Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi

Ayahs 11–20 of 176

11

يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءًۭ فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةًۭ فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٌۭ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخْوَةٌۭ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًۭا ۚ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

Allah instructs you concerning your children: for the male, what is equal to the share of two females. But if there are [only] daughters, two or more, for them is two thirds of one's estate. And if there is only one, for her is half. And for one's parents, to each one of them is a sixth of his estate if he left children. But if he had no children and the parents [alone] inherit from him, then for his mother is one third. And if he had brothers [or sisters], for his mother is a sixth, after any bequest he [may have] made or debt. Your parents or your children - you know not which of them are nearest to you in benefit. [These shares are] an obligation [imposed] by Allah. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

قوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين} : هذه جملةٌ من مبتدأ وخبر، يُحْتمل أَنْ تكونَ في محلِّ نصبٍ ب «يُوصي» لأِنَّ المعنى: يَفْرض لكم، أو يُشَرِّع في أولادكِم، كذا قاله أبو البقاء، وهذا يَقْرُبُ من مذهبِ الفراء فإنه يُجْري ما كان بمعنى القولِ مُجْراه في حكايةِ الجملِ بعده. قال الفراء: «ولم يَعْمل» يُوصيكم «في» مِثْل «، إجراءً له مُجْرى القول في حكايةِ الجمل، فالجملةُ في موضع نصبٍ ب» يُوصيكم «. وقال مكي:» للذَّكَرِ مثلُ حظ «ابتداءٌ وخبر في موضع نصب، تبيينٌ للوصية وتفسيرٌ لها. وقال الكسائي:» ارتفع «مثل» على حذْفِ «إنَّ» تقديره: «أنَّ للذكرِ مثلَ حظ» . وبه قرأ ابن أبي عبلة.

ويُحْتمل ألأَّ يكونَ لها محلٌّ من الإِعراب، بل جِيءَ بها للبيانِ والتفسيرِ، فهي جملةٌ مفسِّرة للوصية، وهذا أحسنُ وجارٍ على مذهب البصريين، وهو ظاهرُ عبارةِ الزمخشري فإنَّه قال: «وهذا إجمالٌ تفصيلُه {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين} . وقوله:» للذَّكر «لا بدَّ من ضمير [فيه] يعود على» أولادكم «من هذه الجملة، فيُحتمل أن يكون محذوفاً، أي: للذكر منهم نحو:» السَّمْنُ مَنَوانِ بدرهم «قاله الزمخشري. ويُحْتمل أن يكونَ قامَ مقامَه الألفُ واللامُ عند مَنْ يَرَى ذلك، والأصلُ: لِذَكَرِهم.

و» مثلُ «صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ أي: للذَّكرِ منهم حَظُّ مثلُ حَظِّ الأنثيين. و {في أَوْلاَدِكُمْ} قيل: ثَمَّ مضافٌ محذوف أي: في أولادِ موتاكم. قالوا: لأنه لا يَجُوزُ أَنْ يُخاطَبَ الحيُّ بقسمةِ الميراثِ في أولادِه ويُفْرََضَ عليه ذلك. وقال بعضُهم:» إنْ قلنا: إنَّ معنى «يُوصيكم» «يبيِّن لكم» لم يحتج إلى هذا التقدير «. وقَدَّر بعضُهم قبل» أولادكم «مضافاً أي: في شأنِ أولادِكم، أو في أمرِ أولادكم.

وقرأ الحسن وابن أبي عبلة:» يُوَصِّيكم «بالتشديد، وقد تقدَّم أنَّ أوصي ووصَّى لغتان.

قوله: {فَإِن كُنَّ نِسَآءً} الضميرُ في» كُنَّ «يعودُ على الإِناث اللاتي شَمَلَهُنَّ قولُه {في أَوْلاَدِكُمْ} . فإنَّ التقدير: في أولادكم الذكورِ والإِناثِ، فعادَ الضميرُ على أحدِ قِسْمَي الأولادِ، وإذا عاد الضمير على جمعِ التكسيرِ العاقلِ المرادِ به مَحْضُ الذكور في قوله عليه السلام:» وربَّ الشياطين ومَنْ أَضْلَلْن «كعَوْدِه على جماعةِ الإِناث، فَلأنْ يعودَ كذلك على جمع التكسيرِ الشاملِ للإِناثِ بطريقِ الأَوْلَى والأحرى، وهذا معنى قولِ الشيخ. وفيه نظرٌ لأنَّ عودَه هناك كضميرِ الإِناث إنما كان لمعنىً مفقودٍ هنا، وهو طلبُ المشاكلة لأنَّ قبلَه» اللهم ربََّ السماوات ومَنْ أَظْلَلْنَ، وربَّ الأرضين وما أَقْلَلْنَ «ذَكَر ذلك النحويون.

وقيل: الضمير يَعُود على المتروكات أي: فإنْ كانت المتروكات، ودَلَّ ذِكْرُ الأولاد عليه، قاله أبو البقاء ومكي. وقَدَّرَه الزمخشري: «فإنْ كان البنات أو المولودات» .

فإذا تقرَّر هذا ف «كُنَّ» كان واسمُها، و «نساءً» خبرُها، و «فوق اثنتين» ظرف في محل نصب صفةً ل «نساء» وبهذه الصفةِ تحصُل فائدةُ الخبرِ، ولو اقتُصِر عليه لم تَحْصُلْ فائدةُ، ألا ترى أنه لو قيل: «إن كان الزيدون رجالاً كان كذا» لم يَكُنْ فيه فائدةٌ.

