Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 141–150 of 176

141

ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَٰفِرِينَ نَصِيبٌۭ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا

Those who wait [and watch] you. Then if you gain a victory from Allah, they say, "Were we not with you?" But if the disbelievers have a success, they say [to them], "Did we not gain the advantage over you, but we protected you from the believers?" Allah will judge between [all of] you on the Day of Resurrection, and never will Allah give the disbelievers over the believers a way [to overcome them].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [١٤١]

﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ إمّا بَدَلٌ مِنَ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ﴾ [النساء: ١٣٩] وإمّا صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ، أيْ: يَنْتَظِرُونَ بِكم ما يَتَجَدَّدُ لَكم مِن ظَفَرٍ أوْ هَزِيمَةٍ.

﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: نَصْرٌ وتَأْيِيدٌ وظَفَرٌ وغَنِيمَةٌ ﴿قالُوا﴾ لَكُمْ: ﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أيْ: مُظاهِرِينَ لَكُمْ، فَلَنا دَخْلٌ في فَتْحِكُمْ، فَلْيَكُنْ لَنا شَرِكَةٌ في غَنِيمَتِكم ﴿وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ أيْ: إدالَةٌ عَلى المُؤْمِنِينَ في بَعْضِ الأحْيانِ - كَما وقَعَ يَوْمَ أُحُدٍ - فَإنَّ الرُّسُلَ تُبْتَلى ثُمَّ تَكُونُ لَها العاقِبَةُ ﴿قالُوا﴾ أيِ: الكَفَرَةُ؛ تَوَدُّدًا إلَيْهِمْ، ومُصانَعَةً لَهُمْ؛ لِيَحْظَوْا عِنْدَهم ويَأْمَنُوا كَيْدَهم لِضَعْفِ إيمانِهِمْ ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: ألَمْ نَغْلِبْكم ونَتَمَكَّنْ مِن قَتْلِكم وأسْرِكم فَأبْقَيْنا عَلَيْكم ﴿ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِأنْ ثَبَّطْناهم عَنْكُمْ، وتَوانَيْنا في مُظاهَرَتِهِمْ حَتّى انْتَصَرْتُمْ عَلَيْهِمْ، وإلّا لَكُنْتُمْ نُهْبَةً لِلنَّوائِبِ، وتَسْمِيَةُ (ظَفَرِ المُسْلِمِينَ) فَتْحًا و(ما لِلْكافِرِينَ) نَصِيبًا؛ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ المُسْلِمِينَ وتَخْسِيسِ حَظِّ الكافِرِينَ.

قالَ في "الِانْتِصافِ": وهَذا مِن مَحاسِنِ نُكَتِ القُرْآنِ، فَإنَّ الَّذِي كانَ يَتَّفِقُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ: اسْتِئْصالٌ لِشَأْفَةِ الكُفّارِ، واسْتِيلاءٌ عَلى أرْضِهِمْ ودِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ وأرْضٍ لَمْ يَطَؤُها، وأمّا ما كانَ يَتَّفِقُ لِلْكُفّارِ فَمِثْلُ الغَلَبَةِ والقُدْرَةِ الَّتِي لا يَبْلُغُ شَأْنُها أنْ تُسَمّى فَتْحًا، فالتَّفْرِيقُ بَيْنَهُما أيْضًا مُطابِقٌ لِلْواقِعِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

قالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ مَحَبَّةِ نُصْرَةِ المُؤْمِنِينَ وكَراهَةِ أنْ تَكُونَ اليَدُ عَلَيْهِمْ، وتَحْرِيمِ خِذْلانِهِمْ، وإنَّ المُنافِقَ لا سَهْمَ لَهُ؛ لِأنَّ في الآيَةِ إشارَةً إلى أنَّهم طَلَبُوا لَمّا مُنِعُوا، فَقالُوا: ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟ ثُمَّ قالَ: يَجُوزُ التَّأْلِيفُ مِنَ الغَنِيمَةِ لِلْمُنافِقِينَ، كَما فَعَلَ الرَّسُولُ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، حَتّى أعْطى الواحِدَ مِنهم مِائَةَ ناقَةٍ، والواحِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ الشّاةَ أوِ البَعِيرَ.

﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: حُكْمًا يَلِيقُ بِشَأْنِ كُلٍّ مِنكم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، أيْ: فَلا يَغْتَرُّ المُنافِقُونَ بِحَقْنِ دِمائِهِمْ في الدُّنْيا لِتَلَفُّظِهِمْ بِالشَّهادَةِ؛ لِما لَهُ تَعالى في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ، فَيَوْمَ القِيامَةِ لا يَنْفَعُهم ظَواهِرُهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ رَدٌّ عَلى المُنافِقِينَ فِيما أمَّلُوهُ ورَجَوْهُ وانْتَظَرُوهُ مِن زَوالِ دَوْلَةِ المُؤْمِنِينَ، وفِيما سَلَكُوهُ مِن مُصانَعَتِهِمُ الكافِرِينَ خَوْفًا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنهُمْ، إذا هم ظَهَرُوا عَلى المُؤْمِنِينَ فاسْتَأْصَلُوهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿نادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢] [المائِدَةِ: ٥٢] أيْ: لَنْ يُسَلِّطَ اللَّهُ الكافِرِينَ عَلى …

An-Nisaa 4:141Listen in Qur'an →
142

إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًۭا

Indeed, the hypocrites [think to] deceive Allah, but He is deceiving them. And when they stand for prayer, they stand lazily, showing [themselves to] the people and not remembering Allah except a little,

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهم وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ [١٤٢]

﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُ المُخادِعُ مِن إظْهارِ الإيمانِ وإبِطانِ الكُفْرِ، واللَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ ما يَفْعَلُ الغالِبُ في الخِداعِ، حَيْثُ تَرَكَهم مَعْصُومِي الدِّماءِ والأمْوالِ في الدُّنْيا، وأعَدَّ لَهُمُ الدَّرْكَ الأسْفَلَ مِنَ النّارِ في الآخِرَةِ.

﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ﴾ أيْ: أتَوْها ﴿قامُوا كُسالى﴾ أيْ: مُتَثاقِلِينَ كالمُكْرَهِ عَلى الفِعْلِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ صِفَةُ المُنافِقِينَ في أشْرَفِ الأعْمالِ وأفْضَلِها وخَيْرِها وهي الصَّلاةُ، إذا قامُوا إلَيْها قامُوا وهم كُسالى عَنْها؛ لِأنَّهم لا نِيَّةَ لَهم فِيها، ولا إيمانَ لَهم بِها ولا خَشْيَةَ، ولا يَعْقِلُونَ مَعْناها.

كَما رَوى ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُكْرَهُ أنْ يَقُومَ الرَّجُلُ إلى الصَّلاةِ وهو كَسْلانُ، ولَكِنْ يَقُومُ إلَيْها طَلْقَ الوَجْهِ، عَظِيمَ الرَّغْبَةِ، شَدِيدَ الفَرَحِ، فَإنَّهُ يُناجِي اللَّهَ، وإنَّ اللَّهَ تُجاهَهُ يَغْفِرُ لَهُ، ويُجِيبُهُ إذا دَعاهُ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ انْتَهى.

قالَ الحاكِمُ: وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مِن عَلاماتِ المُنافِقِ الكَسَلَ في الصَّلاةِ، والكَسَلُ: التَّثاقُلُ عَنِ الشَّيْءِ لِمَشَقَّتِهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ في صِفَةِ ظَواهِرِهِمْ كَما قالَ: ﴿ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلا وهم كُسالى﴾ [التوبة: ٥٤] [التَّوْبَةِ: ٥٤].

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى صِفَةَ بَواطِنِهِمُ الفاسِدَةِ ﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَقْصِدُونَ بِصَلاتِهِمُ الرِّياءَ والسُّمْعَةَ لِيَحْسَبُوهم مُؤْمِنِينَ، لا لِإخْلاصِ ومُطاوِعَةِ أمْرِ اللَّهِ، ولِهَذا يَتَخَلَّفُونَ كَثِيرًا عَنِ الصَّلاةِ الَّتِي لا يُرَوْنَ فِيها – غالبًا - كَصَلاةِ العِشاءِ في وقْتِ العَتَمَةِ، وصَلاةِ الصُّبُحِ في وقْتِ الغَلَسِ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ أثْقَلَ الصَّلاةِ عَلى المُنافِقِينَ العِشاءُ والفَجْرُ، ولَوْ يَعْلَمُونَ ما فِيهِما لَأتَوْهُما ولَوْ حَبْوًا، ولَقَدْ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَتُقامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنّاسِ، ثُمَّ أنْطَلِقَ مَعِي بِرِجالٍ مَعَهم حُزَمٌ مِن حَطَبٍ إلى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهم بِالنّارِ» وفي رِوايَةٍ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أحَدُهم أنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أوْ مِرْماتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ العِشاءَ، ولَوْلا ما في البُيُوتِ مِنَ النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ لَحَرَّقْتُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهم» .

