Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas

Ayahs 151–160 of 176

151

أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ حَقًّۭا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا

Those are the disbelievers, truly. And We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment.

وقوله : { أولئك هم الكافرون حقاً } الجملة خبر إنّ والإشارة إلى أصحاب تلك الصلة الماضية ، وموقع الإشارة هنا لقصد التنبيه على أنّ المشار إليهم لاستحضارهم بتلك الأوصاف أحرياء بما سيحكم عليهم من الحكم المعاقِب لاسم الإشارة .وأفاد تعريف جزأي الجملة والإتيانُ بضمير الفصل تأكيدَ قصرِ صفة الكفر عليهم ، وهو قصر ادّعائي مجازيّ بتنزيل كفر غيرهم في جانب كفرهم منزلة العدم ، كقوله تعالى في المنافقين : { هم العدوّ } [ المنافقون : 4 ] . ومثل هذا القصر يدلّ على كمال الموصوف في تلك الصفة المقصورة .ووجه هذه المبالغة : أنّ كفرهم قد اشتمل على أحوال عديدة من الكفر ، وعلى سفالة في الخُلُق ، أو سفاهة في الرأي بمجموع ما حكي عنهم من تلك الصِلات ، فإنّ كلّ خصلة منها إذا انفردت هي كفر ، فكيف بها إذا اجتمعت .و { حقّا مصدر مؤكِّد لمضمون الجملة التي قبله ، أي حُقَّهم حقّا أيّها السامع بالِغين النهاية في الكفر ، ونظير هذا قولهم : ( جِدّاً ) . والتوكيد في مثل هذا لمضمون الجملة التي قبله على ما أفادته الجملة ، وليس هو لرفع المجاز ، فهو تأكيد لما أفادته الجملة من الدلالة على معنى النهاية لأنّ القَصْر مستعمل في ذلك المعنى ، ولم يقصد بالتوكيد أن يصير القصر حقيقيّاً لظهور أنّ ذلك لا يستقيم ، فقول بعض النحاة ، في المصدر المؤكّد لمضمون الجملة : إنَّه يفيد رفع احتمال المجاز ، بناء منهم على الغالب في مفاد التأكيد .وأعتدنا } معناه هيّأنا وقدّرنا ، والتاء في { أعتدنا } بدل من الدال عند كثير من علماء اللغة ، وقال كثير منهم : التاء أصلية ، وأنّه بناء على حدة هو غير بناء عَدّ . وقال بعضهم : إنّ عَتد هو الأصل وأنّ عدّ أدغمّت منه التاء في الدال ، وقد ورد البناءان كثيراً في كلامهم وفي القرآن .

An-Nisaa 4:151Listen in Qur'an →
152

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمْ يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ أُو۟لَٰٓئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

But they who believe in Allah and His messengers and do not discriminate between any of them - to those He is going to give their rewards. And ever is Allah Forgiving and Merciful.

وجيء بجملة { والذين آمنوا بالله ورسله } إلى آخرها؛ لمقابلة المسيئين بالمحسنين ، والنذارةِ بالبشارة على عادة القرآن . والمراد بالذين آمنوا المؤمنون كلّهم وخاصّة من آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام . فهم مقصودون ابتداء لما أشعر به موقع هذه الجملة بعد ذكر ضلالهم ولما اقتضاه تذييل الجملة بقوله : { وكان الله غفوراً رحيماً } أي غفوراً لهم ما سلف من كفرهم ، رحيماً بهم .والقول في الإتيان بالموصول وباسم الإشارة في هذه الجملة كالقول في مقابله . وقوله : { بين أحد منهم } تقدّم الكلام على مثله في قوله تعالى : { لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } في سورة البقرة ( 136 ) .وقرأ الجمهور : { نؤتيهم } بنون العظمة . وقرأه حفص عن عاصم بياء الغائب والضمير عائد إلى اسم الجلالة في قوله : { والذين آمنوا بالله ورسله } .

An-Nisaa 4:152Listen in Qur'an →
153

يَسْـَٔلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَٰبًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا۟ مُوسَىٰٓ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓا۟ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةًۭ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَءَاتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًۭا

The People of the Scripture ask you to bring down to them a book from the heaven. But they had asked of Moses [even] greater than that and said, "Show us Allah outright," so the thunderbolt struck them for their wrongdoing. Then they took the calf [for worship] after clear evidences had come to them, and We pardoned that. And We gave Moses a clear authority.