وأجاز الزمخشري في هذه الآية وَجْهين غريبين، أحدهما: أن يكونَ الضميرُ في «كنَّ» ضميراً مبهماً، و «نساءً» منصوبٌ على أنه تفسيرٌ له يعني تمييزاً، وكذلك قال في الضمير الذي في «كانت» من قوله «وإنْ كانت واحدة» على أنَّ «كان» تامة. والوجهُ الآخر: أن يكونَ «فوق اثنتين» خبراً ثانياً ل «كُنَّ» ، ورَدَّهما عليه الشيخ: أمَّا الأولُ فلأنَّ «كان» ليسَتْ من الأفعالِ التي يكونُ فاعلُها مضمراً يُفَسِّره ما بعدَه، بل هذا مختصٌّ من الأفعالِ ب «نعم» و «بئس» وما جَرى مَجْراهما، وبابِ التنازع عند إعمالِ الثاني. وأما الثاني فلِما تقدَّم من الاحتياجِ إلى هذه الصفةِ؛ لأنَّ الخبرَ لا بُدَّ أَنْ تستقلَّ به فائدةُ …

12

۞ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌۭ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌۭ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌۭ يُورَثُ كَلَٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌۭ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌۭ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّۢ ۚ وَصِيَّةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌۭ

And for you is half of what your wives leave if they have no child. But if they have a child, for you is one fourth of what they leave, after any bequest they [may have] made or debt. And for the wives is one fourth if you leave no child. But if you leave a child, then for them is an eighth of what you leave, after any bequest you [may have] made or debt. And if a man or woman leaves neither ascendants nor descendants but has a brother or a sister, then for each one of them is a sixth. But if they are more than two, they share a third, after any bequest which was made or debt, as long as there is no detriment [caused]. [This is] an ordinance from Allah, and Allah is Knowing and Forbearing.

قوله تعالى: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً} : هذه الآية مما ينبغي أن يُطَوَّل فيها القول لإِشكالها واضطراب أقوال الناس فيها. ولا بد قبل التعرض للإِعراب من ذكر معنى الكَلالة واشتقاقِها واختلاف الناس فيها، ثم نعود بعد ذلك لإِعرابها، لأنه متوقفٌ على ما ذكرنا فنقول وبالله العون: اختُلِفَ في معنى الكَلالة فقال جمهور اللغويين وغيرهم: إنه الميت الذي لا وَلَدَ له ولا والد، وقيل: الذي لا والدَ له فقط. وقيل: الذي لا ولد له فقط، وقيل: هو مَنْ لا يَرثُه أب ولا أم، وعلى هذه الأقوالِ كلِّها فالكَلالةٌ واقعةٌ على الميت. وقيل: الكلالة: الوَرَثَةُ ما عدا الأبوين والولد، قاله قطرب، وسُمُّوا بذلك لأنَّ الميت بذهاب طَرَفَيْه تُكَلله الورثة أي: أحاطوا به من جميع نواحيه، ويؤيد هذا القولَ بأنّ الآيةَ نزلت في جابر، ولم يكن له يومَ أُنْزِلَتْ أبٌ ولا ابن. وقل: الكلالة: المال الموروث. وقيل: الكلالة: القرابة، وقيل: هي الوراثة. فقد تلخص مِمَّا تقدم أنها: إمَّا الميتُ الموروثُ أو الوارثُ أو المال الموروث أو الإِرث أو القرابة.

وأمَّا اشتقاقُها فقيل: هي مشتقة مِنْ تَكَلَّله الشيء أي: أحاط به، وذلك أنَّه إذا لم يَتْرك ولداً ولا والداً فقد انقطع طرفاه وهما عمودا نسبه وبقي مالُه الموروثُ لِمَنْ يتكلَّله نسبه أي: يحيط به كالإِكليل، ومنه «الروضة المُكَلَّلة» أي: بالزهر، وعليه قول الفرزدق:

1554 - وَرِثْتُمْ قناةَ المجدِ لا عن كَلالةِ ... عن ابنَيْ منافٍ عبدِ شمس وهاشمِ

وقيل: اشتقاقها من الكَلال وهو الإِعياءُ، فكأنه يصير الميراث للوارث من بعد إعياء. وقال الزمخشري: «والكلالة في الأصل: مصدرٌ بمعنى الكَلال وهو ذهابُ القوة من الإِعياء. قال الأعشى:

1555 - فآليْتُ لا أَرْثي لها مِنْ كَلالةٍ ... ولا مِنْ وَحَىً حتى تُلاقِي مُحَمَّدا

فاستُعير للقرابة من غير جهة الولد والوالد، لأنها بالإِضافة إلى قرابتهما كأنها كالَّةٌ ضعيفة» . وأجاز فيها أيضاً أن تكونَ صفةً على وزن فَعالة قال: «كالهَجاجَة والفَقاقَة للأحمق» .

إذا تقرر هذا فَلْنَعُدْ إلى الإِعراب فنقول والعون بالله: يجوز في «كان» وجهان أحدهما: أن تكون ناقصة، و «رجلٌ» اسمها، وفي الخبر احتمالان، أحدهما: أنه «كلالة» إن قيل: إنها الميت، وإن قيل إنها الوارث أو غيرَ ذلك فتُقَدِّر حذفَ مضاف أي: ذا كلالة، و «يُورثُ» حينئذٍ في محلِّ رفعٍ صفةً ل «رجل» وهو فعلٌ مبني للمفعول، ويتعدَّى في الأصل لاثنين أُقيم الأول مقامَ الفاعل وهو ضمير الرجل، والثاني محذوف تقديره: يُورَثُ هو مالَه.

وهل هذا الفعلُ من وَرِث الثلاثي أو أورث الرباعي؟ فيه خلافٌ، إلا أنَّ الزمخشري لَمَّا جعله من الثلاثي جعَله يتعدَّى إلى الأول من المفعولين ب «مِنْ» فإنه قال: «ويُوْرَثُ مِنْ ورث، أي: يورث منه» يعني أنه في الأصل يتعدَى ب «مِنْ» ، وقد تُحْذَفُ، تقول: «وَرِثْتُ زيداً مالَه» أي: مِنْ زيد، ولَمَّا جَعَلَه مَنْ «أورث» جَعَل الرجل وارثاً لا موروثاً فإنه قال: «فإنْ قلت: فإنْ جَعَلْت» يورَث «على البناء للمفعول من» أورث «فما وجهُه؟ قلت: الرجلُ حينئذٍ الوارثُ لا الموروثُ» وقال الشيخ: «إنه من» أورث «الرباعي المبني للمفعول» ولم يقِّيْده بالمعنى الذي قيَّده الزمخشري.

