Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 131–140 of 176

131

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًۭا

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And We have instructed those who were given the Scripture before you and yourselves to fear Allah. But if you disbelieve - then to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allah Free of need and Praiseworthy.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَتَفَرَّقا﴾ يَقُولُ: وإنْ أبَتِ المَرْأةُ أنْ تَسْمَحَ لِزَوْجِها بِإيثارِ الَّتِي يَمِيلُ إلَيْها، واخْتارَتِ الفُرْقَةَ، فَإنَّ اللَّهَ يُغْنِي كُلَّ واحِدٍ مِن سَعَتِهِ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: يُغْنِي المَرْأةَ بِرَجُلٍ، والرَّجُلِ بِامْرَأةٍ. ثُمَّ ذَكَرَ ما يُوجِبُ الرَّغْبَةَ إلَيْهِ في طَلَبِ الخَيْرِ، فَقالَ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ يَعْنِي: أهْلُ التَّوْراةِ، والإنْجِيلِ، وسائِرِ الكُتُبِ ﴿وَإيّاكُمْ﴾ يا أهْلَ القُرْآَنِ ﴿أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ قِيلَ: وحِّدُوهُ ﴿وَإنْ تَكْفُرُوا﴾ بِما أوْصاكم بِهِ ﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فَلا يَضُرُّهُ خِلافُكم. وقِيلَ: لَهُ ما في السَّماواتِ، وما في الأرْضِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَهم أطْوَعُ لَهُ مِنكم. وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ (البَقَرَةِ) مَعْنى "الغَنِيُّ الحَمِيدُ"، وفي (آَلِ عِمْرانَ) مَعْنى "الوَكِيلُ" .

An-Nisaa 4:131Listen in Qur'an →
132

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَتَفَرَّقا﴾ يَقُولُ: وإنْ أبَتِ المَرْأةُ أنْ تَسْمَحَ لِزَوْجِها بِإيثارِ الَّتِي يَمِيلُ إلَيْها، واخْتارَتِ الفُرْقَةَ، فَإنَّ اللَّهَ يُغْنِي كُلَّ واحِدٍ مِن سَعَتِهِ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: يُغْنِي المَرْأةَ بِرَجُلٍ، والرَّجُلِ بِامْرَأةٍ. ثُمَّ ذَكَرَ ما يُوجِبُ الرَّغْبَةَ إلَيْهِ في طَلَبِ الخَيْرِ، فَقالَ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ يَعْنِي: أهْلُ التَّوْراةِ، والإنْجِيلِ، وسائِرِ الكُتُبِ ﴿وَإيّاكُمْ﴾ يا أهْلَ القُرْآَنِ ﴿أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ قِيلَ: وحِّدُوهُ ﴿وَإنْ تَكْفُرُوا﴾ بِما أوْصاكم بِهِ ﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فَلا يَضُرُّهُ خِلافُكم. وقِيلَ: لَهُ ما في السَّماواتِ، وما في الأرْضِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَهم أطْوَعُ لَهُ مِنكم. وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ (البَقَرَةِ) مَعْنى "الغَنِيُّ الحَمِيدُ"، وفي (آَلِ عِمْرانَ) مَعْنى "الوَكِيلُ" .

An-Nisaa 4:132Listen in Qur'an →
133

إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـَٔاخَرِينَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًۭا

If He wills, He can do away with you, O people, and bring others [in your place]. And ever is Allah competent to do that.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ (وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ) أطْوَعُ لَهُ مِنكم. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: هَذا تَهَدُّدٌ لِلْكُفّارِ، يَقُولُ: إنْ يَشَأْ يُهْلِكُكم كَما أهْلَكَ مَن قَبْلَكم إذْ كَفَرُوا بِهِ، وكَذَّبُوا رُسُلَهُ.

An-Nisaa 4:133Listen in Qur'an →
134

مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا

Whoever desires the reward of this world - then with Allah is the reward of this world and the Hereafter. And ever is Allah Hearing and Seeing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآَيَةَ نَزَلَتْ مِن أجْلِ المُنافِقِينَ كانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالقِيامَةِ، وإنَّما يَطْلُبُونَ عاجِلَ الدُّنْيا، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ. وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ مُشْرِكُو العَرَبِ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ لِيُعْطِيَهم مِن خَيْرِ الدُّنْيا، ويَصْرِفَ عَنْهم شَرَّهًا، ولا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ خَيْرَ الدُّنْيا والآَخِرَةِ عِنْدَهُ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ المُرادَ بِثَوابِ الدُّنْيا: الغَنِيمَةُ في الجِهادِ، وثَوابُ الآَخِرَةِ: الجَنَّةُ. قالَ: والمُرادُ بِالآَيَةِ: حَثُّ المُجاهِدِ عَلى قَصْدِ ثَوابِ اللَّهِ.

