Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 141–150 of 176

141

ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَٰفِرِينَ نَصِيبٌۭ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا

Those who wait [and watch] you. Then if you gain a victory from Allah, they say, "Were we not with you?" But if the disbelievers have a success, they say [to them], "Did we not gain the advantage over you, but we protected you from the believers?" Allah will judge between [all of] you on the Day of Resurrection, and never will Allah give the disbelievers over the believers a way [to overcome them].

صفحة ٢٣٣

﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ﴿وقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهم إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ ناشِئٌ عَنْ وصْفِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: ١٣٧]، فَإنَّ أُولَئِكَ كانُوا مُظْهِرِينَ الكُفْرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وكانَ ثَمَّةَ طائِفَةٌ تُبْطِنُ الكُفْرَ وهم أهْلُ النِّفاقِ، ولَمّا كانَ التَّظاهُرُ بِالإيمانِ ثُمَّ تَعْقِيبُهُ بِالكُفْرِ ضَرْبًا مِنَ التَّهَكُّمِ بِالإسْلامِ وأهْلِهِ، جِيءَ في جَزاءِ عَمَلِهِمْ بِوَعِيدٍ مُناسِبٍ لِتَهَكُّمِهِمْ بِالمُسْلِمِينَ، فَجاءَ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ إذْ قالَ ”﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾“، فَإنَّ البِشارَةَ هي الخَبَرُ بِما يَفْرَحُ المُخْبَرُ بِهِ، ولَيْسَ العَذابُ كَذَلِكَ. ولِلْعَرَبِ في التَّهَكُّمِ أسالِيبُ كَقَوْلِ شَقِيقِ بْنِ سُلَيْكٍ الأسَدِيِّ:

أتانِي مِن أبِي أنَسٍ وعِيدٌ فَسُلَّ لِغَيْظَةِ الضَّحّاكِ جِسْمِي

وقَوْلِ النّابِغَةِ:

فَإنَّكَ سَوْفَ تَحْلُمُ أوْ تَناهى ∗∗∗ إذا ما شِبْتَ أوْ شابَ الغُرابُ

وقَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ:

نُبِّئْتُ عَمْرًا غارِزًا رَأْسَهُ ∗∗∗ في سِنَةٍ يُوعِدُ أخْوالَهُ

وتِلْكَ مِنهُ غَيْرُ مَأْمُونَةٍ ∗∗∗ أنْ يَفْعَلَ الشَّيْءَ إذا قالَهُ

صفحة ٢٣٤

ومَجِيءُ صِفَتِهِمْ بِطَرِيقَةِ المَوْصُولِ لِإفادَةِ تَعْلِيلِ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ الألِيمَ، أيْ لِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيِ اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ لِأجْلِ مُضادَّةِ المُؤْمِنِينَ. والمُرادُ بِالكافِرِينَ مُشْرِكُو مَكَّةَ، أوْ أحْبارُ اليَهُودِ، لِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ بِالمَدِينَةِ مُشْرِكُونَ صُرَحاءُ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَلَيْسَ إلّا مُنافِقُونَ ويَهُودُ. وجُمْلَةُ ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بِاعْتِبارِ المَعْطُوفِ وهو ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾ وقَوْلُهُ ”أيَبْتَغُونَ“ هو مَنشَأُ الِاسْتِئْنافِ، وفي ذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ المُنافِقِينَ لَمْ تَكُنْ مُوالاتُهم لِلْمُشْرِكِينَ لِأجْلِ المُماثَلَةِ في الدِّينِ والعَقِيدَةِ، لِأنَّ مُعْظَمَ المُنافِقِينَ مِنَ اليَهُودِ، بَلِ اتَّخَذُوهم لِيَعْتَزُّوا بِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ، وإيماءً إلى أنَّ المُنافِقِينَ شَعَرُوا بِالضَّعْفِ فَطَلَبُوا الِاعْتِزازَ، وفي ذَلِكَ نِهايَةُ التَّجْهِيلِ والذَّمِّ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ، ولِذَلِكَ صَحَّ التَّفْرِيعُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيْ لا عِزَّةَ إلّا بِهِ، لِأنَّ الِاعْتِزازَ بِغَيْرِهِ باطِلٌ. كَما قِيلَ: مَنِ اعْتَزَّ بِغَيْرِ اللَّهِ هانَ. وإنْ كانَ المُرادُ بِالكافِرِينَ اليَهُودَ فالِاسْتِفْهامُ تَهَكُّمٌ بِالفَرِيقَيْنِ كَقَوْلِ المَثَلِ:

كالمُسْتَغِيثِ مِنَ الرَّمْضاءِ بِالنّارِ

. وهَذا الكَلامُ يُفِيدُ التَّحْذِيرَ مِن …

An-Nisaa 4:141Listen in Qur'an →
142

إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًۭا

Indeed, the hypocrites [think to] deceive Allah, but He is deceiving them. And when they stand for prayer, they stand lazily, showing [themselves to] the people and not remembering Allah except a little,

﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهْوَ خادِعُهم وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ .

صفحة ٢٣٩

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، فِيهِ زِيادَةُ بَيانٍ لِمَساوِيهِمْ. والمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ. وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ إنَّ لِتَحْقِيقِ حالَتِهِمُ العَجِيبَةِ وتَحْقِيقِ ما عَقَبَها مِن قَوْلِهِ ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ .

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى مُخادَعَةِ المُنافِقِينَ اللَّهَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩] .

وزادَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ أيْ فَقابَلَهم بِمِثْلِ صَنِيعِهِمْ، فَكَما كانَ فِعْلُهم مَعَ المُؤْمِنِينَ المُتَّبِعِينَ أمْرَ اللَّهِ ورَسُولِهِ خِداعًا لِلَّهِ تَعالى، كانَ إمْهالُ اللَّهِ لَهم في الدُّنْيا حَتّى اطْمَأنُّوا وحَسِبُوا أنَّ حِيلَتَهم وكَيْدَهم راجا عَلى المُسْلِمِينَ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ ناصِرَهم، وإنْذارُهُ المُؤْمِنِينَ بِكَيْدِهِمْ حَتّى لا تَنْطَلِيَ عَلَيْهِمْ حِيَلُهم، وتَقْدِيرُ أخْذِهِ إيّاهم بِأخَرَةٍ، شَبِيهًا بِفِعْلِ المُخادِعِ جَزاءً وِفاقًا. فَإطْلاقُ الخِداعِ عَلى اسْتِدْراجِ اللَّهِ إيّاهُمُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وحَسَّنَتْها المُشاكَلَةُ؛ لِأنَّ المُشاكَلَةَ لا تَعْدُو أنْ تَكُونَ اسْتِعارَةَ لَفْظٍ لِغَيْرِ مَعْناهُ مَعَ مَزِيدِ مُناسَبَةٍ مَعَ لَفْظٍ آخَرَ مِثْلِ اللَّفْظِ المُسْتَعارِ. فالمُشاكَلَةُ تَرْجِعُ إلى التَّمْلِيحِ، أيْ إذا لَمْ تَكُنْ لِإطْلاقِ اللَّفْظِ عَلى المَعْنى المُرادِ عَلاقَةٌ بَيْنَ مَعْنى اللَّفْظِ والمَعْنى المُرادِ إلّا مُحاكاةَ اللَّفْظِ، سُمِّيَتْ مُشاكَلَةٌ كَقَوْلِ أبِي الرَّقَعْمَقِ.

قالُوا: اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ قُلْتُ: أطْبِخُوا لِي جُبَّةً وقَمِيصا

و”كُسالى“ جَمْعُ كَسْلانَ عَلى وزْنِ فُعالى، والكَسْلانُ المُتَّصِفُ بِالكَسَلِ، وهو الفُتُورُ في الأفْعالِ لِسَآمَةٍ أوْ كَراهِيَةٍ. والكَسَلُ في الصَّلاةِ مُؤْذِنٌ بِقِلَّةِ اكْتِراثِ المُصَلِّي بِها وزُهْدِهِ في فِعْلِها، فَلِذَلِكَ كانَ مِن شِيَمِ المُنافِقِينَ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ حَذَّرَتِ الشَّرِيعَةُ مِن تَجاوُزِ حَدِّ النَّشاطِ في العِبادَةِ خَشْيَةَ السَّآمَةِ، فَفي الحَدِيثِ «عَلَيْكم مِنَ الأعْمالِ بِما تُطِيقُونَ فَإنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا» .

ونَهى عَنِ الصَّلاةِ والإنْسانُ يُرِيدُ حاجَتَهُ، وعَنِ الصَّلاةِ عِنْدَ حُضُورِ الطَّعامِ، كُلُّ ذَلِكَ لِيَكُونَ إقْبالُ المُؤْمِنِ عَلى الصَّلاةِ بِشَرَهٍ وعَزْمٍ، لِأنَّ

صفحة ٢٤٠

النَّفْسَ إذا تَطَرَّقَتْها السَّآمَةُ مِنَ الشَّيْءِ دَبَّتْ إلَيْها كَراهِيَتُهُ دَبِيبًا حَتّى تَتَمَكَّنَ مِنها الكَراهِيَةُ، ولا خَطَرَ عَلى النَّفْسِ مِثْلُ أنْ تَكْرَهَ الخَيْرَ.

و”كُسالى“ حالٌ لازِمَةٌ مِن ضَمِيرِ ”قامُوا“، لِأنَّ قامُوا لا يَصْلُحُ أنْ يَقَعَ وحْدَهُ جَوابًا لـِ ”إذا“ الَّتِي شَرْطُها قامُوا، لِأنَّهُ لَوْ وقَعَ مُجَرَّدًا لَكانَ الجَوابُ عَيْنَ الشَّرْطِ، فَلَزِمَ ذِكْرُ الحالِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وقَوْلِ الأحْوَصِ الأنْصارِيِّ:

فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ ∗∗∗ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ

.

وجُمْلَةُ ﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِـ ”كُسالى“، أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ جَوابِ مَن يَسْألُ: ماذا قَصْدُهم بِهَذا القِيامِ لِلصَّلاةِ وهَلّا تَرَكُوا هَذا القِيامَ مِن …

An-Nisaa 4:142Listen in Qur'an →
143

مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًۭا

Wavering between them, [belonging] neither to the believers nor to the disbelievers. And whoever Allah leaves astray - never will you find for him a way.

﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهْوَ خادِعُهم وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ .

صفحة ٢٣٩

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، فِيهِ زِيادَةُ بَيانٍ لِمَساوِيهِمْ. والمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ. وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ إنَّ لِتَحْقِيقِ حالَتِهِمُ العَجِيبَةِ وتَحْقِيقِ ما عَقَبَها مِن قَوْلِهِ ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ .

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى مُخادَعَةِ المُنافِقِينَ اللَّهَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩] .

وزادَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ أيْ فَقابَلَهم بِمِثْلِ صَنِيعِهِمْ، فَكَما كانَ فِعْلُهم مَعَ المُؤْمِنِينَ المُتَّبِعِينَ أمْرَ اللَّهِ ورَسُولِهِ خِداعًا لِلَّهِ تَعالى، كانَ إمْهالُ اللَّهِ لَهم في الدُّنْيا حَتّى اطْمَأنُّوا وحَسِبُوا أنَّ حِيلَتَهم وكَيْدَهم راجا عَلى المُسْلِمِينَ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ ناصِرَهم، وإنْذارُهُ المُؤْمِنِينَ بِكَيْدِهِمْ حَتّى لا تَنْطَلِيَ عَلَيْهِمْ حِيَلُهم، وتَقْدِيرُ أخْذِهِ إيّاهم بِأخَرَةٍ، شَبِيهًا بِفِعْلِ المُخادِعِ جَزاءً وِفاقًا. فَإطْلاقُ الخِداعِ عَلى اسْتِدْراجِ اللَّهِ إيّاهُمُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وحَسَّنَتْها المُشاكَلَةُ؛ لِأنَّ المُشاكَلَةَ لا تَعْدُو أنْ تَكُونَ اسْتِعارَةَ لَفْظٍ لِغَيْرِ مَعْناهُ مَعَ مَزِيدِ مُناسَبَةٍ مَعَ لَفْظٍ آخَرَ مِثْلِ اللَّفْظِ المُسْتَعارِ. فالمُشاكَلَةُ تَرْجِعُ إلى التَّمْلِيحِ، أيْ إذا لَمْ تَكُنْ لِإطْلاقِ اللَّفْظِ عَلى المَعْنى المُرادِ عَلاقَةٌ بَيْنَ مَعْنى اللَّفْظِ والمَعْنى المُرادِ إلّا مُحاكاةَ اللَّفْظِ، سُمِّيَتْ مُشاكَلَةٌ كَقَوْلِ أبِي الرَّقَعْمَقِ.

قالُوا: اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ قُلْتُ: أطْبِخُوا لِي جُبَّةً وقَمِيصا

و”كُسالى“ جَمْعُ كَسْلانَ عَلى وزْنِ فُعالى، والكَسْلانُ المُتَّصِفُ بِالكَسَلِ، وهو الفُتُورُ في الأفْعالِ لِسَآمَةٍ أوْ كَراهِيَةٍ. والكَسَلُ في الصَّلاةِ مُؤْذِنٌ بِقِلَّةِ اكْتِراثِ المُصَلِّي بِها وزُهْدِهِ في فِعْلِها، فَلِذَلِكَ كانَ مِن شِيَمِ المُنافِقِينَ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ حَذَّرَتِ الشَّرِيعَةُ مِن تَجاوُزِ حَدِّ النَّشاطِ في العِبادَةِ خَشْيَةَ السَّآمَةِ، فَفي الحَدِيثِ «عَلَيْكم مِنَ الأعْمالِ بِما تُطِيقُونَ فَإنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا» .

ونَهى عَنِ الصَّلاةِ والإنْسانُ يُرِيدُ حاجَتَهُ، وعَنِ الصَّلاةِ عِنْدَ حُضُورِ الطَّعامِ، كُلُّ ذَلِكَ لِيَكُونَ إقْبالُ المُؤْمِنِ عَلى الصَّلاةِ بِشَرَهٍ وعَزْمٍ، لِأنَّ

صفحة ٢٤٠

النَّفْسَ إذا تَطَرَّقَتْها السَّآمَةُ مِنَ الشَّيْءِ دَبَّتْ إلَيْها كَراهِيَتُهُ دَبِيبًا حَتّى تَتَمَكَّنَ مِنها الكَراهِيَةُ، ولا خَطَرَ عَلى النَّفْسِ مِثْلُ أنْ تَكْرَهَ الخَيْرَ.

و”كُسالى“ حالٌ لازِمَةٌ مِن ضَمِيرِ ”قامُوا“، لِأنَّ قامُوا لا يَصْلُحُ أنْ يَقَعَ وحْدَهُ جَوابًا لـِ ”إذا“ الَّتِي شَرْطُها قامُوا، لِأنَّهُ لَوْ وقَعَ مُجَرَّدًا لَكانَ الجَوابُ عَيْنَ الشَّرْطِ، فَلَزِمَ ذِكْرُ الحالِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وقَوْلِ الأحْوَصِ الأنْصارِيِّ:

فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ ∗∗∗ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ

.

وجُمْلَةُ ﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِـ ”كُسالى“، أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ جَوابِ مَن يَسْألُ: ماذا قَصْدُهم بِهَذا القِيامِ لِلصَّلاةِ وهَلّا تَرَكُوا هَذا القِيامَ مِن …

An-Nisaa 4:143Listen in Qur'an →
144

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًا

O you who have believed, do not take the disbelievers as allies instead of the believers. Do you wish to give Allah against yourselves a clear case?

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ .

أقْبَلَ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالتَّحْذِيرِ مِن مُوالاةِ الكافِرِينَ بَعْدَ أنْ شَرَحَ دَخائِلَهم واسْتِصْناعَهم لِلْمُنافِقِينَ لِقَصْدِ أذى المُسْلِمِينَ، فَعَلِمَ السّامِعُ أنَّهُ لَوْلا عَداوَةُ الكافِرِينَ لِهَذا الدِّينِ لَما كانَ النِّفاقُ، وما كانَتْ تَصارِيفُ المُنافِقِينَ، فَقالَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾، فَهي اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، لِأنَّها تَوْجِيهُ خِطابٍ بَعْدَ الِانْتِهاءِ مِنَ الإخْبارِ عَنِ المُنافِقِينَ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ. وهَذِهِ آيَةٌ جامِعَةٌ لِلتَّحْذِيرِ مِن مُوالاةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، ومِنَ الوُقُوعِ في النِّفاقِ، لِأنَّ المُنافِقِينَ تَظاهَرُوا بِالإيمانِ ووالَوُا الكافِرِينَ. فالتَّحْذِيرُ مِن مُوالاةِ الكافِرِينَ تَحْذِيرٌ مِنَ الِاسْتِشْعارِ بِشِعارِ النِّفاقِ، وتَحْذِيرٌ مِن مُوالاةِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ هم أوْلِياءُ الكافِرِينَ. وتَشْهِيرٌ بِنِفاقِ المُنافِقِينَ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَقُولُوا: كُنّا نَجْهَلُ أنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مُوالاةَ الكافِرِينَ.

صفحة ٢٤٣

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالكافِرِينَ هُنا مُشْرِكُو مَكَّةَ وأهْلُ الكِتابِ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا في الأكْثَرِ مُوالِينَ لِأهْلِ الكِتابِ.