الاحتمال الثاني: أن يكونَ الخبرُ الجملةَ من «يُورَث» ، وفي نصب «كلالة» حينئذ أربعةُ أوجه، أحدها: أنها حال من الضمير في «يُورَث» إنْ أريد بها الميتُ أو الوارثُ، إلا أنه يَحْتاج في جَعْلها بمعنى الوارث إلى تقدير مضاف أي: يُورَث ذا كلالة؛ لأن الكلالة حينئذ ليست نفسَ الضمير المستكنِّ في «يُورث» . قال أبو البقاء على جَعْلِها بمعنى الميت: «ولو قُرِىء» كلالةٌ «بالرفع على أنها صفة أو بدل من الضمير في» يُورث «لجاز، غير أني لم أعرف أحداً قرأ به فلا يُقْرَأْنَ إلا بما نُقل» يعني بكونِها صفة أنها صفةٌ ل «رجل» .

الثاني: …

13

تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

These are the limits [set by] Allah, and whoever obeys Allah and His Messenger will be admitted by Him to gardens [in Paradise] under which rivers flow, abiding eternally therein; and that is the great attainment.

قوله تعالى: {يُدْخِلْهُ} : حَمَلَ على لفظ «مَنْ» فَأْفْرَدَ الضميرَ في قوله: «يُطِعْ» و «يُدْخِلْه» ، وعلى معناها فجمع في قوله «خالدين» . وهذا أحسنُ الحَمْلين، أعني الحملَ على اللفظ ثم المعنى، ويجوزُ العكس وإن كان ابن عطية قد منعه، وليس بشيء لثبوتِه عن العرب، وقد تقدَّم ذلك غيرَ مرةٍ وفيه تفصيلٌ، وله شروط مذكورةٌ في كتب النحو.

وفي نصبِ «خالدين» وجهان، أظهرهما: أنه حال من الضمير المنصوبِ في «يُدْخِلُه» ، ولا يَضُرُّ تغايُرُ الحالِ وصاحِبها من حيث كانت جمعاً وصاحبُها مفرداً لِما تقدَّم من اعتبار اللفظ والمعنى، وهي مُقَدَّرة لأنَّ الخلود بعد الدخولِ.

والثاني: أن يكونَ نعتاً ل «جنات» من باب ما جَرَى على موصوفِه لفظاً وهو لغيرِه معنىً نحو: مررت برجلٍ قائمةٍ أمه، وبامرأة حسنٍ غلامُها، ف «قائمة» و «حسنٍ» وإن كانا جارِيَيْنِ على ما قبلهما لفظاً فهما لِما بعدَهما معنىً، أجاز ذلك في الآية الكريمة الزجاج وتبعه التبريزي، إلاَّ أنّ الصفة إذا جَرَتْ على غير مَنْ هي له وجب/ إبرازُ الضمير مطلقاً على مذهب البصريين: أَلْبس أو لم يُلْبِس. وأما الكوفيون فيفصِّلون فيقولون: إذا جرت الصفة على غير مَنْ هي له: فإن أَلْبس وجب إبراز الضمير كما هو مذهب البصريين نحو: «زيدٌ عمروٌ ضاربُه هو» إذا كان الضرب واقعاً من زيد على عمرو وإن لم يُلْبِس لم يَجِبِ الإِبرازُ نحو: «زيدٌ هندٌ ضاربُها» ، إذا تقرَّر هذا فمذهب الزجاج في الآية إنما يتمشَّى على رأي الكوفيين، وهو مذهب حسن.

واستدلَّ مَنْ نَصَر مذهبَ الكوفيين بالسماع، فمنه قراءةُ مَنْ قرأ: {إلى طَعَامٍ غَيْرِ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} [الأحزاب: 53] بجر «غير» مع عدمِ بروزِ الضمير، ولو أَبْرزه لقال: «غيرِ ناظرين إناه أنتم» ومنه قولُ الآخَر:

1556 - قَوْمي ذُرا المجدِ بانُوها وقد عَلِمَتْ ... بكُنْهِ ذلك عدنانٌ وقَحْطانُ

ولم يقل: بانُوها هم، وقد خَرَّج بعضُهم البيت على حذف مبتدأ تقديره: هم بانوها، ف «قومي» مبتدأ أول «و» ذرا «مبتدأ ثان، و» هم «مبتدأ ثالث، و» بانوها «خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول.

وقد منع الزمخشري كونَ» خالدين «و» خالداً «صفةً ل» جنات «و» ناراً «بعدم بروز الضمير فقال:» فإنْ قلت: هل يجوز أن يكونا صفتين ل «جنات» و «ناراً» ؟ قتل: لا، لأنهما جريا على غير مَنْ هما له، فلا بد من الضمير في قولك: «خالدين هم فيها، وخالداً هو فيها» .

ومَنَع أبو البقاء ذلك أيضاً بعدم إبراز الضمير لكن مع «خالداً» ، ولم يتعرض لذلك مع «خالدين» ، ولا فرق بينهما، ثم حكى جواز ذلك عن الكوفيين، وهذا المنعُ على مذهبِ البصريين كما تقدم.

وقرأ نافع وابن عامر هنا «نُدْخِلْه» في الموضعين، وفي سورة التغابن والطلاق والفتح بنونِ العظمة، والباقون بالياء، والضمير لله تعالى، وإنما جمع «خالدين» في الطائعين، وأَفْرَد «خالداً» في العاصين، قالوا: لأنّ أهلَ الطاعة أهلُ الشفاعة، فلمَّا كانوا يَدْخُلون هم والمشفُوعُ لهم ناسَبَ ذلك الجمعَ، والعاصي لا يَدْخُلُ به غيرُه النارَ فناسَبَ ذلك الإِفرادُ.

والجملةُ من قولِه {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} في محلِّ نصبٍ صفةً ل «جنات» وقد تقدَّم غيرَ مرة أنَّ المنصوبَ بعد «دخل» من الظروف هل نصبُه نصبُ الظروف أو نصبُ المفعولِ به؟ الأول قول الجمهور، والثاني قول الأخفش، فكذلك «جنات» و «ناراً» .

14

وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَٰلِدًۭا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

And whoever disobeys Allah and His Messenger and transgresses His limits - He will put him into the Fire to abide eternally therein, and he will have a humiliating punishment.

Explained together with ayah 13

15

وَٱلَّٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةًۭ مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًۭا

Those who commit unlawful sexual intercourse of your women - bring against them four [witnesses] from among you. And if they testify, confine the guilty women to houses until death takes them or Allah ordains for them [another] way.

