ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَٰفِرِينَ نَصِيبٌۭ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا
Those who wait [and watch] you. Then if you gain a victory from Allah, they say, "Were we not with you?" But if the disbelievers have a success, they say [to them], "Did we not gain the advantage over you, but we protected you from the believers?" Allah will judge between [all of] you on the Day of Resurrection, and never will Allah give the disbelievers over the believers a way [to overcome them].
أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ هَذِهِ الطّائِفَةِ الَّتِي آمَنَتْ ثُمَّ كَفَرَتْ ثُمَّ آمَنَتْ ثُمَّ كَفَرَتْ ثُمَّ ازْدادَتْ كُفْرًا بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِيَغْفِرَ لَهم ذُنُوبَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى الحَقِّ ويَسْلُكُونَهُ إلى الخَيْرِ؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ مِنهم كُلَّ البُعْدِ أنْ يُخْلِصُوا لِلَّهِ ويُؤْمِنُوا إيمانًا صَحِيحًا، فَإنَّ هَذا الِاضْطِرابَ مِنهم تارَةً يَدَّعُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ وتارَةً يَمْرُقُونَ مِنَ الإيمانِ ويَرْجِعُونَ إلى ما هو دَأْبُهم وشَأْنُهم مِنَ الكُفْرِ المُسْتَمِرِّ والجُحُودِ الدّائِمِ يَدُلُّ أبْلَغَ دَلالَةٍ عَلى أنَّهم مُتَلاعِبُونَ بِالدِّينِ لَيْسَتْ لَهم نِيَّةٌ صَحِيحَةٌ ولا قَصْدٌ خالِصٌ، قِيلَ: المُرادُ بِهَؤُلاءِ اليَهُودُ فَإنَّهم آمَنُوا بِمُوسى ثُمَّ كَفَرُوا بِعُزَيْرٍ، ثُمَّ آمَنُوا بِعُزَيْرٍ، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: آمَنُوا بِمُوسى، ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ بِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ، ثُمَّ آمَنُوا بِهِ عِنْدَ عَوْدِهِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمُرادُ بِالآيَةِ أنَّهُمُ ازْدادُوا كُفْرًا واسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ كَما هو الظّاهِرُ مِن حالِهِمْ، وإلّا فالكافِرُ إذا آمَنَ وأخْلَصَ إيمانَهُ وأقْلَعَ عَنِ الكُفْرِ فَقَدْ هَداهُ اللَّهُ السَّبِيلَ المُوجِبَ لِلْمَغْفِرَةِ، والإسْلامُ يَجِبُّ ما قَبْلَهُ، ولَكِنْ لَمّا كانَ هَذا مُسْتَبْعَدًا مِنهم جِدًّا كانَ غُفْرانُ ذُنُوبِهِمْ وهِدايَتُهم إلى سَبِيلِ الحَقِّ مُسْتَبْعَدًا.
قَوْلُهُ: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ إطْلاقُ البِشارَةِ عَلى ما هو شَرٌّ خالِصٌ لَهم تَهَكُّمٌ بِهِمْ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ وصْفٌ لِلْمُنافِقِينَ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ؛ أيْ: يَجْعَلُونَ الكُفّارَ أوْلِياءً لَهم يُوالُونَهم عَلى كُفْرِهِمْ ويُمالِئُونَهم عَلى ضَلالِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: يُوالُونَ الكافِرِينَ مُتَجاوِزِينَ وِلايَةَ المُؤْمِنِينَ ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِن تَوْبِيخِهِمْ بِابْتِغاءِ العِزَّةِ عِنْدَ الكافِرِينَ وجَمِيعِ أنْواعِ العِزَّةِ وأفْرادِها مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وما كانَ مِنها مَعَ غَيْرِهِ فَهو مِن فَيْضِهِ وتَفَضُّلِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] والعِزَّةُ: الغَلَبَةُ، يُقالُ عَزَّهُ يَعِزَّهُ عِزًّا؛ إذا غَلَبَهُ.
﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ الخِطابُ لِجَمِيعِ مَن أظْهَرَ الإيمانَ مِن مُؤْمِنٍ ومُنافِقٍ؛ لِأنَّ مَن أظْهَرَ الإيمانَ فَقَدْ لَزِمَهُ أنْ يَمْتَثِلَ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ فَقَطْ كَما يُفِيدُهُ التَّشْدِيدُ والتَّوْبِيخُ، وقَرَأ عاصِمٌ، ويَعْقُوبُ نَزَّلَ بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَشْدِيدِها، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ وقَرَأ حُمَيْدٌ بِتَخْفِيفِ الزّايِ مَفْتُوحَةً مَعَ فَتْحِ النُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ النُّونِ مَعَ كَسْرِ الزّايِ مُشَدَّدَةً عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ. …