وقَوْلُهُ ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِمّا يَبْعَثُ النّاسَ عَلى مَعْرِفَةِ جَزاءِ هَذا الفِعْلِ مَعَ ما ذَكَرْناهُ مِن قَصْدِ التَّشْهِيرِ بِالمُنافِقِينَ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ، أيْ أنَّكم إنِ اسْتَمْرَرْتُمْ عَلى مُوالاةِ الكافِرِينَ جَعَلْتُمْ لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا، أيْ حُجَّةً واضِحَةً عَلى فَسادِ إيمانِكم، فَهَذا تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ.

فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّحْذِيرِ والإنْذارِ مَجازًا مُرْسَلًا.

وهَذا السُّلْطانُ هو حُجَّةُ الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ فَتَجْرِي عَلَيْهِمْ أحْكامُ الكُفْرِ، لِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِما في نُفُوسِهِمْ لا يَحْتاجُ إلى حُجَّةٍ عَلَيْهِمْ، أوْ أُرِيدَ حُجَّةُ افْتِضاحِهِمْ يَوْمَ الحِسابِ بِمُوالاةِ الكافِرِينَ، كَقَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] . ومِن هُنا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحُجَّةِ قَطْعَ حُجَّةِ مَن يَرْتَكِبُ هَذِهِ المُوالاةَ والإعْذارَ إلَيْهِ.

An-Nisaa 4:144Listen in Qur'an →
145

إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا

Indeed, the hypocrites will be in the lowest depths of the Fire - and never will you find for them a helper -

﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .

عَقَّبَ التَّعْرِيضَ بِالمُنافِقِينَ مِن قَوْلِهِ ﴿لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ [النساء: ١٤٤] كَما تَقَدَّمَ بِالتَّصْرِيحِ بِأنَّ المُنافِقِينَ أشَدُّ أهْلِ النّارِ عَذابًا. فَإنَّ الِانْتِقالَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ إلى ذِكْرِ حالِ المُنافِقِينَ يُؤْذِنُ بِأنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مَعْدُودُونَ مِنَ المُنافِقِينَ، فَإنَّ لِانْتِقالاتِ جُمَلِ الكَلامِ مَعانِيَ لا يُفِيدُها الكَلامُ لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِن تَرْتِيبِ الخَواطِرِ في الفِكْرِ.

صفحة ٢٤٤

وجُمْلَةُ إنَّ المُنافِقِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، ثانِيًا إذْ هي عَوْدٌ إلى أحْوالِ المُنافِقِينَ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ ”إنَّ“ لِإفادَةِ أنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنْهُ.

والدَّرَكُ: اسْمُ جَمْعِ ”دَرَكَةٍ“، ضِدُّ الدَّرَجِ اسْمُ جَمْعِ دَرَجَةٍ. والدَّرَكَةُ المَنزِلَةُ في الهُبُوطِ. فالشَّيْءُ الَّذِي يُقْصَدُ أسْفَلُهُ تَكُونُ مُنازِلُ التَّدَلِّي إلَيْهِ دَرَكاتٍ، والشَّيْءُ الَّذِي يُقْصَدُ أعْلاهُ تَكُونُ مَنازِلُ الرُّقِيِّ إلَيْهِ دَرَجاتٍ، وقَدْ يُطْلَقُ الِاسْمانِ عَلى المَنزِلَةِ الواحِدَةِ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، وإنَّما كانَ المُنافِقُونَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ، أيْ في أذَلِّ مَنازِلِ العَذابِ، لِأنَّ كُفْرَهم أسْوَأُ الكُفْرِ لِما حَفَّ بِهِ مِنَ الرَّذائِلِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: (في الدَّرَكِ) بِفَتْحِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ جَمْعِ ”دَرَكَةٍ“ ضِدِّ الدَّرَجَةِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِسُكُونِ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ. وفَتْحُ الرّاءِ هو الأصْلُ، وهو أشْهَرُ.

والخِطابُ في ﴿ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ لِكُلِّ مَن يَصِحُّ مِنهُ سَماعُ الخِطابِ، وهو تَأْكِيدٌ لِلْوَعِيدِ، وقَطْعٌ لِرَجائِهِمْ، لِأنَّ العَرَبَ ألِفُوا الشَّفاعاتِ والنَّجَداتِ في المَضائِقِ. فَلِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ تَذْيِيلُ الوَعِيدِ بِقَطْعِ الطَّمَعِ في النَّصِيرِ والفِداءِ ونَحْوِهِما.

واسْتَثْنى مِن هَذا الوَعِيدِ مَن آمَنَ مِنَ المُنافِقِينَ، وأصْلَحَ حالَهُ، واعْتَصَمَ بِاللَّهِ دُونَ الِاعْتِزازِ بِالكافِرِينَ، وأخْلَصَ دِينَهُ لِلَّهِ، فَلَمْ يَشُبْهُ بِتَرَدُّدٍ ولا تَرَبَّصَ بِانْتِظارِ مَن يَنْتَصِرُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ: المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، فَأخْبَرَ أنَّ مَن صارَتْ حالُهُ إلى هَذا الخَيْرِ فَهو مَعَ المُؤْمِنِينَ وفي لَفْظِ ”مَعَ“ إيماءٌ إلى فَضِيلَةِ مَن آمَنَ مِن أوَّلِ الأمْرِ ولَمْ يَصِمْ نَفْسَهُ بِالنِّفاقِ لِأنَّ ”مَعَ“ تَدَخُلُ عَلى المَتْبُوعِ وهو الأفْضَلُ.

وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تابُوا، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما سَيَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ.

