَبِيتُ في الجَبَلِ الَّذِي يُدْعى جَبَلَ الزَّيْتُونِ.

كَما ذَكَرَ لُوقا قَبْلَ الفَصْلِ.

٣ - فَدَخَلَ الشَّيْطانُ في يَهُوذا المُلَقَّبِ بِالأسْخَرْيُوطِيِّ وهو أحَدُ الِاثْنَيْ عَشَرَ.

٤ - فَمَضى وفاوَضَ رُؤَساءَ الكَهَنَةِ والوُلاةَ كَيْفَ يُسْلِمُهُ إلَيْهِمْ.

٥ - فَفَرِحُوا وعاهَدُوهُ أنْ يُعْطُوهُ فِضَّةً.

٦ - فَواعَدَهم وكانَ يَطْلُبُ فُرْصَةً لِيُسْلِمَهُ إلَيْهِمْ بِمَعْزِلٍ عَنِ الجَمِيعِ.

٧ - وبَلَغَ يَوْمُ الفَطِيرِ الَّذِي كانَ يَنْبَغِي أنْ يُذْبَحَ فِيهِ الفِصْحُ.

٨ - فَأرْسَلَ بُطْرُسُ ويُوحَنّا قائِلًا: امْضِيا فَأعِدّا لَنا الفِصْحَ لِنَأْكُلَ.

٩ - فَقالا لَهُ: أيْنَ تُرِيدُ أنْ نُعِدَّ.

١٠ - فَقالَ لَهُما: إذا دَخَلْتُما المَدِينَةَ يَلْقاكُما رَجُلٌ حامِلٌ جَرَّةَ ماءٍ، فاتَّبِعاهُ إلى البَيْتِ الَّذِي يَدْخُلُهُ. …

An-Nisaa 4:158Listen in Qur'an →
159

وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا

And there is none from the People of the Scripture but that he will surely believe in Jesus before his death. And on the Day of Resurrection he will be against them a witness.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ فَضائِحَ اليَهُودِ وقَبائِحَ أفْعالِهِمْ، وشَرَحَ أنَّهم قَصَدُوا قَتْلَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَيَّنَ أنَّهُ ما حَصَلَ لَهم ذَلِكَ المَقْصُودُ، وأنَّهُ حَصَلَ لِعِيسى أعْظَمُ المَناصِبِ وأجَلُّ المَراتِبِ - بَيَّنَ تَعالى تَحْقِيقَ ما أثْبَتَهُ في الآيَةِ السّابِقَةِ مِنَ القَطْعِ بِكَذِبِهِمْ، مُثْبِتًا أنَّهم في مُبالَغَتِهِمْ في عَداوَتِهِ سَيَكُونُونَ مِن أتْباعِهِ المُصَدِّقِينَ بِجَمِيعِ أمْرِهِ، الَّذِي مِنهُ التَّصْدِيقُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مُؤَكِّدًا لَهُ أشَدَّ تَأْكِيدٍ لِما عِنْدَهم مِنَ الإنْكارِ لَهُ بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [١٥٩]

﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أيْ: ما أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يُدْرِكُ نُزُولَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آخِرِ الزَّمانِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، أيْ: مَوْتِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيْ: لا يَمُوتُ حَتّى يَنْزِلَ في آخِرِ الزَّمانِ يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِ دِينَ الإسْلامِ، حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ جَمِيعُ أهْلِ المِلَلِ. إشارَةٌ إلى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنْ كانَ قَدْ أيَّدَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْبِياءَ كانُوا يُجَدِّدُونَ دِينَهُ زَمانًا طَوِيلًا - فالنَّبِيُّ الَّذِي يَنْسَخُ شَرِيعَةَ مُوسى - وهو عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ - هو الَّذِي يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِ هَذا النَّبِيَّ العَرَبِيَّ في تَجْدِيدِ شَرِيعَتِهِ، وتَمْهِيدِ أمْرِهِ، والذَّوْدِ عَنْ دِينِهِ، ويَكُونُ مِن أُمَّتِهِ بَعْدَ أنْ كانَ صاحِبَ شَرِيعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وأتْباعِ مُسْتَكْثَرَةٍ. أمْرٌ قَضاهُ اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ، فاقْصُرُوا أيُّها اليَهُودُ.

