Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 141–150 of 176

141

ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَٰفِرِينَ نَصِيبٌۭ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا

Those who wait [and watch] you. Then if you gain a victory from Allah, they say, "Were we not with you?" But if the disbelievers have a success, they say [to them], "Did we not gain the advantage over you, but we protected you from the believers?" Allah will judge between [all of] you on the Day of Resurrection, and never will Allah give the disbelievers over the believers a way [to overcome them].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ إمّا بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ، وإمّا صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ، وإمّا نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، وقَوْلُهُ ﴿يَتَرَبَّصُونَ﴾ أيْ: يَنْتَظِرُونَ ما يَحْدُثُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ أيْ: ظُهُورٌ عَلى اليَهُودِ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: ألَمْ نَكُنْ مَعَكم، أيْ: فَأعْطُونا قِسْمًا مِنَ الغَنِيمَةِ، وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ يَعْنِي اليَهُودَ نَصِيبٌ، أيْ: ظَفْرٌ عَلى المُسْلِمِينَ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم، يُقالُ: اسْتَحْوَذَ عَلى فُلانٍ، أيْ: غَلَبَ عَلَيْهِ وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ

صفحة ٦٦

الآيَةِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: ألَمْ نَغْلِبْكم ونَتَمَكَّنْ مِن قَتْلِكم وأسْرِكم ثُمَّ لَمْ نَفْعَلْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، ونَمْنَعْكم مِنَ المُسْلِمِينَ بِأنْ ثَبَّطْناهم عَنْكم وخَيَّلْنا لَهم ما ضَعُفَتْ بِهِ قُلُوبُهم وتَوانَيْنا في مُظاهَرَتِهِمْ عَلَيْكم، فَهاتُوا لَنا نَصِيبًا مِمّا أصَبْتُمْ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ واليَهُودَ كانُوا قَدْ هَمُّوا بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ، ثُمَّ إنَّ المُنافِقِينَ حَذَّرُوهم عَنْ ذَلِكَ وبالَغُوا في تَنْفِيرِهِمْ عَنْهُ وأطْمَعُوهم أنَّهُ سَيَضْعُفُ أمْرُ مُحَمَّدٍ وسَيَقْوى أمْرُكم، فَإذا اتَّفَقَتْ لَهم صَوْلَةٌ عَلى المُسْلِمِينَ قالَ المُنافِقُونَ: ألَسْنا غَلَبْناكم عَلى رَأْيِكم في الدُّخُولِ في الإسْلامِ ومَنَعْناكم مِنهُ وقُلْنا لَكم بِأنَّهُ سَيَضْعُفُ أمْرُهُ ويَقْوى أمْرُكم، فَلَمّا شاهَدْتُمْ صِدْقَ قَوْلِنا فادْفَعُوا إلَيْنا نَصِيبًا مِمّا وجَدْتُمْ. والحاصِلُ أنَّ المُنافِقِينَ يَمُنُّونَ عَلى الكافِرِينَ بِأنّا نَحْنُ الَّذِينَ أرْشَدْناكم إلى هَذِهِ المَصالِحِ، فادْفَعُوا إلَيْنا نَصِيبًا مِمّا وجَدْتُمْ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ سَمّى ظَفْرَ المُسْلِمِينَ فَتْحًا، وظَفْرَ الكُفّارِ نَصِيبًا ؟

قُلْنا: تَعْظِيمًا لِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ واحْتِقارًا لِحَظِّ الكافِرِينَ، لِأنَّ ظَفْرَ المُؤْمِنِينَ أمْرٌ عَظِيمٌ تُفْتَحُ لَهُ أبْوابُ السَّماءِ حَتّى تَنْزِلَ المَلائِكَةُ بِالفَتْحِ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ، وأمّا ظَفْرُ الكافِرِينَ فَما هو إلّا حَظٌّ دَنِيءٌ يَنْقَضِي ولا يَبْقى مِنهُ إلّا الذَّمُّ في الدُّنْيا والعُقُوبَةُ في العاقِبَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى ما وضَعَ السَّيْفَ في الدُّنْيا عَنِ المُنافِقِينَ، بَلْ أخَّرَ عِقابَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: أنَّ المُرادَ بِهِ في القِيامَةِ بِدَلِيلِ أنَّهُ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ .

الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ في الدُّنْيا ولَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالحُجَّةِ، والمَعْنى أنَّ حُجَّةَ المُسْلِمِينَ غالِبَةٌ عَلى حُجَّةِ الكُلِّ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَغْلِبَهم بِالحُجَّةِ والدَّلِيلِ.

الثّالِثُ: هو أنَّهُ عامٌّ في الكُلِّ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، ولِلشّافِعِيِّ - …

An-Nisaa 4:141Listen in Qur'an →
142

إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًۭا

Indeed, the hypocrites [think to] deceive Allah, but He is deceiving them. And when they stand for prayer, they stand lazily, showing [themselves to] the people and not remembering Allah except a little,

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ يَعْنِي: وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ مَعَ المُسْلِمِينَ قامُوا

صفحة ٦٧

كُسالى، أيْ: مُتَثاقِلِينَ مُتَباطِئِينَ وهو مَعْنى الكَسَلِ في اللُّغَةِ، وسَبَبُ ذَلِكَ الكَسَلِ أنَّهم يَسْتَثْقِلُونَها في الحالِ ولا يَرْجُونَ بِها ثَوابًا ولا مِن تَرْكِها عِقابًا، فَكانَ الدّاعِي لِلتَّرْكِ قَوِيًّا مِن هَذِهِ الوُجُوهِ، والدّاعِي إلى الفِعْلِ لَيْسَ إلّا خَوْفُ النّاسِ، والدّاعِي إلى الفِعْلِ مَتى كانَ كَذَلِكَ وقَعَ الفِعْلُ عَلى وجْهِ الكَسَلِ والفُتُورِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (كُسالى) بِضَمِّ الكافِ وفَتْحِها جَمْعُ كَسْلانٍ كَسُكارى في سَكْرانَ.