قوله تعالى: {واللاتي} : اللاتي: جمع «التي» في المعنى لا في اللفظ؛ لأنَّ هذه صيغٌ موضوعةٌ للتثنية والجمع، وليست بتثنية ولا جمع حقيقةً. وقال أبو البقاء: «اللاتي جمع» التي «على غير قياس، وقيل: هي صيغة موضوعة للجمع» ومثل هذا لا ينبغي أَنْ يَعُدَّه خلافاً. ولها جموعٌ كثيرة: ثلاثَ عشرةَ لفظة، وهي: اللاتي واللواتي واللائي، وبلا ياءات فهذه ست، واللاي بالياء من غيرِ همزٍ، واللا من غير ياءٍ ولا همزٍ، واللَّواء بالمد، واللَّوا بالقصر، و «الأُلى» كقوله: 1557 - فأمَّا الأُلى يَسْكُنَّ غَوْرَ تهامةٍ ... فكلُّ فتاةٍ تترُكُ الحِجْلَ أَفْصَما

إلا أنَّ الكثيرَ أن تكونَ جمْعَ «الذي» . و «اللاءاتِ» مكسوراً مطلقاً أو معرباً إعراب جمع المؤنث السالم كقوله:

1558 - أولئك إخواني الذين عَرَفْتُهُمْ ... وأخْدانُك اللاءاتُ زُيِّنَّ بالكَتَمْ

برفعِ «اللاءات» .

وفي محلِّ «اللاتي» قولان، أحدُهما: أنه رفعٌ بالابتداء، وفي الخبر حينئذٍ وجهان، أحدُها: الجملةُ مِنْ قوله: «فاسْتَشْهدوا» ، وجازَ دخولُ الفاءِ زائدةً في الخبرِ وإن لم يَجُزْ زيادتُها في نحو: «زيدٌ فاضرِبْ» على رأي الجمهور، لأنَّ المبتدأ أَشْبَهَ الشرطَ في كونِه موصولاً عاماً صلتُه فعلٌ مستقبل، والخبرُ مستحقٌ بالصلةِ.

الوجه الثاني: أنَّ الخبرَ محذوفٌ، والتقدير: «فيما يتلى عليكم حكُم اللاتي» ، فحُذفَ الخبرُ والمضافُ إلى المبتدأ للدلالة عليهما، وأُقيم المضافُ إليه مُقامَه، وهذا نظيرُ ما فَعَله سيبويه في نحو: {الزانية والزاني فاجلدوا} [النور: 2] و {السارق والسارقة فاقطعوا} [المائدة: 38] أي: فيما يتلى عليكم حكمُ الزاينة، ويكونُ قولُه «فاستشهِدوا» و «فاجْلدوا» دالاً على ذلك الحكم المحذوفِ لأنه بيانٌ له.

والقول الثاني: أنَّ محلَّه نصبٌ، وفيه وجهان، أحدُهما: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ لدلالةِ السياقِ عليه لا على جهةِ الاشتغالِ لِما سنذكره، والتقدير: اقصِدوا اللاتي يأتين، أو تعمَّدوا. ولا يجوز أن ينتصَبَ بفعلٍ مضمرٍ يفسِّره قولُه «فاستشهدوا» فتكونُ المسألة من باب الاشتغال، لأنَّ هذا الموصولَ أشبهَ اسمَ الشرطِ كما تقدَّم تقريره، واسمُ الشرطِ لا يجوزُ أَنْ ينتصِبَ على الاشتغالِ لأنه لا يعمل فيه ما قبله، فلو نصبناه بفعلٍ مقدرٍ لزم أن يعملَ فيه ما قبلَه. هذا ما قاله بعضهم، ويَقْرُبُ منه ما قاله أبو البقاء فإنه قال: «وإذا كان كذلك أي كونَه في حكم الشرط لم يَحْسُنِ النصبُ؛ لأنَّ تقديرَ الفعل قبل أداةِ الشرط لا يجوز، وتقديرُه بعد الصلةِ يحتاج إلى إضمارِ فعلٍ غيرِ قوله» فاستشهدوا «لأنَّ» استشهدوا «لا يَصِحُّ أن يعمل النصب في» اللاتي «وفي عبارِته مناقشةٌ يطول بذكرها الكتاب.

والثاني: أنه منصوبٌ على الاشتغال/، ومَنْعُهم ذلك بأنه يلزُم أَنْ يعملَ فيه ما قَبلَه جوابُه أنَّا نقدِّرُ الفعلَ بعده لا قبله، وهذا خلافٌ مشهورٌ في أسماءِ الشرط والاستفهام: هل يَجْري فيها الاشتغال أم لا؟ فمنعَه قومٌ لِما تقدَّم، وأجازه آخرون مقدِّرين الفعل بعد الشرطِ والاستفهام، وكونُه منصوباً على الاشتغال هو ظاهر كلام مكي فإنه ذكر ذلك في قوله: {واللذان يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا} [النساء: 16] والآيتان من وادٍ واحد، ولا بدَّ من إيراد نصَّه ليتَّضحَ لك قولُه، قال رحمه الله: «واللذانِ يأتيانِها» الاختيارُ عند سيبويه في «اللذان» الرفع، وإنْ كان معنى الكلامِ الأمرَ، لأنه لمَّا وَصَلَ بالفعلِ تمكَّن معنى الشرط فيه إذ لا يقع على شيءٍ بعينه، فلمَّا تمكَّن معنى الشرط والإِبهام جرى مَجْرى الشرطِ في كونه لم يَعْمل فيه ما قبله كما لا يعمل في الشرط ما قبله من مضمرٍ أو مظهر «. ثم قال:» والنصبُ جائزٌ على إضمارِ فعل لأنه إنما أشبه الشرطَ، وليس الشبيهُ بالشيء كالشيءِ في حكمه «. انتهى. وليس لقائل أن يقولَ: مرادُه النصبُ بإضمار فعل النصب لا على الاشتغال، بل بفعلٍ مدلولٍ …

16

وَٱلَّذَانِ يَأْتِيَٰنِهَا مِنكُمْ فَـَٔاذُوهُمَا ۖ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًا

And the two who commit it among you, dishonor them both. But if they repent and correct themselves, leave them alone. Indeed, Allah is ever Accepting of repentance and Merciful.

