Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 141–150 of 176

141

ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَٰفِرِينَ نَصِيبٌۭ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا

Those who wait [and watch] you. Then if you gain a victory from Allah, they say, "Were we not with you?" But if the disbelievers have a success, they say [to them], "Did we not gain the advantage over you, but we protected you from the believers?" Allah will judge between [all of] you on the Day of Resurrection, and never will Allah give the disbelievers over the believers a way [to overcome them].

والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ بِلا خِلافٍ، والمَوْصُولُ إمّا بَدَلٌ مِنَ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ﴾ أوْ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ فَقَطْ، إذْ هُمُ المُتَرَبِّصُونَ دُونَ الكافِرِينَ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ كَوْنَهُ صِفَةً لَهُما، أوْ مَرْفُوعًا أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، وجَعْلُهُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ لا يَخْلُو مِن تَكَلُّفٍ، والتَّرَبُّصُ الِانْتِظارُ، والظّاهِرُ مِن كَلامِ البَعْضِ أنَّ مَفْعُولَهُ مُقَدَّرٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أيْ: يَنْتَظِرُونَ وُقُوعَ أمْرٍ بِكُمْ، وكَلامُ الرّاغِبِ يَقْتَضِي أنَّهُ يَتَعَدّى بِالباءِ؛ لِأنَّهُ مِنِ (انْتَظَرَ بِالسِّلْعَةِ غَلاءَ السِّعْرِ).

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِهِ عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ حِكايَةَ تَرَبُّصِهِمْ مُسْتَتْبِعَةٌ لِحِكايَةِ ما يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ، أيْ: فَإنِ اتَّفَقَ لَكم فَتْحٌ وظَفَرٌ عَلى الأعْداءِ ﴿قالُوا﴾ أيْ: لَكم ﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ نُجاهِدُ عَدُوَّكم فَأعْطُونا نَصِيبًا مِنَ الغَنِيمَةِ ﴿وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ أيْ: حَظٌّ مِنَ الحَرْبِ، فَإنَّها سِجالٌ ﴿قالُوا﴾ أيِ: المُنافِقُونَ لِلْكُفّارِ ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: ألَمْ نَغْلِبْكم ونَتَمَكَّنْ مِن قَتْلِكم وأسْرِكم فَأبْقَيْنا عَلَيْكُمْ، أوْ: ألَمْ نَغْلِبْكم بِالتَّفَضُّلِ ونُطْلِعْكم عَلى أسْرارِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – وأصْحابِهِ، ونَكْتُبْ إلَيْكم بِأخْبارِهِمْ حَتّى غَلَبْتُمْ عَلَيْهِمْ ﴿ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: نَدْفَعْ عَنْكم صَوْلَةَ المُؤْمِنِينَ بِتَخْذِيلِنا إيّاهُمْ، وتَثْبِيطِنا لَهُمْ، وتَوانِينا في مُظاهَرَتِهِمْ، وإلْقائِنا عَلَيْهِمْ ما ضَعُفَتْ بِهِ قُلُوبُهم عَنْ قِتالِكُمْ، فاعْرِفُوا لَنا هَذا الحَقَّ عَلَيْكُمْ، وهاتُوا نَصِيبَنا مِمّا أصَبْتُمْ، وقِيلَ: المَعْنى: ألَمْ نَغْلِبْكم عَلى رَأْيِكم بِالمُوالاةِ لَكُمْ، (ونَمْنَعْكم مِنَ) الدُّخُولِ في جُمْلَةِ (المُؤْمِنِينَ)، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.

وأصْلُ الِاسْتِحْواذِ الِاسْتِيلاءُ، وكانَ القِياسُ فِيهِ اسْتَحاذَ يَسْتَحِيذُ اسْتِحاذَةً بِالقَلْبِ، لَكِنْ صَحَّتْ فِيهِ الواوُ وكَثُرَ ذَلِكَ فِيهِ، وفي نَظائِرَ لَهُ حَتّى أُلْحِقَ بِالمَقِيسِ،

صفحة 175

وعُدَّ فَصِيحًا، وقالَ أبُو زَيْدٍ: إنَّهُ قِياسِيٌّ، وعَلى كُلِّ حالٍ لا يُرَدُّ عَلى فَصاحَةِ القُرْآنِ، كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ.

وقُرِئَ (ونَمْنَعَكُمْ) بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ (أنْ) والتَّقْدِيرُ: لَمْ يَكُنْ مِنّا الِاسْتِحْواذُ والمَنعُ، كَقَوْلِكَ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ، سُمِّيَ ظَفَرُ المُسْلِمِينَ فَتْحًا وما لِلْكافِرِينَ نَصِيبًا لِتَعْظِيمِ شَأْنِ المُسْلِمِينَ وتَخْسِيسِ حَظِّ الكافِرِينَ، وقِيلَ: سُمِّيَ الأوَّلُ فَتْحًا إشارَةً إلى أنَّهُ مِن مَداخِلِ فَتْحِ دارِ الإسْلامِ، بِخِلافِ ما لِلْكافِرِينَ فَإنَّهُ لا فَتْحٌ لَهم في اسْتِيلائِهِمْ بَلْ سَيَنْطَفِئُ ضِياءُ ما نالُوا.

﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَيُثِيبُ أحِبّاءَهُ ويُعاقِبُ أعْداءَهُ، وأمّا في الدُّنْيا فَأنْتُمْ وهم سَواءٌ في العِصْمَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى وسَلَّمَ: ««فَإذا قالُوها فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهُمْ»» وفي الكَلامِ قِيلَ: تَغْلِيبٌ، وقِيلَ: حَذْفٌ، أيْ: بَيْنَكم وبَيْنَهم.

﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، وحِينَ الحُكْمِ، كَما قَدْ يُجْعَلُ …

An-Nisaa 4:141Listen in Qur'an →
142

إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًۭا

Indeed, the hypocrites [think to] deceive Allah, but He is deceiving them. And when they stand for prayer, they stand lazily, showing [themselves to] the people and not remembering Allah except a little,

﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُ المُخادِعُ، فَيُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُضْمِرُونَ نَقِيضَهُ.

وعَنِ الحَسَنِ - واخْتارَهُ الزَّجّاجُ - أنَّ المُرادَ يُخادِعُونَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى حَدِّ ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ أيْ: فاعِلٌ بِهِمْ ما يَفْعَلُ الغالِبُ في الخِداعِ، حَيْثُ تَرَكَهم في الدُّنْيا مَعْصُومِي الدِّماءِ والأمْوالِ، وأعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ الدَّرْكَ الأسْفَلَ مِنَ النّارِ، وقِيلَ: خِداعُهُ تَعالى لَهم أنْ يُعْطِيَهم سُبْحانَهُ نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ يَمْشُونَ بِهِ مَعَ المُسْلِمِينَ ثُمَّ يَسْلُبُهم ذَلِكَ النُّورَ، ويَضْرِبُ بَيْنَهم بِسُورٍ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا، والسُّدِّيِّ، واخْتارَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ، ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ.

والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ (إنَّ) أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كالأُولى.

﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ أيْ: مُتَثاقِلِينَ مُتَباطِئِينَ، لا نَشاطَ لَهُمْ، ولا رَغْبَةَ، كالمُكْرَهِ عَلى الفِعْلِ؛ لِأنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ ثَوابًا في فِعْلِها، ولا عِقابًا عَلى تَرْكِها، وقُرِئَ بِفَتْحِ الكافِ، وهُما جَمْعا (كَسْلانَ).

﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾ لِيَحْسَبُوهم مُؤْمِنِينَ، والمُراآةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، إمّا بِمَعْنى التَّفْعِيلِ؛ لِأنَّ فاعَلَ بِمَعْنى فَعِلَ

صفحة 176

وارِدٌ في كَلامِهِمْ كَنَعِمَ وناعَمَ، وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وإسْحاقَ (يُرُوُونَ) تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، أوْ لِلْمُقابَلَةِ لِأنَّهم لِفِعْلِهِمْ في مُشاهَدٍ يَرَوْنَ النّاسَ والنّاسُ يَرَوْنَهُمْ، وهم يَقْصِدُونَ أنْ تُرى أعْمالُهُمْ، والنّاسُ يَسْتَحْسِنُونَها، فالمُفاعَلَةُ في الرُّؤْيَةِ مُتَّحِدَةٌ، وإنَّما الِاخْتِلافُ في مُتَعَلَّقِ الإراءَةِ، فَلا يَرِدُ عَلى هَذا الشِّقِّ أنَّ المُفاعَلَةَ لا بُدَّ في حَقِيقَتِها مِنِ اتِّحادِ الفِعْلِ ومُتَعَلِّقِهِ، والجُمْلَةُ إمّا اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُرِيدُونَ بِقِيامِهِمْ هَذا؟ فَقِيلَ: يُراءُونَ إلَخْ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (قامُوا) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (كُسالى).

﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ عَطْفٌ عَلى (يُراءُونَ) وقِيلَ: حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: ولا يَذْكُرُونَهُ سُبْحانَهُ مُطْلَقًا إلّا زَمانًا قَلِيلًا، أوْ إلّا ذِكْرًا قَلِيلًا، إذِ المُرائِي لا يَفْعَلُ إلّا بِحَضْرَةِ مَن يُرائِيهِ، وهو أقَلُّ أحْوالِهِ، أوْ لِأنَّ ذِكْرَهم بِاللِّسانِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الذِّكْرِ بِالقَلْبِ، وقِيلَ: إنَّما وُصِفَ بِالقِلَّةِ لِأنَّهُ لَمْ يُقْبَلْ، وكُلُّ ما لَمْ يَقْبَلْهُ اللَّهُ تَعالى قَلِيلٌ وإنْ كانَ كَثِيرًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، وغَيْرُهُ، عَنِ الحَسَنِ ما بِمَعْناهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنَّهُ قالَ: «لا يَقِلُّ عَمَلٌ مَعَ تَقْوى، وكَيْفَ يَقِلُّ ما يُتَقَبَّلُ»؟! وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ الذِّكْرُ الواقِعُ في الصَّلاةِ، نَحْوُ التَّكْبِيرِ والتَّسْبِيحِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ.

وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««تِلْكَ صَلاةُ المُنافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتّى إذا كانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطانٍ قامَ فَنَقَرَ أرْبَعًا لا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى فِيها إلّا قَلِيلًا»».

وقِيلَ: الذِّكْرُ بِمَعْنى الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الكَلامَ فِيها لا بِمَعْناهُ …

An-Nisaa 4:142Listen in Qur'an →
143

مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًۭا

Wavering between them, [belonging] neither to the believers nor to the disbelievers. And whoever Allah leaves astray - never will you find for him a way.

﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يُراءُونَ﴾ أوْ مِن فاعِلِ ﴿يَذْكُرُونَ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿قامُوا)،﴾ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الإيمانِ والكُفْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، ولِذا أُضِيفَ (بَيْنَ) إلَيْهِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، فَيَكُونَ ما بَعْدَهُ تَفْسِيرًا لَهُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:

الألْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّنَّ كَأنْ قَدْ رَأى وقَدْ سَمِعا

والمَعْنى مُرَدَّدِينَ بَيْنَهُما مُتَحَيَّرِينَ، قَدْ ذَبْذَبَهُمُ الشَّيْطانُ، وأصْلُ الذَّبْذَبَةِ - كَما قالَ الرّاغِبُ -: صَوْتُ الحَرَكَةِ لِلشَّيْءِ المُعَلَّقِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ اضْطِرابٍ وحَرَكَةٍ أوْ تَرَدُّدٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، والذّالُ الثّانِيَةُ أصْلِيَّةٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، ومُبْدَلَةٌ مِن باءٍ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وهو خِلافٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَهم.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (مُذَبْذِبِينَ) بِكَسْرِ الذّالِ الثّانِيَةِ، ومَفْعُولُهُ - عَلى هَذا – مَحْذُوفٌ، أيْ: مُذَبْذِبِينَ قُلُوبَهم أوْ دِينَهم أوْ رَأْيَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ لازَمًا،

صفحة 177

عَلى أنْ فَعْلَلَ بِمَعْنى تَفَعْلَلَ، كَما جاءَ (صَلْصَلَ) بِمَعْنى (تَصَلْصَلَ) أيْ: مُتَذَبْذِبِينَ، ويُؤَيِّدُهُ ما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ (مُتَذَبْذِبِينَ).

وقُرِئَ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ (الدُّبَّةِ) بِضَمِّ الدّالِّ وتَشْدِيدِ الباءِ بِمَعْنى الطَّرِيقَةِ والمَذْهَبِ، كَما في النِّهايَةِ، ويُقالُ: هو عَلى دُبَّتِي أيْ: طَرِيقَتِي وسَمْتِي، وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: «اتَّبِعُوا دُبَّةَ قُرَيْشٍ، ولا تُفارِقُوا الجَماعَةَ» والمَعْنى - حِينَئِذٍ - أنَّهم أُخِذَ بِهِمْ تارَةً طَرِيقًا، وأُخْرى، أُخْرى.

﴿لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ أيْ: لا مَنسُوبِينَ إلى المُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً لِإضْمارِهِمُ الكُفْرَ ولا إلى الكافِرِينَ لِإظْهارِهِمُ الإيمانَ، أوْ لا صائِرِينَ إلى الأوَّلِينَ ولا إلى الآخِرِينَ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرٍ (مُذَبْذَبِينَ) أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَيانًا وتَفْسِيرًا لَهُ.

﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِ لِلْهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ مُوَصِّلًا إلى الحَقِّ والصَّوابِ، فَضْلًا عَنْ أنْ تَهْدِيَهُ إلَيْهِ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وهو أبْلَغُ في التَّفْظِيعِ.

An-Nisaa 4:143Listen in Qur'an →
144

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًا

O you who have believed, do not take the disbelievers as allies instead of the believers. Do you wish to give Allah against yourselves a clear case?

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ نَهْيُ المُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ اليَهُودِ فَقَطْ - كَما قِيلَ - أوْ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم كَما هو الظّاهِرُ بَعْدَ بَيانِ حالِ المُنافِقِينَ، أيْ: لا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ، فَإنَّ ذَلِكَ دَيْدَنَ المُنافِقِينَ ودِينَهُمْ، فَلا تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُنافِقُونَ، وبِالمُؤْمِنِينَ المُخْلِصُونَ، فالآيَةُ نَهْيٌ لِلْمُنافِقِينَ عَنْ مُوالاةِ الكافِرِينَ دُونَ المُخْلِصِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ المُخْلِصُونَ وبِالكافِرِينَ المُنافِقُونَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ بَيَّنْتُ لَكم أخْلاقَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ القَفّالُ، وفي كِلا القَوْلَيْنِ بُعْدٌ.

﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ أيْ: حُجَّةً ظاهِرَةً في العَذابِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا بِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ إلّا بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، ويُشْعِرُ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ، وقِيلَ: أتُرِيدُونَ بِذَلِكَ أنْ تَجْعَلُوا لَهُ تَعالى حُجَّةً بَيِّنَةً عَلى أنَّكم مُوافِقُونَ، فَإنَّ مُوالاةَ الكافِرِينَ أوْضَحُ أدِلَّةِ النِّفاقِ.

ومِنَ النّاسِ مَن أبْقى السُّلْطانَ عَلى مَعْناهُ المَعْرُوفِ، لَكِنْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: «كُلُّ سُلْطانٍ في القُرْآنِ فَهو حُجَّةٌ» وهو مِمّا يَجُوزُ فِيهِ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ إجْماعًا، فَتَذْكِيرُهُ بِاعْتِبارِ البُرْهانِ أوْ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ المَعْرُوفِ، والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ الحُجَّةِ، والتَّأْنِيثُ أكْثَرُ عِنْدَ الفُصَحاءِ - عَلى ما قالَهُ الفَرّاءُ - إلّا أنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ هُنا، واعْتُبِرَ التَّذْكِيرُ لِتَحْسُنَ الفاصِلَةُ.