ورَوى الحافِظُ وأبُو يَعْلى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أحْسَنَ الصَّلاةَ حَيْثُ يَراهُ النّاسُ، وأساءَها حَيْثُ يَخْلُو - فَتِلْكَ اسْتِهانَةٌ اسْتَهانَ بِها رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ» .

وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: مَعْناهُ ولا يُصَلُّونَ إلّا قَلِيلًا؛ لِأنَّهم إنَّما يُصَلُّونَ رِياءً ما دامَ مَن يَرْقُبُهُمْ، فَإذا خَلَوْا بِأنْفُسِهِمْ لَمْ يُصَلُّوا. وتَأْوِيلُ (الذِّكْرِ) بِالصَّلاةِ رُوِيَ في غَيْرِما آيَةٍ عَنِ السَّلَفِ.

الثّانِي: ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ في صَلاتِهِمْ إلّا قَلِيلًا؛ لِأنَّهم لا يَخْشَعُونَ ولا يَدْرُونَ ما يَقُولُونَ، بَلْ هم في صَلاتِهِمْ ساهُونَ لاهُونَ.

وقَدْ رَوى الإمامُ …

An-Nisaa 4:142Listen in Qur'an →
143

مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًۭا

Wavering between them, [belonging] neither to the believers nor to the disbelievers. And whoever Allah leaves astray - never will you find for him a way.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ [١٤٣]

﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ (يُراءُونَ) أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ و(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى الإيمانِ والكُفْرِ، المَدْلُولِ عَلَيْهِما بِمَعُونَةِ المَقامِ، أوْ إلى (المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ) فَيَكُونُ ما بَعْدَهُ تَفْسِيرًا لَهُ، أيْ: مُرَدَّدِينَ بَيْنَهُما مُتَحَيِّرِينَ قَدْ ذَبْذَبَهُمُ الشَّيْطانُ والهَوى، وحَقِيقَةُ المُذَبْذَبِ الَّذِي يُذَبُّ عَنْ كِلا الجانِبَيْنِ، أيْ: يُذادُ ويُدْفَعُ، فَلا يُقَرُّ في جانِبٍ واحِدٍ، إلّا أنَّ الذَّبْذَبَةَ فِيها تَكْرِيرٌ لَيْسَ في الذَّبِّ، كَأنَّ المَعْنى: كُلَّما مالَ إلى جانِبٍ ذُبَّ عَنْهُ.

﴿لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ أيْ: لا مُنْضَمِّينَ إلى المُؤْمِنِينَ ولا إلى الكافِرِينَ، لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ ولا مُشْرِكِينَ مُصَرِّحِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿لا إلى هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ.

﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ عَنْ دِينِهِ وحُجَّتِهِ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ أيْ: طَرِيقًا إلى الصَّوابِ والهُدى.

رَوى الشَّيْخانِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَثَلُ المُنافِقِ كَمَثَلِ الشّاةِ العائِرَةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ، تَعِيرُ إلى هَذِهِ مَرَّةً، وإلى هَذِهِ مَرَّةً» (العائِرَةُ المُتَحَيِّرَةُ المُتَرَدِّدَةُ لا تَدْرِي لِأيِّ الغَنْمَيْنِ تَتْبَعُ).

An-Nisaa 4:143Listen in Qur'an →
144

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًا

O you who have believed, do not take the disbelievers as allies instead of the believers. Do you wish to give Allah against yourselves a clear case?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ [١٤٤]

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ هَذا نَهْيٌ عَنْ مُوالاةِ الكَفَرَةِ، يَعْنِي مُصاحَبَتَهم ومُصادَقَتَهم ومُناصَحَتَهُمْ، وإسْرارَ المَوَدَّةِ إلَيْهِمْ، وإفْشاءَ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ الباطِنَةِ إلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] [آلِ عِمْرانَ: ٢٨]أيْ: يُحَذِّرُكم عُقُوبَتَهُ في ارْتِكابِكم نَهْيَهُ، ولِهَذا قالَ هَهُنا: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ أيْ: حُجَّةً عَلَيْكم في عِقابِكم بِمُوالاتِكم إيّاهُمْ، وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَحْرِيمِ مُوالاةِ المُؤْمِنِينَ لِلْكافِرِينَ.