قوله تعالى: {واللذان} : الكلامُ عليه كالكلامِ على «اللاتي» إلا أنَّ في كلامِ أبي البقاء ما يُوهِمُ جوازَ الاشتغالِ فيه، فإنه قال: «الكلام في» اللذان «كالكلام في» اللاتي «، إلا أنَّ مَنْ أجاز النصبَ يَصِحُّ أن يقدِّرَ فعلاً من جنس المذكور تقديرُه: آذُوا اللذين، ولا يجوز أن يعملَ ما بعد الفاء فيما قبلها ههنا ولو عَرِي من الضمير؛ لأن الفاء هنا في حكم الفاء الواقعة في جواب الشرط، وتلك تقطع ما بعدها عما قبلها» فقولُه: «مَنْ أجازَ النصبَ» يَحْتمل مَنْ أجاز النصب المتقدم في «اللاتي» بإضمارِ فعلٍ لا على سبيل الاشتغال كما قدَّره هو بنحو «اقصِدوا» ، ويَحْتمل مَنْ أجازَ النصبَ على الاشتغال من حيث الجملةُ، إلا أنَّ هذا بعيدٌ لأنَّ الآيتين من وادٍ واحدٍ فلا يُظَّنُّ به أنه يمنع في إحداهما ويجيز في الأخرى، ولا ينفع كونُ الآيةِ الأولى فيها الفعلُ الذي يفسِّر متعدٍ بحرفِ جر، والفعلُ الذي في هذه الآية مُتَعَدٍّ بنفسه فيكون أقوى إذ لا أثرَ لذلك في باب الاشتغال. والضميرُ المنصوب في «يأتِيانها» للفاحشة.

وقرأ عبد الله: «يأتينَ بالفاحشةِ» أي يَجِئْنَ بها، ومعنى قراءةِ الجمهور «يَغْشَيْنَها ويخالطنها» .

وقرأ الجمهور: «واللذانِ» بتخفيف النون، وقرأ ابن كثير: «واللذان» هنا، و «اللذين» في حم السجدة بتشديد النون. ووجهُها جَعَل إحدى النونين عوضاً من الياء المحذوفة التي كان ينبغي أن تبقى، وذلك أن «الذي» مثل «القاضي» ، و «القاضي» تثبت ياؤه في التثنية، فكان حقُّ ياء الذي والتي أن تثبت في التثنية ولكنهم حَذَفُوها: إمَّا لأنَّ هذه تثنيةٌ على غيرِ القياسِ، لأنَّ المبهماتِ لا تُثَنَّى حقيقةً، إذ لا يثنى إلا ما يُنَكَّر، والمبهمات لا تنكر، فجعلوا الحذفَ مَنْبَهَةً على هذا، وإمَّا لطولِ الكلامِ بالصلةِ. وزعم ابن عصفور أنَّ تشديدَ النونِ لا يجوزُ إلا مع الألفِ كهذه الآية، ولا يجوز مع الياء في الجر والنصب، وقراءةُ ابن كثير في حم السجدة: {أَرِنَا اللذيْنِّ أَضَلاَّنَا} [الآية: 29] حجةٌ عليه.

وقُرىء: «اللَّذَأَنِّ» بهمزةٍ وتشديدِ النون، ووجهُها أنه لَمَّا شَدَّد النونَ التقى ساكنان فَفَرَّ من ذلك بإبدالِ الألفِ همزةً، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في الفاتحة.

وقرأ عبد الله: «والذين يَفْعَلُونه منكم» ، وهذه قراءةُ مشكلةٌ لأنها بصيغة الجمع، / وبعدَها ضميرُ تثنية، وقد يُتَكَلَّفُ لها تخريجٌ: هو أنَّ «الذين» لمَّا كان شاملاً لصنفي الذكورِ والإِناث عاد الضمير عليه مثنى اعتباراً بما اندرج تحته، وهذا كما عاد ضمير الجمع على المثنى الشامل لأفرادٍ كثيرة مندرجةٍ تحتَه كقوله تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا} [الحجرات: 9] ، {هذان خَصْمَانِ اختصموا} [الحج: 19] كذا قال الشيخ وفيه نظر، فإنَّ الفرقَ ثابتٌ؛ وذلك لأنَّ «الطائفة» اسمٌ لجماعة وكذلك «خصم» ؛ لأنه في الأصلِ مصدرٌ فأُطْلِقَ على الجمعِ.

وأصلُ فآذُوهما: فآذِيُوهما، فاستثقِلَتِ الضمةُ على الياء فحُذِفَت الياء التي هي لام، وضُمَّ ما قبل الواوِ لتصِحَّ.

17

إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍۢ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

The repentance accepted by Allah is only for those who do wrong in ignorance [or carelessness] and then repent soon after. It is those to whom Allah will turn in forgiveness, and Allah is ever Knowing and Wise.

قوله تعالى: {إِنَّمَا التوبة عَلَى الله} : قد تقدَّم الكلام على «إنما» في أول البقرة وما قيل فيها. و «التوبة» مبتدأ، وفي خبرها وجهان، أظهرهما: أنه «على الله» أي: إنما التوبة مستقرة على فضل الله، ويكون «للذين» متعلقاً بما تعلَّق به الخبر. وأجاز أبو البقاء عند ذِكْرِه هذا الوجهَ أن يكونَ «للذين» متعلقاً بمحذوف على أنه حال قال: «فعلى هذا يكون» للذين يعملون السوء «حالاً من الضمير في الظرف وهو» على الله «، والعاملُ فيها الظرفُ أو الاستقرار أي: كائنةً للذين، ولا يجوزُ أَنْ يكونَ العاملُ في الحالِ التوبة لأنه قد فُصِل بينهما بالخبر» ، وهذا الذي قاله فيه تكلُّفٌ لا حاجةَ إليه.