لمَّا ذكر معاذير أهل الكتابين في إنكارهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أعقبها بذكر شيء من اقتراحهم مجيء المعجزات على وفق مطالبهم . والجملة استئناف ابتدائي .ومجيء المضارع هنا : إمّا لقصد استحضار حالتهم العجيبة في هذا السؤال حتّى كأنّ السامع يراهم كقوله : { ويَصْنَعُ الفُلْك } [ هود : 38 ] ، وقوله : { بل عَجِبْتَ وَيَسْخَرُون } [ الصافات : 12 ] ، وقوله : { الله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً } [ فاطر : 9 ] . وإمَّا للدلالة على تكرار السؤال وتجدّده المرّة بعد الأخرى بأن يكونوا ألَحّوا في هذا السؤال لِقصد الإعنات ، كقول طريف بن تميم العنبري :بعثوا إليّ عَريفَهم يَتَوَسَّمُ ... أي يكرّر التوسّم . والمقصود على كلا الاحتمالين التعجيب من هذا السؤال ، ولذلك قال بعده : { فقد سألوا موسى } . والسَّائلُون هم اليهود ، سألوا معجزة مثلَ معجزة موسى بأن ينزل عليه مثل ما أنزلت الألواح فيها الكلمات العشر على موسى ، ولم يريدوا جميع التوراة كما توهّمه بعض المفسّرين فإنّ كتاب التوراة لم ينزل دفعة واحدة . فالمراد بأهل الكتاب هنا خصوص اليهود .والكتاب هنا إمَّا اسم للشيء المكتوب كما نزلت ألواح موسى ، وإمّا اسم لقطعة ملتئمة من أوراق مكتوبة ، فيكونون قد سألوا معجزة تغاير معجزة موسى .والفاء في قوله : { فقد سألوا موسى } فاء الفصيحة دالّة على مقدّر دلّت عليه صيغة المضارع المراد منها التعجيب ، أي فلا تعجب من هذا فإنّ ذلك شنشنة قديمة لأسلافهم مع رسولهم إذ سألوه معجزة أعظم من هذا ، والاستدلال على حالتهم بحالة أسلافهم من قبيل الاستدلال بأخلاق الأمم والقبائل على أحوال العشائر منهم ، وقد تقدّم بيان كثير منه في سورة البقرة .وفي هذا الكلام تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم ودلالة على جراءتهم ، وإظهارُ أنّ الرسل لا تجيء بإجابة مقترحات الأمم في طلب المعجزات بل تأتي المعجزات بإرادة الله تعالى عند تحدّي الأنبياء ، ولو أجاب الله المقترحين إلى ما يقترحون من المعجزات لجعل رسله بمنزلة المشعوذين وأصحاب الخنقطرات والسيمياء ، إذ يتلقّون مقترحات الناس في المحافل والمجامع العامَّة والخاصّة ، وهذا ممَّا يحُطّ من مقدار الرسالة .وفي إنجيل متَّى : أنّ قوماً قالوا للمسيح : نريد أن نرى منك آية فقال : «جِيل شِرّير يطلب آية ولا تعطى له آية» . وتكرّر ذلك في واقعة أخرى . وقد يُقبل ذلك من المؤمنين ، كما حكى الله عن عيسى : { إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربّك أن يُنزّل علينا مائدة من السماء قال اتّقوا الله إن كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئنّ قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين إلى قوله قال الله إنّي منزّلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإنِّي أعذّبه عذاباً لا أعذّبه أحداً من العالمين } [ المائدة : 112 ، 115 ] ، وقال تعالى : { وما منعنا أن نُرسل بالآيات إلاّ أن كذّب بها الأوّلون وآتينا ثمودَ الناقةَ مُبصرةً فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلاّ تَخْوِيفاً }[ الإسراء : 59 ] .وهم لمّا سألوا موسى أن يريهم الله جهرة ما أرادوا التيمّن بالله ، ولا التنعّم بالمشاهدة ، ولكنَّهم أرادوا عَجَباً ينظرونه ، فلذلك قالوا : { أرِنا الله جهرة } ، ولم يقولوا : ليتنا نرى ربّنا . { وجَهْرَة } ضدّ خُفية ، أي عَلَناً ، فيجوز أن يكون صفة للرؤية المستفادة من ( أرنا ) ، ويجوز أن يكون حالاً من المرفوع في ( أرنا ) : أي حال كونك مجاهراً لنا في رؤيته غير مخف رؤيته .واستطرد هنا ما لحقهم من جرّاء سؤالهم هذه الرؤية وما ترتّب عليه فقال : { فأخذتهم الصاعقة بظلمهم } ، وهو ما حكاه تعالى في سورة البقرة ( 55 ) بقوله : { فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون . وكان ذلك إرهاباً لهم وزجراً ، ولذلك قال : بظلمهم } والظلم هو المحكي في سورة البقرة من امتناعهم من تصديق موسى إلى أن يروا الله جهرة ، وليس الظلم لمجرّد طلب الرؤية؛ لأنّ …

