Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 151–160 of 176

151

أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ حَقًّۭا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا

Those are the disbelievers, truly. And We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment.

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا لِلْكَفَرَيْنِ عَذابًا مُهِينًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ نُؤْتِيهِمُ أُجُورَهم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .

عادَةُ القُرْآنِ عِنْدَ التَّعَرُّضِ إلى أحْوالِ مَن أظْهَرُوا النِّواءَ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَنْتَقِلَ مِن صِفاتِ المُنافِقِينَ، أوْ أهْلِ الكِتابِ، أوِ المُشْرِكِينَ إلى صِفاتِ الآخَرِينَ، فالمُرادُ مِنَ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ هُنا هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ. والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِهِ اليَهُودُ خاصَّةً لِأنَّهُمُ المُخْتَلِطُونَ بِالمُسْلِمِينَ والمُنافِقِينَ، وكانَ كَثِيرٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَهُودًا وعَبَّرَ عَنْهم بِطَرِيقِ المَوْصُولِ دُونَ الِاسْمِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ الخَبَرِ، ومِن شَناعَةِ صَنِيعِهِمْ لِيُناسِبَ الإخْبارَ عَنْهم بِاسْمِ الإشارَةِ بَعْدَ ذَلِكَ.

وجَمَعَ الرُّسُلَ لِأنَّ اليَهُودَ كَفَرُوا بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، والنَّصارى كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَجَمَعَ الرُّسُلَ بِاعْتِبارِ مَجْمُوعِ الكُفّارِ، أوْ أرادَ بِالجَمْعِ الِاثْنَيْنِ، أوْ أرادَ بِالإضافَةِ مَعْنى الجِنْسِ فاسْتَوى فِيهِ صِيغَةُ الإفْرادِ والجَمْعِ، لِأنَّ المَقْصُودَ ذَمُّ مَن هَذِهِ صِفَتُهم بِدُونِ تَعْيِينِ فَرِيقٍ، وطَرِيقَةُ العَرَبِ في مِثْلِ هَذا أنْ يُعَبِّرُوا بِصِيَغِ الجُمُوعِ وإنْ كانَ المُعَرَّضُ بِهِ واحِدًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ [النساء: ٥٤] وقَوْلِهِ (﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧])

صفحة ٩

(﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيئُونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]) وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «ما بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا» .

وجِيءَ بِالمُضارِعِ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا أمْرٌ مُتَجَدِّدٌ فِيهِمْ مُسْتَمِرٌّ، لِأنَّهم لَوْ كَفَرُوا في الماضِي ثُمَّ رَجَعُوا لَما كانُوا أحْرِياءَ بِالذَّمِّ.

ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ: أنَّهم لَمّا آمَنُوا بِهِ ووَصَفُوهُ بِصِفاتٍ غَيْرِ صِفاتِهِ مِنَ التَّجْسِيمِ واتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ والحُلُولِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَقَدْ آمَنُوا بِالِاسْمِ لا بِالمُسَمّى، وهم في الحَقِيقَةِ كَفَرُوا بِالمُسَمّى، كَما إذا كانَ أحَدٌ يَظُنُّ أنَّهُ يَعْرِفُ فُلانًا فَقُلْتَ لَهُ: صِفْهُ لِي، فَوَصَفَهُ بِغَيْرِ صِفاتِهِ، تَقُولُ لَهُ: أنْتَ لا تَعْرِفُهُ، عَلى أنَّهم لَمّا كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَ بِهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ عَنْ مُماثَلَةِ الحَوادِثِ، فَقَدْ كَفَرُوا بِإلَهِيَّتِهِ الحَقَّةِ؛ إذْ مِنهم مَن جَسَّمَ ومِنهم مَن ثَلَّثَ.

ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أنَّهم يُحاوِلُونَ ذَلِكَ فَأُطْلِقَتِ الإرادَةُ عَلى المُحاوَلَةِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ أمْرٌ صَعْبُ المَنالِ، وأنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا ما أرادُوا مِن ذَلِكَ، لِأنَّهم لَمْ يَزالُوا يُحاوِلُونَهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ ويُرِيدُونَ ولَوْ بَلَغُوا إلَيْهِ لَقالَ: وفَرَّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ.

ومَعْنى التَّفْرِيقِ بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ أنَّهم يُنْكِرُونَ صِدْقَ بَعْضِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ، ويَعْتَرِفُونَ بِصِدْقِ بَعْضِ …

An-Nisaa 4:151Listen in Qur'an →
152

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمْ يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ أُو۟لَٰٓئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

But they who believe in Allah and His messengers and do not discriminate between any of them - to those He is going to give their rewards. And ever is Allah Forgiving and Merciful.

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا لِلْكَفَرَيْنِ عَذابًا مُهِينًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ نُؤْتِيهِمُ أُجُورَهم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .

عادَةُ القُرْآنِ عِنْدَ التَّعَرُّضِ إلى أحْوالِ مَن أظْهَرُوا النِّواءَ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَنْتَقِلَ مِن صِفاتِ المُنافِقِينَ، أوْ أهْلِ الكِتابِ، أوِ المُشْرِكِينَ إلى صِفاتِ الآخَرِينَ، فالمُرادُ مِنَ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ هُنا هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ. والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِهِ اليَهُودُ خاصَّةً لِأنَّهُمُ المُخْتَلِطُونَ بِالمُسْلِمِينَ والمُنافِقِينَ، وكانَ كَثِيرٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَهُودًا وعَبَّرَ عَنْهم بِطَرِيقِ المَوْصُولِ دُونَ الِاسْمِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ الخَبَرِ، ومِن شَناعَةِ صَنِيعِهِمْ لِيُناسِبَ الإخْبارَ عَنْهم بِاسْمِ الإشارَةِ بَعْدَ ذَلِكَ.