الثاني: أن يكونَ الخبرُ «للذين» و «على الله» متعلِّقٌ بمحذوف على أنه حال من شيء محذوف، والتقدير: «إما التوبةُ إذا كانت أو إذ كانت على الله للذين يعملون» ، ف «إذا» و «إذ» معمولان ل «الذين» ؛ لأنَّ الظرفَ يتقدم على عامله المعنوي. و «كان» هذه التامَّةُ وفاعلُها هو صاحب الحال. ولا يجوز أن تكون «على الله» حالاً من الضمير المستتر في «للذين» ، والعامل فيها «للذين» لأنه عامل معنوي، والحال لا تتقدم على عامِلها المعنوي. هذا ما قاله أبو البقاء، ونَظَّر هذه المسألةَ بقولِهم: «هذا بُسْراً أطيبُ منه رُطَباً» يعني أنَّ التقديرَ هنا: إذ كان بُسْراً أطيبُ منه إذْ كان رُطَباً، ففي هذه المسألة أقوال كثيرة مضطربة لا يحتملها هذا الكتاب. وقدَّر الشيخ مضافين حُذِفا من المبتدأ والخبر فقال: «التقديرُ: إنما قبولُ التوبةِ مترتبٌ على فضلِ الله، ف» على «باقيةٌ على بابها» يعني من الاستعلاء.

قوله: {بِجَهَالَةٍ} فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلق بمحذوف على أنه حالٌ من فاعل «يعملون» ، ومعناها المصاحبة أي: يعملون السوءَ ملتبسين بجهالةٍ أي: مصاحبين لها، ويجوز أن يكون حالاً من المفعولِ أي: ملتبساً بجهالة، وفيه بُعْدٌ وَتَجَوُّزٌ.

والثاني: أن يتعلق ب «يعملون» على أنها باء السببية. قال الشيخ: «أي: الحاملُ لهم على عملِ السوءِ هو الجهالة، إذ لو كانوا عالمين بما يترتَّب على المعصية متذكرين له حالَ عملها لم يَقْدُموا عليها كقوله:» لا يَزْني الزاني حين يزني وهو مؤمن «لأن العقل حينئذ يكون مغلوباً أو مسلوباً.

قوله: {مِن قَرِيبٍ} فيه وجهان: أحدهما: أن تكون» من «لابتداءِ الغاية أي: تبتدىء التوبة من زمانٍ قريب من زمان المعصية لئلا يقعَ في الإِصرار، وهذا إنما يتأتَّى على قول الكوفيين، وأما البصريون فلا يجيزون أن تكون» مِنْ «لابتداء الغاية في الزمان، ويتأوَّلون ما جاء منه، ويكون مفهومُ الآية أنه لو تاب من زمانٍ بعيد لم يدخُلْ في مَنْ خُصَّ بكرامةِ قَبولِ التوبة على الله المذكورةِ في هذه الآية، بل يكون داخلاً فيمن قال فيهم» فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم «.

والثاني: أنها للتبعيض أي: بعضَ زمانٍ قريب، يعني: أي جزء من أجزاء هذا الزمان أتى بالتوبة فيه فهو تائب من قريب. وعلى الوجهين ف «مِنْ» متعلقة ب «يتوبون» ، و «قريب» صفة لزمان محذوف كما تقدَّم تقريره، إلا أنَّ حَذْفَ هذا الموصوف وإقامةَ هذه الصفةِ مُقامه ليس بقياسٍ، إذ لا ينقاس الحَذْفُ إلا في صور، منها أن تكونَ الصفةُ جَرَتْ مَجْرى الأسماء الجوامد كالأبطح والأبرق، أو كانت خاصةً بجنس الموصوف نحو مررت بكاتبٍ، أو تقدَّم ذِكْرُ موصوفها نحو: «اسقِني ماءً ولو بارداً، وما نحن فيه ليس شيئاً من ذلك.

وفي قوله: {ثُمَّ يَتُوبُونَ} إعلامٌ بسَعَةِ عفوه، حيث أتى بحرف التراخي. والفاء في قوله» فأولئك «مؤذنةٌ بتسبُّبِ قَبول الله توبتَهم إذا تابوا من قريب. وضَمَّن» يتوب «معنى يَعْطِفُ فلذلك عَدَّى ب» على «.، وأمَّا قولُه: {إِنَّمَا التوبة عَلَى الله} فراعَى المضافَ المحذوف إذ التقدير: إنما قبولُ التوبةِ على الله، كذا قال الشيخ وفيه نظر.

18

وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا

But repentance is not [accepted] of those who [continue to] do evil deeds up until, when death comes to one of them, he says, "Indeed, I have repented now," or of those who die while they are disbelievers. For them We have prepared a painful punishment.

قوله تعالى: {حتى إِذَا} : حتى حرفُ ابتداء، والجملةُ الشرطية بعدها غايةٌ لِما قبلها أي: ليست التوبةُ لقومٍ يعملون السيئات، وغاية عَمِلهم إذا حضرهم الموتُ قالوا: كيت وكيت، وهذا وجه حسن، ولا يجوز في «حتى» أن تكونَ جارةً ل «إذا» أي: يعملون السيئات إلى وقت حضورِ الموت من حيث إنها شرطيةٌ، والشرطُ لا يعمل فيه ما قبله، وإذا جعلنا «حتى» جارةً تعلَّقت ب «يعملون» ، وأدواتُ الشرط لا يعمل فيها ما قبلها، ألا ترى أنه يجوزُ: «بمَنْ تمرر أمرر» ، ولا يجوز: مَرَرْتُ بمن يَقُمْ أكرمْه، لأنَّ له صدرَ الكلام، ولأن «إذا» لا تتصرف على المشهور كما تقدم تقريره في أول البقرة واستدلَّ ابن مالك على تصرُّفها بوجوه، منها: جَرُّها ب «حتى» نحو: {حتى إِذَا جَآءُوهَا} [الزمر: 71] {حتى إِذَا كُنتُمْ} [يونس: 22] ، وفيه من الإِشكال ما ذكرته لك، وقد تقدم تقرير ذلك عند قوله: {حتى إِذَا بَلَغُواْ} [النساء: 6] .

قوله: {وَلاَ الذين يَمُوتُونَ} «الذين» مجرورُ المحل عطفاً على قوله «للذين يعملون» أي ليست التوبةُ لهؤلاء ولا لهؤلاء، فَسَوَّى بين مَنْ مات كافراً وبين مَنْ لم يتب إلا عند معاينةِ الموتِ في عدم قبول توبتِه، والمرادُ بالعاملين السيئاتِ المنافقون.