An-Nisaa 4:153Listen in Qur'an →
154

وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًۭا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا۟ فِى ٱلسَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًۭا

And We raised over them the mount for [refusal of] their covenant; and We said to them, "Enter the gate bowing humbly", and We said to them, "Do not transgress on the sabbath", and We took from them a solemn covenant.

ثم ذكر آيات أخرى أظهرها الله لهم وهي : رفع الطور ، والأمر بقتال أهل أريحا ، ودخولهم بابها سجّداً . والباب يحتمل أنّه باب مدينة أريحا ، ويحتمل أنّه باب الممرّ بين الجبال ونحوها ، كما سيأتي عند قوله تعالى : { قال رجلان من الذين يخافون إلى قوله ادخلوا عليهم الباب } في سورة العقود ( 23 ) ؛ وتحريم صيد البحر عليهم في السبت . وقد مضى الكلام عليها جميعاً في سورة البقرة .وأخذ الميثاق عليهم : المراد به العهد ، ووصفُه بالغليظ . أي القويّ ، والغلظ من صفات الأجسام ، فاستعير لقوّة المعنى وكنّى به عن توثّق العهد لأنّ الغلظ يستلزم القوّة ، والمراد جنس الميثاق الصادق بالعهود الكثيرة التي أخذت عليهم ، وقد ذكر أكثرها في آي سورة البقرة ، والمقصود من هذا إظهار تأصّلهم في اللجاج والعناد ، من عهد أنبيائهم ، تسلية للنبيء على ما لقي منهم ، وتمهيداً لقوله : { فبما نقضهم ميثاقهم } [ النساء : 155 ] .وقوله : { لا تعدوا } قرأه نافع في أصحّ الروايات ، وهي لورش عنه ولقالون في إحدى روايتيه عنه بفتح العين وتشديد الدال المضمومة أصله : لا تعْتدوا ، والاعتداء افتعال من العَدوْ ، يقال : اعتدى على فلان ، أي تجاوز حدّ الحقّ معه ، فلمّا كانت التاء قريبة من مخرج الدال ووقعت متحرّكة وقبلها ساكن ، تهيّأ إدغامها ، فنقلت حركتها إلى العين الساكنة قبلها ، وأدغمت في الدال إدغاماً لقصد التخفيف ، ولذلك جاز في كلام العرب إظهارها؛ فقالوا : تَعْتَدوا وتَعَدّوا ، لأنَّها وقعت قبل الدال ، فكانت غير مجذوبة إلى مخرجه ، ولو وقعت بعد الدال لوجب إدغامها في نحو أدّان .وقرأ الجمهور ، وقالون في إحدى روايتين عنه : «لا تَعْدوا» بسكون العين وتخفيف الدال مضارع مجزوم من العدو ، وهو العُدوان ، كقوله : { إذ يَعْدون في السبت } في سورة الأعراف ( 163 ) ؛ وفي إحدى روايتين عن قالون : باختلاس الفتحة ، وقرأه أبو جعفر : بسكون العين وتشديد الدال ، وهي رواية عن نافع أيضاً ، رواها ابن مجاهد . قال أبُو علي ، في الحُجَّة } : وكثير من النحويين ينكرون الجمع بين الساكنين إذ كان الثاني منهما مدغماً ولم يكن الأول منهما حرف لين ، نحو دابَّة ، يقولون : المدّ يصير عوضاً عن الحركة ، قال : وإذا جاز نحو دُوَيْبَّة مع نقصان المدّ الذي فيه لم يمتنع أن يجمع بين الساكنين في نحو : تَعدُوا . لأنّ ما بين حرف اللين وغيره يَسير ، أي مع عدم تعذّر النطق به .