وجَمَعَ الرُّسُلَ لِأنَّ اليَهُودَ كَفَرُوا بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، والنَّصارى كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَجَمَعَ الرُّسُلَ بِاعْتِبارِ مَجْمُوعِ الكُفّارِ، أوْ أرادَ بِالجَمْعِ الِاثْنَيْنِ، أوْ أرادَ بِالإضافَةِ مَعْنى الجِنْسِ فاسْتَوى فِيهِ صِيغَةُ الإفْرادِ والجَمْعِ، لِأنَّ المَقْصُودَ ذَمُّ مَن هَذِهِ صِفَتُهم بِدُونِ تَعْيِينِ فَرِيقٍ، وطَرِيقَةُ العَرَبِ في مِثْلِ هَذا أنْ يُعَبِّرُوا بِصِيَغِ الجُمُوعِ وإنْ كانَ المُعَرَّضُ بِهِ واحِدًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ [النساء: ٥٤] وقَوْلِهِ (﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧])

صفحة ٩

(﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيئُونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]) وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «ما بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا» .

وجِيءَ بِالمُضارِعِ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا أمْرٌ مُتَجَدِّدٌ فِيهِمْ مُسْتَمِرٌّ، لِأنَّهم لَوْ كَفَرُوا في الماضِي ثُمَّ رَجَعُوا لَما كانُوا أحْرِياءَ بِالذَّمِّ.

ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ: أنَّهم لَمّا آمَنُوا بِهِ ووَصَفُوهُ بِصِفاتٍ غَيْرِ صِفاتِهِ مِنَ التَّجْسِيمِ واتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ والحُلُولِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَقَدْ آمَنُوا بِالِاسْمِ لا بِالمُسَمّى، وهم في الحَقِيقَةِ كَفَرُوا بِالمُسَمّى، كَما إذا كانَ أحَدٌ يَظُنُّ أنَّهُ يَعْرِفُ فُلانًا فَقُلْتَ لَهُ: صِفْهُ لِي، فَوَصَفَهُ بِغَيْرِ صِفاتِهِ، تَقُولُ لَهُ: أنْتَ لا تَعْرِفُهُ، عَلى أنَّهم لَمّا كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَ بِهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ عَنْ مُماثَلَةِ الحَوادِثِ، فَقَدْ كَفَرُوا بِإلَهِيَّتِهِ الحَقَّةِ؛ إذْ مِنهم مَن جَسَّمَ ومِنهم مَن ثَلَّثَ.

ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أنَّهم يُحاوِلُونَ ذَلِكَ فَأُطْلِقَتِ الإرادَةُ عَلى المُحاوَلَةِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ أمْرٌ صَعْبُ المَنالِ، وأنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا ما أرادُوا مِن ذَلِكَ، لِأنَّهم لَمْ يَزالُوا يُحاوِلُونَهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ ويُرِيدُونَ ولَوْ بَلَغُوا إلَيْهِ لَقالَ: وفَرَّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ.

ومَعْنى التَّفْرِيقِ بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ أنَّهم يُنْكِرُونَ صِدْقَ بَعْضِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ، ويَعْتَرِفُونَ بِصِدْقِ بَعْضِ …

An-Nisaa 4:152Listen in Qur'an →
153

يَسْـَٔلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَٰبًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا۟ مُوسَىٰٓ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓا۟ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةًۭ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَءَاتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًۭا

The People of the Scripture ask you to bring down to them a book from the heaven. But they had asked of Moses [even] greater than that and said, "Show us Allah outright," so the thunderbolt struck them for their wrongdoing. Then they took the calf [for worship] after clear evidences had come to them, and We pardoned that. And We gave Moses a clear authority.

﴿يَسْألُكُ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُلْنا لَهم لا تَعَدُّوا في السَّبْتِ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ .

لَمّا ذَكَرَ مَعاذِيرَ أهْلِ الكِتابَيْنِ في إنْكارِهِمْ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أعْقَبَها بِذِكْرِ شَيْءٍ مِنِ اقْتِراحِهِمْ مَجِيءَ المُعْجِزاتِ عَلى وِفْقِ مَطالِبِهِمْ.

والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ.

ومَجِيءُ المُضارِعِ هُنا: إمّا لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ حالَتِهِمُ العَجِيبَةِ في هَذا السُّؤالِ حَتّى كَأنَّ السّامِعَ يَراهم كَقَوْلِهِ ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨]، وقَوْلِهِ ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢]، وقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] . وإمّا لِلدَّلالَةِ عَلى تَكْرارِ السُّؤالِ وتَجَدُّدِهِ المَرَّةَ بَعْدَ الأُخْرى بِأنْ يَكُونُوا ألَحُّوا في هَذا السُّؤالِ لِقَصْدِ الإعْناتِ، كَقَوْلِ طَرِيفِ بْنِ تَمِيمٍ العَنْبَرِيِّ:

بَعَثُوا إلَيَّ عَرِيفَهم يَتَوَسَّمُ

. أيْ يُكَرِّرُ التَّوَسُّمَ. والمَقْصُودُ عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ التَّعْجِيبُ مِن هَذا السُّؤالِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى﴾ .

والسّائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ، سَألُوا مُعْجِزَةً مِثْلَ مُعْجِزَةِ مُوسى بِأنْ يُنَزَّلَ

صفحة ١٤

عَلَيْهِ مِثْلُ ما أُنْزِلَتِ الألْواحُ فِيها الكَلِماتُ العَشْرُ عَلى مُوسى، ولَمْ يُرِيدُوا جَمِيعَ التَّوْراةِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فَإنَّ كِتابَ التَّوْراةِ لَمْ يُنَزَّلْ دُفْعَةً واحِدَةً. فالمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ هُنا خُصُوصُ اليَهُودِ.

والكِتابُ هُنا إمّا اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَكْتُوبِ كَما نَزَلَتْ ألْواحُ مُوسى، وإمّا اسْمٌ لِقِطْعَةٍ مُلْتَئِمَةٍ مِن أوْراقٍ مَكْتُوبَةٍ، فَيَكُونُونَ قَدْ سَألُوا مُعْجِزَةً تُغايِرُ مُعْجِزَةَ مُوسى.

والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى﴾ فاءُ الفَصِيحَةِ دالَّةٌ عَلى مُقَدَّرٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ المُضارِعِ، المُرادُ مِنها التَّعْجِيبُ، أيْ فَلا تَعْجَبْ مِن هَذا فَإنَّ ذَلِكَ شَنْشَنَةٌ قَدِيمَةٌ لِأسْلافِهِمْ مَعَ رَسُولِهِمْ إذْ سَألُوهُ مُعْجِزَةً أعْظَمَ مِن هَذا، والِاسْتِدْلالُ عَلى حالَتِهِمْ بِحالَةِ أسْلافِهِمْ مِن قَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ بِأخْلاقِ الأُمَمِ والقَبائِلِ عَلى أحْوالِ العَشائِرِ مِنهم، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ كَثِيرٍ مِنهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وفِي هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ودَلالَةٌ عَلى جَراءَتِهِمْ، وإظْهارُ أنَّ الرُّسُلَ لا تَجِيءُ بِإجابَةِ مُقْتَرَحاتِ الأُمَمِ في طَلَبِ المُعْجِزاتِ بَلْ تَأْتِي المُعْجِزاتُ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ تَحَدِّي الأنْبِياءِ، ولَوْ أجابَ اللَّهُ المُقْتَرِحِينَ إلى ما يَقْتَرِحُونَ مِنَ المُعْجِزاتِ لَجَعَلَ رُسُلَهُ بِمَنزِلَةِ المُشَعْوِذِينَ وأصْحابِ الخَنْقَطَراتِ والسِّيمِياءِ، إذْ يَتَلَقَّوْنَ مُقْتَرَحاتِ النّاسِ في المَحافِلِ والمَجامِعِ العامَّةِ والخاصَّةِ، وهَذا مِمّا يَحُطُّ مِن مِقْدارِ الرِّسالَةِ. وفي إنْجِيلِ مَتّى: أنَّ قَوْمًا قالُوا لِلْمَسِيحِ: نُرِيدُ أنْ نَرى مِنكَ آيَةً فَقالَ: جِيلٌ شِرِّيرٌ يَطْلُبُ آيَةً ولا تُعْطى لَهُ آيَةٌ. وتَكَرَّرَ ذَلِكَ في واقِعَةٍ أُخْرى. وقَدْ يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْ عِيسى …

An-Nisaa 4:153Listen in Qur'an →
154

وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًۭا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا۟ فِى ٱلسَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًۭا

And We raised over them the mount for [refusal of] their covenant; and We said to them, "Enter the gate bowing humbly", and We said to them, "Do not transgress on the sabbath", and We took from them a solemn covenant.

﴿يَسْألُكُ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُلْنا لَهم لا تَعَدُّوا في السَّبْتِ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ .

لَمّا ذَكَرَ مَعاذِيرَ أهْلِ الكِتابَيْنِ في إنْكارِهِمْ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أعْقَبَها بِذِكْرِ شَيْءٍ مِنِ اقْتِراحِهِمْ مَجِيءَ المُعْجِزاتِ عَلى وِفْقِ مَطالِبِهِمْ.

والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ.

ومَجِيءُ المُضارِعِ هُنا: إمّا لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ حالَتِهِمُ العَجِيبَةِ في هَذا السُّؤالِ حَتّى كَأنَّ السّامِعَ يَراهم كَقَوْلِهِ ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨]، وقَوْلِهِ ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢]، وقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] . وإمّا لِلدَّلالَةِ عَلى تَكْرارِ السُّؤالِ وتَجَدُّدِهِ المَرَّةَ بَعْدَ الأُخْرى بِأنْ يَكُونُوا ألَحُّوا في هَذا السُّؤالِ لِقَصْدِ الإعْناتِ، كَقَوْلِ طَرِيفِ بْنِ تَمِيمٍ العَنْبَرِيِّ:

بَعَثُوا إلَيَّ عَرِيفَهم يَتَوَسَّمُ

. أيْ يُكَرِّرُ التَّوَسُّمَ. والمَقْصُودُ عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ التَّعْجِيبُ مِن هَذا السُّؤالِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى﴾ .

والسّائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ، سَألُوا مُعْجِزَةً مِثْلَ مُعْجِزَةِ مُوسى بِأنْ يُنَزَّلَ

صفحة ١٤

عَلَيْهِ مِثْلُ ما أُنْزِلَتِ الألْواحُ فِيها الكَلِماتُ العَشْرُ عَلى مُوسى، ولَمْ يُرِيدُوا جَمِيعَ التَّوْراةِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فَإنَّ كِتابَ التَّوْراةِ لَمْ يُنَزَّلْ دُفْعَةً واحِدَةً. فالمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ هُنا خُصُوصُ اليَهُودِ.

والكِتابُ هُنا إمّا اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَكْتُوبِ كَما نَزَلَتْ ألْواحُ مُوسى، وإمّا اسْمٌ لِقِطْعَةٍ مُلْتَئِمَةٍ مِن أوْراقٍ مَكْتُوبَةٍ، فَيَكُونُونَ قَدْ سَألُوا مُعْجِزَةً تُغايِرُ مُعْجِزَةَ مُوسى.

والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى﴾ فاءُ الفَصِيحَةِ دالَّةٌ عَلى مُقَدَّرٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ المُضارِعِ، المُرادُ مِنها التَّعْجِيبُ، أيْ فَلا تَعْجَبْ مِن هَذا فَإنَّ ذَلِكَ شَنْشَنَةٌ قَدِيمَةٌ لِأسْلافِهِمْ مَعَ رَسُولِهِمْ إذْ سَألُوهُ مُعْجِزَةً أعْظَمَ مِن هَذا، والِاسْتِدْلالُ عَلى حالَتِهِمْ بِحالَةِ أسْلافِهِمْ مِن قَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ بِأخْلاقِ الأُمَمِ والقَبائِلِ عَلى أحْوالِ العَشائِرِ مِنهم، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ كَثِيرٍ مِنهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وفِي هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ودَلالَةٌ عَلى جَراءَتِهِمْ، وإظْهارُ أنَّ الرُّسُلَ لا تَجِيءُ بِإجابَةِ مُقْتَرَحاتِ الأُمَمِ في طَلَبِ المُعْجِزاتِ بَلْ تَأْتِي المُعْجِزاتُ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ تَحَدِّي الأنْبِياءِ، ولَوْ أجابَ اللَّهُ المُقْتَرِحِينَ إلى ما يَقْتَرِحُونَ مِنَ المُعْجِزاتِ لَجَعَلَ رُسُلَهُ بِمَنزِلَةِ المُشَعْوِذِينَ وأصْحابِ الخَنْقَطَراتِ والسِّيمِياءِ، إذْ يَتَلَقَّوْنَ مُقْتَرَحاتِ النّاسِ في المَحافِلِ والمَجامِعِ العامَّةِ والخاصَّةِ، وهَذا مِمّا يَحُطُّ مِن مِقْدارِ الرِّسالَةِ. وفي إنْجِيلِ مَتّى: أنَّ قَوْمًا قالُوا لِلْمَسِيحِ: نُرِيدُ أنْ نَرى مِنكَ آيَةً فَقالَ: جِيلٌ شِرِّيرٌ يَطْلُبُ آيَةً ولا تُعْطى لَهُ آيَةٌ. وتَكَرَّرَ ذَلِكَ في واقِعَةٍ أُخْرى. وقَدْ يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْ عِيسى …

An-Nisaa 4:154Listen in Qur'an →
155

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا

And [We cursed them] for their breaking of the covenant and their disbelief in the signs of Allah and their killing of the prophets without right and their saying, "Our hearts are wrapped". Rather, Allah has sealed them because of their disbelief, so they believe not, except for a few.

﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِئاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ .

التَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ (﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤]) والباءُ لِلسَّبِيبَةِ جارَّةٌ لِـ (نَقْضِهِمْ)، و(ما) مَزِيدَةٌ بَعْدَ الباءِ لِتَوْكِيدِ التَّسَبُّبِ، وحَرْفُ (ما) المَزِيدُ بَعْدَ الباءِ لا يَكُفُّ الباءَ عَنْ عَمَلِ الجَرِّ، وكَذَلِكَ إذا زِيدَ (ما) بَعْدَ (مِن) وبَعْدَ (عَنْ)

وأمّا إذا زِيدَ بَعْدَ كافِ الجَرِّ وبَعْدَ رُبَّ فَإنَّهُ يَكُفُّ الحَرْفَ عَنْ عَمَلِ الجَرِّ.

ومُتَعَلَّقُ قَوْلِهِ (بِما نَقْضِهِمْ): يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا، لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ في مَذاهِبِ الهَوْلِ، وتَقْدِيرُهُ: فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠])، وما بَيْنَهُما مُسْتَطْرَداتٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] كالفَذْلَكَةِ الجامِعَةِ لِجَرائِمِهِمُ المَعْدُودَةِ مِن قَبْلُ. ولا يَصْلُحُ تَعْلِيقُ المَجْرُورِ بِـ (طَبَعَ) لِأنَّهُ وقَعَ رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾، وهو مِن جُمْلَةِ المَعْطُوفاتِ الطّالِبَةِ لِلتَّعَلُّقِ، لَكِنْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (طَبَعَ) دَلِيلًا عَلى الجَوابِ المَحْذُوفِ.

وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الأحْداثِ المَذْكُورَةِ هُنا في مَواضِعِها.

وقُدِّمَ المُتَعَلِّقُ لِإفادَةِ الحَصْرِ: وهو أنْ لَيْسَ التَّحْرِيمُ إلّا لِأجْلِ ما صَنَعُوهُ، فالمَعْنى: ما حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ إلّا بِسَبَبِ نَقْضِهِمْ، وأكَّدَ مَعْنى الحَصْرِ والتَّسَبُّبِ بِما الزّائِدَةِ، فَأفادَتِ الجُمْلَةُ حَصْرًا وتَأْكِيدًا.

وقَوْلُهُ ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المَعاطِيفِ. والطَّبْعُ: إحْكامُ الغَلْقِ بِجَعْلِ طِينٍ ونَحْوِهِ عَلى سَدِّ المَغْلُوقِ بِحَيْثُ لا يَنْفُذُ إلَيْهِ مُسْتَخْرِجُ

صفحة ١٨

ما فِيهِ إلّا بَعْدَ إزالَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ المَطْبُوعِ بِهِ، وقَدْ يَسِمُونَ عَلى ذَلِكَ الغَلْقِ بِسِمَةٍ تَتْرُكُ رَسْمًا في ذَلِكَ المَجْعُولِ، وتُسَمّى الآلَةُ الواسِمَةُ طابَعًا بِفَتْحِ الباءِ فَهو يُرادِفُ الخَتْمَ. ومَعْنى بِكُفْرِهِمْ بِسَبَبِهِ، فالكُفْرُ المُتَزايِدُ يَزِيدُ تَعاصِيَ القُلُوبِ عَنْ تَلَقِّي الإرْشادِ، وأُرِيدَ بِقَوْلِهِ (بِكُفْرِهِمْ) كُفْرُهُمُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ ﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ .

والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا قَلِيلًا مِن عُمُومِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ: أيْ لا يُؤْمِنُونَ إيمانًا إلّا إيمانًا قَلِيلًا، وهو مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ إذِ الإيمانُ لا يَقْبَلُ القِلَّةَ والكَثْرَةَ، فالقَلِيلُ مِنَ الإيمانِ عَدَمٌ، فَهو كُفْرٌ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]) . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ قِلَّةُ الإيمانِ كِنايَةً عَنْ قِلَّةِ أصْحابِهِ مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ.