قالَ الحاكِمُ: وهي المُوالاةُ في الدِّينِ والنُّصْرَةُ فِيهِ، لا المُخالَفَةُ والإحْسانُ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ صُوحانَ أنَّهُ قالَ لِابْنِ أخٍ لَهُ: خالِصِ المُؤْمِنَ وخالِقِ الكافِرَ والفاجِرَ، فَإنَّ الفاجِرَ يَرْضى مِنكَ بِالخُلُقِ الحَسَنِ، وأنَّهُ يَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تُخالِصَ المُؤْمِنَ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وتَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى الإرادَةِ دُونَ مُتَعَلِّقِها بِأنْ يُقالَ: (أتَجْعَلُونَ.... إلَخْ) لِلْمُبالَغَةِ في إنْكارِ ذَلِكَ، وتَهْوِيلِ أمْرِهِ بِبَيانِ أنَّهُ مِمّا لا يَصْدُرُ عَلى العاقِلِ إرادَتَهُ، فَضْلًا عَنْ صُدُورِ نَفْسِهِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٨] [البَقَرَةِ: ١٠٨].

لَطِيفَةٌ:

رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ سُلْطانٍ في القُرْآنِ حُجَّةٌ، وكَذا قالَ غَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ التّابِعِينَ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: هو مِنَ (السَّلِيطِ) وهو دُهْنُ الزَّيْتِ لِإضاءَتِهِ، أيْ: فَإنَّ الحُجَّةَ مِن شَأْنِها أنْ تَكُونَ نَيِّرَةً، وفي "البَصائِرِ" إنَّما سَمّى الحُجَّةَ سُلْطانًا لِما يَلْحَقُ مِنَ الهُجُومِ عَلى القُلُوبِ، لَكِنَّ أكْثَرَ تَسَلُّطِهِ عَلى أهْلِ العِلْمِ والحِكْمَةِ.

An-Nisaa 4:144Listen in Qur'an →
145

إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا

Indeed, the hypocrites will be in the lowest depths of the Fire - and never will you find for them a helper -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ [١٤٥]

﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ﴾ قُرِئَ بِسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِها: ﴿الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ أيِ: الطَّبَقِ الَّذِي في قَعْرِ جَهَنَّمَ، والدَّرَكُ كالدَّرَجِ إلّا أنَّهُ يُقالُ بِاعْتِبارِ الهُبُوطِ، والدَّرَجُ بِاعْتِبارِ الصُّعُودِ، وإنَّما عُوقِبُوا بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم أخْبَثُ الكَفَرَةِ، إذْ ضَمُّوا إلى الكُفْرِ اسْتِهْزاءً بِالإسْلامِ وخِداعًا لِلْمُسْلِمِينَ.

قالَ الرّازِيُّ: وبِسَبَبِ أنَّهم لَمّا كانُوا يُظْهِرُونَ الإسْلامَ يُمْكِنُهُمُ الِاطِّلاعُ عَلى أسْرارِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ يُخْبِرُونَ الكُفّارَ بِذَلِكَ، فَكانَتْ تَتَضاعَفُ المِحْنَةُ مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ - فَلِهَذِهِ الأسْبابِ عُوقِبُوا بِذَلِكَ.

ونُقِلَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ آلِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ: ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] [غافِرٍ: ٤٦] وعَنِ المُنافِقِينَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ، فَأيُّهُما أشَدُّ عَذابًا؟

فَأجابَ: بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ أشَدَّ العَذابِ إنَّما يَكُونُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وقَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ الفَرِيقانِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

رَوى التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوانَ - عَلى مِنبَرِ البَصْرَةِ - إنَّ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ الصَّخْرَةَ العَظِيمَةَ لَتُلْقى مِن شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَتَهْوِي فِيها سَبْعِينَ عامًا وما تُفْضِي إلى قَرارِها» .

وكانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: أكْثِرُوا ذِكْرَ النّارِ، فَإنَّ حَرَّها شَدِيدٌ، وإنَّ قَعْرَها بَعِيدٌ، وإنَّ مَقامِعَها حَدِيدٌ.

ورَوى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ويْلٌ وادٍ في جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الكافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ» .

﴿ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ أيْ: يُنْقِذُهم مِمّا هم فِيهِ، ويُخْرِجُهم مِن ألِيمِ العَذابِ.