* *

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ والمَعْنى أنَّهم لا يَقُومُونَ إلى الصَّلاةِ إلّا لِأجْلِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، لا لِأجْلِ الدِّينِ.

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المُراآةِ وهي مُفاعَلَةٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ ؟

قُلْنا: إنَّ المُرائِيَ يُرِيهِمْ عَمَلَهُ وهم يُرُونَهُ اسْتِحْسانَ ذَلِكَ العَمَلِ، وفي قَوْلِهِ ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِذِكْرِ اللَّهِ الصَّلاةُ، والمَعْنى أنَّهم لا يُصَلُّونَ إلّا قَلِيلًا، لِأنَّهُ مَتى لَمْ يَكُنْ مَعَهم أحَدٌ مِنَ الأجانِبِ لَمْ يُصَلُّوا، وإذا كانُوا مَعَ النّاسِ فَعِنْدَ دُخُولِ وقْتِ الصَّلاةِ يَتَكَلَّفُونَ حَتّى يَصِيرُوا غائِبِينَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِذِكْرِ اللَّهِ أنَّهم كانُوا في صَلاتِهِمْ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا، وهو الَّذِي يَظْهَرُ مِثْلُ التَّكْبِيراتِ، فَأمّا الَّذِي يَخْفى مِثْلُ القِراءَةِ والتَّسْبِيحاتِ فَهم لا يَذْكُرُونَها.

الثّالِثُ: المُرادُ أنَّهم لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الوَقْتُ وقْتَ الصَّلاةِ أوْ لَمْ يَكُنْ وقْتَ الصَّلاةِ إلّا قَلِيلًا نادِرًا. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهَكَذا نَرى كَثِيرًا مِنَ المُتَظاهِرِينَ بِالإسْلامِ، ولَوْ صَحِبْتَهُ الأيّامَ واللَّيالِيَ لَمْ تَسْمَعْ مِنهُ تَهْلِيلَةً ولا تَسْبِيحَةً، ولَكِنَّ حَدِيثَ الدُّنْيا يَسْتَغْرِقُ بِهِ أيّامَهُ وأوْقاتَهُ لا يَفْتُرُ عَنْهُ.

الرّابِعُ: قالَ قَتادَةُ: إنَّما قِيلَ: إلّا قَلِيلًا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقْبَلْهُ، وما رَدَّهُ اللَّهُ تَعالى فَكَثِيرُهُ قَلِيلٌ، وما قَبِلَهُ اللَّهُ فَقَلِيلُهُ كَثِيرٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: مُذَبْذَبِينَ، إمّا حالٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُراءُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مُذَبْذَبِينَ: أيْ: مُتَحَيِّرِينَ، وحَقِيقَةُ المُذَبْذَبِ الَّذِي يُذَبُّ عَنْ كِلا الجانِبَيْنِ، أيْ: يُرَدُّ ويُدْفَعُ فَلا يَقَرُّ في جانِبٍ واحِدٍ، إلّا أنَّ الذَّبْذَبَةَ فِيها تَكْرِيرٌ لَيْسَ في الذَّبِّ، فَكانَ المَعْنى كُلَّما مالَ إلى جانِبٍ ذُبَّ عَنْهُ.

واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ في ذَلِكَ أنَّ الفِعْلَ يَتَوَقَّفُ عَلى الدّاعِي، فَإنْ كانَ الدّاعِي إلى الفِعْلِ هو الأغْراضُ المُتَعَلِّقَةُ بِأحْوالِ هَذا العالَمِ كَثُرَ التَّذَبْذُبُ والِاضْطِرابُ؛ لِأنَّ مَنافِعَ هَذا العالَمِ وأسْبابَهُ مُتَغَيِّرَةٌ سَرِيعَةُ التَّبَدُّلِ، وإذا كانَ الفِعْلُ تَبَعًا لِلدّاعِي، والدّاعِي تَبَعًا لِلْمَقْصُودِ ثُمَّ إنَّ المَقْصُودَ سَرِيعُ التَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ لَزِمَ …

An-Nisaa 4:142Listen in Qur'an →
143

مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًۭا

Wavering between them, [belonging] neither to the believers nor to the disbelievers. And whoever Allah leaves astray - never will you find for him a way.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ يَعْنِي: وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ مَعَ المُسْلِمِينَ قامُوا

صفحة ٦٧

كُسالى، أيْ: مُتَثاقِلِينَ مُتَباطِئِينَ وهو مَعْنى الكَسَلِ في اللُّغَةِ، وسَبَبُ ذَلِكَ الكَسَلِ أنَّهم يَسْتَثْقِلُونَها في الحالِ ولا يَرْجُونَ بِها ثَوابًا ولا مِن تَرْكِها عِقابًا، فَكانَ الدّاعِي لِلتَّرْكِ قَوِيًّا مِن هَذِهِ الوُجُوهِ، والدّاعِي إلى الفِعْلِ لَيْسَ إلّا خَوْفُ النّاسِ، والدّاعِي إلى الفِعْلِ مَتى كانَ كَذَلِكَ وقَعَ الفِعْلُ عَلى وجْهِ الكَسَلِ والفُتُورِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (كُسالى) بِضَمِّ الكافِ وفَتْحِها جَمْعُ كَسْلانٍ كَسُكارى في سَكْرانَ.