An-Nisaa 4:154Listen in Qur'an →
155

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا

And [We cursed them] for their breaking of the covenant and their disbelief in the signs of Allah and their killing of the prophets without right and their saying, "Our hearts are wrapped". Rather, Allah has sealed them because of their disbelief, so they believe not, except for a few.

التفريع على قوله : { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } [ النساء : 154 ] والباء للسبيبة جَارّة ل { نقضهم } ، و ( وما ) مزيدة بعد الباء لتوكيد التسبّب . وحرف ( ما ) المزيد بعد الباء لا يكفّ الباء عن عمل الجرّ وكذلك إذا زيد ( ما ) بعد ( من ) وبعد ( عن ) . وأمّا إذا زيد بعد كاف الجرّ وبعد ربّ فإنّه يكفّ الحرف عن عمل الجرّ .ومتعلَّق قوله { بما نقضهم } : يجوز أن يكون محذوفاً ، لتذهب نَفْس السامع في مذاهب الهول ، وتقديره : فعَلْنا بهم ما فَعَلْنا . ويجوز أن يتعلّق ب { حرّمْنا عليهم طيّبات أحلّت لهم } [ النساء : 160 ] ، وما بينهما مستطردات ، ويكون قوله : { فبظلم من الذين هَادُوا } [ النساء : 160 ] كالفذلكة الجامعة لِجرائمهم المعدودة من قبل . ولا يصلح تعليق المجرور ب { طَبَعَ } لأنَّه وقع ردّا على قولهم : { قلوبنا غلف } ، وهو من جملة المعطوفات الطالبة للتعلّق ، لكن يجوز أن يكون «طبع» دليلاً على الجواب المحذوف .وتقدّم تفسير هذه الأحداث المذكورة هنا في مواضعها . وتقدّم المتعلِّق لإفادة الحصر : وهو أن ليس التحريم إلاّ لأجللِ ما صنعوه ، فالمعنى : ما حرمنا عليهم طيّبات إلاّ بسبب نقضهم ، وأكّد معنى الحصر والسَّبب بما الزائدة ، فأفادت الجملة حصراً وتأكيداً .وقوله : { بل طبع الله عليها بكفرهم } اعتراض بين المعَاطيف . والطبع : إحْكام الغلق بجعل طين ونحوه على سدّ المغلوق بحيث لا ينفذ إليه مستخرِج ما فيه إلاّ بعد إزالة ذلك الشيء المطبوع به ، وقد يَسِمُون على ذلك الغلق بسمة تترك رسماً في ذلك المجعول ، وتسمّى الآلة الواسمة طابعاً بفتح الباء فهو يرادف الخَتْم . ومعنى { بكفرهم } بسببه ، فالكفرُ المتزايد يزيد تعاصي القلوب عن تلقّي الإرشاد ، وأريد بقوله : { بكفرهم } كفرهم المذكور في قوله : { وكفرهم بآيات الله } .والاستثناء في قوله : { إلا قليلاً } من عموم المفعول المطلق : أي لا يؤمنون إيماناً إلاّ إيماناً قليلا ، وهو من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه إذ الإيمان لا يقبل القلّة والكثرة ، فالقليل من الإيمان عدم ، فهو كفر . وتقدّم في قوله : { فقليلاً ما يؤمنون } [ البقرة : 88 ] . ويجوز أن يكون قلّة الإيمان كناية عن قلّة أصحابه مثل عبد الله بن سلاَم .

An-Nisaa 4:155Listen in Qur'an →
156

وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَٰنًا عَظِيمًۭا

And [We cursed them] for their disbelief and their saying against Mary a great slander,

{ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيماً وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن } .عُطف { وبكفرهم } مرّة ثانية على قوله : { فبما نقضهم } [ النساء : 155 ] ولم يُستغن عنه بقوله : { وكفرِهم بآيات الله } [ النساء : 155 ] وأعيد مع ذلك حرف الجرّ الذي يغني عنه حرفُ العطف قصداً للتأكيد ، واعتبر العطف لأجل بُعْد ما بيّن اللفظين ، ولأنَّه في مقام التهويل لأمر الكفر ، فالمتكلّم يذكره ويُعيده : يتثبّت ويُرى أنّه لا ريبة في إناطة الحكم به ، ونظير هذا التكرير قول لبيد :فتَنَازَعَا سَبِطاً يَطِيرُ ظلالُه ... كدُخان مُشْعَلَة يُشَبُّ ضِرامُهامَشْمُولة غُلِثَتْ بنابت عرفج ... كَدُخَان نار سَاطِع أسْنَامُهافأعاد التشبيه بقوله : ( كدُخان نَار ) ليحقّق معنى التشبيه الأوّل . وفي «الكشاف» «تكرّر الكفر منهم لأنّهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد صلوات الله عليهم فعطف بعض كفرهم على بعض» ، أي فالكفر الثاني اعتبر مخالفاً للذي قبله باعتبار عطف قوله : { وقولهم على مريم بهتاناً } . ونظيره قول عويف القوافي :اللؤم أكرمُ من وَبْر ووالدِه ... واللؤمُ أكرم من وَبْرٍ وما ولداإذْ عطف قوله : ( واللؤم أكرم من وبر ) باعتبار أنّ الثاني قد عطف عليه قولُه : ( وما ولدا ) .والبهتان مصدر بَهَتَه إذا أتاه بقول أو عمل لا يترقّبه ولا يجد له جوابا ، والذي يتعمّد ذلك بَهُوت ، وجمعه : بُهُت وبُهْت . وقد زيّن اليهود ما شاءوا في الإفك على مريم عليها السلام .

An-Nisaa 4:156Listen in Qur'an →
157

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا

And [for] their saying, "Indeed, we have killed the Messiah, Jesus, the son of Mary, the messenger of Allah." And they did not kill him, nor did they crucify him; but [another] was made to resemble him to them. And indeed, those who differ over it are in doubt about it. They have no knowledge of it except the following of assumption. And they did not kill him, for certain.