وقَدْ عَلِمَ النّاسُ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما تَكَرَّرَ في القُرْآنِ، ولَكِنْ زادَهُ هُنا تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ . وحَرْفُ التَّنْفِيسِ هُنا دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الأجْرِ أجْرُ الدُّنْيا وهو النَّصْرُ وحُسْنُ العاقِبَةِ وأجْرُ الآخِرَةِ، إذِ الكُلُّ مُسْتَقْبَلٌ، وأنْ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الثَّوابَ لِأنَّهُ حَصَلَ مِن قَبْلُ.

An-Nisaa 4:145Listen in Qur'an →
146

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُوا۟ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Except for those who repent, correct themselves, hold fast to Allah, and are sincere in their religion for Allah, for those will be with the believers. And Allah is going to give the believers a great reward.

﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .

عَقَّبَ التَّعْرِيضَ بِالمُنافِقِينَ مِن قَوْلِهِ ﴿لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ [النساء: ١٤٤] كَما تَقَدَّمَ بِالتَّصْرِيحِ بِأنَّ المُنافِقِينَ أشَدُّ أهْلِ النّارِ عَذابًا. فَإنَّ الِانْتِقالَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ إلى ذِكْرِ حالِ المُنافِقِينَ يُؤْذِنُ بِأنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مَعْدُودُونَ مِنَ المُنافِقِينَ، فَإنَّ لِانْتِقالاتِ جُمَلِ الكَلامِ مَعانِيَ لا يُفِيدُها الكَلامُ لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِن تَرْتِيبِ الخَواطِرِ في الفِكْرِ.

صفحة ٢٤٤

وجُمْلَةُ إنَّ المُنافِقِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، ثانِيًا إذْ هي عَوْدٌ إلى أحْوالِ المُنافِقِينَ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ ”إنَّ“ لِإفادَةِ أنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنْهُ.

والدَّرَكُ: اسْمُ جَمْعِ ”دَرَكَةٍ“، ضِدُّ الدَّرَجِ اسْمُ جَمْعِ دَرَجَةٍ. والدَّرَكَةُ المَنزِلَةُ في الهُبُوطِ. فالشَّيْءُ الَّذِي يُقْصَدُ أسْفَلُهُ تَكُونُ مُنازِلُ التَّدَلِّي إلَيْهِ دَرَكاتٍ، والشَّيْءُ الَّذِي يُقْصَدُ أعْلاهُ تَكُونُ مَنازِلُ الرُّقِيِّ إلَيْهِ دَرَجاتٍ، وقَدْ يُطْلَقُ الِاسْمانِ عَلى المَنزِلَةِ الواحِدَةِ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، وإنَّما كانَ المُنافِقُونَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ، أيْ في أذَلِّ مَنازِلِ العَذابِ، لِأنَّ كُفْرَهم أسْوَأُ الكُفْرِ لِما حَفَّ بِهِ مِنَ الرَّذائِلِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: (في الدَّرَكِ) بِفَتْحِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ جَمْعِ ”دَرَكَةٍ“ ضِدِّ الدَّرَجَةِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِسُكُونِ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ. وفَتْحُ الرّاءِ هو الأصْلُ، وهو أشْهَرُ.

والخِطابُ في ﴿ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ لِكُلِّ مَن يَصِحُّ مِنهُ سَماعُ الخِطابِ، وهو تَأْكِيدٌ لِلْوَعِيدِ، وقَطْعٌ لِرَجائِهِمْ، لِأنَّ العَرَبَ ألِفُوا الشَّفاعاتِ والنَّجَداتِ في المَضائِقِ. فَلِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ تَذْيِيلُ الوَعِيدِ بِقَطْعِ الطَّمَعِ في النَّصِيرِ والفِداءِ ونَحْوِهِما.

واسْتَثْنى مِن هَذا الوَعِيدِ مَن آمَنَ مِنَ المُنافِقِينَ، وأصْلَحَ حالَهُ، واعْتَصَمَ بِاللَّهِ دُونَ الِاعْتِزازِ بِالكافِرِينَ، وأخْلَصَ دِينَهُ لِلَّهِ، فَلَمْ يَشُبْهُ بِتَرَدُّدٍ ولا تَرَبَّصَ بِانْتِظارِ مَن يَنْتَصِرُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ: المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، فَأخْبَرَ أنَّ مَن صارَتْ حالُهُ إلى هَذا الخَيْرِ فَهو مَعَ المُؤْمِنِينَ وفي لَفْظِ ”مَعَ“ إيماءٌ إلى فَضِيلَةِ مَن آمَنَ مِن أوَّلِ الأمْرِ ولَمْ يَصِمْ نَفْسَهُ بِالنِّفاقِ لِأنَّ ”مَعَ“ تَدَخُلُ عَلى المَتْبُوعِ وهو الأفْضَلُ.

وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تابُوا، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما سَيَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ.

وقَدْ عَلِمَ النّاسُ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما تَكَرَّرَ في القُرْآنِ، ولَكِنْ زادَهُ هُنا تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ . وحَرْفُ التَّنْفِيسِ هُنا دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الأجْرِ أجْرُ الدُّنْيا وهو النَّصْرُ وحُسْنُ العاقِبَةِ وأجْرُ الآخِرَةِ، إذِ الكُلُّ مُسْتَقْبَلٌ، وأنْ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الثَّوابَ لِأنَّهُ حَصَلَ مِن قَبْلُ.

An-Nisaa 4:146Listen in Qur'an →
147

مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًۭا

What would Allah do with your punishment if you are grateful and believe? And ever is Allah Appreciative and Knowing.

صفحة ٢٤٥

﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ .

تَذْيِيلٌ لِكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ: جُمْلَةِ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] مَعَ الجُمْلَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِاسْتِثْناءِ مَن يَتُوبُ مِنهم ويُؤْمِنُ، وما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ مِن قَوْلِهِ ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٦] .

والخِطابُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ جَمِيعُ الأُمَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُوَجَّهَ إلى المُنافِقِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ ارْتِفاقًا بِهِمْ.