* *

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ والمَعْنى أنَّهم لا يَقُومُونَ إلى الصَّلاةِ إلّا لِأجْلِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، لا لِأجْلِ الدِّينِ.

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المُراآةِ وهي مُفاعَلَةٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ ؟

قُلْنا: إنَّ المُرائِيَ يُرِيهِمْ عَمَلَهُ وهم يُرُونَهُ اسْتِحْسانَ ذَلِكَ العَمَلِ، وفي قَوْلِهِ ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِذِكْرِ اللَّهِ الصَّلاةُ، والمَعْنى أنَّهم لا يُصَلُّونَ إلّا قَلِيلًا، لِأنَّهُ مَتى لَمْ يَكُنْ مَعَهم أحَدٌ مِنَ الأجانِبِ لَمْ يُصَلُّوا، وإذا كانُوا مَعَ النّاسِ فَعِنْدَ دُخُولِ وقْتِ الصَّلاةِ يَتَكَلَّفُونَ حَتّى يَصِيرُوا غائِبِينَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِذِكْرِ اللَّهِ أنَّهم كانُوا في صَلاتِهِمْ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا، وهو الَّذِي يَظْهَرُ مِثْلُ التَّكْبِيراتِ، فَأمّا الَّذِي يَخْفى مِثْلُ القِراءَةِ والتَّسْبِيحاتِ فَهم لا يَذْكُرُونَها.

الثّالِثُ: المُرادُ أنَّهم لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الوَقْتُ وقْتَ الصَّلاةِ أوْ لَمْ يَكُنْ وقْتَ الصَّلاةِ إلّا قَلِيلًا نادِرًا. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهَكَذا نَرى كَثِيرًا مِنَ المُتَظاهِرِينَ بِالإسْلامِ، ولَوْ صَحِبْتَهُ الأيّامَ واللَّيالِيَ لَمْ تَسْمَعْ مِنهُ تَهْلِيلَةً ولا تَسْبِيحَةً، ولَكِنَّ حَدِيثَ الدُّنْيا يَسْتَغْرِقُ بِهِ أيّامَهُ وأوْقاتَهُ لا يَفْتُرُ عَنْهُ.

الرّابِعُ: قالَ قَتادَةُ: إنَّما قِيلَ: إلّا قَلِيلًا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقْبَلْهُ، وما رَدَّهُ اللَّهُ تَعالى فَكَثِيرُهُ قَلِيلٌ، وما قَبِلَهُ اللَّهُ فَقَلِيلُهُ كَثِيرٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: مُذَبْذَبِينَ، إمّا حالٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُراءُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مُذَبْذَبِينَ: أيْ: مُتَحَيِّرِينَ، وحَقِيقَةُ المُذَبْذَبِ الَّذِي يُذَبُّ عَنْ كِلا الجانِبَيْنِ، أيْ: يُرَدُّ ويُدْفَعُ فَلا يَقَرُّ في جانِبٍ واحِدٍ، إلّا أنَّ الذَّبْذَبَةَ فِيها تَكْرِيرٌ لَيْسَ في الذَّبِّ، فَكانَ المَعْنى كُلَّما مالَ إلى جانِبٍ ذُبَّ عَنْهُ.

واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ في ذَلِكَ أنَّ الفِعْلَ يَتَوَقَّفُ عَلى الدّاعِي، فَإنْ كانَ الدّاعِي إلى الفِعْلِ هو الأغْراضُ المُتَعَلِّقَةُ بِأحْوالِ هَذا العالَمِ كَثُرَ التَّذَبْذُبُ والِاضْطِرابُ؛ لِأنَّ مَنافِعَ هَذا العالَمِ وأسْبابَهُ مُتَغَيِّرَةٌ سَرِيعَةُ التَّبَدُّلِ، وإذا كانَ الفِعْلُ تَبَعًا لِلدّاعِي، والدّاعِي تَبَعًا لِلْمَقْصُودِ ثُمَّ إنَّ المَقْصُودَ سَرِيعُ التَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ لَزِمَ …

An-Nisaa 4:143Listen in Qur'an →
144

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًا

O you who have believed, do not take the disbelievers as allies instead of the believers. Do you wish to give Allah against yourselves a clear case?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَمَّ المُنافِقِينَ بِأنَّهم مَرَّةً إلى الكَفَرَةِ ومَرَّةً إلى المُسْلِمِينَ مِن غَيْرِ أنْ يَسْتَقِرُّوا مَعَ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، نَهى المُسْلِمِينَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَفْعَلُوا مِثْلَ فِعْلِهِمْ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الأنْصارَ بِالمَدِينَةِ كانَ لَهم في بَنِي قُرَيْظَةَ رَضاعٌ وحِلْفٌ ومَوَدَّةٌ، فَقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَن نَتَوَلّى ؟ فَقالَ: المُهاجِرِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

والوَجْهُ الثّانِي: ما قالَهُ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهو أنَّ هَذا نَهْيٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاةِ المُنافِقِينَ، يَقُولُ: قَدْ بَيِّنْتُ لَكم أخْلاقَ المُنافِقِينَ ومَذاهِبَهم فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ .

فَإنْ حَمَلْنا الآيَةَ الأُولى عَلى أنَّهُ تَعالى نَهى المُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ كانَ مَعْنى الآيَةِ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ سُلْطانًا مُبِينًا عَلى كَوْنِكم مُنافِقِينَ، والمُرادُ: أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِأهْلِ دِينِ اللَّهِ وهُمُ الرَّسُولُ وأُمَّتُهُ، وإنْ حَمَلْنا الآيَةَ الأُولى عَلى المُنافِقِينَ كانَ المَعْنى: أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم في عِقابِكم حُجَّةً بِسَبَبِ مُوالاتِكم لِلْمُنافِقِينَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: الدَّرْكُ أقْصى قَعْرِ الشَّيْءِ كالبَحْرِ ونَحْوِهِ، فَعَلى هَذا المُرادُ بِالدَّرْكِ الأسْفَلِ أقْصى قَعْرِ جَهَنَّمَ، وأصْلُ هَذا مِنَ الإدْراكِ بِمَعْنى اللُّحُوقِ، ومِنهُ إدْراكُ الطَّعامِ وإدْراكُ الغُلامِ، فالدَّرْكُ ما يُلْحَقُ بِهِ مِنَ الطَّبَقَةِ، وظاهِرُهُ أنَّ جَهَنَّمَ طَبَقاتٌ، والظّاهِرُ أنَّ أشَدَّها أسْفَلُها. قالَ الضَّحّاكُ: الدَّرَجُ إذا كانَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، والدَّرْكُ إذا كانَ بَعْضُها أسْفَلَ مِن بَعْضٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ بِسُكُونِ الرّاءِ والباقُونَ بِفَتْحِها، قالَ الزَّجّاجُ: هُما لُغَتانِ مِثْلَ الشَّمْعِ والشَّمَعِ، إلّا أنَّ الِاخْتِيارَ فَتْحُ الرّاءِ لِأنَّهُ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، قالَ أبُو حاتِمٍ: جَمْعُ الدَّرَكِ أدْراكٌ كَقَوْلِهِمْ: جَمَلٌ وأجْمالٌ، وفَرَسٌ وأفْراسٌ، وجَمْعُ الدَّرْكِ أدْرُكٌ مِثْلَ فَلْسٍ وأفْلُسٌ وكَلْبٍ وأكْلُبٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ المُنافِقِينَ إنَّهم في الدَّرْكِ الأسْفَلِ وقالَ في آلِ فِرْعَوْنَ ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافِرٍ: ٤٦] فَأيُّهُما أشَدُّ عَذابًا، المُنافِقُونَ أمْ آلُ فِرْعَوْنَ ؟ وأجابَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ أشَدَّ العَذابِ إنَّما يَكُونُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وقَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ الفَرِيقانِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَمّا كانَ المُنافِقُ أشَدَّ عَذابًا مِنَ الكافِرِ لِأنَّهُ مِثْلُهُ في الكُفْرِ، وضُمَّ إلَيْهِ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ

صفحة ٧٠

الكُفْرِ، وهو الِاسْتِهْزاءُ بِالإسْلامِ وبِأهْلِهِ، وبِسَبَبِ أنَّهم لَمّا كانُوا يُظْهِرُونَ الإسْلامَ يُمْكِنُهُمُ الِاطِّلاعُ عَلى أسْرارِ المُسْلِمِينَ ثُمَّ يُخْبِرُونَ الكُفّارَ بِذَلِكَ فَكانَتْ تَتَضاعَفُ المِحْنَةُ مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، …

An-Nisaa 4:144Listen in Qur'an →
145

إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا

Indeed, the hypocrites will be in the lowest depths of the Fire - and never will you find for them a helper -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَمَّ المُنافِقِينَ بِأنَّهم مَرَّةً إلى الكَفَرَةِ ومَرَّةً إلى المُسْلِمِينَ مِن غَيْرِ أنْ يَسْتَقِرُّوا مَعَ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، نَهى المُسْلِمِينَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَفْعَلُوا مِثْلَ فِعْلِهِمْ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الأنْصارَ بِالمَدِينَةِ كانَ لَهم في بَنِي قُرَيْظَةَ رَضاعٌ وحِلْفٌ ومَوَدَّةٌ، فَقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَن نَتَوَلّى ؟ فَقالَ: المُهاجِرِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

والوَجْهُ الثّانِي: ما قالَهُ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهو أنَّ هَذا نَهْيٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاةِ المُنافِقِينَ، يَقُولُ: قَدْ بَيِّنْتُ لَكم أخْلاقَ المُنافِقِينَ ومَذاهِبَهم فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ .

فَإنْ حَمَلْنا الآيَةَ الأُولى عَلى أنَّهُ تَعالى نَهى المُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ كانَ مَعْنى الآيَةِ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ سُلْطانًا مُبِينًا عَلى كَوْنِكم مُنافِقِينَ، والمُرادُ: أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِأهْلِ دِينِ اللَّهِ وهُمُ الرَّسُولُ وأُمَّتُهُ، وإنْ حَمَلْنا الآيَةَ الأُولى عَلى المُنافِقِينَ كانَ المَعْنى: أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم في عِقابِكم حُجَّةً بِسَبَبِ مُوالاتِكم لِلْمُنافِقِينَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: الدَّرْكُ أقْصى قَعْرِ الشَّيْءِ كالبَحْرِ ونَحْوِهِ، فَعَلى هَذا المُرادُ بِالدَّرْكِ الأسْفَلِ أقْصى قَعْرِ جَهَنَّمَ، وأصْلُ هَذا مِنَ الإدْراكِ بِمَعْنى اللُّحُوقِ، ومِنهُ إدْراكُ الطَّعامِ وإدْراكُ الغُلامِ، فالدَّرْكُ ما يُلْحَقُ بِهِ مِنَ الطَّبَقَةِ، وظاهِرُهُ أنَّ جَهَنَّمَ طَبَقاتٌ، والظّاهِرُ أنَّ أشَدَّها أسْفَلُها. قالَ الضَّحّاكُ: الدَّرَجُ إذا كانَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، والدَّرْكُ إذا كانَ بَعْضُها أسْفَلَ مِن بَعْضٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ بِسُكُونِ الرّاءِ والباقُونَ بِفَتْحِها، قالَ الزَّجّاجُ: هُما لُغَتانِ مِثْلَ الشَّمْعِ والشَّمَعِ، إلّا أنَّ الِاخْتِيارَ فَتْحُ الرّاءِ لِأنَّهُ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، قالَ أبُو حاتِمٍ: جَمْعُ الدَّرَكِ أدْراكٌ كَقَوْلِهِمْ: جَمَلٌ وأجْمالٌ، وفَرَسٌ وأفْراسٌ، وجَمْعُ الدَّرْكِ أدْرُكٌ مِثْلَ فَلْسٍ وأفْلُسٌ وكَلْبٍ وأكْلُبٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ المُنافِقِينَ إنَّهم في الدَّرْكِ الأسْفَلِ وقالَ في آلِ فِرْعَوْنَ ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافِرٍ: ٤٦] فَأيُّهُما أشَدُّ عَذابًا، المُنافِقُونَ أمْ آلُ فِرْعَوْنَ ؟ وأجابَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ أشَدَّ العَذابِ إنَّما يَكُونُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وقَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ الفَرِيقانِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَمّا كانَ المُنافِقُ أشَدَّ عَذابًا مِنَ الكافِرِ لِأنَّهُ مِثْلُهُ في الكُفْرِ، وضُمَّ إلَيْهِ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ

صفحة ٧٠

الكُفْرِ، وهو الِاسْتِهْزاءُ بِالإسْلامِ وبِأهْلِهِ، وبِسَبَبِ أنَّهم لَمّا كانُوا يُظْهِرُونَ الإسْلامَ يُمْكِنُهُمُ الِاطِّلاعُ عَلى أسْرارِ المُسْلِمِينَ ثُمَّ يُخْبِرُونَ الكُفّارَ بِذَلِكَ فَكانَتْ تَتَضاعَفُ المِحْنَةُ مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، …

An-Nisaa 4:145Listen in Qur'an →
146

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُوا۟ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Except for those who repent, correct themselves, hold fast to Allah, and are sincere in their religion for Allah, for those will be with the believers. And Allah is going to give the believers a great reward.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ فِيها تَغْلِيظاتٌ عَظِيمَةٌ عَلى المُنافِقِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى شَرَطَ في إزالَةِ العِقابِ عَنْهم أُمُورًا أرْبَعَةً:

أوَّلُها: التَّوْبَةُ.

وثانِيها: إصْلاحُ العَمَلِ، فالتَّوْبَةُ عَنِ القَبِيحِ، وإصْلاحُ العَمَلِ عِبارَةٌ عَنِ الإقْدامِ عَلى الحَسَنِ.

وثالِثُها: الِاعْتِصامُ بِاللَّهِ؛ وهو أنْ يَكُونَ غَرَضُهُ مِنَ التَّوْبَةِ وإصْلاحِ العَمَلِ طَلَبَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى لا طَلَبَ مَصْلَحَةِ الوَقْتِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَطْلُوبُهُ جَلْبَ المَنافِعِ ودَفْعَ المَضارِّ لَتَغَيَّرَ عَنِ التَّوْبَةِ وإصْلاحِ العَمَلِ سَرِيعًا، أمّا إذا كانَ مَطْلُوبُهُ مَرْضاةَ اللَّهِ تَعالى وسَعادَةَ الآخِرَةِ والِاعْتِصامَ بِدِينِ اللَّهِ بَقِيَ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ ولَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْها.

ورابِعُها: الإخْلاصُ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى أمَرَهم:

أوَّلًا: بِتَرْكِ القَبِيحِ.

وثانِيًا: بِفِعْلِ الحَسَنِ.

وثالِثًا: أنْ يَكُونَ غَرَضُهم في ذَلِكَ التَّرْكِ والفِعْلِ طَلَبَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى.

ورابِعًا: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الغَرَضُ وهو طَلَبُ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى خالِصًا وأنْ لا يَمْتَزِجَ بِهِ غَرَضٌ آخَرُ.

فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ الشَّرائِطُ الأرْبَعَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ فَأُولَئِكَ مُؤْمِنُونَ، ثُمَّ أوْقَعَ أجْرَ المُؤْمِنِينَ في التَّشْرِيفِ لِانْضِمامِ المُنافِقِينَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وهَذِهِ القَرائِنُ دالَّةٌ عَلى أنَّ حالَ المُنافِقِ شَدِيدٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أيُعَذِّبُكم لِأجْلِ التَّشَفِّي، أمْ لِطَلَبِ النَّفْعِ، أمْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ ؟ كُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ في حَقِّهِ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ لِذاتِهِ عَنِ الحاجاتِ، مُنَزَّهٌ عَنْ جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، وإنَّما المَقْصُودُ مِنهُ حَمْلُ

صفحة ٧١

المُكَلَّفِينَ عَلى فِعْلِ الحَسَنِ والِاحْتِرازِ عَنِ القَبِيحِ، فَإذا أتَيْتُمْ بِالحَسَنِ وتَرَكْتُمُ القَبِيحَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكَرَمِهِ أنْ يُعَذِّبَكم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلِنا، وذَلِكَ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ ما خَلَقَ خَلْقًا لِأجْلِ التَّعْذِيبِ والعِقابِ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ أحَدًا لِغَرَضِ التَّعْذِيبِ، وأيْضًا الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ فاعِلَ الشُّكْرِ والإيمانِ هو العَبْدُ، ولَيْسَ ذَلِكَ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، وإلّا لَصارَ التَّقْدِيرُ: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إذا خَلَقَ الشُّكْرَ والإيمانَ فِيكم، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا غَيْرُ مُنْتَظِمٍ، وقَدْ سَبَقَ الجَوابُ عَنْ هَذِهِ الكَلِماتِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أصْحابُنا: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يُعَذِّبُ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لِأنّا نَفْرِضُ الكَلامَ فِيمَن شَكَرَ وآمَنَ ثُمَّ أقْدَمَ عَلى الشُّرْبِ أوِ الزِّنا، فَهَذا وجَبَ أنْ لا يُعاقَبَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ فَإنْ قالُوا: لا نُسَلِّمُ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، قُلْنا: …

An-Nisaa 4:146Listen in Qur'an →
147

مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًۭا

What would Allah do with your punishment if you are grateful and believe? And ever is Allah Appreciative and Knowing.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ فِيها تَغْلِيظاتٌ عَظِيمَةٌ عَلى المُنافِقِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى شَرَطَ في إزالَةِ العِقابِ عَنْهم أُمُورًا أرْبَعَةً:

أوَّلُها: التَّوْبَةُ.

وثانِيها: إصْلاحُ العَمَلِ، فالتَّوْبَةُ عَنِ القَبِيحِ، وإصْلاحُ العَمَلِ عِبارَةٌ عَنِ الإقْدامِ عَلى الحَسَنِ.

وثالِثُها: الِاعْتِصامُ بِاللَّهِ؛ وهو أنْ يَكُونَ غَرَضُهُ مِنَ التَّوْبَةِ وإصْلاحِ العَمَلِ طَلَبَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى لا طَلَبَ مَصْلَحَةِ الوَقْتِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَطْلُوبُهُ جَلْبَ المَنافِعِ ودَفْعَ المَضارِّ لَتَغَيَّرَ عَنِ التَّوْبَةِ وإصْلاحِ العَمَلِ سَرِيعًا، أمّا إذا كانَ مَطْلُوبُهُ مَرْضاةَ اللَّهِ تَعالى وسَعادَةَ الآخِرَةِ والِاعْتِصامَ بِدِينِ اللَّهِ بَقِيَ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ ولَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْها.

ورابِعُها: الإخْلاصُ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى أمَرَهم:

أوَّلًا: بِتَرْكِ القَبِيحِ.

وثانِيًا: بِفِعْلِ الحَسَنِ.

وثالِثًا: أنْ يَكُونَ غَرَضُهم في ذَلِكَ التَّرْكِ والفِعْلِ طَلَبَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى.

ورابِعًا: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الغَرَضُ وهو طَلَبُ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى خالِصًا وأنْ لا يَمْتَزِجَ بِهِ غَرَضٌ آخَرُ.

فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ الشَّرائِطُ الأرْبَعَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ فَأُولَئِكَ مُؤْمِنُونَ، ثُمَّ أوْقَعَ أجْرَ المُؤْمِنِينَ في التَّشْرِيفِ لِانْضِمامِ المُنافِقِينَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وهَذِهِ القَرائِنُ دالَّةٌ عَلى أنَّ حالَ المُنافِقِ شَدِيدٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أيُعَذِّبُكم لِأجْلِ التَّشَفِّي، أمْ لِطَلَبِ النَّفْعِ، أمْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ ؟ كُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ في حَقِّهِ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ لِذاتِهِ عَنِ الحاجاتِ، مُنَزَّهٌ عَنْ جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، وإنَّما المَقْصُودُ مِنهُ حَمْلُ