وادَّعى ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ التَّذْكِيرَ أشْهَرُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ حَيْثُ وقَعَ، و(عَلَيْكُمْ) يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِالجَعْلِ، وبِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (سُلْطانًا)، وتَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى الإرادَةِ دُونَ مُتَعَلِّقِها بِأنْ يُقالَ: أتَجْعَلُونَ؟ إلَخْ لِلْمُبالَغَةِ في إنْكارِهِ وتَهْوِيلِ أمْرِهِ بِبَيانِ أنَّهُ مِمّا لا يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ إرادَتَهُ فَضْلًا عَنْ صُدُورِ نَفْسِهِ.

An-Nisaa 4:144Listen in Qur'an →
145

إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا

Indeed, the hypocrites will be in the lowest depths of the Fire - and never will you find for them a helper -

﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ أيْ: في الطَّبَقَةِ السُّفْلى مِنها، وهو قَعْرُها، ولَها طَبَقاتٌ سَبْعٌ، تُسَمّى الأُولى - كَما قِيلَ -: (جَهَنَّمُ) والثّانِيَةُ (لَظى) والثّالِثَةُ (الحَطْمَةُ) والرّابِعَةُ (السَّعِيرُ) والخامِسَةُ (سَقَرُ) والسّادِسَةُ (الجَحِيمُ) والسّابِعَةُ (الهاوِيَةُ) وقَدْ تُسَمّى النّارُ جَمِيعًا بِاسْمِ الطَّبَقَةِ الأوْلى، وبَعْضُ الطَّبَقاتِ بِاسْمِ بَعْضٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ النّارِ يَجْمَعُها، وتَسْمِيَةُ تِلْكَ الطَّبَقاتِ دِرْكاتٍ لِكَوْنِها مُتَدارِكَةً مُتَتابِعَةً بَعْضُها تَحْتَ بَعْضٍ و(الدَّرْكُ) كالدَّرَجِ، إلّا أنَّهُ يُقالُ بِاعْتِبارِ الهُبُوطِ، والدَّرَجُ بِاعْتِبارِ الصُّعُودِ، وفي كَوْنِ المُنافِقِ (فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ) إشارَةٌ إلى شَدَّةِ عَذابِهِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنِ الأحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «أنَّ المُنافِقَ يُجْعَلُ في تابُوتٍ مِن حَدِيدٍ، يُصْمَدُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُجْعَلُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ» وإنَّما كانَ أشَدَّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ لِكَوْنِهِ ضَمَّ إلى الكُفْرِ المُشْتَرَكِ اسْتِهْزاءً بِالإسْلامِ

صفحة 178

وخِداعًا لِأهْلِهِ.

وأمّا ما رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أرْبَعٌ مِن كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا، ومَن كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنهُنَّ كانَ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتّى يَدَعَها؛ إذا ائْتُمِنَ خانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ»» فَقَدْ قالَ المُحَدِّثُونَ فِيهِ: إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِزَمانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ لِاطِّلاعِهِ بِنُورِ الوَحْيِ عَلى بَواطِنِ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الخِصالِ، فَأعْلَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -أصْحابَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم – بِأمارَتِهِمْ؛ لِيَحْتَرِزُوا عَنْهُمْ، ولَمْ يُعَيِّنْهم حَذَرًا عَنِ الفِتْنَةِ وارْتِدادِهِمْ ولُحُوقِهِمْ بِالمُحارِبِينَ.

وقِيلَ: لَيْسَ بِمَخْصُوصٍ ولَكِنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِمَنِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ، أوِ المُرادُ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ فَهو شَبِيهٌ بِالمُنافِقِينَ الخُلَّصِ، وأطْلَقَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ تَغْلِيظًا وتَهْدِيدًا لَهُ، وهَذا في حَقِّ مَنِ اعْتادَ ذَلِكَ لا مَن نَدَرَ مِنهُ، أوْ هو مُنافِقٌ في أُمُورِ الدِّينِ عُرْفًا، والمُنافِقُ في العُرْفِ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ مَن أبْطَنَ خِلافَ ما يُظْهِرُ مِمّا يُتَضَرَّرُ بِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ إيمانًا وكُفْرًا، وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النّافِقاءِ، ولَيْسَ المُرادُ الحَصْرَ، وهَذا صَدَرَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاقْتِضاءِ المَقامِ، ولِذا ورَدَ في بَعْضِ الرِّواياتِ (ثَلاثٌ) وفي بَعْضِها (أرْبَعٌ).

وقَرَأ الكُوفِيُّونَ (الدَّرْكِ) بِسُكُونِ الرّاءِ، وهو لُغَةٌ كالسَّطْرِ والسَّطَرِ، والفَتْحُ أكْثَرُ وأفْصَحُ؛ لِأنَّهُ ورَدَ جَمْعُهُ عَلى أفْعالٍ، وأفْعالٌ في (فَعَلَ) المُحَرَّكِ كَثِيرٌ مَقِيسٌ، ووُرُودُهُ في السّاكِنِ نادِرٌ كَـ(فَرْخٍ وأفْراخٍ، وزَنْدٍ وأزْنادٍ) وكَوْنُهُ اسْتُغْنِيَ بِجَمْعِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ جائِزٌ، لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، فَلا يَنْدَفِعُ بِهِ التَّرْجِيحُ، والكَلامُ مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ الحَقِيقَةِ.