An-Nisaa 4:155Listen in Qur'an →
156

وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَٰنًا عَظِيمًۭا

And [We cursed them] for their disbelief and their saying against Mary a great slander,

﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ ﴿وقَوْلِهم إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] .

عُطِفَ (وبِكُفْرِهِمْ) مَرَّةً ثانِيَةً عَلى قَوْلِهِ (فَبِما نَقْضِهِمْ) ولَمْ يَسْتَغْنِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ”﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٥]“، وأُعِيدَ مَعَ ذَلِكَ حَرْفُ الجَرِّ الَّذِي يُغْنِي عَنْهُ حَرْفُ العَطْفِ قَصْدًا لِلتَّأْكِيدِ، واعْتُبِرَ العَطْفُ لِأجْلِ بُعْدِ ما بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، ولِأنَّهُ في مَقامِ التَّهْوِيلِ لِأمْرِ الكُفْرِ؛ فالمُتَكَلِّمُ يَذْكُرُهُ ويُعِيدُهُ: يَتَثَبَّتُ ويُرِي أنَّهُ لا رِيبَةَ في إناطَةِ الحُكْمِ بِهِ، ونَظِيرُ هَذا التَّكْرِيرِ قَوْلُ لَبِيدٍ:

فَتَنازَعا سَبِطًا يَطِيرُ ظِلالُـهُ كَدُخانِ مُشْعَلَةٍ يَشِبُّ ضِرامُها

مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنابِتِ عَرْفَـجٍ ∗∗∗ كَدُخانِ نارٍ ساطِعٍ أسْنامُهَـا

صفحة ١٩

فَأعادَ التَّشْبِيهَ بِقَوْلِهِ (كَدُخانِ نارٍ) لِيُحَقِّقَ مَعْنى التَّشْبِيهِ الأوَّلِ. وفي الكَشّافِ ”تَكَرَّرَ الكُفْرُ مِنهم لِأنَّهم كَفَرُوا بِمُوسى ثُمَّ بِعِيسى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَعُطِفَ بَعْضُ كُفْرِهِمْ عَلى بَعْضٍ“، أيْ فالكَفْرُ الثّانِي اعْتُبِرَ مُخالِفًا لِلَّذِي قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ عَطْفِ قَوْلِهِ (﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا﴾) . ونَظِيرُهُ قَوْلُ عُوَيْفٍ القَوافِيِّ:

واللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْـرٍ ووالِـدِهِ ∗∗∗ واللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْرٍ وما ولَدا

إذْ عَطَفَ قَوْلَهُ (واللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْرٍ) بِاعْتِبارِ أنَّ الثّانِي قَدْ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وما ولَدا) .

والبُهْتانُ مَصْدَرُ (بَهَتَهُ) إذا أتاهُ بِقَوْلٍ أوْ عَمَلٍ لا يَتَرَقَّبُهُ ولا يَجِدُ لَهُ جَوابًا، والَّذِي يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ بَهُوتٌ، وجَمْعُهُ: بُهُتٌ وبُهْتٌ. وقَدْ زَيَّنَ اليَهُودُ ما شاءُوا في الإفْكِ عَلى مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - . أمّا قَوْلُهم إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، فَمَحَلُّ المُؤاخَذَةِ عَلَيْهِمْ مِنهُ: هو أنَّهم قَصَدُوا أنْ يَعُدُّوا هَذا الإثْمَ في مَفاخِرِ أسْلافِهِمُ الرّاجِعَةِ إلى الإخْلافِ بِالعَهْدِ المُبِينِ في سَبِيلِ نَصْرِ الدِّينِ.

والمَسِيحُ كانَ لَقَبًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَقَّبَهُ بِهِ اليَهُودُ تَهَكُّمًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَعْنى المَسِيحِ في اللُّغَةِ العِبْرِيَّةِ بِمَعْنى المَلِكِ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وهو لَقَبٌ قَصَدُوا مِنهُ التَّهَكُّمَ، فَصارَ لَقَبًا لَهُ بَيْنَهم. وقَلَبَ اللَّهُ قَصْدَهم تَحْقِيرَهُ فَجَعَلَهُ تَعْظِيمًا لَهُ. ونَظِيرُهُ ما كانَ يُطْلِقُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ عَلى النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ اسْمَ مُذَمَّمٍ، قالَتِ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ: مُذَمَّمًا عَصَيْنا، وأمْرَهُ أبَيْنا. فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ «ألا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ ولَعْنَهم، يَشْتُمُونَ ويَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا وأنا مُحَمَّدٌ» .

صفحة ٢٠

وقَوْلُهُ (رَسُولُ اللَّهِ) إنْ كانَ مِنَ الحِكايَةِ: فالمَقْصُودُ مِنهُ الثَّناءُ عَلَيْهِ والإيماءُ إلى أنَّ الَّذِينَ يَتَبَجَّحُونَ بِقَتْلِهِ أحْرِياءُ بِما رَتَّبَ لَهم عَلى قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ نَصْبُ رَسُولِ اللَّهِ عَلى المَدْحِ، وإنْ كانَ مِنَ المَحْكِيِّ: فَوَصْفُهم إيّاهُ مِنهُ التَّهَكُّمَ، كَقَوْلِ المُشْرِكِينَ لِلنَّبِيءِ ﷺ (﴿يا …

An-Nisaa 4:156Listen in Qur'an →
157

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا

And [for] their saying, "Indeed, we have killed the Messiah, Jesus, the son of Mary, the messenger of Allah." And they did not kill him, nor did they crucify him; but [another] was made to resemble him to them. And indeed, those who differ over it are in doubt about it. They have no knowledge of it except the following of assumption. And they did not kill him, for certain.

﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ .

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ .

واليَقِينُ: العِلْمُ الجازِمُ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ، فَهو اسْمُ مَصْدَرٍ، والمَصْدَرُ اليَقَنُ بِالتَّحْرِيكِ، يُقالُ: يَقِنَ كَفَرِحَ يَيْقَنُ يَقَنًا، وهو مَصْدَرٌ قَلِيلُ الِاسْتِعْمالِ، ويُقالُ: أيْقَنَ يُوقِنُ إيقانًا، وهو الشّائِعُ.

صفحة ٢٣

وقَوْلُهُ (﴿يَقِينًا﴾) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُصِبَ عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةٍ قَبْلَهُ: لِأنَّ مَضْمُونَ (﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾) بَعْدَ قَوْلِهِ (﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾) إلى قَوْلِهِ ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ انْتِفاءَ قَتْلِهِمْ إيّاهُ أمْرٌ مُتَيَقَّنٌ، فَصَحَّ أنْ يَكُونَ يَقِينًا مُؤَكِّدًا لِهَذا المَضْمُونِ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الواوِ في قَتَلُوهُ، أيْ ما قَتَلُوهُ مُتَيَقِّنِينَ قَتْلَهُ، ويَكُونُ النَّفْيُ مُنْصَبًّا عَلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ مَعًا، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ (﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾)، أيْ: هم في زَعْمِهِمْ قَتْلَهُ لَيْسُوا بِمُوقِنِينَ بِذَلِكَ لِلِاضْطِرابِ الَّذِي حَصَلَ في شَخْصِهِ حِينَ إمْساكِ مَن أمْسَكُوهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فالقَتْلُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ. وضَمِيرُ النَّصْبِ في قَتَلُوهُ عائِدٌ إلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَتْلُ مُسْتَعْمَلًا مَجازًا في التَّمَكُّنِ مِنَ الشَّيْءِ والتَّغَلُّبِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمْ: قَتَلَ الخَمْرَ إذا مَزَجَها حَتّى أزالَ قُوَّتَها، وقَوْلِهِمْ: قَتَلَ أرْضًا عالِمُها، ومِن شِعْرِ الحَماسَةِ في بابِ الهِجاءِ:

يَرُوعُكَ مِن سَعِدِ بْنِ عَمْرٍو جُسُومُها وتَزْهَدُ فِيها حِينَ تَقْتُلُهَـا خُـبْـرا

وقَوْلِ الشّاعِرِ:

كَذاكَ تُخْبِرُ عَنْها العالِماتُ بِها ∗∗∗ وقَدْ قَتَلْتُ بِعِلْمِي ذَلِكم يَقَنًا

وقَوْلِ الآخَرِ:

قَتَلَتْنِيَ الأيّامُ حِينَ قَتَلْتُهَـا ∗∗∗ خُبْرًا فَأُبْصِرُ قاتِلًا مَقْتُولًا

وضَمِيرُ النَّصْبِ في قَتَلُوهُ عائِدٌ إلى العِلْمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾، فَيَكُونُ (﴿يَقِينًا﴾) عَلى هَذا تَمْيِيزًا لِنِسْبَةِ قَتَلُوهُ.

ولِذَلِكَ كُلِّهِ أعْقَبَ بِالإبْطالِ بِقَوْلِهِ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾، أيْ فَلَمْ يَظْفَرُوا بِهِ. والرَّفْعُ: إبْعادُهُ عَنْ هَذا العالَمِ إلى عالَمِ السَّماواتِ، و(إلى) إفادَةُ الِانْتِهاءِ المَجازِيِّ بِمَعْنى التَّشْرِيفِ، أيْ رَفَعَهُ اللَّهُ رَفْعَ قُرْبٍ وزُلْفى.

صفحة ٢٤

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى هَذا الرَّفْعِ، وعَلى الِاخْتِلافِ في أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ حَيًّا أوْ أماتَهُ اللَّهُ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ظاهِرُ المَوْقِعِ لِأنَّهُ لَمّا عَزَّ فَقَدْ حَقَّ لِعِزِّهِ أنْ يُعِزَّ أوْلِياءَهُ، ولَمّا كانَ حَكِيمًا فَقَدْ أتْقَنَ صُنْعَ هَذا الرَّفْعِ فَجَعَلَهُ فِتْنَةً لِلْكافِرِينَ، وتَبْصِرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وعُقُوبَةً لِيَهُوذا الخائِنِ.

An-Nisaa 4:157Listen in Qur'an →
158

بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًۭا

Rather, Allah raised him to Himself. And ever is Allah Exalted in Might and Wise.

﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ .

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ .

واليَقِينُ: العِلْمُ الجازِمُ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ، فَهو اسْمُ مَصْدَرٍ، والمَصْدَرُ اليَقَنُ بِالتَّحْرِيكِ، يُقالُ: يَقِنَ كَفَرِحَ يَيْقَنُ يَقَنًا، وهو مَصْدَرٌ قَلِيلُ الِاسْتِعْمالِ، ويُقالُ: أيْقَنَ يُوقِنُ إيقانًا، وهو الشّائِعُ.