An-Nisaa 4:145Listen in Qur'an →
146

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُوا۟ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Except for those who repent, correct themselves, hold fast to Allah, and are sincere in their religion for Allah, for those will be with the believers. And Allah is going to give the believers a great reward.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [١٤٦]

﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ أيْ: عَنِ النِّفاقِ ﴿وأصْلَحُوا﴾ أيْ: أعْمالَهم ﴿واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: وثِقُوا بِهِ بِتَرْكِ مُوالاةِ الكُفّارِ ﴿وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ فَلَمْ يَبْقَ لَهم فِيهِ تَرَدُّدٌ، ولَمْ يُرِيدُوا بِطاعَتِهِمْ إلّا وجْهَهُ سُبْحانَهُ، لا رِياءَ النّاسِ كَما كانُوا قَبْلُ.

﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ المَنزِلَةِ وعُلُوِّ الطَّبَقَةِ، أيْ: لِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ بِهَذِهِ الأُمُورِ لا يَكُونُونَ في دَرْكٍ مِنَ النّارِ فَضْلًا عَنِ الأسْفَلِ، بَلْ مَعَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى الإيمانِ بِلا نِفاقٍ، أيْ: مَعَهم في دَرَجاتِ الجِنانِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ثَوابًا وافِرًا في الجَنَّةِ، فَيُشارِكُونَهم فِيهِ ويُساهِمُونَهُمْ، وحُذِفَتِ (الياءُ) في الخَطِّ هُنا اتِّباعًا لِللَّفْظِ؛ لِسُكُونِها وسُكُونِ اللّامِ بَعْدَها، ومِثْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] [القَمَرِ: ٦] و﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] [العَلَقِ: ١٨]، و﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ﴾ [ق: ٤١] [ق: ٤١] ونَحْوُها، فَإنَّ الحَذْفَ في الجَمِيعِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَجاءَ الرَّسْمُ تابِعًا لِللَّفْظِ، والقُرّاءُ يَقِفُونَ عَلَيْهِ دُونَ ياءٍ اتِّباعًا لِلْخَطِّ الكَرِيمِ، إلّا يَعْقُوبَ والكِسائِيَّ وحَمْزَةَ فَإنَّهم يَقِفُونَ بِالياءِ نَظَرًا إلى الأصْلِ، كَذا في "الفَتْحِ".

* *

تَنْبِيهٌ:

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: مَنِ المُنافِقُ؟ قُلْتُ: هو في الشَّرِيعَةِ مَن أظْهَرَ الإيمانَ وأبْطَنَ الكُفْرَ، وأمّا تَسْمِيَتُهُ مَنِ ارْتَكَبَ ما يَفْسُقُ بِهِ بِـ(المُنافِقِ) فَلِلتَّغْلِيظِ، كَقَوْلِهِ: مَن تَرَكَ الصَّلاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ جَهارًا.

ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ، وإنْ صامَ وإنْ صَلّى وزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ: مَن إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ» .

وقِيلَ لِحُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَنِ المُنافِقُ؟ فَقالَ: الَّذِي يَصِفُ الإسْلامَ ولا يَعْمَلُ بِهِ.

وقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: نَدْخُلُ عَلى السُّلْطانِ ونَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ فَإذا خَرَجْنا تَكَلَّمْنا بِخِلافِهِ، فَقالَ: كُنّا نَعُدُّهُ مِنَ النِّفاقِ. انْتَهى كَلامُهُ.

أقُولُ: قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ (فَلِلتَّغْلِيظِ) يُوجَدُ مِثْلُهُ لِثُلَّةٍ مِن شُرّاحِ الحَدِيثِ وغَيْرِهِمْ، وقَدْ بَحَثَ فِيهِ بَعْضُ مُحَقِّقِي مَشايِخِنا بِقَوْلِهِ: هَذا الجَوابُ لا يَرْتَضِيهِ مَن عَرَفَ قَدْرَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وكَأنَّهم غَفَلُوا عَمّا يَسْتَلْزِمُهُ هَذا الجَوابُ مِمّا لا يَرْتَضِيهِ أدْنى عالِمٍ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ، وهو الإخْبارُ بِخِلافِ الواقِعِ لِأجْلِ الزَّجْرِ. انْتَهى.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: عَلَيْكَ أنْ تُقِرَّ الأحادِيثَ كَما ورَدَتْ؛ لِتَنْجُو مِن مَعَرَّةِ الخَطَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

An-Nisaa 4:146Listen in Qur'an →
147

مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًۭا

What would Allah do with your punishment if you are grateful and believe? And ever is Allah Appreciative and Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ [١٤٧]

﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: هو اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ مَدارَ تَعْذِيبِهِمْ وُجُودًا وعَدَمًا إنَّما هو كُفْرُهُمْ، لا شَيْءٌ آخَرُ، فَيَكُونُ مُقَرِّرًا لِما قَبْلَهُ مِن إثابَتِهِمْ عِنْدَ تَوْبَتِهِمْ.