وزَعَمَ أبُو القاسِمِ البَلْخِيُّ أنْ لا طَبَقاتِ في النّارِ، وأنَّ هَذا إخْبارٌ عَنْ بُلُوغِ الغايَةِ في العِقابِ، كَما يُقالُ: إنَّ السُّلْطانَ بَلَّغَ فَلانًا الحَضِيضَ وفُلانًا العَرْشَ، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ انْحِطاطَ المَنزِلَةِ وعُلُوَّها لا المَسافَةَ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ ما جاءَتْ بِهِ …

An-Nisaa 4:145Listen in Qur'an →
146

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُوا۟ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Except for those who repent, correct themselves, hold fast to Allah, and are sincere in their religion for Allah, for those will be with the believers. And Allah is going to give the believers a great reward.

﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ عَنِ النِّفاقِ، وهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المُنافِقِينَ، أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ في الخَبَرِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (لَهُمْ)، وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ما بَعْدَ الفاءِ، ودَخَلَتْ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ.

﴿وأصْلَحُوا﴾ ما أفْسَدُوا مِن نِيّاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ في حالِ النِّفاقِ، وقِيلَ: ثَبَتُوا عَلى التَّوْبَةِ في المُسْتَقْبَلِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: تَمَسَّكُوا بِكِتابِهِ أوْ وثَقُوا بِهِ ﴿وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ لا يُرِيدُونَ بِطاعَتِهِمْ إلّا وجْهَهُ ورِضاهُ سُبْحانَهُ، لا رِياءَ النّاسِ، ودَفْعَ الضَّرَرِ كَما في النِّفاقِ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ثُمامَةَ قالَ: قالَ الحَوارِيُّونَ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «يا رُوحَ اللَّهِ، مَنِ المُخْلِصُ لِلَّهِ؟ قالَ: الَّذِي يَعْمَلُ لِلَّهِ تَعالى، لا يُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ النّاسُ عَلَيْهِ».

فَـ(أُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّفَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: المَعْهُودِينَ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم نِفاقٌ أصْلًا مُنْذُ آمَنُوا، والمُرادُ أنَّهم مَعَهم في الدَّرَجاتِ العالِيَةِ مِنَ الجَنَّةِ، أوْ مَعْدُودُونَ مَن جُمْلَتِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، فَيُساهِمُونَهم فِيهِ ويُقاسِمُونَهم.

صفحة 179

وفَسَّرَ أبُو حَيّانَ الأجْرَ العَظِيمَ بِالخُلُودِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ ها هُنا ما أُرِيدَ بِهِ فِيما قَبْلَهُ، واعْتِبارُ المُساهَمَةِ جَرى عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، ولَوْلا تَفْسِيرُ الآيَةِ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَها في ذِكْرِ أحْوالِ مَن تابَ مِنَ النِّفاقِ مَعْنًى ظاهِرٌ.

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى عَدَمِ اعْتِبارِها، والمُرادُ الإخْبارُ بِزِيادَةِ ثَوابِ مَن لَمْ يَسْبِقْ مِنهُ نِفاقٌ أصْلًا، وعُمِّمَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ لِيَشْمَلَ مَن لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنهُ نِفاقٌ، ومَن تَقَدَّمَ مِنهُ وتابَ عَنْهُ، والظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ، ورُسِمَ (يُؤْتِ) بِغَيْرِ ياءٍ، وهو مُضارِعٌ مَرْفُوعٌ فَحَقُّ يائِهِ أنْ تُثْبَتَ لَفْظًا وخَطًّا، إلّا أنَّها حُذِفَتْ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وجاءَ الرَّسْمُ تَبَعًا لِلَّفْظِ، والقُرّاءُ يَقِفُونَ عَلَيْهِ دُونَها اتِّباعًا لِلرَّسْمِ إلّا يَعْقُوبُ فَإنَّهُ يَقِفُ بِالياءِ؛ نَظَرا إلى الأصْلِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ الكِسائِيِّ، وحَمْزَةَ، ونافِعٍ، وادَّعى السَّمِينُ أنَّ الأوْلى اتِّباعُ الرَّسْمِ؛ لِأنَّ الأطْرافَ قَدْ كَثُرَ حَذْفُها.

An-Nisaa 4:146Listen in Qur'an →
147

مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًۭا

What would Allah do with your punishment if you are grateful and believe? And ever is Allah Appreciative and Knowing.

﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، وقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وضُعِّفَ، مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ مَدارَ تَعْذِيبِهِمْ وُجُودًا وعَدَمًا إنَّما هو كُفْرُهم لا شَيْءٌ آخَرُ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن ثَباتِهِمْ عِنْدَ تَوْبَتِهِمْ، و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلنَّفْيِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وقِيلَ: نافِيَةٌ، والباءُ سَبَبِيَّةٌ، وقِيلَ: زائِدَةٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَفْعَلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِسَبَبِ تَعْذِيبِكُمْ، أيَتَشَفّى بِهِ مِنَ الغَيْظِ؟! أمْ يُدْرِكُ بِهِ الثَّأْرَ؟! أمْ يَسْتَجْلِبُ نَفْعًا؟! أوْ يَسْتَدْفِعُ بِهِ ضَرَرًا؟! كَما هو شَأْنُ المُلُوكِ، وهو الغَنِيُّ المُطْلَقُ المُتَعالِي عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ، وإنَّما هو أمْرٌ يَقْتَضِيهِ مَرَضُ كُفْرِكم ونِفاقِكُمْ، فَإذا احْتَمَيْتُمْ عَنِ النِّفاقِ ونَقَّيْتُمْ نُفُوسَكم بِشَرْبَةِ الإيمانِ والشُّكْرِ في الدُّنْيا بَرِئْتُمْ وسَلِمْتُمْ، وإلّا هَلَكْتُمْ هَلاكًا لا مَحِيصَ عَنْهُ بِالخُلُودِ في النّارِ، وإنَّما قُدِّمَ الشُّكْرُ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ تَأْخِيرُهُ؛ لِأنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ إلّا بَعْدَ الإيمانِ لِما أنَّهُ طَرِيقٌ مُوصِلٌ إلَيْهِ في أوَّلِ دَرَجاتِهِ.