صفحة ٢٣

وقَوْلُهُ (﴿يَقِينًا﴾) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُصِبَ عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةٍ قَبْلَهُ: لِأنَّ مَضْمُونَ (﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾) بَعْدَ قَوْلِهِ (﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾) إلى قَوْلِهِ ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ انْتِفاءَ قَتْلِهِمْ إيّاهُ أمْرٌ مُتَيَقَّنٌ، فَصَحَّ أنْ يَكُونَ يَقِينًا مُؤَكِّدًا لِهَذا المَضْمُونِ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الواوِ في قَتَلُوهُ، أيْ ما قَتَلُوهُ مُتَيَقِّنِينَ قَتْلَهُ، ويَكُونُ النَّفْيُ مُنْصَبًّا عَلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ مَعًا، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ (﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾)، أيْ: هم في زَعْمِهِمْ قَتْلَهُ لَيْسُوا بِمُوقِنِينَ بِذَلِكَ لِلِاضْطِرابِ الَّذِي حَصَلَ في شَخْصِهِ حِينَ إمْساكِ مَن أمْسَكُوهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فالقَتْلُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ. وضَمِيرُ النَّصْبِ في قَتَلُوهُ عائِدٌ إلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَتْلُ مُسْتَعْمَلًا مَجازًا في التَّمَكُّنِ مِنَ الشَّيْءِ والتَّغَلُّبِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمْ: قَتَلَ الخَمْرَ إذا مَزَجَها حَتّى أزالَ قُوَّتَها، وقَوْلِهِمْ: قَتَلَ أرْضًا عالِمُها، ومِن شِعْرِ الحَماسَةِ في بابِ الهِجاءِ:

يَرُوعُكَ مِن سَعِدِ بْنِ عَمْرٍو جُسُومُها وتَزْهَدُ فِيها حِينَ تَقْتُلُهَـا خُـبْـرا

وقَوْلِ الشّاعِرِ:

كَذاكَ تُخْبِرُ عَنْها العالِماتُ بِها ∗∗∗ وقَدْ قَتَلْتُ بِعِلْمِي ذَلِكم يَقَنًا

وقَوْلِ الآخَرِ:

قَتَلَتْنِيَ الأيّامُ حِينَ قَتَلْتُهَـا ∗∗∗ خُبْرًا فَأُبْصِرُ قاتِلًا مَقْتُولًا

وضَمِيرُ النَّصْبِ في قَتَلُوهُ عائِدٌ إلى العِلْمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾، فَيَكُونُ (﴿يَقِينًا﴾) عَلى هَذا تَمْيِيزًا لِنِسْبَةِ قَتَلُوهُ.

ولِذَلِكَ كُلِّهِ أعْقَبَ بِالإبْطالِ بِقَوْلِهِ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾، أيْ فَلَمْ يَظْفَرُوا بِهِ. والرَّفْعُ: إبْعادُهُ عَنْ هَذا العالَمِ إلى عالَمِ السَّماواتِ، و(إلى) إفادَةُ الِانْتِهاءِ المَجازِيِّ بِمَعْنى التَّشْرِيفِ، أيْ رَفَعَهُ اللَّهُ رَفْعَ قُرْبٍ وزُلْفى.

صفحة ٢٤

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى هَذا الرَّفْعِ، وعَلى الِاخْتِلافِ في أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ حَيًّا أوْ أماتَهُ اللَّهُ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ظاهِرُ المَوْقِعِ لِأنَّهُ لَمّا عَزَّ فَقَدْ حَقَّ لِعِزِّهِ أنْ يُعِزَّ أوْلِياءَهُ، ولَمّا كانَ حَكِيمًا فَقَدْ أتْقَنَ صُنْعَ هَذا الرَّفْعِ فَجَعَلَهُ فِتْنَةً لِلْكافِرِينَ، وتَبْصِرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وعُقُوبَةً لِيَهُوذا الخائِنِ.

An-Nisaa 4:158Listen in Qur'an →
159

وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا

And there is none from the People of the Scripture but that he will surely believe in Jesus before his death. And on the Day of Resurrection he will be against them a witness.

﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (وما قَتَلُوهُ) وهَذا الكَلامُ إخْبارٌ عَنْهم، ولَيْسَ أمْرًا لَهم، لِأنَّ وُقُوعَ لامِ الِابْتِداءِ فِيهِ يُنادِي عَلى الخَبَرِيَّةِ. و(إنَّ) نافِيَةٌ و(مِن أهْلِ الكِتابِ) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أحَدٌ.

والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ لِعِيسى: أيْ لَيُؤْمِنَنَّ بِعِيسى. والضَّمِيرُ في مَوْتِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى أحَدِ أهْلِ الكِتابِ، أيْ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ الكِتابِيُّ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ. وأهْلُ الكِتابِ يُطْلَقُ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ فَأمّا النَّصارى فَهم مُؤْمِنُونَ بِعِيسى مِن قَبْلُ، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودَ. والمَعْنى أنَّ اليَهُودَ مَعَ شِدَّةِ كُفْرِهِمْ بِعِيسى لا يَمُوتُ أحَدٌ مِنهم إلّا وهو يُؤْمِنُ بِنُبُوَّتِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، أيْ يَنْكَشِفُ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الِاحْتِضارِ قَبْلَ انْزِهاقِ رُوحِهِ، وهَذِهِ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ بِها عَلى عِيسى، إذْ جَعَلَ أعْداءَهُ لا يَخْرُجُونَ مِنَ الدُّنْيا إلّا وقَدْ آمَنُوا بِهِ جَزاءً لَهُ عَلى ما لَقِيَ مِن تَكْذِيبِهِمْ، لِأنَّهُ لَمْ يَتَمَتَّعْ بِمُشاهَدَةِ أُمَّةٍ تَتْبَعُهُ. وقِيلَ: كَذَلِكَ النَّصْرانِيُّ عِنْدَ مَوْتِهِ يَنْكَشِفُ لَهُ أنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ.

وعِنْدِي أنَّ ضَمِيرَ (بِهِ) راجِعٌ إلى الرَّفْعِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ (رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ)، ويَعُمُّ قَوْلُهُ (أهْلِ الكِتابِ) اليَهُودَ، والنَّصارى، حَيْثُ اسْتَوَوْا مَعَ اليَهُودِ في اعْتِقادِ وُقُوعِ الصَّلْبِ.