أمّا قولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ، فَمحلّ المؤاخذة عليهم منه : هو أنّهم قصدوا أن يعدّوا هذا الإثم في مفاخر أسلافهم الراجعة إلى الإخلاف بالعهد المبيّن في سبيل نصر الدين .والمسيح كان لَقباً لعيسى عليه السلام لقَّبه به اليهود تهكّماً عليه : لأنّ معنى المسيح في اللغة العبرية بمعنى المَلِك ، كما تقدّم في قوله تعالى : { اسمه المسيح عيسى ابن مريم } في سورة آل عمران ( 45 ) ، وهو لقب قصدوا منه التهكّم ، فصار لقباً له بينهم . وقلب الله قصدهم تحقيره فجعله تعظيماً له . ونظيره ما كان يطلق بعض المشركين على النبي محمّد اسم مذمَّم ، قالت امرأة أبي لهب : مذمَّماً عصينا ، وأمره أبينا . فقال النبي ألا تعجبون كيف يصرف الله عنّي شتم قريش ولعنهم ، يشتمون ويلعنون مذمّماً وأنا محمد .وقوله : رسول الله } إن كان من الحكاية : فالمقصود منه الثناء عليه والإيمان إلى أنّ الذين يتبجّحون بقتله أحرياء بما رتّب لهم على قولهم ذلك ، فيكون نصبُ { رسول الله } على المدح ، وإن كان من المحكي : فوصفهم إيّاه مقصود منه التهكّم ، كقول المشركين للنبيء صلى الله عليه وسلم { يَأيّها الذي نُزّل عَلَيْهِ الذكر إنَّكَ لمجْنون } [ الحجر : 6 ] وقول أهل مدين لشعيب{ أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنَّك لأنْتَ الحليمُ الرشيد } [ هود : 87 ] فيكون نصب «رسول الله» على النعت للمسيح .وقوله { وما قتلوه } الخ الظاهر أنّ الواو فيه للحال ، أي قولهم ذلك في حال أنّهم ما قتلوه ، وليس خبراً عن نفي القتل لأنَّه لو كان خبراً لاقتضى الحال تأكيده بمؤكّدات قويَّة ، ولكنَّه لمّا كان حالاً من فاعل القول المعطوف على أسباب لعنهم ومؤاخذتهم كانت تلك الأسباب مفيدة ثبوت كذبهم ، على أنّه يجوز كونه خبراً معطوفاً على الجمل المخبر بها عنهم ، ويكون تجريده من المؤكّدات : إمَّا لاعتبار أنّ المخاطب به هم المؤمنون ، وإمَّا لاعتبار هذا الخبر غنيّاً عن التأكيد ، فيكون ترك التأكيد تخريجاً على خلاف مقتضى الظاهر ، وإمّا لكونه لم يُتلقّ إلاّ من الله العالم بخفيّات الأمور فكان أعظم من أن يؤكّد .وعطف { وما صلبوه } لأنّ الصلب قد يكون دون القتل ، فقد كانوا ربما صلبوا الجاني تعذيباً له ثم عفوا عنه ، وقال تعالى : { إنَّما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله . . . أن يُقتَّلوا أو يصلَّبوا } [ المائدة : 33 ] . والمشهور في الاستعمال : أنّ الصلب هو أن يوثق المعدود للقتل على خشبة بحيث لا يستطيع التحرّك ثم يطعن بالرمح أو يرمى بسهم ، وكذلك كانوا يزعمون أنّ عيسى صلب ثم طعن برمح في قلبه .وجملة { ولكن شبَّه لهم } استدراك ، والمستدرك هو ما أفاده { وما قتلوه } من كون هذا القول لا شبهة فيه . وأنَّه اختلاق محض ، فبيّن بالاستدراك أنّ أصل ظنّهم أنّهم قتلوه أنّهم توهّموا أنّهم قتلوه ، وهي شبهة أوهمت اليهود أنّهم قتلوا المسيح ، وهي ما رَأوه ظاهراً من وقوع قتل وصلْب على ذات يعتقدونها ذات المسيح ، وبهذا وردت الآثار في تأويل كيفيَّة معنى الشبه .وقوله : { شبّه لهم } يحتمل أن يكون معناه : أنّ اليهود الَّذِين زعموا قتْلَهم المسيحَ في زمانهم قد شُبّه لهم مُشبَّه بالمسيح فقتلوه ، وَنجَّى الله المسيح من إهانة القتل ، فيكون قوله : { شبِّه } فعلاً مبْنيّاً للمجهول ، مشتقّاً من الشبه ، وهو المماثلة في الصورة . وحذف المفعول الذي حقّه أن يكون نائب فاعل ( شبّه ) للدلالة فعل ( شبّه ) عليه؛ فالتقدير : شبِّه مشبَّه فيكون «لهم» نائباً عن الفاعل . وضمير ( لهم ) على هذا الوجه عائد إلى الذين قالوا : { إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم } وهم يهود زمانه ، أي وقعت لهم المشابهة ، واللام على هذا بمعنى عند كما تقول : حصل لي ظنّ بكذا . والاستدراك بيِّن على هذا الاحتمال . ويحتمل أن يكون المعنى ولكن شبّه لليهود الأولين والآخرين خبر صلب المسيح ، أي اشتبه …

An-Nisaa 4:157Listen in Qur'an →
158

بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًۭا

Rather, Allah raised him to Himself. And ever is Allah Exalted in Might and Wise.

ولذلك كلّه أعقب بالإبطال بقوله : { بل رفعه الله إليه } أي فلم يظفروا به . والرفع : إبعاده عن هذا العالم إلى عالم السماوات ، و ( إلى ) إفادة الانتهاء المجازي بمعنى التشريف ، أي رفعه الله رفع قرب وزلفى .وقد تقدّم الكلام على معنى هذا الرفع ، وعلى الاختلاف في أنّ عيسى عليه السّلام بقي حيّاً أوْ أماته الله ، عند قوله تعالى : { إنّي متوفّيك ورافِعك إليّ } في سورة آل عمران ( 55 ) .والتذييل بقوله : وكان الله عزيزاً حكيماً } ظاهر الموقع لأنّه لمّا عزّ فقد حقّ لعزّه أن يُعِزّ أولياءَه ، ولمّا كان حكيماً فقد أتقن صُنع هذا الرفع فجعله فتنة للكافرين ، وتبصرة للمؤمنين ، وعقوبة ليهوذا الخائن .

An-Nisaa 4:158Listen in Qur'an →
159

وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا

And there is none from the People of the Scripture but that he will surely believe in Jesus before his death. And on the Day of Resurrection he will be against them a witness.