فَقَدْ ذَكَرَ العارِفُ أبُو إسْماعِيلَ الأنْصارِيُّ أنَّ الشُّكْرَ في الأصْلِ اسْمٌ لِمَعْرِفَةِ النِّعْمَةِ؛ لِأنَّها السَّبِيلُ إلى مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ، ولَهُ ثَلاثُ دَرَجاتٍ؛ لِأنَّهُ إذا نُظِرَ إلى النِّعْمَةِ كالرِّزْقِ والخَلْقِ يَنْبَعِثُ مِنهُ شَوْقٌ إلى مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ، وهَذِهِ الحَرَكَةُ تُسَمّى بِاليَقَظَةِ، والشُّكْرُ القَلْبِيُّ، والشُّكْرُ المُبْهَمُ؛ لِأنَّ مُنْعِمَهُ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ تَعْيِينُهُ، وإنَّما عُرِفَ مُنْعِمًا ما فَهو مُنْعِمٌ عَلَيْهِ، فَإذا تَيَقَّظَ لِهَذا وُفِّقَ لِنِعْمَةٍ أكْبَرَ مِنها، وهي المَعْرِفَةُ بِأنَّ المُنْعِمَ عَلَيْهِ هو الصَّمَدُ الواسِعُ الرَّحْمَةِ، المُثِيبُ، المُعاقِبُ، فَتَتَحَرَّكُ جَوارِحُهُ لِتَعْظِيمِهِ، ويُضِيفُ إلى شُكْرِ الجَنانِ شُكْرَ الأرْكانِ، ثُمَّ يُنادِي عَلى ذَلِكَ الجَمِيلِ بِاللِّسانِ ويَقُولُ:

أفادَتْكُمُ النَّعْماءَ مِنِّي ثَلاثَةٌ يَدِي ولِسانِي والضَّمِيرُ المُحَجَّبا

فالمَذْكُورُ في الآيَةِ هو الشُّكْرُ المُبْهَمُ، وهو مُقَدَّمٌ عَلى الإيمانِ، فَلا حاجَةَ إلى ما زَعَمَهُ الإمامُ مِن أنَّ الكَلامَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ: آمَنتُمْ وشَكَرْتُمْ. وأمّا القَوْلُ بِأنَّ هَذا السُّؤالَ إنَّما هو عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلتَّرْتِيبِ، وأمّا إذا لَمْ تَكُنْ لِلتَّرْتِيبِ فَلا سُؤالَ فَمِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ في عَلْمِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ؛ لِأنَّ الواوَ - وإنْ لَمْ تُفِدِ التَّرْتِيبَ - لَكِنَّ تَقْدِيمَ ما لَيْسَ مُقَدَّمًا لا يَلِيقُ بِالكَلامِ الفَصِيحِ، فَضْلًا عَنِ المُعْجِزِ، ولِذا تَراهم يَذْكُرُونَ لِما يُخالِفُهُ وجْهًا ونُكْتَةً.

وذَكَرَ النَّيْسابُورِيُّ وجْهًا آخَرَ في التَّقْدِيمِ، لَكِنَّهُ بَناهُ عَلى إفادَةِ الواوِ لِلتَّرْتِيبِ، فَقالَ: لَعَلَّ الوَجْهَ في ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ مَسُوقَةٌ في شَأْنِ المُنافِقِينَ، ولا نِزاعَ في إيمانِهِمْ ظاهِرًا، وإنَّما النِّزاعُ في بَواطِنِهِمْ وأفْعالِهِمُ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْهم غَيْرَ مُطابِقَةٍ لِلْقَوْلِ اللِّسانِيِّ، فَكانَ تَقْدِيمُ الشُّكْرِ ها هُنا أهَمَّ؛ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِ جَمِيعِ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى فِيما خُلِقَ لِأجْلِهِ حَتّى تَكُونَ أفْعالُهُ وأقْوالُهُ عَلى نَهْجِ السَّدادِ، وسُنَنِ الِاسْتِقامَةِ، انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّهُ …

An-Nisaa 4:147Listen in Qur'an →
148

۞ لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا

Allah does not like the public mention of evil except by one who has been wronged. And ever is Allah Hearing and Knowing.