و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلنَّفْيِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَفْعَلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَعْذِيبِكُمْ؟ أيَتَشَفّى بِهِ مِنَ الغَيْظِ؟ أمْ يُدْرِكُ بِهِ الثَّأْرَ؟ أمْ يَسْتَجْلِبُ بِهِ نَفْعًا؟ أمْ يَسْتَدْفِعُ بِهِ ضَرَرًا؟ كَما هو شَأْنُ المُلُوكِ، وهو الغَنِيُّ المُتَعالِي عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ، وإنَّما هو أمْرٌ يَقْتَضِيهِ كُفْرُكُمْ، فَإذا زالَ ذَلِكَ بِالإيمانِ والشُّكْرِ انْتَفى التَّعْذِيبُ لا مَحالَةَ.

وتَقْدِيمُ (الشُّكْرِ) عَلى (الإيمانِ) لِما أنَّهُ طَرِيقٌ مُوَصِّلٌ إلَيْهِ، فَإنَّ النّاظِرَ يُدْرِكُ أوَّلًا ما عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ فَيَشْكُرُ شُكْرًا مُبْهَمًا، ثُمَّ يَتَرَقّى إلى مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ فَيُؤْمِنُ بِهِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.

﴿وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ الشُّكْرُ مِنهُ تَعالى المُجازاةُ والثَّناءُ الجَمِيلُ، كَما في "القامُوسِ" ويَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ القَيِّمِ حَيْثُ يَقُولُ في "الكافِيَةِ الشّافِيَةِ":

؎وهُوَ الشَّكُورُ فَلَنْ يُضَيِّعَ سَعْيَهم لَكِنْ يُضاعِفُهُ بِلا حِسْبانِ

؎ما لِلْعِبادِ عَلَيْهِ حَقٌّ واجِبٌ ∗∗∗ هو أوْجَبَ الأجْرَ العَظِيمَ الشّانِ

؎كَلّا ولا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضائِعٌ ∗∗∗ إنْ كانَ بِالإخْلاصِ والإحْسانِ

؎إنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ والحَمْدُ لِلرَّحْمَنِ

An-Nisaa 4:147Listen in Qur'an →
148

۞ لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا

Allah does not like the public mention of evil except by one who has been wronged. And ever is Allah Hearing and Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [١٤٨]

﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ: لا يُحِبُّ اللَّهُ تَعالى أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالقَبِيحِ مِنَ القَوْلِ ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ إلّا جَهْرَ المَظْلُومِ بِأنْ يَدْعُوَ عَلى ظالِمِهِ، أوْ يَتَظَلَّمَ مِنهُ ويَذْكُرَهُ بِما فِيهِ مِنَ السُّوءِ، فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَسْخُوطٍ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ، حَتّى إنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ أنْواعَ الظُّلْمِ كَثِيرَةٌ.

فَما نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ هُنا مِن ذِكْرِ نَوْعٍ مِنهُ فَلَيْسَ المُرادُ حَصْرَ مَعْنى الآيَةِ فِيهِ، بَلِ القَصْدُ تَنْبِيهُ المُسْتَمِعِ عَلى النَّوْعِ.

فَمِن ذَلِكَ ما رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ يَقُولُ: لا يُحِبُّ اللَّهُ أنْ يَدْعُوَ أحَدٌ عَلى أحَدٍ إلّا أنْ يَكُونَ مَظْلُومًا؛ فَإنَّهُ قَدْ أرْخَصَ لَهُ أنْ يَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ وإنْ صَبَرَ فَهو خَيْرٌ لَهُ.

ومِن ذَلِكَ ما رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ إسْحاقَ، وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هي في رَجُلٍ أضافَ رَجُلًا فَأساءَ قِراهُ، فَتَحَوَّلَ عَنْهُ، فَجَعَلَ يُثْنِي عَلَيْهِ بِما أوْلاهُ، فَرَخَّصَ لَهُ أنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ بِما أوْلاهُ.

وفِي رِوايَةٍ عَنْهُ: وهو الرَّجُلُ يَنْزِلُ بِالرَّجُلِ فَلا يُحْسِنُ ضِيافَتَهُ فَيَخْرُجُ فَيَقُولُ: أساءَ ضِيافَتِي ولَمْ يُحْسِنْ.