عطف على جملة { وما قتلوه } [ النساء : 157 ] . وهذا الكلام إخبار عنهم ، وليس أمراً لهم ، لأنّ وقوع لام الابتداء فيه ينادي على الخبرية . و { إن } نافية و { من أهل الكتاب } صفة لموصوف محذوف تقديره : أحد .والضمير المجرور عائد لعيسى : أيّ ليومنَنّ بعيسى ، والضمير في { موته } يحتمل أن يعود إلى أحد أهل الكتاب ، أي قبل أن يموت الكتابيّ ، ويؤيّده قراءة أبَي بن كعب { إلا ليؤمنن به قبل موته } . وأهل الكتاب يطلق على اليهود والنّصارى؛ فأمّا النصارى فهم مؤمنون بعيسى من قبل ، فيتعيّن أن يكون المراد بأهل الكتاب اليهود . والمعنى أنّ اليهود مع شدّة كفرهم بعيسى لا يموت أحد منهم إلاّ وهو يؤمن بنبوّته قبل موته ، أي ينكشف له ذلك عند الاحْتضار قبل انزهاق روحه ، وهذه منّة مَنّ الله بها على عيسى ، إذ جعل أعداءه لا يخرجون من الدنيا إلاّ وقد آمنوا به جزاء له على ما لقي من تكذيبهم ، لأنّه لم يتمتّع بمشاهدة أمّةٍ تتبعه . وقيل : كذلك النصرانيّ عند موته ينكشف له أنّ عيسى عبد الله .وعندي أنّ ضمير { به } راجع إلى الرفع المأخوذ من فعل { رفعه الله إليه } [ النساء : 158 ] ، ويعمّ قولُه { أهللِ الكتاب } اليهودَ ، والنّصارى ، حيث استووا مع اليهود في اعتقاد وقوع الصلب .والظاهر أنّ الله يقذف في نفوس أهل الكتابين الشكّ في صحّة الصلب ، فلا يزال الشكّ يخالج قلوبهم ويقوَى حتّى يبلغ مبلغ العلم بعدم صحّة الصلب في آخر أعمارهم تصديقاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم حيث كذّب أخبارهم فنفَى الصلبَ عن عيسى عليه السلام .وقيل : الضمير في قوله { موته } عائد إلى عيسى ، أي قبل موت عيسى ، ففرّع القائلون بهذا تفاريع : منها أنّ موته لا يقع إلاّ آخر الدنيا ليتمّ إيمان جميع أهل الكتاب به قبل وقوع الموت ، لأنّ الله جعل إيمانهم مستقبلاً وجعله قبل موته ، فلزم أن يكون موته مستقبلاً؛ ومنها ما ورد في الحديث : أنّ عيسى عليه السلام ينزل في آخر مدّة الدنيا ليؤمن به أهل الكتاب ، ولا يخفى أنّ عموم قوله : { وإن من أهل الكتاب } يبطل هذا التفسير : لأنّ الَّذين يؤمنون به على حسب هذا التأويل هم الذين سيوجدون من أهل الكتاب لا جميعهم .والشهيد : الشاهد؛ يشهد بأنّه بلّغ لهم دعوة ربّهم فأعرضوا ، وبأنّ النّصَارى بدّلوا ، ومعنى الآية مفصّل في قوله تعالى : { يوم يجمع الله الرسل } الآيَات في سورة العقود ( 109 ) .

An-Nisaa 4:159Listen in Qur'an →
160

فَبِظُلْمٍۢ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًۭا

For wrongdoing on the part of the Jews, We made unlawful for them [certain] good foods which had been lawful to them, and for their averting from the way of Allah many [people],