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ﴾ أُرِيدَ بِهِ الجَوابُ بِالنَّفْيِ فَهو إنْكارِيٌّ، أيْ لا يَفْعَلُ بِعَذابِكم شَيْئًا.

ومَعْنى يَفْعَلُ يَصْنَعُ ويَنْتَفِعُ، بِدَلِيلِ تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ. والمَعْنى أنَّ الوَعِيدَ الَّذِي تُوُعِّدَ بِهِ المُنافِقُونَ إنَّما هو عَلى الكُفْرِ والنِّفاقِ، فَإذا تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ غَفَرَ لَهُمُ العَذابَ، فَلا يَحْسَبُوا أنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهم لِكَراهَةٍ في ذاتِهِمْ أوْ تَشَفٍّ مِنهم، ولَكِنَّهُ جَزاءُ السُّوءِ، لِأنَّ الحَكِيمَ يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها، فَيُجازِي عَلى الإحْسانِ بِالإحْسانِ، وعَلى الإساءَةِ بِالإساءَةِ، فَإذا أقْلَعَ المُسِيءُ عَنِ الإساءَةِ أبْطَلَ اللَّهُ جَزاءَهُ بِالسُّوءِ، إذْ لا يَنْتَفِعُ بِعَذابٍ ولا بِثَوابٍ، ولَكِنَّها المُسَبِّباتُ تَجْرِي عَلى الأسْبابِ. وإذا كانَ المُؤْمِنُونَ قَدْ ثَبَتُوا عَلى إيمانِهِمْ وشُكْرِهِمْ، وتَجَنَّبُوا مُوالاةَ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ، فاللَّهُ لا يُعَذِّبُهم، إذْ لا مُوجِبَ لِعَذابِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ، وهو إعْلامٌ بِأنَّ اللَّهَ لا يُعَطِّلُ الجَزاءَ الحَسَنَ عَنِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ويَشْكُرُونَ نِعَمَهُ الجَمَّةَ، والإيمانُ بِاللَّهِ وصِفاتِهِ أوَّلُ دَرَجاتِ شُكْرِ العَبْدِ رَبَّهُ.

An-Nisaa 4:147Listen in Qur'an →
148

۞ لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا

Allah does not like the public mention of evil except by one who has been wronged. And ever is Allah Hearing and Knowing.

صفحة ٥

﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ .

مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الآيِ الَّتِي قَبْلَها: أنَّ اللَّهَ لَمّا شَوَّهَ حالَ المُنافِقِينَ وشَهَّرَ بِفَضائِحِهِمْ تَشْهِيرًا طَوِيلًا، كانَ الكَلامُ السّابِقُ بِحَيْثُ يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ نُفُورًا مِنَ النِّفاقِ وأحْوالِهِ، وبُغْضًا لِلْمَلْمُوزِينَ بِهِ، وخاصَّةً بَعْدَ أنْ وصَفَهم بِاتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِالقُرْآنِ، ونَهى المُسْلِمِينَ عَنِ القُعُودِ مَعَهم، فَحَذَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِن أنْ يَغِيظَهم ذَلِكَ عَلى مَن يَتَوَسَّمُونَ فِيهِ النِّفاقَ، فَيُجاهِرُوهم بِقَوْلِ السُّوءِ، ورَخَّصَ لِمَن ظُلِمَ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَجْهَرَ لِظالِمِهِ بِالسُّوءِ، لِأنَّ ذَلِكَ دِفاعٌ عَنْ نَفْسِهِ. رَوى البُخارِيُّ: «أنَّ رِجالًا اجْتَمَعُوا في بَيْتِ عِتْبانَ بْنِ مالِكٍ لِطَعامٍ صَنَعَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ قائِلٌ: أيْنَ مالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ، فَقالَ بَعْضُهم، ذَلِكَ مُنافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: لا تَقُلْ ذَلِكَ ألا تَراهُ قَدْ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ. فَقالَ: فَإنّا نَرى وجْهَهُ ونَصِيحَتَهُ إلى المُنافِقِينَ» . الحَدِيثَ. فَظَنَّ هَذا القائِلُ بِمالِكٍ أنَّهُ مُنافِقٌ، لِمُلازَمَتِهِ لِلْمُنافِقِينَ، فَوَصَفَهُ بِأنَّهُ مُنافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ. فَلَعَلَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ لِلصَّدِّ عَنِ المُجازَفَةِ بِظَنِّ النِّفاقِ بِمَن لَيْسَ مُنافِقًا. وأيْضًا لَمّا كانَ مِن أخَصِّ أوْصافِ المُنافِقِينَ إظْهارُ خِلافِ ما يُبْطِنُونَ فَقَدْ ذُكِرَتْ نَجْواهم وذُكِرَ رِياؤُهم في هَذِهِ السُّورَةِ وذُكِرَتْ أشْياءُ كَثِيرَةٌ مِن إظْهارِهِمْ خِلافَ ما يُبْطِنُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ كانَ ذَلِكَ يُثِيرُ في النُّفُوسِ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ إظْهارُ خِلافِ ما في الباطِنِ نِفاقًا، فَأرادَ اللَّهُ تَبَيُّنَ الفارِقِ بَيْنَ الحالَيْنِ.