صفحة ٧١

المُكَلَّفِينَ عَلى فِعْلِ الحَسَنِ والِاحْتِرازِ عَنِ القَبِيحِ، فَإذا أتَيْتُمْ بِالحَسَنِ وتَرَكْتُمُ القَبِيحَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكَرَمِهِ أنْ يُعَذِّبَكم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلِنا، وذَلِكَ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ ما خَلَقَ خَلْقًا لِأجْلِ التَّعْذِيبِ والعِقابِ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ أحَدًا لِغَرَضِ التَّعْذِيبِ، وأيْضًا الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ فاعِلَ الشُّكْرِ والإيمانِ هو العَبْدُ، ولَيْسَ ذَلِكَ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، وإلّا لَصارَ التَّقْدِيرُ: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إذا خَلَقَ الشُّكْرَ والإيمانَ فِيكم، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا غَيْرُ مُنْتَظِمٍ، وقَدْ سَبَقَ الجَوابُ عَنْ هَذِهِ الكَلِماتِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أصْحابُنا: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يُعَذِّبُ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لِأنّا نَفْرِضُ الكَلامَ فِيمَن شَكَرَ وآمَنَ ثُمَّ أقْدَمَ عَلى الشُّرْبِ أوِ الزِّنا، فَهَذا وجَبَ أنْ لا يُعاقَبَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ فَإنْ قالُوا: لا نُسَلِّمُ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، قُلْنا: …

An-Nisaa 4:147Listen in Qur'an →
148

۞ لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا

Allah does not like the public mention of evil except by one who has been wronged. And ever is Allah Hearing and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا هَتَكَ سِتْرَ المُنافِقِينَ وفَضَحَهم وكانَ هَتْكُ السِّتْرِ غَيْرَ لائِقٍ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ، ذَكَرَ تَعالى ما يَجْرِي مَجْرى العُذْرِ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى لا يُحِبُّ إظْهارَ الفَضائِحِ والقَبائِحِ إلّا في حَقِّ مَن عَظُمَ ضَرَرُهُ وكَثُرَ مَكْرُهُ وكَيْدُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَجُوزُ إظْهارُ فَضائِحِهِ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اذْكُرُوا الفاسِقَ بِما فِيهِ كَيْ تَحْذَرَهُ النّاسُ» وهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ قَدْ كانَ كَثُرَ مَكْرُهم وكَيْدُهم وظُلْمُهم في حَقِّ المُسْلِمِينَ وعَظُمَ ضَرَرُهم، فَلِهَذا المَعْنى ذَكَرَ اللَّهُ فَضائِحَهم وكَشَفَ أسْرارَهم.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ إذا تابُوا وأخْلَصُوا صارُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ يَتُوبُ بَعْضُهم ويُخْلِصُ في تَوْبَتِهِ

صفحة ٧٢

ثُمَّ لا يَسْلَمُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ التَّعْيِيرِ والذَّمِّ مِن بَعْضِ المُسْلِمِينَ بِسَبَبِ ما صَدَرَ عَنْهُ في الماضِي مِنَ النِّفاقِ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى لا يُحِبُّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ، ولا يَرْضى بِالجَهْرِ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظَلَمَ نَفْسَهُ وأقامَ عَلى نِفاقِهِ فَإنَّهُ لا يَكْرَهُ ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ مِن عِبادِهِ فِعْلَ القَبائِحِ ولا يَخْلُقُها، وذَلِكَ لِأنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ إرادَتِهِ، فَلَمّا قالَ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ عَلِمْنا أنَّهُ لا يُرِيدُ ذَلِكَ، وأيْضًا لَوْ كانَ خالِقًا لِأفْعالِ العِبادِ لَكانَ مُرِيدًا لَها، ولَوْ كانَ مُرِيدًا لَها لَكانَ قَدْ أحَبَّ إيجادَ الجَهْرِ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ، وإنَّهُ خِلافُ الآيَةِ.

والجَوابُ: المَحَبَّةُ عِنْدَنا عِبارَةٌ عَنْ إعْطاءِ الثَّوابِ عَلى الفِعْلِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى أرادَهُ ولَكِنَّهُ ما أحَبَّهُ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أهْلُ العِلْمِ: إنَّهُ تَعالى لا يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ، ولا غَيْرَ الجَهْرِ أيْضًا، ولَكِنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ لِأنَّ كَيْفِيَّتَهُ الواقِعَةَ أوْجَبَتْ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النِّساءِ: ٩٤] والتَّبَيُّنُ واجِبٌ في الطَّعْنِ والإقامَةِ، فَكَذا هَهُنا.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن ظُلِمَ﴾ قَوْلانِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا أوْ مُتَّصِلًا.

القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ عَلى تَقْدِيرِ: إلّا جَهْرَ مَن ظُلِمَ. ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ.

الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: المَصْدَرُ هَهُنا أُقِيمَ مَقامَ الفاعِلِ، والتَّقْدِيرُ: لا يُحِبُّ اللَّهُ المُجاهِرَ بِالسُّوءِ إلّا مَن ظُلِمَ.

القَوْلُ الثّانِي: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ، لَكِنَّ المَظْلُومَ لَهُ أنْ يَجْهَرَ …

An-Nisaa 4:148Listen in Qur'an →
149

إِن تُبْدُوا۟ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا۟ عَن سُوٓءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّۭا قَدِيرًا

If [instead] you show [some] good or conceal it or pardon an offense - indeed, Allah is ever Pardoning and Competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾

اعْلَمْ أنَّ مَعاقِدَ الخَيْراتِ عَلى كَثْرَتِها مَحْصُورَةٌ في أمْرَيْنِ: صِدْقٌ مَعَ الحَقِّ، وخُلُقٌ مَعَ الخَلْقِ، والَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالخَلْقِ مَحْصُورٌ في قِسْمَيْنِ: إيصالُ نَفْعٍ إلَيْهِمْ ودَفْعُ ضَرَرٍ عَنْهم، فَقَوْلُهُ ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ﴾ إشارَةٌ إلى إيصالِ النَّفْعِ إلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ ﴿أوْ تَعْفُوا﴾ إشارَةٌ إلى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم، فَدَخَلَ في هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ جَمِيعُ أنْواعِ الخَيْرِ وأعْمالِ البِرِّ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنِ الجانِبَيْنِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، فَعَلَيْكم أنْ تَقْتَدُوا بِسُنَّةِ اللَّهِ تَعالى وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

الثّانِي: إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا لِمَن عَفا، قَدِيرًا عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِ.