إن كان متعلَّق قوله : { فبما نقضهم } النساء : 155 ) محذوفاً على أحد الوجهين المتقدّمين كان قوله : { فبظلم } مفرّعاً على مجموع جرائمهم السالفة . فيكون المراد بظلمهم ظلماً آخر غير ما عُدّد من قبل ، وإن كان قوله : { فبما نقضهم } [ النساء : 155 ] متعلّقاً بقوله : { حرّمنا عليهم } فقوله : { فبظلم } الخ بَدَل مطابق من جملة { فبما نقضهم ميثاقهم } [ النساء : 155 ] بإعادة العامل في البدل منه لطول الفصل . وفائدة الإتيان به أن يظهر تعلّقه بقوله : { حرّمنا عليهم طيّبات } إذ بَعُد ما بينه وبين متعلّقه ، وهو قوله : { فبما نقضهم ميثاقهم } [ النساء : 155 ] ليقوى ارتباط الكلام . وأتي في جملة البدل بلفظ جامع للمبدل منه وما عطف عليه : لأنّ نقض الميثاق ، والكفر ، وقتل الأنبياء ، وقولهم قلوبنا غلف ، وقولهم على مريم بهتاناً ، وقولهم قتلنا عيسى : كلّ ذلك ظلم . فكانت الجملة الأخيرة بمنزلة الفذلكة لما تقدّم ، كأنَّه قيل : فبذلك كلّه حرّمنا عليهم ، لكن عدل إلى لفظ الظلم لأنّه أحسن تفنّناً ، وأكثر فائدة من الإتيان باسم الإشارة . وقد مرّ بيان ذلك قريباً عند قوله تعالى : { فبما نقضهم } [ النساء : 155 ] . ويجوز أن يكون ظلماً آخر أجْملَهُ القرآن .وتنكير ( ظلم ) للتعظيم ، والعدولُ عن أن يقول «فبظلمهم» ، حتّى تأتي الضمائر متتابعة من قوله : { فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم } إلى آخره ، إلى الاسم الظاهر وهو { الَّذين هادوا } لأجل بعد الضمير في الجملة المبدل منها : وهي { فبما نقضهم } [ النساء : 155 ] . ولأنّ في الموصول وصلته ما يقتضي التنزّه عن الظلم لو كانوا كما وصفوا أنفسهم ، فقالوا : { إنّا هدنا إليك } [ الأعراف : 156 ] ؛ فصدور الظلم عن الذين هادوا محلّ استغراب .والآية اقتضت : أنّ تحريم ما حرّم عليهم إنَّما كان عقاباً لهم ، وأنّ تلك المحرّمات ليس فيها من المفاسد ما يتقضي تحريم تناولها ، وإلاّ لحُرمّت عليهم من أوّل مجيء الشريعة . وقد قيل : إنّ المراد بهذه الطيّبات هو ما ذكر في قوله تعالى : { وعلى الذين هادوا حرّمنا كلّ ذي ظُفر ومن البقر والغنم حرّمنا عليهم شحومهما إلى قوله ذلك جزيناهم ببغيهم } في سورة الأنعام ( 146 ) ، فهذا هو الجزاء على ظلمهم .نقل الفخر في آية سورة الأنعام عن عبد الجبّار أنَّه قال : نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر منهم لأنّ التكليف تعريض للثواب ، والتعريض للثواب إحسان ، فلم يُجِز أن يكون التكليف جزاء على الجرم . قال الفخر : والجواب أنّ المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لقصد استحقاق الثواب ويمكن أن يكون للجرم .وهذا الجواب مصادرة على أنّ ممّا يقوّي الإشكال أنّ العقوبة حقّها أن تُخصّ بالمجرمين ثُمّ تنسخ . فالذي يظهر لي في الجواب : إمَّا أن يكون سبب تحريم تلك الطيّبات أنّ ما سرى في طباعهم بسبب بغيهم وظلمهم من القساوَة صار ذلك طبعاً في أمزجتهم فاقتضى أن يلطِّف الله طباعهم بتحريم مأكولات من طبعها تغليظ الطباع ، ولذلك لمّا جاءهم عيسى أحلّ الله لهم بعض ما حرّم عليهم من ذلك لزوال موجب التحريم ، وإمّا أن يكون تحريم ما حرّم عليهم عقاباً للذين ظلموا وبغوا ثُمّ بقي ذلك على من جاء بعدهم ليكون لهم ذِكْرى ويكون للأوّلين سُوء ذِكر من باب قوله :{ واتَّقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة } [ الأنفال : 25 ] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم « ما من نفس تُقتل ظلماً إلاّ كان على ابن آدم الأوللِ كِفْل من دمها » . ذلك لأنّه أوّل من سَنّ القتل . وإمّا لأنّ هذا التحريم عقوبة دنيوية راجعة إلى الحرمان من الطيّبات فلا نظر إلى ما يعرض لهذا التحريم تارة من الثواب على نيّة الامتثال للنهي ، لندرة حصول هذه النيّة في التّرك .وصَدّهم عن سبيل الله : إن كان مصدرَ صَدّ القاصر الذي مضارعه يصِدّ بكسر الصاد فالعنى بإعراضهم عن سبيل الله؛ وإن كان مصدر المتعدّي الذي قِياس مضارعه بضمّ الصاد ، …

An-Nisaa 4:160Listen in Qur'an →

Commentary: Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.