وفِي رِوايَةٍ: هو الضَّيْفُ المُحَوِّلُ رَحْلَهُ، فَإنَّهُ يَجْهَرُ لِصاحِبِهِ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ رَوى الجَماعَةُ (سِوى النَّسائِيِّ والتِّرْمِذِيِّ ) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّكَ تَبْعَثُنا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلا يَقْرُونَنا فَما تَرى؟ فَقالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأمَرُوا لَكم بِما يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فاقْبَلُوا، فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنهم حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهم» .

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ، عَنِ المِقْدامِ بْنِ أبِي كَرِيمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أيُّما مُسْلِمٍ ضافَ قَوْمًا فَأصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا، فَإنَّ حَقًّا عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ نَصْرُهُ حَتّى يَأْخُذَ بِقِرى لَيْلَتِهِ مِن زَرْعِهِ ومالِهِ» .

ورَوى هو وأبُو داوُدَ عَنْهُ أيْضًا سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْلَةُ الضَّيْفِ واجِبَةٌ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَإنْ أصْبَحَ بِفِنائِهِ مَحْرُومًا كانَ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَإنْ شاءَ اقْتَضاهُ وإنْ شاءَ تَرَكَهُ» .

ومِن هَذا القَبِيلِ الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الحافِظُ أبُو بَكْرٍ البَزّارُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّ لِي جارًا يُؤْذِينِي، فَقالَ لَهُ: أخْرِجْ مَتاعَكَ فَضَعْهُ عَلى الطَّرِيقِ فَأخَذَ الرَّجُلُ مَتاعُهُ فَطَرَحَهُ عَلى الطَّرِيقِ، فَكُلُّ مَن مَرَّ بِهِ قالَ: ما لَكَ؟ قالَ: جارِي يُؤْذِينِي، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، اللَّهُمَّ أخْزِهِ. قالَ: فَقالَ الرَّجُلُ: ارْجِعْ إلى مَنزِلِكَ، واللَّهِ لا أُوذِيكَ أبَدًا». ورَواهُ أبُو داوُدَ في كِتابِ الأدَبِ.

وقالَ عَبْدُ الكَرِيمِ بْنُ مالِكٍ الجَزْرِيُّ - في هَذِهِ الآيَةِ -: هو الرَّجُلُ يَشْتُمُكَ فَتَشْتُمُهُ، ولَكِنْ إنِ افْتَرى عَلَيْكَ فَلا تَفْتَرْ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] [الشُّورى: ٤١].

وقالَ قُطْرُبٌ: مَعْنى الآيَةِ: إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى …

An-Nisaa 4:148Listen in Qur'an →
149

إِن تُبْدُوا۟ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا۟ عَن سُوٓءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّۭا قَدِيرًا

If [instead] you show [some] good or conceal it or pardon an offense - indeed, Allah is ever Pardoning and Competent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [١٤٩]

﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾ أيْ: طاعَةً وبِرًّا ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾ أيْ: تَعْمَلُوهُ سِرًّا ﴿أوْ تَعْفُوا﴾ أيْ: تَتَجاوَزُوا ﴿عَنْ سُوءٍ﴾ أيْ: ظُلْمٍ ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ أيْ: يَعْفُو عَنِ الجانِينَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، فَعَلَيْكم أنْ تَقْتَدُوا بِسُنَّةِ اللَّهِ بِالعَفْوِ مَعَ القُدْرَةِ، فَثَمَرَةُ هَذِهِ الآيَةِ الحَثُّ عَلى العَفْوِ، وأنْ لا يَجْهَرَ أحَدٌ لِأحَدٍ بِسُوءٍ، وإنْ كانَ عَلى وجْهِ الِانْتِصارِ؛ حَمْلًا عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ، وإنَّما كانَ المَقْصُودُ العَفْوَ؛ لِأنَّ ما قَبْلَها في ذِكْرِ السُّوءِ والجَهْرِ بِهِ، فَمُقْتَضى السِّياقِ: لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ إلّا مَن ظُلِمَ، فَإنْ عَفا المَظْلُومُ عَنْهُ ولَمْ يَدْعُ عَلى ظالِمِهِ ويَتَظَلَّمْ مِنهُ - فَإنَّ اللَّهَ عَفُوٌّ قَدِيرٌ، وإنَّما ذَكَرَ قَبْلَهُ إبْداءَ الخَيْرِ وإخْفاءَهُ تَوْطِئَةً لِلْعَفْوِ عَنِ السُّوءِ؛ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِن مَدْحِ حالَيِ الخَيْرِ: السِّرِّ والعَلانِيَةِ أنَّ السُّوءَ لَيْسَ كَذَلِكَ جَهْرًا وإخْفاءً، فَيَنْبَغِي العَفْوُ عَنْهُ وتَرْكُهُ، وإنَّما عُطِفَ (العَفْوُ) بِـ(أوْ) مَعَ دُخُولِهِ في الخَيْرِ بِقِسْمَيْهِ لِلِاعْتِدادِ بِهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى مَنزِلَتِهِ، وكَوْنِهِ مِنَ الخَيْرِ بِمَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ حِينَئِذٍ هو المَقْصُودُ وأنَّهُ مِن قَبِيلِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨] [البَقَرَةِ: ٩٨] لِأنَّ مِثْلَهُ يُعْطَفُ بِالواوِ لا بِـ(أوْ) ولِذا حُمِلَ الخَيْرُ عَلى الطّاعَةِ والبِرِّ مِمّا هو عِبادَةٌ وقُرْبَةٌ فِعْلِيَّةٌ؛ لِتَغايُرِ العَفْوِ، فالمُرادُ بِالتَّوْطِئَةِ ذِكْرُ ما هو مُناسِبٌ وقُدِّمَ عَلَيْهِ، كَذا في "العِنايَةِ".