وأجاز أبو البقاء في «الذين» أن يكونَ مرفوعَ المحل على الابتداء، وخبرُه «أولئك» وما بعدَه، معتقداً أن اللام لام الابتداء، وليست ب «لا» النافية. وهذا الذي قاله من كونِ اللامِ لامَ الابتداء لا يَصِحُّ إلا أن يكون قد رُسِمَتْ في المصحف لامٌ داخلة على «الذين» فيصير «وللذين» ، وليس المرسوم كذلك، إنما هو لام وألف، وألف لام التعريف الداخلة على الموصول، وصورته: ولا الذين.

قوله: «أولئك» مبتدأ، و «أَعْتَدْنا» خبرُه، و «أولئك» يجوز أن يكونَ إشارةً إلى «الذين يموتون وهم كفار/، لأنَّ اسم الإِشارة يَجْري مَجْرى الضميرِ فيعودُ لأقربِ مذكور، ويجوزُ أَنْ يُشارَ به إلى الصِّفتين: الذين يعملون السيئات والذين يَمُوتون وهم كفار. وأعتدنا أي: أَحْضَرْنا.

19

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَآءَ كَرْهًۭا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا۟ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍۢ مُّبَيِّنَةٍۢ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا

O you who have believed, it is not lawful for you to inherit women by compulsion. And do not make difficulties for them in order to take [back] part of what you gave them unless they commit a clear immorality. And live with them in kindness. For if you dislike them - perhaps you dislike a thing and Allah makes therein much good.

قوله تعالى: {أَن تَرِثُواْ} : في محلِّ رفعٍ على الفاعلية ب «يَحِلُّ» أي: لا يَحِلُّ لكم إرثُ النساءِ. وقرىء «لا تَحِلُّ» بالتاء من فوق على تأويل أن ترثوا: بالوراثة، وهي مؤنثةٌ، وهذا كقراءة: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ} [الأنعام: 23] بتأنيث «تكن» ونصبِ «فتنتهم» بتأويل «ثم لم تكن فتنتهم إلا مقالتُهم» ، إلا أن في آية الأنعامِ مسوغاً وهو الإِخبار عنه بمؤنث كما سيأتي.

و «النساءَ» مفعول به: إمَّا على حَذْف مضاف أي: أن ترثوا أموال النساء إنْ كان الخطاب للأزواج؛ لأنه رُوي أن الرجل منهم إذا لم يكن له غرض في المرأة أمسكها حتى تموتَ فيرثَها، أو تَفْتَدِيَ منه بمالِها إنْ لم تمت. وإما من غير حذفٍ، على معنى أن يَكُنَّ بمعنى الشيء الموروث إنْ كان الخطابُ للأولياء أو الأقرباء الميت، فقد نُقل أنه إذا مات أحدُهم وتَرَكَ امرأة وابناً من غيرها كان أحقَّ بها مِنْ نفسها. وقيل: كان الوليُّ إنْ سبق وأَلْقى عليها ثوبَه كان أحق بها، وإنْ سَبَقَتْ إلى أهلها كانت أحقَّ بنفسِها، فنُهوا أن يجعلوهُنَّ كالأشياء المواريث، وعلى ما ذكرْتُ فلا يُحتاج إلى حَذْفِ أحدِ المفعولين: إمَّا الأول أو الثاني على جَعْلِ «أن ترثوا» متعدياً لاثنين كما فعل أبو البقاء قال: «والنساءَ فيه وجهان: أحدُهما: هُنَّ المفعول الأول، والنساء على هذا هن الموروثاتُ، وكانت الجاهليةُ تَرِثُ نساء آبائهم وتقول: نحن أحقُّ بنكاحِهِنَّ. والثاني: أنه المفعول الثاني والتقدير: أن ترثوا من النساء المالَ» انتهى. قوله: «هُنَّ المفعول الأول» يعني والثاني محذوف تقديرُه: أَنْ تَرِثوا من آباءكم النساء.

و «كُرْهاً» مصدر في موضع نصب على الحال من النساء أي: أن ترثوهن كارهات أو مكرهات. وقرأ الأخوان «كرهاً» هنا وفي براءة والأحقاف بضم الكاف، وافقهما عاصم وابن عامر من رواية ابن ذكوان عنه على ما في الأحقاف، والباقون بالفتح. وقد تقدَّم الكلام في الكُره والكَره: هل هما بمعنى واحد أم لا؟ في البقرة فأغنى عن إعادته. ولا مفهومَ لقوله «كرهاً» يعني فيجوز أن يرثوهن إذا لم يَكْرَهْن ذلك لخروجه مَخْرج الغالبِ.

قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} فيه وجهان، أظهرُهما: أنه مجزوم ب «لا» الناهية، عَطَفَ جملةَ نهي على جملةٍ خبرية، فإنْ لم تُشْترط المناسبةُ بين الجمل كما مذهبُ سيبويه فواضحٌ، وإن اشترطنا ذلك كما هو رأيُ بعضِهم فلأنَّ الجملةَ قبلَها في معنى النهي، إذ التقديرُ: لا ترثِوا النساءَ كرهاً فإنه غيرُ حلالٍ لكم. وجعله أبو البقاء على هذا الوجهِ مستأنفاً، يعني أنه ليس بمعطوفٍ على الفعل قبله.

والثاني: أجازه ابن عطية وأبو البقاء أن يكون منصوباً عطفاً على الفعل قبله. قال ابن عطية: «ويُحتمل أن يكونَ» تَعْضُلوهن «نصباً عطفاً على» تَرِثوا «، فتكون الواوُ مُشَرِّكةً عاطفة فِعْلاً على فعل» .

