ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَٰفِرِينَ نَصِيبٌۭ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا
Those who wait [and watch] you. Then if you gain a victory from Allah, they say, "Were we not with you?" But if the disbelievers have a success, they say [to them], "Did we not gain the advantage over you, but we protected you from the believers?" Allah will judge between [all of] you on the Day of Resurrection, and never will Allah give the disbelievers over the believers a way [to overcome them].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أوْجُهٌ لِلْعُلَماءِ:
مِنها: أنَّ المَعْنى ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ سَبِيلًا، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٤١]، وهو ظاهِرٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبِهِ قالَ جَمِيعُ أهْلِ التَّأْوِيلِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ، وضَعَّفَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ زاعِمًا أنَّ آخِرَ الآيَةِ غَيْرُ مَرْدُودٍ إلى أوَّلِها.
وَمِنها: أنَّ المُرادَ بِأنَّهُ لا يَجْعَلُ لَهم عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا، يَمْحُو بِهِ دَوْلَةَ المُسْلِمِينَ ويَسْتَأْصِلُهم ويَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهم، كَما ثَبَتَ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ وغَيْرِهِ عَنْهُ ﷺ مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ، أنَّهُ قالَ: «وَإنِّي سَألْتُ رَبِّي ألّا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ بِعامَّةٍ وألّا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن سِوى أنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهم، وإنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطانِي لِأُمَّتِي ذَلِكَ حَتّى يَكُونَ بَعْضُهم يُهْلِكُ بَعْضًا، ويَسْبِي بَعْضُهم بَعْضًا»، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ [غافر: ٥١]، وقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَمِنها: أنَّ المَعْنى أنَّهُ لا يَجْعَلُ لَهم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا إلّا أنْ يَتَواصَوْا بِالباطِلِ ولا يَتَناهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، ويَتَقاعَدُوا عَنِ التَّوْبَةِ فَيَكُونُ تَسْلِيطُ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ مِن قِبَلِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] .
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا نَفِيسٌ جِدًّا وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى الأوَّلِ؛ لِأنَّهم مَنصُورُونَ لَوْ أطاعُوا، والبَلِيَّةُ جاءَتْهم مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ في الأمْرَيْنِ.
وَمِنها: أنَّهُ لا يَجْعَلُ لَهم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا شَرَعًا، فَإنْ وُجِدَ فَهو بِخِلافِ الشَّرْعِ.
وَمِنها: أنَّ المُرادَ بِالسَّبِيلِ الحُجَّةُ، أيْ: ولَنْ يَجْعَلَ لَهم عَلَيْهِمْ حُجَّةً، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]، وأخَذَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مَنعَ دَوامِ مِلْكِ الكافِرِ لِلْعَبْدِ المُسْلِمِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.