An-Nisaa 4:134Listen in Qur'an →
135

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًۭا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟ ۚ وَإِن تَلْوُۥٓا۟ أَوْ تُعْرِضُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

O you who have believed, be persistently standing firm in justice, witnesses for Allah, even if it be against yourselves or parents and relatives. Whether one is rich or poor, Allah is more worthy of both. So follow not [personal] inclination, lest you not be just. And if you distort [your testimony] or refuse [to give it], then indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ في سَبَبُ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنْ فَقِيرًا وغَنِيًّا اخْتَصَما إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَكانَ صَغْوُهُ مَعَ الفَقِيرِ يَرى أنَّ الفَقِيرَ لا يَظْلِمُ الغَنِيَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقِصَّةِ ابْنِ أُبَيْرِقٍ، فَهي خِطابٌ لِلَّذِينِ جادَلُوا عَنْهُ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. و "القِوامُ": مُبالَغَةٌ مِن قائِمٍ. و "القِسْطُ": العَدْلُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُونُوا قَوّالِينَ بِالعَدْلِ في الشَّهادَةِ عَلى مَن كانَتْ، ولَوْ عَلى أنْفُسِكم. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الكَلامِ: قُومُوا بِالعَدْلِ، واشْهَدُوا لِلَّهِ بِالحَقِّ، وإنْ كانَ الحَقُّ عَلى الشّاهِدِ، أوْ عَلى والِدَيْهِ، أوْ قَرِيبِهِ، ﴿إنْ يَكُنْ﴾ المَشْهُودُ لَهُ ﴿غَنِيًّا﴾ فاللَّهُ أوْلى بِهِ، وإنْ يَكُنْ ﴿فَقِيرًا﴾ فاللَّهُ أوْلى بِهِ. فَأمّا الشَّهادَةُ عَلى النَّفْسِ، فَهي إقْرارُ الإنْسانِ بِما عَلَيْهِ مِن حَقٍّ. وقَدْ أمَرَتِ الآَيَةُ بِأنْ لا يَنْظُرَ إلى فَقْرِ المَشْهُودِ عَلَيْهِ، ولا إلى غِناهُ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أوْلى بِالنَّظَرِ إلَيْهِما. قالَ عَطاءٌ: لا تَحِيفُوا عَلى الفَقِيرِ، ولا تُعَظِّمُوا الغَنِيَّ، فَتُمْسِكُوا عَنِ القَوْلِ فِيهِ. ومِمَّنْ قالَ: إنَّ الآَيَةَ نَزَلَتْ في الشَّهاداتِ، ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى، واتَّقُوا اللَّهَ أنْ تَعْدِلُوا عَنِ الحَقِّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: ولا تَتَّبِعُوا الهَوى لِتَعْدِلُوا، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّالِثُ: فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى كَراهِيَةَ أنْ تَعْدِلُوا عَنِ الحَقِّ. والرّابِعُ: فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى فَتَعْدِلُوا، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَلْوُوا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٍ، والكِسائِيُّ: تَلْوُوا، بِواوَيْنِ، الأُولى مَضْمُومَةٌ، واللّامُ ساكِنَةٌ.

وَفِي مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنْ يَلْوِيَ الشّاهِدُ لِسانَهُ بِالشَّهادَةِ إلى غَيْرِ الحَقِّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَلْوِي لِسانَهُ بِغَيْرِ الحَقِّ، ولا يُقِيمُ الشَّهادَةَ عَلى وجْهِها، أوْ يُعْرِضُ عَنْها ويَتْرُكُها. وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنْ يَلْوِيَ الحاكِمُ وجْهَهُ إلى بَعْضِ الخُصُومِ، أوْ يُعْرِضُ عَنْ بَعْضِهِمْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنْ يَلْوِيَ الإنْسانُ عُنُقَهُ إعْراضًا عَنْ أمْرِ اللَّهِ لِكِبْرِهِ وعُتُوِّهِ.

وَيَكُونُ: "أوْ تُعْرِضُوا" بِمَعْنى: وتُعْرِضُوا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ: "تَلُوا" بِواوٍ واحِدَةٍ، واللّامُ مَضْمُومَةٌ. والمَعْنى: أنْ تَلُوا أُمُورَ النّاسِ، أوْ تَتْرُكُوا، فَيَكُونُ الخِطابُ لِلْحُكّامِ.

An-Nisaa 4:135Listen in Qur'an →
136

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا

O you who have believed, believe in Allah and His Messenger and the Book that He sent down upon His Messenger and the Scripture which He sent down before. And whoever disbelieves in Allah, His angels, His books, His messengers, and the Last Day has certainly gone far astray.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وأسَدًا، وأُسِيدَ ابْنَيْ كَعْبٍ، وثَعْلَبَةَ بْنَ قَيْسٍ، وسَلامًا، وسَلَمَةَ، ويامِينَ. وهَؤُلاءِ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ نُؤْمِنُ بِكَ، وبِكِتابِكَ، وبِمُوسى، والتَّوْراةِ، وعُزَيْرٍ، ونَكْفُرُ بِما سِوى ذَلِكَ مِنَ الكُتُبِ والرُّسُلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ اليَهُودِ كَلامٌ لَمّا أسْلَمُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.

وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ، قالَهُ الحَسَنُ، فَيَكُونُ المَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آَمَنُوا بِمُحَمَّدٍ والقُرْآَنِ، اثْبُتُوا عَلى إيمانِكم.

والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ الضَّحّاكُ، فَيَكُونُ المَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آَمَنُوا بِمُوسى، والتَّوْراةِ، وبِعِيسى، والإنْجِيلِ: آَمِنُوا بِمُحَمَّدٍ والقُرْآَنِ.

والثّالِثُ: المُنافِقُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آَمَنُوا في الظّاهِرِ بِألْسِنَتِهِمْ، آَمِنُوا بِقُلُوبِكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "نَزَلَ" عَلى رَسُولِهِ، والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ، مَضْمُومَتَيْنِ.

وَقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: نَزَلَ عَلى رَسُولِهِ، والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مَفْتُوحَتَيْنِ. والمُرادُ بِالكِتابِ: الَّذِي نَزَلَ عَلى رَسُولِهِ القُرْآَنُ، والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ: كُلُّ كِتابٍ أُنْزَلَ قَبْلَ القُرْآَنِ، فَيَكُونُ "الكِتابُ" هاهُنا: اسْمُ جِنْسٍ.

An-Nisaa 4:136Listen in Qur'an →
137

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًۭا لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًۢا

Indeed, those who have believed then disbelieved, then believed, then disbelieved, and then increased in disbelief - never will Allah forgive them, nor will He guide them to a way.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها في اليَهُودِ آَمَنُوا بِمُوسى، ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَ مُوسى، ثُمَّ آَمَنُوا بِعُزَيْرٍ، ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَهُ بِعِيسى، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: آَمَنُوا بِمُوسى، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِبادَةِ العِجْلِ، ثُمَّ آَمَنُوا بِهِ بَعْدَ عَوْدِهِ، ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَهُ بِعِيسى، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ.

والثّانِي: أنَّها في اليَهُودِ والنَّصارى، آَمَنَ اليَهُودُ بِالتَّوْراةِ، وكَفَرُوا بِالإنْجِيلِ، وآَمَنَ النَّصارى بِالإنْجِيلِ، ثُمَّ تَرَكُوهُ فَكَفَرُوا بِهِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِالقُرْآَنِ وبِمُحَمَّدٍ، رَواهُ شَيْبانُ عَنْ قَتادَةَ. ورُوِيَ عَنِ الحَسْنِ قالَ: هم قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، قَصَدُوا تَشْكِيكَ المُؤْمِنِينَ، فَكانُوا يَظْهَرُونَ بِالإيمانِ ثُمَّ الكُفْرِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِثُبُوتِهِمْ عَلى دِينِهِمْ. وقالَ مُقاتِلٌ: آَمَنُوا بِالتَّوْراةِ ومُوسى، ثُمَّ كَفَرُوا مِن بَعْدِ مُوسى، ثُمَّ آَمَنُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، ثُمَّ كَفَرُوا مِن بَعْدِهِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ والقُرْآَنِ.

والثّالِثُ: أنَّها في المُنافِقِينَ آَمَنُوا، ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ. قالَهُ مُجاهِدٌ. ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ قالَ: ثَبَتُوا عَلَيْهِ حَتّى ماتُوا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ما أقامُوا عَلى ذَلِكَ ﴿وَلا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾ أيْ: لا يَجْعَلُهم بِكُفْرِهِمْ مُهْتَدِينَ. قالَ: وإنَّما عَلَّقَ امْتِناعَ المَغْفِرَةِ بِكُفْرٍ بَعْدَ كُفْرٍ، لِأنَّ المُؤْمِنَ بَعْدَ الكُفْرِ يُغْفَرُ لَهُ كُفْرُهُ، فَإذا ارْتَدَّ طُولِبَ بِالكُفْرِ الأوَّلِ.