صفحة ٢٥

والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ يَقْذِفُ في نُفُوسِ أهْلِ الكِتابَيْنِ الشَّكَّ في صِحَّةِ الصَّلْبِ، فَلا يَزالُ الشَّكُّ يُخالِجُ قُلُوبَهم ويَقْوى حَتّى يَبْلُغَ مَبْلَغَ العِلْمِ بِعَدَمِ صِحَّةِ الصَّلْبِ في آخِرِ أعْمارِهِمْ تَصْدِيقًا لِما جاءَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ حَيْثُ كَذَّبَ أخْبارَهم فَنَفى الصَّلْبَ عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقِيلَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (مَوْتِهِ) عائِدٌ إلى عِيسى، أيْ قَبْلَ مَوْتِ عِيسى؛ فَفَرَّعَ القائِلُونَ بِهَذا تَفارِيعَ: مِنها أنَّ مَوْتَهُ لا يَقَعُ إلّا آخِرَ الدُّنْيا لِيَتِمَّ إيمانُ جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِ المَوْتِ، لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ إيمانَهم مُسْتَقْبَلًا وجَعَلَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ مَوْتُهُ مُسْتَقْبَلًا، ومِنها ما ورَدَ في الحَدِيثِ: أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ في آخِرِ مُدَّةِ الدُّنْيا لِيُؤْمِنَ بِهِ أهْلُ الكِتابِ، ولا يَخْفى أنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ ”﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾“ يُبْطِلُ هَذا التَّفْسِيرَ: لِأنَّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ عَلى حَسَبِ هَذا التَّأْوِيلِ هُمُ الَّذِينَ سَيُوجَدُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ لا جَمِيعُهم.

والشَّهِيدُ: الشّاهِدُ؛ يَشْهَدُ بِأنَّهُ بَلَّغَ لَهم دَعْوَةَ رَبِّهِمْ فَأعْرَضُوا، وبِأنَّ النَّصارى بَدَّلُوا، ومَعْنى الآيَةِ مُفَصَّلٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] الآياتِ في سُورَةِ العُقُودِ.

An-Nisaa 4:159Listen in Qur'an →
160

فَبِظُلْمٍۢ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًۭا

For wrongdoing on the part of the Jews, We made unlawful for them [certain] good foods which had been lawful to them, and for their averting from the way of Allah many [people],

﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمُ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .

صفحة ٢٦

إنْ كانَ مُتَعَلَّقَ قَوْلِهِ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) مَحْذُوفًا عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ كانَ قَوْلُهُ فَبِظُلْمٍ مُفَرَّعًا عَلى مَجْمُوعِ جَرائِمِهِمُ السّالِفَةِ. فَيَكُونُ المُرادُ بِظُلْمِهِمْ ظُلْمًا آخَرَ غَيْرَ ما عُدِّدَ مِن قَبْلُ، وإنْ كانَ قَوْلُهُ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ (﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ﴾) فَقَوْلُهُ (فَبِظُلْمٍ) الخَ بَدَلٌ مُطابِقٌ مِن جُمْلَةِ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) بِإعادَةِ العامِلِ في البَدَلِ مِنهُ لِطُولِ الفَصْلِ. وفائِدَةُ الإتْيانِ بِهِ أنْ يَظْهَرَ تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ (﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾) إذْ بَعُدَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ مُتَعَلِّقِهِ، وهو قَوْلُهُ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) لِيَقْوى ارْتِباطُ الكَلامِ. وأُتِيَ في جُمْلَةِ البَدَلِ بِلَفْظٍ جامِعٍ لِلْمُبْدَلِ مِنهُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ: لِأنَّ نَقْضَ المِيثاقِ، والكُفْرَ، وقَتْلَ الأنْبِياءِ، وقَوْلَهم قُلُوبُنا غُلْفٌ، وقَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا، وقَوْلَهم قَتَلْنا عِيسى: كُلُّ ذَلِكَ ظُلْمٌ. فَكانَتِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ بِمَنزِلَةِ الفَذْلَكَةِ لِما تَقَدَّمَ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَبِذَلِكَ كُلِّهِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ، لَكِنْ عَدَلَ إلى لَفْظِ الظُّلْمِ لِأنَّهُ أحْسَنُ تَفَنُّنًا، وأكْثَرُ فائِدَةً مِنَ الإتْيانِ بِاسْمِ الإشارَةِ. وقَدْ مَرَّ بَيانُ ذَلِكَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظُلْمًا آخَرَ أجْمَلَهُ القُرْآنُ.

وتَنْكِيرُ (ظُلْمٍ) لِلتَّعْظِيمِ، والعُدُولِ عَنْ أنْ يَقُولَ فَبِظُلْمِهِمْ، حَتّى تَأْتِيَ الضَّمائِرُ مُتَتابِعَةً مِن قَوْلِهِ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) إلى آخِرِهِ، إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ وهو (الَّذِينَ هادُوا) لِأجْلِ بُعْدِ الضَّمِيرِ في الجُمْلَةِ المُبْدَلِ مِنها: وهي (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) . ولِأنَّ في المَوْصُولِ وصْلَتِهِ ما يَقْتَضِي التَّنَزُّهَ عَنِ الظُّلْمِ لَوْ كانُوا كَما وصَفُوا أنْفُسَهم، فَقالُوا (﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦])؛ فَصُدُورُ الظُّلْمِ عَنِ الَّذِينَ هادُوا مَحَلُّ اسْتِغْرابٍ.

والآيَةُ اقْتَضَتْ: أنَّ تَحْرِيمَ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ إنَّما كانَ عِقابًا لَهم، وأنَّ تِلْكَ المُحَرَّماتِ لَيْسَ فِيها مِنَ المَفاسِدِ ما يَقْتَضِي تَحْرِيمَ تَناوُلِها، وإلّا لَحُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ مَجِيءِ الشَّرِيعَةِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الطَّيِّباتِ هو ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦] إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، فَهَذا هو الجَزاءُ عَلى ظُلْمِهِمْ.

صفحة ٢٧

نَقَلَ الفَخْرُ في آيَةِ سُورَةِ الأنْعامِ عَنْ عَبْدِ الجَبّارِ أنَّهُ قالَ نَفْسُ التَّحْرِيمِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً …

An-Nisaa 4:160Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.