وجُمْلَةُ (لا يُحِبُّ) مَفْصُولَةٌ لِأنَّها اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِهَذا الغَرَضِ الَّذِي بَيَّنّاهُ: (﴿الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾)، وقَدْ عَلِمَ المُسْلِمُونَ أنَّ المَحَبَّةَ والكَراهِيَةَ

صفحة ٦

تَسْتَحِيلُ حَقِيقَتِهِما عَلى اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهُما انْفِعالانِ لِلنَّفْسِ نَحْوَ اسْتِحْسانِ الحَسَنِ، واسْتِنْكارِ القَبِيحِ، فالمُرادُ لازِمُهُما المُناسِبُ لِلْإلَهِيَّةِ، وهُما الرِّضا والغَضَبُ. وصِيغَةُ (لا يُحِبُّ) بِحَسَبِ قَواعِدِ الأُصُولِ، صِيغَةُ نَفْيِ الإذْنِ، والأصْلُ فِيهِ التَّحْرِيمُ، وهَذا المُرادُ هُنا لِأنَّ (لا يُحِبُّ) يُفِيدُ مَعْنى يَكْرَهُ، وهو يَرْجِعُ إلى مَعْنى النَّهْيِ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ يَرْضى لَكم ثَلاثًا ويَكْرَهُ لَكم ثَلاثًا - إلى قَوْلِهِ - ويَكْرَهُ لَكم قِيلَ وقالَ وكَثْرَةَ السُّؤالِ وإضاعَةَ المالِ» . فَهَذِهِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ أكْثَرُ أحْوالِها مُحَرَّمٌ أوْ مَكْرُوهٌ.

والمُرادُ بِالجَهْرِ ما يَبْلُغُ إلى أسْماعِ النّاسِ إذْ لَيْسَ السِّرُّ بِالقَوْلِ في نَفْسِ النّاطِقِ مِمّا يَنْشَأُ عَنْهُ ضُرٌّ. وتَقْيِيدُهُ بِالقَوْلِ لِأنَّهُ أضْعَفُ أنْواعِ الأذى فَيُعْلَمُ أنَّ السُّوءَ مِنَ الفِعْلِ أشَدُّ تَحْرِيمًا.

واسْتَثْنى (مَن ظُلِمَ) فَرَخَّصَ لَهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ. والمُسْتَثْنى مِنهُ هو فاعِلُ المَصْدَرِ …

An-Nisaa 4:148Listen in Qur'an →
149

إِن تُبْدُوا۟ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا۟ عَن سُوٓءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّۭا قَدِيرًا

If [instead] you show [some] good or conceal it or pardon an offense - indeed, Allah is ever Pardoning and Competent.

صفحة ٥

﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ .

مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الآيِ الَّتِي قَبْلَها: أنَّ اللَّهَ لَمّا شَوَّهَ حالَ المُنافِقِينَ وشَهَّرَ بِفَضائِحِهِمْ تَشْهِيرًا طَوِيلًا، كانَ الكَلامُ السّابِقُ بِحَيْثُ يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ نُفُورًا مِنَ النِّفاقِ وأحْوالِهِ، وبُغْضًا لِلْمَلْمُوزِينَ بِهِ، وخاصَّةً بَعْدَ أنْ وصَفَهم بِاتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِالقُرْآنِ، ونَهى المُسْلِمِينَ عَنِ القُعُودِ مَعَهم، فَحَذَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِن أنْ يَغِيظَهم ذَلِكَ عَلى مَن يَتَوَسَّمُونَ فِيهِ النِّفاقَ، فَيُجاهِرُوهم بِقَوْلِ السُّوءِ، ورَخَّصَ لِمَن ظُلِمَ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَجْهَرَ لِظالِمِهِ بِالسُّوءِ، لِأنَّ ذَلِكَ دِفاعٌ عَنْ نَفْسِهِ. رَوى البُخارِيُّ: «أنَّ رِجالًا اجْتَمَعُوا في بَيْتِ عِتْبانَ بْنِ مالِكٍ لِطَعامٍ صَنَعَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ قائِلٌ: أيْنَ مالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ، فَقالَ بَعْضُهم، ذَلِكَ مُنافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: لا تَقُلْ ذَلِكَ ألا تَراهُ قَدْ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ. فَقالَ: فَإنّا نَرى وجْهَهُ ونَصِيحَتَهُ إلى المُنافِقِينَ» . الحَدِيثَ. فَظَنَّ هَذا القائِلُ بِمالِكٍ أنَّهُ مُنافِقٌ، لِمُلازَمَتِهِ لِلْمُنافِقِينَ، فَوَصَفَهُ بِأنَّهُ مُنافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ. فَلَعَلَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ لِلصَّدِّ عَنِ المُجازَفَةِ بِظَنِّ النِّفاقِ بِمَن لَيْسَ مُنافِقًا. وأيْضًا لَمّا كانَ مِن أخَصِّ أوْصافِ المُنافِقِينَ إظْهارُ خِلافِ ما يُبْطِنُونَ فَقَدْ ذُكِرَتْ نَجْواهم وذُكِرَ رِياؤُهم في هَذِهِ السُّورَةِ وذُكِرَتْ أشْياءُ كَثِيرَةٌ مِن إظْهارِهِمْ خِلافَ ما يُبْطِنُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ كانَ ذَلِكَ يُثِيرُ في النُّفُوسِ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ إظْهارُ خِلافِ ما في الباطِنِ نِفاقًا، فَأرادَ اللَّهُ تَبَيُّنَ الفارِقِ بَيْنَ الحالَيْنِ.

وجُمْلَةُ (لا يُحِبُّ) مَفْصُولَةٌ لِأنَّها اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِهَذا الغَرَضِ الَّذِي بَيَّنّاهُ: (﴿الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾)، وقَدْ عَلِمَ المُسْلِمُونَ أنَّ المَحَبَّةَ والكَراهِيَةَ

صفحة ٦

تَسْتَحِيلُ حَقِيقَتِهِما عَلى اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهُما انْفِعالانِ لِلنَّفْسِ نَحْوَ اسْتِحْسانِ الحَسَنِ، واسْتِنْكارِ القَبِيحِ، فالمُرادُ لازِمُهُما المُناسِبُ لِلْإلَهِيَّةِ، وهُما الرِّضا والغَضَبُ. وصِيغَةُ (لا يُحِبُّ) بِحَسَبِ قَواعِدِ الأُصُولِ، صِيغَةُ نَفْيِ الإذْنِ، والأصْلُ فِيهِ التَّحْرِيمُ، وهَذا المُرادُ هُنا لِأنَّ (لا يُحِبُّ) يُفِيدُ مَعْنى يَكْرَهُ، وهو يَرْجِعُ إلى مَعْنى النَّهْيِ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ يَرْضى لَكم ثَلاثًا ويَكْرَهُ لَكم ثَلاثًا - إلى قَوْلِهِ - ويَكْرَهُ لَكم قِيلَ وقالَ وكَثْرَةَ السُّؤالِ وإضاعَةَ المالِ» . فَهَذِهِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ أكْثَرُ أحْوالِها مُحَرَّمٌ أوْ مَكْرُوهٌ.