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ورَدَ في الأثَرِ: «أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: سُبْحانَكَ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ، ويَقُولُ بَعْضُهُمْ: سُبْحانَكَ عَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ» .

وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِن مالٍ، وما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بَعَفْوٍ إلّا عِزًّا، وما تَواضَعَ أحَدٌ لِلَّهِ إلّا رَفَعَهُ الِلَّهُ» .

وقالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ مَعاقِدَ الخَيْرِ عَلى كَثْرَتِها مَحْصُورَةٌ في أمْرَيْنِ: صِدْقٌ مَعَ الحَقِّ وخُلُقٌ مَعَ الخَلْقِ، والَّذِي يَتَعَلَّقُ مَعَ الخَلْقِ مَحْصُورٌ في قِسْمَيْنِ: إيصالُ نَفْعٍ إلَيْهِمْ، ودَفْعُ ضَرَرٍ عَنْهُمْ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ﴾ إشارَةٌ إلى إيصالِ النَّفْعِ إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿أوْ تَعْفُوا﴾ إشارَةٌ إلى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ، فَدَخَلَ في هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ جَمِيعُ أنْواعِ الخَيْرِ وأعْمالِ البِرِّ.

ثُمَّ نَزَلَ في اليَهُودِ إلى أواخِرِ السُّورَةِ قَوْلُهُ تَعالى:

An-Nisaa 4:149Listen in Qur'an →
150

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍۢ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍۢ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا۟ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا

Indeed, those who disbelieve in Allah and His messengers and wish to discriminate between Allah and His messengers and say, "We believe in some and disbelieve in others," and wish to adopt a way in between -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [١٥٠]

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي كَعْبًا وأصْحابَهُ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: في الإيمانِ ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾ مِنَ الرُّسُلِ ﴿ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ مِنهُمْ، كَما قالُوا: نُؤْمِنُ بِمُوسى والتَّوْراةِ، ونَكْفُرُ بِما وراءَ ذَلِكَ، وما ذاكَ إلّا كُفْرٌ بِاللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ، وتَفْرِيقٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ في الإيمانِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أمَرَهم بِالإيمانِ بِكُلِّ نَبِيٍّ يَأْتِي مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ، ونَصْرِهِ، ومَن كَفَرَ بِواحِدٍ مِنهم فَقَدْ كَفَرَ بِالكُلِّ وبِاللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ؛ لِأنَّهم لَمّا تَساوَوْا في المُعْجِزاتِ والدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، والقِيامِ بِالخَيْراتِ في أنْفُسِهِمْ - كانَ الكُفْرُ بِواحِدٍ مِنهم كُفْرًا بِالكُلِّ، بَلْ وبِاللَّهِ إذْ يَعْتَقِدُونَ فِيهِ أنَّهُ صَدَّقَ الكاذِبَ بِخَلْقِ المُعْجِزاتِ، كَذا في "التَّبْصِيرِ".

﴿ويُرِيدُونَ﴾ بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ: ﴿أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَيْنَ الإيمانِ بِبَعْضٍ والكُفْرِ بِبَعْضٍ ﴿سَبِيلا﴾ دِينًا يَسْلُكُونَهُ، مَعَ أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَهم قَطْعًا.

An-Nisaa 4:150Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.