صفحة 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ عَدَمُ مَحَبَّتِهِ سُبْحانَهُ لِشَيْءٍ كِنايَةٌ عَنْ غَضَبِهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالجَهْرِ، ومَوْضِعُ الجارِّ والمَجْرُورِ نَصْبٌ أوْ رَفْعٌ و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ السُّوءِ، والجَهْرُ بِالشَّيْءِ الإعْلانُ بِهِ والإظْهارُ كَما يُفْهَمُ مِنَ القامُوسِ، وفي الصِّحاحِ: جَهَرَ بِالقَوْلِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ هُنا الإظْهارُ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِرَفْعِ صَوْتٍ، أيْ: لا يُحِبُّ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُعْلِنَ أحَدٌ بِالسُّوءِ كائِنًا مِنَ القَوْلِ ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ أيْ: إلّا جَهْرَ مَن ظُلِمَ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَسْخُوطٍ عِنْدَهُ تَعالى، وذَلِكَ بِأنْ يَدْعُوَ عَلى ظالِمِهِ، أوْ يَتَظَلَّمَ مِنهُ، ويُذَكِّرَهُ بِما فِيهِ مِنَ السُّوءِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – وقَتادَةَ: هو أنْ يَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ.

وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ: لا يُحِبُّ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَذُمَّ أحَدٌ أحَدًا أوْ يَشْكُوَهُ ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَشْكُوَ ظالِمَهُ، ويُظْهِرَ أمْرَهُ، ويُذَكِّرَهُ بِسُوءٍ ما قَدْ صَنَعَهُ.

وعَنِ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ - وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – المُرادُ: لا يُحِبُّ اللَّهُ الشَّتْمَ في الِانْتِصارِ ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ فَلا بَأْسَ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ بِما يَجُوزُ الِانْتِصارُ بِهِ في الدِّينِ.

وجَوَّزَ الحَسَنُ لِلرَّجُلِ إذا قِيلَ لَهُ: يا زانِي أنْ يُقابِلَ القائِلَ لَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ رَجُلًا ضافَ قَوْمًا فَلَمْ يُطْعِمُوهُ، فاشْتَكاهُمْ، فَعُوقِبَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – وأُبَيٍّ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، وعَطاءٍ أنَّهم قَرَءُوا (إلّا مَن ظَلَمَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لَكِنَّ الظّالِمَ يُحِبُّهُ، أوْ لَكِنَّهُ يَفْعَلُ ما لا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعالى فَيَجْهَرُ بِالسُّوءِ، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِالإبْدالِ مِن فاعِلِ (يُحِبُّ) كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ إلّا الظّالِمُ، عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: ما جاءَنِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، بِمَعْنى: ما جاءَنِي إلّا عَمْرٌو، ومِنهُ ﴿لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللَّهُ﴾ وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ، وعَلَيْها يَقُولُ الشّاعِرُ:

عَشِيَّةَ ما تُغْنِي الرِّماحُ مَكانَها ولا النَّبْلُ إلّا المَشْرَفِيُّ المُصَمِّمُ

وقَدْ نَقَلَ هَذِهِ اللُّغَةَ سِيبَوَيْهِ، وأنْكَرَها البَعْضُ، وكَفى بِنَقْلِ شَيْخِ الصِّناعَةِ سَنَدًا لِلْمُثْبِتِ، ونُقِلَ عَنْ أبِي حَيّانَ أنَّهُ لَيْسَ البَيْتُ كالمِثالِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُتَخَيَّلُ فِيهِ عُمُومٌ عَلى مَعْنى السِّلاحِ، وأمّا زَيْدٌ فَلا يُتَوَهَّمُ فِيهِ عُمُومٌ، ولا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ إلّا عَلى أنَّ أصْلَهُ: ما جاءَنِي زَيْدٌ ولا غَيْرُهُ، فَحُذِفَ المَعْطُوفُ لِدَلالَةِ الِاسْتِثْناءِ، وكَذا الآيَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ، ورُدَّ - كَما قالَ الشِّهابُ - بِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّقْدِيرُ ما ذَكَرَهُ في المِثالِ لَكانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، والمَفْرُوضُ خِلافُهُ، وأنَّ المُرادَ - كَما يُفْهِمُهُ كَلامُ الطِّيبِيِّ - جَعْلُ المُبْدَلِ مِنهُ بِمَنزِلَةِ غَيْرِ المَذْكُورِ، حَتّى كَأنَّ الِاسْتِثْناءَ …

An-Nisaa 4:148Listen in Qur'an →
149

إِن تُبْدُوا۟ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا۟ عَن سُوٓءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّۭا قَدِيرًا

If [instead] you show [some] good or conceal it or pardon an offense - indeed, Allah is ever Pardoning and Competent.

﴿إنْ تُبْدُوا﴾ أيْ: تُظْهِرُوا ﴿خَيْرًا﴾ أيَّ خَيْرٍ كانَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، وقِيلَ: المُرادُ: (إنْ تُبْدُوا) جَمِيلًا حَسَنًا مِنَ القَوْلِ فِيمَن أحْسَنَ إلَيْكم شُكْرًا لَهُ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْكُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالخَيْرِ المالُ، والمَعْنى: إنْ تُظْهِرُوا التَّصَدُّقَ ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾ أيْ: تَفْعَلُوهُ سِرًّا، وقِيلَ: تَعْزِمُوا عَلى فِعْلِهِ ﴿أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ أيْ: تَصْفَحُوا عَمَّنْ أساءَ إلَيْكُمْ، مَعَ ما سُوِّغَ لَكم مِن مُؤاخَذَتِهِ، وأُذِنَ فِيها، والتَّنْصِيصُ عَلى هَذا مَعَ انْدِراجِهِ