An-Nisaa 4:137Listen in Qur'an →
138

بَشِّرِ ٱلْمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا

Give tidings to the hypocrites that there is for them a painful punishment -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾ زَعْمَ مُقاتِلٌ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ المَغْفِرَةُ في (سُورَةِ الفَتْحِ) لِلنَّبِيِّ والمُؤْمِنِينَ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ونَفَرٍ مَعَهُ: فَما لَنا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

وَقالَ غَيْرُهُ: كانَ المُنافِقُونَ يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ، فَأُلْحِقُوا بِهِمْ في التَّبْشِيرِ بِالعَذابِ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآَيَةِ: اجْعَلْ مَوْضِعَ بِشارَتِهِمُ العَذابَ. والعَرَبُ تَقُولُ: تَحِيَّتُكَ الضَّرْبُ، أيْ: هَذا بَدَلٌ لَكَ مِنَ التَّحِيَّةِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ وخَيْلٌ قَدْ دَلَفَتْ لَها بَخِيلٍ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ

An-Nisaa 4:138Listen in Qur'an →
139

ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًۭا

Those who take disbelievers as allies instead of the believers. Do they seek with them honor [through power]? But indeed, honor belongs to Allah entirely.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَتَّخِذُونَ اليَهُودَ أوْلِياءَ في العَوْنِ والنُّصْرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ أيِ: القُوَّةُ بِالظُّهُورِ عَلى مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، والمَعْنى: أيُتَّقَوْنَ بِهِمْ؟ قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ أعانُوا مُشْرِكِي العَرَبِ عَلى قِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ الزَّجّاجُ: أيَبْتَغِي المُنافِقُونَ عِنْدَ الكافِرِينَ العِزَّةَ.

وَ "العِزَّةُ": المَنعَةُ، وشِدَّةُ الغَلَبَةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: أرْضُ عِزازٍ. قالَ الأصْمَعِيُّ: "العِزازُ": الأرْضُ الَّتِي لا تَنْبُتُ. فَتَأْوِيلُ العِزَّةِ: الغَلَبَةُ والشِّدَّةُ الَّتِي لا يَتَعَلَّقُ بِها إذْلالٌ. قالَتِ الخَنْساءُ:

؎ كَأنْ لَمْ يَكُونُوا حِمًى يُتَّقى إذِ النّاسُ إذْ ذاكَ مَن عَزَّ بَزّا

أيْ: مَن قَوِيَ وغَلَبَ سَلْبَ. ويُقالُ: قَدِ اسْتَعَزَّ عَلى المَرِيضِ، أيِ: اشْتَدَّ وجَعُهُ. وكَذَلِكَ قَوْلُ النّاسِ: يَعِزُّ عَلَيَّ أنْ يَفْعَلَ، أيْ: يَشْتَدُّ، وقَوْلُهُمْ: قَدْ عَزَّ الشَّيْءُ: إذا لَمْ يُوجَدْ، مَعْناهُ: صَعُبٌ أنْ يُوجَدَ، والبابُ واحِدٌ.

An-Nisaa 4:139Listen in Qur'an →
140

وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا۟ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ ۚ إِنَّكُمْ إِذًۭا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْكَٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا

And it has already come down to you in the Book that when you hear the verses of Allah [recited], they are denied [by them] and ridiculed; so do not sit with them until they enter into another conversation. Indeed, you would then be like them. Indeed Allah will gather the hypocrites and disbelievers in Hell all together -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ وقَرَأ عاصِمٌ، ويَعْقُوبُ: "نَزَلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزَّأْيِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِمْ في النَّهْيِ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ. قَوْلُهُ في [الأنْعامِ: ٦٨] ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وكانَ المُنافِقُونَ يَجْلِسُونَ إلى أحْبارِ اليَهُودِ، فَيَسْخَرُونَ مِنَ القُرْآَنِ ويُكَذِّبُونَ بِهِ، فَنَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ. وآَياتُ اللَّهِ: هي القُرْآَنُ. والمَعْنى: إذا سَمِعْتُمُ الكُفْرَ بِآَياتِ اللَّهِ، والِاسْتِهْزاءَ بِها، فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَأْخُذُوا في حَدِيثٍ غَيْرِ الكُفْرِ، والِاسْتِهْزاءِ. (إنَّكُمْ) إنْ جالَسْتُمُوهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ، فَأنْتُمْ (مِثْلُهُمْ) وفي ماذا تَقَعُ المُماثَلَةُ، فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: في العِصْيانِ. والثّانِي: في الرِّضى بِحالِهِمْ، لِأنَّ مُجالِسَ الكافِرِ غَيْرُ كافِرٍ. وقَدْ نَبَّهَتِ الآَيَةُ عَلى التَّحْذِيرِ مِن مُجالَسَةِ العُصاةِ. قالَ إبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ: إنَّ الرَّجُلَ لِيَجْلِسُ في المَجْلِسِ فَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ، فَيُرْضِي اللَّهَ بِها، فَتُصِيبُهُ الرَّحْمَةُ فَتَعُمُّ مِن حَوْلِهِ، وإنَّ الرَّجُلَ لِيَجْلِسُ في المَجْلِسِ، فَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ، فَيُسْخِطُ اللَّهَ بِها، فَيُصِيبُهُ السُّخْطُ، فَيَعُمُّ مِن حَوْلِهِ.

An-Nisaa 4:140Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.