الثّالِثُ: قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أقْدَرُ عَلى عَفْوِ ذُنُوبِكَ مِنكَ عَلى عَفْوِ صاحِبِكَ.

An-Nisaa 4:149Listen in Qur'an →
150

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍۢ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍۢ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا۟ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا

Indeed, those who disbelieve in Allah and His messengers and wish to discriminate between Allah and His messengers and say, "We believe in some and disbelieve in others," and wish to adopt a way in between -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ عَلى طَرِيقَةِ المُنافِقِينَ عادَ يَتَكَلَّمُ عَلى مَذاهِبِ اليَهُودِ والنَّصارى ومُناقَضاتِهِمْ وذَكَرَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ مِن هَذا الجِنْسِ أنْواعًا:

النَّوْعُ الأوَّلُ: مِن أباطِيلِهِمْ: إيمانُهم بِبَعْضِ الأنْبِياءِ دُونَ البَعْضِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ فَإنَّ اليَهُودَ آمَنُوا بِمُوسى والتَّوْراةِ وكَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، والنَّصارى آمَنُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: يُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أيْ: بَيْنَ الإيمانِ بِالكُلِّ وبَيْنَ الكُفْرِ بِالكُلِّ سَبِيلًا أيْ: واسِطَةً، وهي الإيمانُ بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ٧٤

المَسْألَةُ الأُولى: في خَبَرِ ”إنَّ“ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ جَمَعُوا المَخازِيَ.

والثّانِي: هو قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ والأوَّلُ أحْسَنُ لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ أبْلَغُ لِأنَّهُ إذا حُذِفَ الجَوابُ ذَهَبَ الوَهْمُ كُلَّ مَذْهَبٍ مِنَ العَيْبِ، وإذا ذُكِرَ بَقِيَ مُقْتَصِرًا عَلى المَذْكُورِ.

والثّانِي: أنَّهُ رَأْسُ الآيَةِ، والأحْسَنُ أنْ لا يَكُونَ الخَبَرُ مُنْفَصِلًا عَنِ المُبْتَدَأِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهم إنَّما كانُوا كافِرِينَ حَقًّا لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ البَعْضِ لَيْسَ إلّا المُعْجِزَ، وإذا كانَ دَلِيلًا عَلى النُّبُوَّةِ لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّهُ حَيْثُ حَصَلَ حَصَلَتِ النُّبُوَّةِ فَإنْ جَوَّزْنا في بَعْضِ المَواضِعِ حُصُولَ المُعْجِزِ بِدُونِ الصِّدْقِ تَعَذَّرَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى الصِّدْقِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الكُفْرُ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ، فَثَبَتَ أنَّ مَن لَمْ يَقْبَلْ نُبُوَّةَ أحَدٍ مِنهم لَزِمَهُ الكُفْرُ بِجَمِيعِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ يَلْزَمُهُمُ الكُفْرُ بِكُلِّ الأنْبِياءِ، ولَكِنْ لَيْسَ إذا تَوَجَّهَ بَعْضُ الإلْزاماتِ عَلى الإنْسانِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الإنْسانُ قائِلًا بِهِ، فَإلْزامُ الكُفْرِ غَيْرٌ، والتِزامُ الكُفْرِ غَيْرٌ، والقَوْمُ لَمّا لَمْ يَلْتَزِمُوا ذَلِكَ فَكَيْفَ يُقْضى عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ.

قُلْنا: الإلْزامُ إذا كانَ خَفِيًّا بِحَيْثُ يُحْتاجُ فِيهِ إلى فِكْرٍ وتَأمُّلٍ كانَ الأمْرُ فِيهِ كَما ذَكَرْتُمْ، أمّا إذا كانَ جَلِيًّا واضِحًا لَمْ يَبْقَ بَيْنَ الإلْزامِ والِالتِزامِ فَرْقٌ.

والثّانِي: وهو أنَّ قَبُولَ بَعْضِ الأنْبِياءِ إنْ كانَ لِأجْلِ الِانْقِيادِ لِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى وحُكْمِهِ وجَبَ قَبُولُ الكُلِّ، وإنْ كانَ لِطَلَبِ الرِّياسَةِ كانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ كُفْرًا بِكُلِّ الأنْبِياءِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ (حَقًّا) وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ انْتَصَبَ عَلى مِثْلِ قَوْلِكَ: زَيْدٌ أخُوكَ حَقًّا، والتَّقْدِيرُ: أخْبَرْتُكَ بِهَذا المَعْنى إخْبارًا حَقًّا.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ كُفْرًا حَقًّا. طَعَنَ الواحِدِيُّ فِيهِ وقالَ: الكُفْرُ لا …

An-Nisaa 4:150Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.