وقرأ ابن مسعود: «ولا أَنْ تَعْضُلوهن» فهذه القراءة تُقَوِّي احتمال النصب وأنَّ العَضْل مِمَّا لا يَحِلُّ بالنص. ورَدَّ الشيخ هذا الوجه بأنك إذا عطفت فعلاً منفياً ب «لا» على مثبت وكانا منصوبين فإنَّ الناصب لا يُقَدَّر إلا بعد حرف العطف لا بعد «لا» ، فإذا قلت: «أريدُ أن أتوبَ ولا أدخلَ النار» فإنَّ التقدير: أريد أن أتوبَ وأَنْ لا أدخلَ النار، لأنَّ الفعلَ يطلبُ الأولَ على سبيل الثبوت والثاني على سبيل النفي، فالمعنى: أُريد التوبةَ وانتفاء دخولي النارَ، فو كان الفعلُ المتسلطُ على المتعاطِفَيْنِ منفياً فكذلك، ولو قَدَّرْتَ هذا التقديرَ في الآية لم يَصِحَّ لو قت: «لا يَحِلُّ أن لا تَعْضُلوهُنَّ» لم يَصِحَّ إلا أن تجعل «لا» زائدة لا نافيةً، وهو خلاف الظاهر، وأما أَنْ تقدِّر «أَنْ» بعد «لا» النافية فلا يَصِحُّ، وإذا قَدَّرْتَ «أن» بعد «لا» كان من عطف المصدر المقدر على المصدر المقدر، لا من باب عطف الفعل على الفعل، فالتبس على ابن عطية العطفان، …

20

وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍۢ مَّكَانَ زَوْجٍۢ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًۭا فَلَا تَأْخُذُوا۟ مِنْهُ شَيْـًٔا ۚ أَتَأْخُذُونَهُۥ بُهْتَٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا

But if you want to replace one wife with another and you have given one of them a great amount [in gifts], do not take [back] from it anything. Would you take it in injustice and manifest sin?

قوله تعالى: {مَّكَانَ زَوْجٍ} : ظرفٌ منصوبٌ بالاستبدال، والمرادُ بالزوج هنا الجمعُ أي: وإنْ أردتم استبدالَ أزواجٍ مكانَ أزواج، وجاز ذلك لدلالةِ جمعِ المستبدِلين، إذ لا يُتَوَهَّم اشتراك المخاطبين في زوجٍ واحد مكانَ زوجٍ واحد، ولإِرادة معنى الجمع عادَ الضميرُ من قوله: «إحداهُنَّ» على «زوج» جمعاً. والتي نَهَى عن الأخذ منها هي المستبدلُ مكانَها، لأنها آخذةٌ منه بدليل قوله: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ} وهذا إنما هو في القديمةِ لا المُسْتحدثةِ.

وقال: {إِحْدَاهُنَّ} ليدلَّ على أن قوله: {وَآتَيْتُمْ} المراد منه: وآتى كلُّ واحد منكم إحداهن، أي: إحدى الأزواج، ولم يقل: «آتيتموهن قنطاراً» لئلا يُتَوَهَّم أن الجميع المخاطبين آتَوا الأزواج قنطاراً، والمراد: آتى كلُّ واحد زوجَه قنطاراً، فدل لفظ «إحداهن» على أن الضمير في «آتيتم» المرادُ منه كلُّ واحدٍ واحدٍ كما دَلَّ لفظ {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ} على أنَّ المرادَ استبدالُ أزواجٍ مكانَ أزواج، فأُريد بالمفرد هنا الجمعُ لدلالةِ {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ} .

وأُريد بقوله {وَآتَيْتُمْ} كلُّ واحد واحد، لدلالة «إحداهن» وهي مفردة على ذلك. ولا يُدَلُّ على هذا المعنى البليغ بأوجزَ ولا أفصحَ من هذا التركيب. وتقدَّم معنى القنطار واشتقاقه في آل عمران. والضمير في «منه» عائد على «قنطاراً» .

وقرأ ابن محيصن: «آتيتم احداهن» بوصل ألف «إحدى» كما قرىء: {إِنَّهَا لاحْدَى الكبر} [المدثر: 35] حَذَفَ الهمزة تخفيفاً كقوله:

1560 - إنْ لم أقاتِلْ فالبسوني بُرْقُعاً ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وبهذا الذي ذكرته يتضح معنى الآية.

وقد طَوَّل أبو البقاء فيها ولم يأت بطائل، ولا بد من التعرُّض لما قاله والتنبيه عليه. قال: «وفي قوله {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} إشكالان، أحدهما: أنه جَمَع الضميرَ والمتقدمُ زوجان. والثاني: أن التي يريد أن يُسْتبدل بها هي التي تكون قد أعطاها مالاً فينهاه عن أخذِه، فأما التي يريد أن يستحدِثها فلم يكن أعطاها شيئاً حتى ينهى عن أَخْذِه، ويتأيَّد ذلك بقولِه: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ} . والجوابُ عن الأول: أنَّ المرادَ بالزوجِ الجمعُ، لأنَّ الخطاب لجماعة الرجال، وكلٌّ منهم قد يريد الاستبدالَ، ويجوز أن يكونَ جُمِع لأن التي يريد أن يستحدِثَها يُفْضي حالُها إلى أن تكونَ زوجاً، وأن يريد أن يستبدلَ بها كما استبدل بالأولى فجُمِع على هذا المعنى. وأمَّا الإِشكال الثاني فييه جوابان أحدهما: أَنه وَضَعَ الظاهر مَوْضِعَ المضمر، والأصل: وآتيتموهن. والثاني: أنَّ المستبدلَ بها مبهمةٌ فقال» إحداهن «إذ لم تتعيَّن حتى يَرْجِع الضمير إليها، وقد ذكرنا نحواً مِنْ هذا في قوله: {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى} [البقرة: 282] انتهى.

وفي قوله: «وََضَع الظاهرَ موضعَ المضمر» نظرٌ، لأنَّه لو كانَ الأصل كذلك لأوهم أنَّ الجميعَ آتوا الأزواج قنطاراً كما تقدَّم، وليس كذلك.

قوله: {أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً} الاستفهام للإِنكار أي: أتفعلونه مع قُبْحِه. وفي نصب «بهتاناً وإثماً» وجهان: أحدهما: أنهما منصوبان على المفعول من أجلِه أي: لِبهتانكم وإثْمِكم. قال الزمخشري: «وإنْ لم يكن غَرَضاً كقولِك: قعدَ عن القتالِ جُنْباً» . والثاني: أنهما مصدران في موضع الحال، وفي صاحبها وجهان: أظهرهما: أنه الفاعل في «أتأخذونه» [أي] باهتين وآثمين. والثاني: أنه المفعول أي: أتأخذونه مُبْهِتاً مُحَيِّراً لشَنْعَتِه وقُبح الأُحدوثة عنه.

وبُهْتان: فُعْلان من البَهْت، وقد تقدَّم معناه في البقرة، وتقدم أيضاً الكلام في «كيف» ومحلِّها من الإِعراب في البقرة أيضاً في قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} [البقرة: 28] .

Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.