والمُرادُ بِالجَهْرِ ما يَبْلُغُ إلى أسْماعِ النّاسِ إذْ لَيْسَ السِّرُّ بِالقَوْلِ في نَفْسِ النّاطِقِ مِمّا يَنْشَأُ عَنْهُ ضُرٌّ. وتَقْيِيدُهُ بِالقَوْلِ لِأنَّهُ أضْعَفُ أنْواعِ الأذى فَيُعْلَمُ أنَّ السُّوءَ مِنَ الفِعْلِ أشَدُّ تَحْرِيمًا.

واسْتَثْنى (مَن ظُلِمَ) فَرَخَّصَ لَهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ. والمُسْتَثْنى مِنهُ هو فاعِلُ المَصْدَرِ …

An-Nisaa 4:149Listen in Qur'an →
150

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍۢ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍۢ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا۟ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا

Indeed, those who disbelieve in Allah and His messengers and wish to discriminate between Allah and His messengers and say, "We believe in some and disbelieve in others," and wish to adopt a way in between -

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا لِلْكَفَرَيْنِ عَذابًا مُهِينًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ نُؤْتِيهِمُ أُجُورَهم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .

عادَةُ القُرْآنِ عِنْدَ التَّعَرُّضِ إلى أحْوالِ مَن أظْهَرُوا النِّواءَ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَنْتَقِلَ مِن صِفاتِ المُنافِقِينَ، أوْ أهْلِ الكِتابِ، أوِ المُشْرِكِينَ إلى صِفاتِ الآخَرِينَ، فالمُرادُ مِنَ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ هُنا هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ. والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِهِ اليَهُودُ خاصَّةً لِأنَّهُمُ المُخْتَلِطُونَ بِالمُسْلِمِينَ والمُنافِقِينَ، وكانَ كَثِيرٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَهُودًا وعَبَّرَ عَنْهم بِطَرِيقِ المَوْصُولِ دُونَ الِاسْمِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ الخَبَرِ، ومِن شَناعَةِ صَنِيعِهِمْ لِيُناسِبَ الإخْبارَ عَنْهم بِاسْمِ الإشارَةِ بَعْدَ ذَلِكَ.

وجَمَعَ الرُّسُلَ لِأنَّ اليَهُودَ كَفَرُوا بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، والنَّصارى كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَجَمَعَ الرُّسُلَ بِاعْتِبارِ مَجْمُوعِ الكُفّارِ، أوْ أرادَ بِالجَمْعِ الِاثْنَيْنِ، أوْ أرادَ بِالإضافَةِ مَعْنى الجِنْسِ فاسْتَوى فِيهِ صِيغَةُ الإفْرادِ والجَمْعِ، لِأنَّ المَقْصُودَ ذَمُّ مَن هَذِهِ صِفَتُهم بِدُونِ تَعْيِينِ فَرِيقٍ، وطَرِيقَةُ العَرَبِ في مِثْلِ هَذا أنْ يُعَبِّرُوا بِصِيَغِ الجُمُوعِ وإنْ كانَ المُعَرَّضُ بِهِ واحِدًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ [النساء: ٥٤] وقَوْلِهِ (﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧])

صفحة ٩

(﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيئُونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]) وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «ما بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا» .

وجِيءَ بِالمُضارِعِ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا أمْرٌ مُتَجَدِّدٌ فِيهِمْ مُسْتَمِرٌّ، لِأنَّهم لَوْ كَفَرُوا في الماضِي ثُمَّ رَجَعُوا لَما كانُوا أحْرِياءَ بِالذَّمِّ.

ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ: أنَّهم لَمّا آمَنُوا بِهِ ووَصَفُوهُ بِصِفاتٍ غَيْرِ صِفاتِهِ مِنَ التَّجْسِيمِ واتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ والحُلُولِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَقَدْ آمَنُوا بِالِاسْمِ لا بِالمُسَمّى، وهم في الحَقِيقَةِ كَفَرُوا بِالمُسَمّى، كَما إذا كانَ أحَدٌ يَظُنُّ أنَّهُ يَعْرِفُ فُلانًا فَقُلْتَ لَهُ: صِفْهُ لِي، فَوَصَفَهُ بِغَيْرِ صِفاتِهِ، تَقُولُ لَهُ: أنْتَ لا تَعْرِفُهُ، عَلى أنَّهم لَمّا كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَ بِهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ عَنْ مُماثَلَةِ الحَوادِثِ، فَقَدْ كَفَرُوا بِإلَهِيَّتِهِ الحَقَّةِ؛ إذْ مِنهم مَن جَسَّمَ ومِنهم مَن ثَلَّثَ.

ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أنَّهم يُحاوِلُونَ ذَلِكَ فَأُطْلِقَتِ الإرادَةُ عَلى المُحاوَلَةِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ أمْرٌ صَعْبُ المَنالِ، وأنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا ما أرادُوا مِن ذَلِكَ، لِأنَّهم لَمْ يَزالُوا يُحاوِلُونَهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ ويُرِيدُونَ ولَوْ بَلَغُوا إلَيْهِ لَقالَ: وفَرَّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ.

ومَعْنى التَّفْرِيقِ بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ أنَّهم يُنْكِرُونَ صِدْقَ بَعْضِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ، ويَعْتَرِفُونَ بِصِدْقِ بَعْضِ …

An-Nisaa 4:150Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.