صفحة 4

فِي ابْتِداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ - عَلى أحَدِ الأقْوالِ - لِلِاعْتِدادِ بِهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى مَنزِلَتِهِ، وكَوْنِهِ مِنَ الخَيْرِ بِمَكانٍ، وذِكْرُ إبْداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لَهُ، كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:

﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ فَإنَّ إيرادَ العَفْوِ في مَعْرِضِ جَوابِ الشَّرْطِ يَدُلُّ عَلى أنَّ العُمْدَةَ العَفْوُ مَعَ القُدْرَةِ، ولَوْ كانَ إبْداءُ الخَيْرِ وإخْفاؤُهُ أيْضًا مَقْصُودًا بِالشَّرْطِ لَمْ يَحْسُنِ الِاقْتِصارُ في الجَزاءِ عَلى كَوْنِ اللَّهِ تَعالى (عَفُوًّا قَدِيرًا) أيْ: يُكْثِرُ العَفْوَ عَنِ العُصاةِ مَعَ كَمالِ قُدْرَتِهِ عَلى المُؤاخَذَةِ، وقالَ الحَسَنُ: يَعْفُو عَنِ الجانِينَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، فَعَلَيْكم أنْ تَقْتَدُوا بِسُنَّةِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ الكَلْبِيُّ: هو أقْدَرُ عَلى عَفْوِ ذُنُوبِكم مِنكم عَلى عَفْوِ ذُنُوبِ مَن ظَلَمَكُمْ، وقِيلَ: (عَفُوًّا) عَمَّنْ عَفا (قَدِيرًا) عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِ، نَقْلَهُ النَّيْسابُورِيُّ وغَيْرُهُ.

An-Nisaa 4:149Listen in Qur'an →
150

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍۢ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍۢ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا۟ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا

Indeed, those who disbelieve in Allah and His messengers and wish to discriminate between Allah and His messengers and say, "We believe in some and disbelieve in others," and wish to adopt a way in between -

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: عَلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مَذْهَبُهُمْ، وتَقْتَضِيهِ آراؤُهُمْ، لا أنَّهم يُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ في الإيمانِ، بِأنْ يُؤْمِنُوا بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ويَكْفُرُوا بِرُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَكِنْ لا يُصَرِّحُونَ بِالإيمانِ بِهِ تَعالى وبِالكُفْرِ بِهِمْ قاطِبَةً، بَلْ بِطَرِيقِ الِالتِزامِ، كَما يَحِيكُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ أيْ: نُؤْمِنُ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ونَكْفُرُ بِبَعْضِهِمْ، كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابِ، وما ذَلِكَ إلّا كُفْرٌ بِاللَّهِ تَعالى وتَفْرِيقٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ؛ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ أمَرَهم بِالإيمانِ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أخْبَرَ قَوْمَهَ بِحَقِّيَّةِ دِينِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَمَن كَفَرَ بِواحِدٍ مِنهم فَقَدْ كَفَرَ بِالكُلِّ وبِاللَّهِ تَعالى أيْضًا، مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ ﴿ويُرِيدُونَ﴾ بِهَذا القَوْلِ ﴿أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيِ الإيمانِ والكُفْرِ ﴿سَبِيلا﴾ أيْ: طَرِيقًا يَسْلُكُونَهُ، مَعَ أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما قَطْعًا، إذِ الحَقُّ لا يَخْتَلِفُ (وماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ)؟!

هَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وهو الَّذِي تُؤَيِّدُهُ الآثارُ:

فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ فِيها: «أُولَئِكَ أعْداءُ اللَّهِ تَعالى اليَهُودُ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِالتَّوْراةِ ومُوسى، وكَفَرُوا بِالإنْجِيلِ وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وآمَنَتِ النَّصارى بِالإنْجِيلِ وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكَفَرُوا بِالقُرْآنِ ومُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فاتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، وهُما بِدْعَتانِ، لَيْسَتا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وتَرَكُوا الإسْلامَ، وهو دِينُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ، مِثْلَهُ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هُمُ الَّذِينَ خَلُصَ كُفْرُهُمُ الصِّرْفُ بِالجَمِيعِ، فَنَفَوُا الصّانِعَ - مَثَلًا - وأنْكَرُوا النُّبُوّاتِ، والَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ رُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ تَعالى وكَفَرُوا بِرُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ – لا عَكْسُهُ، وإنْ قِيلَ: إنَّهُ يُتَصَوَّرُ في النَّصارى لِإيمانِهِمْ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى حَيْثُ قالُوا: إنَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، والكُفْرُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ شامِلٌ لِلشِّرْكِ والإنْكارِ، إذْ لا يَخْفى ما فِيهِ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ ويَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِبَعْضِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وكَفَرُوا بِبَعْضِهِمْ كاليَهُودِ، فَهَذِهِ أقْسامٌ مُتَقابِلَةٌ، كانَ الظّاهِرُ عَطْفُها بِـ(أوْ) لَكِنْ أُتِيَ بِالواوِ بَدَلَها فَهي بِمَعْناها، وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ مُقَدَّرٌ بِناءً عَلى جَوازِ حَذْفِهِ مَعَ بَقاءِ صِلَتِهِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا) إلَخْ، عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (يَكْفُرُونَ) لِأنَّ هَذِهِ الإرادَةَ عَيْنُ الكُفْرِ …

An-Nisaa 4:150Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.