فَمَعْنى الآيَةِ إذَنْ - واللَّهُ أعْلَمُ -: إنَّهُ ما مِن أحَدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ المُخْتَلِفِينَ في عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى شَكٍّ إلّا وهو يُوقِنُ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ مَوْتِهِ، بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّماءِ أنَّهُ ما قُتِلَ وما صُلِبَ، ويُؤْمِنُ بِهِ عِنْدَ زَوالِ الشُّبْهَةِ، أفادَهُ البِقاعِيُّ.

رَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشَكَنَّ أنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، ويَضَعَ الجِزْيَةَ، ويَفِيضَ المالُ حَتّى لا يَقْبَلَهُ أحَدٌ، حَتّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الواحِدَةُ خَيْرًا لَهُ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: واقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾»

وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أيْضًا، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وزادَ بَعْدَ قَوْلِهِ (قَبْلَ مَوْتِهِ): مَوْتَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ثُمَّ يُعِيدُها أبُو هُرَيْرَةَ ثَلاثَ مَرّاتٍ.

ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا مَرْفُوعًا ولَفْظُهُ: «يَنْزِلُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ ويَمْحُو الصَّلِيبَ، وتُجْمَعُ لَهُ الصَّلاةُ، ويُعْطى المالَ حَتّى لا يُقْبَلَ، ويَضَعُ الخَراجَ، ويَنْزِلُ الرَّوْحاءَ فَيَحُجُّ مِنها أوْ يَعْتَمِرُ أوْ يَجْمَعُهُما».

قالَ: وتَلا أبُو هُرَيْرَةَ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ فَزَعَمَ حَنْظَلَةُ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قالَ: يُؤْمِنُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِ عِيسى، فَلا أدْرِي …

An-Nisaa 4:159Listen in Qur'an →
160

فَبِظُلْمٍۢ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًۭا

For wrongdoing on the part of the Jews, We made unlawful for them [certain] good foods which had been lawful to them, and for their averting from the way of Allah many [people],

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [١٦٠]

﴿فَبِظُلْمٍ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمٍ عَظِيمٍ، فالتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، وهو جامِعٌ لِتَفْصِيلِ نَقْضِ المِيثاقِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِمّا اسْتَحَلُّوهُ بَعْدَ أنْ حَرَّمَتْهُ التَّوْراةُ.

﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ أيْ: تَلَبَّسُوا بِاليَهُودِيَّةِ، وفِيهِ تَعْظِيمُ ظُلْمِهِمْ أيْضًا؛ إذْ صَدَرَ عَنْهم بَعْدَما ادَّعَوْا أنَّهم مِن أهْلِ التَّوْراةِ والرُّجُوعِ إلى الحَقِّ.

﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا التَّحْرِيمُ قَدْ يَكُونُ قَدَرِيًّا، بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى قَيَّضَهم لِأنْ تَأوَّلُوا في كِتابِهِمْ، وحَرَّفُوا وبَدَّلُوا أشْياءَ كانَتْ حَلالًا لَهُمْ، فَحَرَّمُوها عَلى أنْفُسِهِمْ تَضْيِيقًا وتَنَطُّعًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا، بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ أشْياءَ كانَتْ حَلالًا لَهم قَبْلَ ذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَـزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ﴾ [آل عمران: ٩٣] [آلِ عِمْرانَ: ٩٣]. أيْ: ما عَدا ما كانَ حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ مِن لُحُومِ الإبِلِ وألْبانِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَرَّمَ أشْياءَ كَثِيرَةً في التَّوْراةِ، كَما قالَ في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] [الأنْعامِ: ١٤٦] أيْ: إنَّما حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لِطُغْيانِهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ رَسُولَهم واخْتِلافِهِمْ عَلَيْهِ.

ولَمّا ذَكَرَ ظُلْمَهم ذَكَرَ مَجامِعَ مِن جُزْئِيّاتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لا أوْضَحَ مِنهُ ولا أسْهَلَ ولا أعْظَمَ ﴿كَثِيرًا﴾ أيْ: ناسًا كَثِيرًا، أوْ صَدًّا كَثِيرًا، فَهم صَدُّوا النّاسَ وصَدُّوا أنْفُسَهم عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ، وهَذِهِ سَجِيَّةٌ لَهم مُتَّصِفُونَ بِها مِن قَدِيمِ الدَّهْرِ وحَدِيثِهِ، ولِهَذا كانُوا أعْداءَ الرُّسُلِ، وقَتَلُوا خَلْقًا مِنَ الأنْبِياءِ، وكَفَرُوا بِعِيسى ومُحَمَّدٍ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ.

An-Nisaa 4:160Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.